المرجعية المندائية.... حقيقة ام وهم / نـــزار يـاســـر الحيـــدر

                                                                                                       

المرجعية المندائية.... حقيقة ام وهم   ؟؟؟
 
بقلم : نـــزار يـاســـر الحيـــدر
 
كما هو معروف لم يكن للصابئة المندائيين تأريخ مثبت وموثق خلال مسيرة هذه الطائفة العريقة للاسف الشديد الا ما ندر خاصة وان القليل الذي كتب عنهم جاء بأقلام غير مندائية !!، فلم تشر هذه الكتابات عن اي كيان او دولة او تنظيم اداري بأبسط المعاني قد تشكل لهم!! ، وهذا يعزيه الباحثون الى طبيعة هذا الدين الغارق بنكران الذات على حساب ابنائه الذين يكرسون كل حياتهم ليمارسوا طقوسهم اثناء حياتهم كي يكسبون رضى الحي العظيم ولكي تعود نشمثا المندائيين الى مكانها الحقيقي بعد الولادة الثانية ( الموت ) معتبرين ان الحياة ماهي الا سفرة قصيرة جدا قياسا بالحياة الابدية السرمدية للنشمثا قرب عالم الانوار ، فالمندائيون زاهدون بالحياة لايطمعون بشيء لانها زائلة ولا يطمع المندائي بأي مغانم مادية !!! .
ولكي نحصر مانريد توضيحه للاخوة المندائيين ونعطي سقف زمني لآخر مائة سنة من التاريخ الحديث اي تقريبا الفترة المحصورة بين عامي 1911 لغاية 2011 اي نهاية الاستعمار العثماني للعراق وسقوط الدولة العثمانية وما انتجه هذا الاستعمار من كوارث وتخلف واضطهاد لمستعمراته وخاصة الاقليات اغير المسلمة التي تعيش في مستعمراته جنبا الى جنب مع المسلمين ، وسقوط آخر حكومة جمهورية عام 2003 على ايدي الغزاة الاميركان وتنصيب حكومة ثيو قراطية دينية موالية لايران كانت السبب الرئيس بتهجير المندائيين وافراغ العراق من جزء من سكانه الاصليين ليعرضوهم الى اكبر كارثة تهددهم بالانقراض والتشتت .
لم يعرف المندائيون تشكيل اي قيادات مدنية او دينية على مستوى الهيئات خلال القرن الماضي حتى بداية السبعينات بعد تشكل هيئة التولية التي اختيرت اختيارا وكانت مسؤولياتها محدودة جدا وتعتبر اول تشكيل مدني للطائفة ،لقد تطورت هذه القيادات خلال الاربعين سنة الماضية اذ تشكل المجلس الروحاني الاعلى في ثمانينات القرن الماضي وفي منتصف تسعيناته تشكلت مجالس الطائفة ( العموم ، الشؤون ، الروحاني ) ومنها تشعبت هذه الهيئات وافرزت مؤسسات ثقافية وادارية وتعليمية واجتماعية توسعت على مستوى محافظات العراق التي يتواجد بها المندائيون ثم توسعت بعد موجة الهجرة الى خارج العراق وانتشرت هذه الهيئات على اكثر من عشرين دولة وبهيئات متعددة لكل دولة . اما القيادة الدينية فكانت قيادة عائلية وبالتحديد والمعنى الادق قيادة فردية ، فكانت هذه القيادات محصورة في بيوتات معينة معروفة تفرض هيمنتها وكلمتها على رقعة جغرافية محددة تحيط بها وكانت حدود هيمنتها تقتصر على اجراء الطقوس الدينية المندائية التي لايزيد عددها على اصابع اليدين الاثنتين ومما عزز فرض احترام المندائيين لرجال الدين المشمولين بهذه الرقعة الجغرافية هي قناعة المندائيين بصدق رجال الدين المحيطين بهم وعادة ما يكونوا يحسنون القراءة والكتابة في مجتمع تنتشر به الامية والفقر وضعف الثقافة فكان رجال الدين ملاذا معرفيا لهم اضافة الى ما يحمله رجال الدين من تاثير سايكولوجي ورهبة وتأثير روحاني عليهم كما ان العلا قات الاجتماعية بين المندائيين تتمحور عادة برجال الدين فرجل الدين يعرف ويحفظ انساب المندائيين واسماء الآباء والاجداد والامهات ويحفظ سلوكياتهم الاجتماعية لدوافع مرتبطة بالطقوس الدينية والتناسب وحفظ السلالات الدينية . لقد استمرت هيمنة رجال الدين في العراق وايران بين هذه العوائل فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت ايران تستحوذ عليها عائلة طاووسي الكحيلي كأبرز عائلة دينية في ايران والمدن التي يتواجد فيها المندائيون مثل ( الاهواز والخفاجية وشيشتر ..وغيرها ) . وكانت عائلة الشيخ سام تهيمن على مندى قلعة صالح وكانت لها علاقات جيدة مع عائلة طاووسي في ايران وكان الشيخ دخيل الشيخ عيدان يفرض هيمنته على الناصرية وما جاورها وهو يرتبط ببيت الشخ سام بصلة القربى والتعاون معهم اما البصرة فكان الشيخ نجم الشيخ زهرون وابنه الشيخ عبدالله مهيمنا عليها . وبعد هجرة المندائيين الى بغداد نهاية الاربعينات انتقلت عائلة الشيخ سام والشيخ داخل الى بغداد واستقروا بها وكانت تجرى الطقوس الدينية في بيوتهم الواقعة قرب نهر دجلة في الكريمات / الكرخ والشيخ دخيل في الدورة / المهدي وسخروا بيوتهم لتكون مقرات للمندائيين لاجراء الطقوس والتباحث بامور الطائفة البسيطة آنذك .
 
