الحياة المندائية الورقة الاخيرة / قاسم حول

                                                                                               

الحياة المندائية الورقة الاخيرة

بإسم الحي العظيم .. ها هو عمري في الأرض قد انتهى وزمني قد بلغ الختام. وها أنا أخرج من مرابض الموت. ومن عوالم الظلام ... " والحي المزكي
"الصابئة المندائيون" في العراق هم الثروة الروحية للفكر الإنساني الذي بدأ يتدهور في الحياة، والعراق نموذج لهذا التدهور لا أحد يعرف من أراد له ولهم هذه الدراما الفاجعة، هذا الموت اليومي،.لا أحد يعرف من يعبث في فكره وتراثه الأنيق وفي ثرواته الطبيعة والروحية التي تمثل الأديان لوحته الأنيقة والتي يتألق فيها الفكر الروحي المندائي لوحة الهية ساحرة الجمال.
لا أعرف من أخاطب ولمن أوجه كلمات الأسى الحقيقي الذي أعاني منه وأنا أشاهد ثمرة النخيل تتساقط رطباَ شهياَ وأرى الماء الجاري "يردنا" وهو يجف حتى لن نرى ماءه جاريا على أديم العراق.
أضع كتاب الكنز "كنزا ربا – الكنز العظيم" وأضع كتاب تعاليم يحيا إلى جانب فراش النوم وأنا أتداوله بين الليل والنهار وأتغذى من عطائه كلما ألم بي هم أو شاهدت الخبث والنذالة تنتشر بين الناس وبشكل خاص في وطني فألجأ للكنزا وألجأ إلى تعاليم يحيا لأسمع نداء الحياة ونداء النور ونداء الماء الجاري والذي منه تعلمت الأديان وسارت في مسارها الصحيح.
القاتل معروف ومدان قانونيا وسماوياَ فلا يجوز الاعتداء على الرب المزكي، فإن في قتل الصابئية المندائيين قتلا للأله الصافن المأخوذ وهو على كرسيه الواسع وعلى نوره في المشكاة.
لم يعد ثمة صابئة في العراق سوى بضع وردات في حديقة السموات على الأرض. تناثروا في شتى بقاع العالم هرباَ من وحوش كاسرة ولصوص غابرة تنتمي إلى عصور الوحوش وعصور القراصنة وعصور المافيات التي رفضها المجتمع الإنساني.
أصارحكم أن العراق بدون الفكر المندائي وبدون الطائفة المندائية ليس عراقاَ. بمعنى هو عراق خاو من الفكر الروحي السليم وهو خاو بدون الإنسان الصابئي المندائي. دعوني أقول لكم أن العالم بدون الفكر الصابئي هو عالم آيل نحو الفناء وعليه ينبغي حماية الإرث الذي وهب الله فيه العراق والعراقيين والشرق وأورشليم القدس وأنعم عليهم أن يقيم الصابئة على أرض الشرق وعلى أرض العراق المقدسة.
لا أحد يعرف قيمة هذا الفكر المندائي سوى الذي يتعمق في قوانينه الروحية ويعرف تعاليم نبيه.
يذكرني تساقط الصابئة المندائيين على أديم أرض العراق ومياه العراق بقصة الكاتب الأمريكي ""
O. Henry وقصته بعنوان "الورقة الأخيرة" التي تحولت إلى فيلم سينمائي ضمن خمس قصص قصيرة عن فتاة تراقب شجرة أمام شباك غرفتها كانت الأوراق تتساقط منها وقت الخريف وسادها الإعتقاد بأنها ستموت عندما تسقط الورقة الأخيرة من تلك الشجرة. وكان أحد الرسامين يسكن قريباَ من دارها وكان رجلا أخذ به العمر ومصاباَ بالتدرن وعرف أن هذه الفتاة الجميلة سوف تموت عندما تسقط الورقة الأخيرة من الشجرة.
كانت الليلة باردة والثلج ينذر باللون الأبيض على الأرض وعلى الشجرة وأن العاصفة الثلجية سوف تهب وتسقط الورقة الخضراء الأخيرة. إنتظر الرسام العجوز حتى عرف أن الفتاة الجميلة قد نامت في آخر الليل وبدأت الريح تعصف وسقطت آخر ورقة من الشجرة فلبس الرسام العجوز معطفه وأخذ الوانه الزيتية وفرشاته وأخذ سلماَ وصار يرسم على الجدارالأبيض قرب غصن يابس من الشجرة يلامس ذلك الجدار المواجه لشباك الفتاة الجميلة وعليه أن يرسم ورقة خضراء على الجدار وكأنها تلامس الغصن اليابس.
وفيما هو يرسم هبت العاصفة الثلجية وبدأ الثلج يلون المكان ويعرف أنه سيموت لو إستمر طوال الليل يرسم تلك الورق بديلا عن الورقة التي سقطت وهو مصاب بالتدرن. رسم الورقة كما لو كانت حقيقية نابتة في غصن الشجرة الملامس للجدار، وأخذ السلم وألوانه وعاد إلى منزله ونام فصحت الفتاة من نومها لترى الورقة لا تزال على الغصن اليابس رغم الريح والثلوج، فإبتسمت وزال عنها الخوف، خوف الموت حتى أزدهرت الشجرة ثانية بأوراقها الخضر التي أنعشت روح الفتاة في الحياة ولم يعرف الناس ولم يعرف أحداَ أن ذلك الأب الروحي الذي وجد ميتا في صباح اليوم التالي هو الذي منح الحياة لتلك الفتاة الساحرة الجمال في أن تبقى على قيد الحياة فتزدهر الحياة بالأوراق الخضراء.

