العلاقة الزوجية, بين النعمة والخطيئة / رمزية عبدالله فندي

                                                                                                                                  

 

العلاقة الزوجية, بين النعمة والخطيئة 
  رمزية عبدالله  فندي

العلاقة الزوجية, بين النعمة والخطيئة صوت من الأعالي يملئ البراري ويعلن .... " ليكُن رجلٌ وامرأة ... أسماهما آدمُ وحوّاء " أنطلق الحق في المعمورة معلناً بداية تكوين أول ثنائي منسجم متآلف .... من التُرابِ والطين الأحمر،والدم ِ والمرارة... ومن سرّ الكون ، جبل آدمُ وحواء ... وحلّت فيهما نشمثا بقدرة ملك النور ... نهض آدم على رجليه ، وسجدَ وسبحَ للأثريّ الذي فتح عينيه ، ثم تطلع إلى حواء ، وتطلعت إليه ، فخجلَ وخجلت : قال رسول النور هيبل زيوا : غطوا لهما سوء يتهما . من هنا بدأت أول حياة واعية تجوب ارض المعمورة " آدم وحواء " عرف الاثنان بعضهما وبالحق سيكونان واحد ، عُمل لهما عرساً بهياً ، هيئوا مستلزمات العريس، الملابس البيضاء النقية والهميانة والإكليل البهيج ، وأقاموا الأفراح ، وحلت عليهم نعم وبركات العظماء ، من ضوء ونور وكمال ، الكل أهدى من نعمه للعريس ، من صاحب السلاح أهدت له القوة ومن الأديب الحكيم حلت عليه الحكمة ، والعروس لها نفس الاهتمام ، فهي تفرح فرح عظيم لهذا البهاء الذي أُقيم لها ، ولإكليلها البهيج الذي سينير مظهرها وسيقومَها ، ويبارك قران الحب الأبدي في هذه المعمورة الزائلة. لقد سرت قرب زوجين مرتبطين من هذا العالم جئت وفتحت ماء الحياة وسقيت الزوجين المرتبطين من هذا العالم وزرعت فيهم الحمل والولادة وبعثت فيهم الشهوة والمحبة ولكليهما وضعت سريرا بالحق وفرشت لهم الأوراق التي كانت من الأشجار وهناك عاشا سعيدين أنا الرسول هيبل زيوا مثلما أوصاني آبائي عملت وأتقنت . ومنذ ذلك الحين والبشر منذور لحصوله على تلك السعادة الزوجية، الزواج المندائي , مفهوم واسع ورحب ينتقل من الروح إلى الجسد ، مفهوم روحي وديني واجتماعي في آن ٍ واحد ، روحي, يحمل في ثناياه قبسات من عوالم النور ، وديني يدخل في صميم فكرة العقيدة المندائية ، واجتماعي لكونه علني يتم بوجود الأهل والأقارب, وأمام الجمع يأخذ العروسان القسم من رجل الدين على أن لا ينكثوا العهد, ولا ينفصلوا حتى تنتهي أعمارهم, فتخرج الفرحة متجاوزة الذات الفردية إلى الجماعة وتكوّن معهم صلة محبة وفرح . جدلية الصراع بين النقيضين قائم في عالمنا الدنيوي ، و تدخل في جميع مجالات حياتنا ، لكوننا بشر متناقض بطبيعة الكينونة ، فقانون عالم النور يسري فينا وعلينا على أساس جوهرنا الكوني ، وعلى أساس المادة التي تـُغلفنا تسلطت علينا رغبات وغايات الدنيا ، والعلاقة الزوجية هي أحدى حلبات الصراع بها تمتحن الإرادة, النور يريد لهذه العلاقة أن ترتقي بالعقل والحكمة والمحبة و يترقب نتاجها من شتلات طيبات تغرس في الدنيا الخربة لتعمرها، والضد المتمثل بقطب الظلام والذي يرمز إليه بالروها يحاول دائما أن يحرف سلوك الوعي وإيقاعه في شباك الخطيئة والرذيلة ، حينَ كان آدم وكانت حواء ، نزلت الروهة ُ الشّوهاء ، حاملة ً إلى الأرض كلّ ما يـُطفئ الضياء ، قالت : لأغرقن آدم وحواء في الآثام ، ولاجعلنـّهما يقترفان ِ الحرام . قد يتراءى هنا مفهوم الثنائية : حيث النور هو الطاقة الفاعلة والإرادة الايجابية وما تحمله من معاني التحرر والخلاص , بينما الظلام وما يعنيه من عبودية وقيود, هو مادة كثيفة ميتة لاوعي لها, وإرادة سالبة تقف ضد الحركة والفعل, وبمجرد وضع تفسير لهذه