لقد استمرت الامور على هذا الحال حتى بداية الثمانينات حيث انتقلت نشمثا رجال الدين وبشكل متقارب وشبه جماعي الى الحي العظيم ابتداء من المغفور له الشيخ دخيل مرورا بالشيخ عبدالله سام واخوانه حتى استيقض المندائيون في يوم من الايام فوجدوا ان لارجل دين في بغداد !!!؟ بسبب وفاتهم ، ما اضطر المندائيون ومجلس التولية ومن يحيطون بهم ووجهاء الطائفة الى استدعاء الشيخ عبدالله الشيخ نجم ليستقر في بغداد خاصة وان الحرب العراقية الايرانية قد استعر أوارها وبدأت مدينة البصرة تقصف من قبل المدفعية الايرانية وهرب منها اهلها ومنهم المندائيون فكانت فرصة لكي ينتقل الشيخ عبدالله الشيخ نجم ويستقر في بغداد وعائلته وكان ان يصادف انتقاله بان تقوم الطائفة ببناء مندي القادسية ويجاوره بيت لرئيس الطائفة فسكن بعد انتقاله باشهر في هذا الدار المجاورللمندى وانجز بناء المندى وباحلى حلة بعد ان تم استملاك الدار الذي اشترته الطائفة في الدورة / المهدي والذي كان مندى لهم وتم هدمه وتعويض الطائفة بدلا عنه وكان في وقتها انجازا كبيرا جاء نتاج تعاون وتظافر المندائيين في بغداد ببناءه بعد حملة تبرعات سخية انجزت بناءه وتاثيثه عندها كان هذا المندى المبارك النواة لتاسيس قيادة للطائفة تتناسب مع الوضع الجديد لها .
لقد استمر المجلس الروحاني الاعلى بعمله في بغداد من منتصف الثمانينات وحتى منتصف التسعينات وكان يختار عدده الذي يصل الى اكثر من عشرين عضوا الشيخ عبد الله الشيخ نجم رئيس الطائفة بموجب المرسوم الجمهوري الذي ينص على ( يعين الشيخ عبد الله الشيخ نجم رئيسا روحانيا لطائفة الصابئة المندائيين في العراق.... على الوزراء تنفيذ هذا المرسوم .... صدام حسين رئيس جمهورية العراق ) وقد ساعده في اصدار هذا المرسوم وزير الاوقاف آ نذك عبدالله فاضل الذي يحتفظ بعلاقة صداقة واحترام للشيخ عبد الله الشيخ نجم عندما كان محافظا للبصرة .
لقد كان المرحوم الشيخ عبد الله الشيخ نجم رئيسا مطلق الصلاحيات للطائفة يستطيع ان يعين ويعزل من يشاء من اعضاء المجلس الروحاني الاعلى وكان منفردا في قراراته لكن يسجل له انه كان منفتحا على ما جرى على الطقوس المندائية محاولا جهد الامكان تذليل الصعاب وتيسير هذه الطقوس ومن عاصره يستطيع ان يلمس الجانبين في شخصيته والحديث يطول لسنا بصدده ، لقد كان هو من يفتي وهو الذي يحلل وهو الذي يحرم ويقاتل للدفاع عن رأيه ولايستطيع احد ان يثنيه عن آراءه بجميع ما له علاقة بالشأن الديني وربما يتخذ آراء مغايرة لقضايا سابقة كان قد اتخذ بها قرارات معاكسة مع الاسف وكان يعقد تحالفات مع عوائل مندائية كبيرة عدديا لكي يستعين بميزان للقوة خلقه لدعم آرائه واستمر على هذا الحال وكان يسير الطائفة على البركة وحسب رغباته الى بداية التسعينات وبالتحديد 1992 حيث عقد المجلس الروحاني العام المؤتمر الثقافي الاول والاخير !! ولمدة يومين اتخذ فيه قرارات مهمة اعاد تنظيم الامور الادارية والثقافية والاجتماعية واتخذت فيه قرارات مهمة انعكست على المرحلة التي تلتها حيث نشطت الهمة وتعاون النشطاء ومثقفي الطائفة والمجلس الروحاني وتم كتابة نظام داخلي للطائفة وانبثقت على اثرها مجالس الطائفة وتحددت صلاحيات كل مجلس بما فيهم رئيس الطائفة الذي حاول بكل قوته ان يحتفظ بصلاحيات مطلقة لكن كان اعتماد النظام الداخلي انتصارلمثقفي الطائفة وانعطافة لبداية تاسيس قيادة للطائفة وكان ذلك بداية عام 1995حيث انبثقت مجالس الطائفة وهي ( مجلس شؤون الطائفة العام ، ومجلس العموم ، والمجلس الروحاني العام ) وثبتت صلاحيات كل مجلس وواجباته وصلاحياته وتم تمثيل كل العوائل المندائية واصبح للطائفة برلمانا متمثلا بمجلس العموم وسلطة تنفيذية متمثلة بمجلس شؤون الطائفة العام ومجلس لرجال الدين ينظم امورهم متمثلا بالمجلس الروحاني العام يرأسه رئيس الطائفة الذي هو نفسه رئيسا للمجلس الروحاني وكان الشيخ عبد الله يفرض شروطه على هذا المجلس متحججا بالمرسوم الجمهوري الذي صدر بتعيينه رئيسا روحانيا للطائفة .
لقد استمر الشيخ عبد الله بالهيمنة على رئاسة الطائفة والمجلس الروحاني العام ويتحكم بمصير رجال الدين ويتدخل بشؤون مجلس الشؤون ولايمتثل لقرارات مجلس العموم ويتقاطع معها والحديث يطول حتى وصل الموضوع بنشوب خلافات كبيرة مع الشيخ عبد الله تعطلت بها كل مشاريع الطائفة مما اجبر مجالس الطائفة الى تعديل النظام الداخلي والحد من صلاحيات رئيس الطائفة ووضع آليات لسحب الثقة منه على امل الحد من المشاكل المستقبلية لكن المشاكل بدأت من جديد وبدأ صراع مرير مع رئيس الطائفة الشيخ عبد الله للاسف الشديد مما اجبر مجالس الطائفة الى طرح سحب الثقة منه فكان للمجالس هذا وسحبت الثقة من الشيخ عبد الله كرئيس للطائفة مع بقاءه رجل دين يمارس طقوسه كالمعتاد لكنه اصر على السفر خارج العراق بعد ذلك واستقر في المملكة المتحدة بالقرب من عائلته .
لقد اجتمعت الطائفة على اختيار رئيسا للطائفة وبرزت فكرة تقترح ان يسمح لاي مندائي وليس بالضرورة رجل دين لرئاسة الطائفة بعد تجربة مجالس الطائفة المريرة مع الشيخ عبد الله وتم الترويج لهذه الفكرة وبعد اشهر برز تيارمن رجالات الطائفة يصر على ان يكون رئيس الطائفة رجل دين حصرا فاقتنع الجميع ان يصوتوا على الرأيين ويختاروا احداها في مجلس العموم وفعلا تمت هذه التجربة وفاز الرأي الذي يصر على ان تكون رئاسة الطائفة لرجل دين حصرا بفارق صوتين فقط وامتثل الجميع لهذا الاختيار ، وبعد تدقيق وتمحيص ودراسة تم الاتفاق على ان يكون الشيخ ستار جبار حلو رئيسا للطائفة وصادق مجلس عموم الطائفة على هذا القرار . لقد حاول الشيخ ستار جبار حلو استصدار مرسوم جمهوري من رئاسة الجمهورية لكنه لم يحصل عليه !!!؟ .