المعضلة الجدلية سنفسح المجال لبروز الثنائية , وهذا غير مقبول أبداً في الحكمة المندائية التي لا تعترف فعليا بوجود ثنائي ضد , لسبب أن الظلام لا حقيقة له ," الظلام على النور لا يحتسب ــ الدار المظلمة لا تنير , والمياه العكرة لا تبتهج , الظلام لا يتسع وساكنه مجبولٌ جبلا , وكل ما ينتج عنه باطل " القول هنا إن الظلام غير موجود أي أن وجوده ظاهري وشكلي فحسب, حينما ننظر إلى المرآة لا نرى عمقنا بل صورة شكلنا الخارجي الذي يرمز لهيئتنا الآدمية ؛ النور/ هو الحقيقة والقوى الفاعلة والمحركة منذ الأزل ودائم التجدد والعمل, وبحال تحرر الإنسان بوعيه وحكمته من العبودية والأفكار السيئة ومن رغبات وشهوات الدنيا ومن انغلاقه على الأنا الفردية , سيتلاشى الظلام ويختفي من حوله, ويتأكد صاحب التجربة أن الظلام غير موجود أو وجوده ظاهري وشكلي فقط , هل بالإمكان أن تـُفهم تلك النوايا والخطط اللعينة التي تدفع بالإنسان إلى التعاسة والفشل وإطفاء بريق حياته ؟ هذا يتوقف على نوع الإرادة ومدى قوتها, وبتالي تعكس أعماق الروح ومدى إيمانها وتقبلها واقع الحياة بكل قناعة ورضى , فمما لاشك فيه أن المصير قائم بالإرادة لا غير. الزواج يعني بلوغ مرحلة النضوج النفسي والجسدي ,هو مرحلة من مراحل تطور الحياة ,لابد أن يخوضها كل كائن حيّ، جميع المخلوقات نتاج ثنائي منسجم هما القطبان الأنثوي والذكري ولا يوجد ثمة مخلوق بصورة فردية من جنس واحد، أذن في كل رجل تكمن امرأة ، وفي كل امرأة يكمن رجل ، احدهما يكمل الأخر والمندائية بشكل خاص, تعتبر الزواج واجب مهم من الواجبات الدينية ,بالزواج تـُتم فكرة العقيدة المندائية، لذا نجدها تحرم العزوبية والرهبنة ( أيـُها الرجال ُ العازفون عن النساء ... أيتها النساء العازفاتُ عن الرجال ... هل وقفتم على ساحل البحر يوماً ؟ هل نظرتم إلى السمك كيف يسبح أزواجاً ؟ ) ، رغم أن الزواج المندائي يمتاز بطقوس روحانية مقدس, لكنه لا يحقق وجوده ويثمر من غير الملامسة الجسدية، خلافاً لزيجات الملائكة والأثري, بمعنى أن الزواج هنا , يشق طريقة من الحياة الروحية إلى الموت في الجسد, حيث أن بالملامسة الجسدية يدخلا مجال الظلام وتأثيراته, وبه يسكت الذهن لأنه ابتعد عن الوعي, أي دخل حالة الفناء المؤقت ، والإنسان جزء من هذا الكون يشاركه الحركة المستمرة , والحكمة المندائية تشير لهذه الحركة الكونية برمز الحلقة الدائرية, والتوقف يعني الموت والفناء أو بأقل تقدير تعني الخطيئة والدنس. يعتبر الأسبوع الأول من الزواج ، أسبوع التحدي من قبل الروها تبدأ تحوم حول العريسين، لتبرز أعمالها, وغايتها هو أنزال الزواج من عرش كماله ونقائه ، لكن قوى النور أبت أن تتخلى عن أكمال العمل الذي بدأته ،أوجدت الوسيلة الروحانية التي بها يعالج خطأ النزولية المسمى "بسورثا الزواج ", وهي المصبتا أي التعميد بعد أسبوع الزواج ,التي بها ومن خلال الماء الجاري يقوم الزواج قيامة طاهرة أبدية . آدم عرف حواء بالرغبة الجنسية التي زرعت في جسديهما وبها يدخلا مجال الفناء ليختليا مع بعضيهما, لهذا صار التطهير بالماء واجب ديني وأخلاقي عند كل معاشرة مع قراءة نص ديني خاص لهذا الغرض ، ( إذ تقتربون أزواجكم اغتسلوا وطهروا أجسادكم بالماء) (الذين يذهبون إلى الأسواق والشوارع ولا يقيمون الاغتسال الديني, سوف يسألون بجانب قدور من الماء المغلي ). لماذا الحث على التطهير والاغتسال بالماء ؟ ولماذا يصحبه قراءة بوثا أي نص ديني ؟ لو عـُدنا بمعنى الماء ( السائل الكوني ) إلى أصل مفهومه الناصورائي , ستتضح المعرفة أكثر, حيث انه يحمل مفهوم الطاقة الحية التي منها خرجت الحياة وبها نحيا ونقوم, وأما قراءة النص الديني, يمثل مفهوم الكلمة وسرها العظيم الذي توجه الطاقة الحية لهذا الغرض . هناك بعض التصرفات الأخرى يمكن أن تهبط بالزواج المندائي إلى درجة الخطيئة وتطفئ بريق ضوئه أهمها : ـــ التقاعس عن الإنجاب,( أثمروا إن أرتم أن تصعدوا حيث النور) يعتبر الإنجاب أحدى أسرار الزواج به تفتح نافذة الاتصال بين عالمنا وعالم النور, ثماراً من عالم النور تنادي الحق في الظلام ، وتستقر الحياة داخل الموت, بالإضافة لكون الإنجاب يحقق حضور الزواج ويطوره إلى مرحلة ألأبوة والأمومة وبه يستمر انبعاث الحياة, ومن دون الزواج لم يكن هناك بذوراً تبذر ولا حصاداً يحصد . لا تكونوا كالنبتِ الرديء ... يشربُ الماء ولا يعطي الثمر. لا تكونوا كالذين يكرهون الحياة فيعزفون عن الإنجاب فيها . أثمروا إن أرتم أن تصعدوا حيث النور . ـــ الزنا, ( لا تخونوا عهدكم ), من كبائر الرذيلة التي تحذر منها تعاليم الكنزا ربا كثيراً, تحط من العلاقة الزوجية,تحرق صاحبها دون الانتباه بأنه يحترق , تقضي على مستقبل العائلة وإذا استمر بمغامراته المحرمة سيشعر شيئاً فشيئاً ,أنه مقيد ومتعلق بها , سيفقد حريته وإرادته , وهذا يقوده إلى الدمار والفشل وفقدان بريق زواجه , وخفة طلته وعلاقته مع أطفاله , تتعطل إرادته وقواه العقلية فينصاع إلى حتفه طائعاً بخنوع . تحذير مندادهيي للمؤمنين / ... ولتكُن أيامٌ وشهور, ينجبونَ عدداً من الإناث والذكور, لا احدَ منهم يصعدُ الى النور ... وأعدّت الروهة ُ طبلاً ومزمارا, وجواري أقمارا, ثيباً وابكارا, وجواهِرَ نثارا, وموائد كِثارا, وخمراً أنهارا,... فمن قلت مروءته فيكم, سقط في حبائلها, وصار من قبائلها, عندها يخسرُ الضوء والنور, ويربحُ النار والديجور, ويبقى معذباً أبدَ الدّهور . والزنا, هو أحدى بوابات الظلام له قدرة الإغواء وجذب ضحيته وإيقاعها في شباكه, بالغناء والسكر والأجساد, إنهن جميلات كالزهور يسبلن العقول والشعور , وخلف قناع الزهور تختبئ العقارب المسحورة, تحمل الموت في لدغتها الأولى فتصبح الضحية عبيدة عندها . ـــ العمل الأخر الذي يقضي تماماً على الزواج, وتعاليم الخالق تنهي الأقدام عليه نهياً قاطعاً, هو التفريق أو الطلاق, لأنه لا يهدم الأسرة ويترك تأثير سلبي على المجتمع المندائي فحسب, بل ومن الناحية الدينية يَـقدِم إلى هدم الفكرة المخطط لها منذ الأزل , ( لا ينفصل بعضكم عن بعض حتى تنتهي أعماركم ) . العلاقة الزوجية هي التي تحدد مصيرها, أما أن ترتقي بها إلى مرتبة السمو والطهارة , أو تهبطها إلى قاع الظلام, بعد أن تنحرف عن المسار السليم وتحل الخطيئة محل النعمة , أذن كم يتوجب الحرص والانتباه على أن تكون علاقة ناجعة بكل المقاييس , ( إذا اتخذتم لأنفسكم أزواجاًً فاختاروا من بينكم وأحبوهنّ, وليحفظ أحدكم الآخر, واعتنوا بعضكم ببعض عناية العيون بالأقدام )... نعم, المحبة التي تنادي بها الحكمة المندائية بين الزوجين, تعني الثقة والإخلاص والوعي والانسجام, عنصر مهم لديمومة الحياة, من خلالها يدرك الإنسان قيمة حياته ؛ ( كلُ من يولدُ يموت ) مات الزوجان المنسجمان " آدم وحواء ", ولكن بالمحبة اتحدى وبقيا خالدان في النور, وبذريتهما على الأرض أحياء . مفهوم الحياة الزوجية تحتوي على تعاليم كبيرة وعبر عظيمة وبمجرد التعبير عن فكرتها يتطلب كتابة مجلدات كثيرة .

القراءة مستوحاة من :

* الكنزا ربا المبارك

* ديوان أباثر المبارك

* كتاب ترانيم الزواج القلستا المبارك

تحيات رمزية عبدالله فندي