 من كل ما تحدثت فيه سابقا نستطيع ان نثبت مايلي:
1-الدين المندائي هو دين طقوس لاتزيد على عشرة فروض دينية مطلوبة من كل مندائي عملها في اوقاتها وظروفها المطلوبة ، وهو دين ليس به اي اجتهاد او افتاء وكل طقس مثبت ومعلوم ولايجوز ان يتم الغاء هذه الطقوس حسب اهواء المندائيين .
2- لاتوجد مرجعية دينية محددة للمندائيين لا بالعراق او في ايران تسمح لاي مجموعة من رجال الدين بالاجتهاد والافتاء خلافا للمجموعات الاخرى وعلى مر تاريخهم الحديث .
3- القيادات المدنية هي قيادات حديث تنظيمية عمرها اقل من عشرون سنة تم اختيارها تماشيا مع حاجات ابناء الطائفة في العراق خلال تلك الفترة ويمكن تغييرها وتكييفها حسب حاجة ورغبة اي مجموعة مندائية اينما تكون وفي اي دولة .
4- لم ينجح رجال الدين بالاتفاق على اي موضوع اختلف عليه المندائيين بل كانوا هم السبب الرئيسي بهذه الافكار المختلفة واجتهاداتهم هي السبب بتمزيق وحدة الطائفة .
5- الصابئة المندائيون وبسبب ظروفهم الحالية بحاجة الى قيادة تهتم بمتطلباتهم المختلفة والشان الديني هو واحدة من هذه الشؤون وليس الشأن الوحيد فهناك شؤون سياسية وثقافية واجتماعية وغيرها يحتاجها الفرد المندائي لايستطيع رجال الدين ان يديروها بسبب محدودية امكانياتهم المعرفية وضرورة ابتعادهم وتفرغهم للشأن الديني البحت .
6- ان رجال الدين بحاجة الى تشكيل مجلس روحاني خاص بهم يوضع له نظام داخلي ينظم ويدير شؤونهم ولا يتشعب اويتدخل بشؤون المندائيين غير الدينية وامورهم العامة وتنحصر صلاحياته بأمور رجال الدين التنظيمية فقط .
7- تتشكل قيادات مدنية للطائفة بأي مسمى في اماكن تواجدهم اينما كانوا بدول العالم تدير امورهم المدنية وتنظم شؤونهم ترتبط وحسب رغباتهم باتحادات داخل الدول المقيمين بها ترتبط باتحادعام غلى مستوى العالم وحسب رغباتهم وقناعاتهم على شرط ان ترتكز هذه التنظيمات على انظمة داخلية متفق عليها بكل شفافية خالية من النهج البيروقراطي تنتخب قياداتها بشكل ديمقراطي لفترات محددة تتغير لدورة او دورتين لمنع التسلط الذي يدفع بظهور انقسامات .
أخيرا ان قصة المرجعية وبقاءها في العراق وخروجها من العراق هي رواية ليس لها اساس من الصحة روج لها في فترة من الفترات لاعطاء حجم اكبر للمندائيين والى لفت الانتباه لهم في الوقت الذي كان راس النظام آنذك يبحث لان تكون مرجعيات الشيعة والسنة وطوائف المسيحيين والايزيدية ولاحقا الصابئة في العراق ليعلن نفسه ملكا للجهات الاربعة !!! ومن هذا الباب كان احد اسباب اهتمامه بالطائفة المندائية المسالمة ليس حبا بنا بل حبا بالعظمة التي يبحث عنها ... ولم يجدها في الآخر.
10/11/2011
 
 
 
 
Nazar Y. S. Al Haider
Damascus - Syria
Jaramana