العراق اليوم بحاجة إلى ذلك الأب الرسام الذي يلون خريف الحياة بالأوراق الخضراء ويبقى حياة الصابئة على قيد الحياة، يتكاثرون ويكبرون في صفائهم الجميل، في وطنهم الجميل.
إنني أدعو كافة الأديان بأن تراجع كتبها المقدسة وسترى أنها غرفت جميعا من الكنز العظيم ومن تعاليم يحيا زكريا. كتابهم المقدس الذي حدثكم عن الطوفان وحدثكم عن الوجود وعن الروح والنفس وعن الظلام والنور وعن الماء الذي جعل الله سبحانه منه كل شيء حي. كتب الصابئة المندائيون المقدسة التي قالت كل شيء قبل أن تحل رموز الرقم الطينية وتعرفنا بالملاحم التي دونها السومريون .. كتبوا روح تلك الأساطير من وحي السماء ومن الأثري الذي ألهم نبيهم قريباَ من أورشليم القدس فخاطبوا الناصورائيين وحذروا من خيانة الزوجات والأزواج ورفضوا مباركة زواج الثيب وحرموا الخمر وهم الذين قالوا "ومن يعمل مثقال ذرة خيراَ يره ومن يعمل مثقال ذرة شراَ يره" وهم الذين يبدأون سورهم بإسم الحي العظيم، وهم الذين حرموا عبادة الأصنام، فمنهم أخذتم فكركم ودياناتكم لأنها أول الديانات التوحيدية.
فبدلا من أن ترسموا تاريخهم على جداريات الوطن وتكتبوا كلماتهم المقدسة بأحرف من نور وتقيموا المناسبات في مناسباتهم وتفخروا أن في وطنكم صابئة مندائيين صرتم ترمونهم برصاصكم الوسخ فبأي وجه سوف تواجهون الحي المزكي والإله الذي حيرتم صفاءه بطيشكم الأغبر ونفوسكم المريضة المحملة بالإثم.

"بعدما الأرض بسطت والسماء رفعت .. "
"إصعدي أيتها النفس. إصعدي إلى دارك الأولى"
"أيتها النفس إنشري رداءك وأرتديه وإكليلك إعتمريه، وإصعدي إلى حيث الأثريون وحيث أخوتك يجلسون"
"كل من عمل باطلا سيبقى هنا مكبلا بعذاب ربه"
"لا تسجدوا للشيطان، ولا تعبدوا الأصنام والأوثان. من يسجد للشيطان فمصيره النار ، بئس المنتهى وبئس القرار، خالدا فيه إلى يوم الدين"
" إحترموا آباءكم، وإحترموا أمهاتكم وإحترموا إخوتكم الكبار أجمعين. إن من لا يحترم والديه مدان إلى يوم الدين"
"أرشدوا الأعمى وإحسنوا إلى الفقير وإذ تهبون صدقة يا أصفيائي لا تشهدوا عليها، لا تعلم يمينكم بما وهبت شمالكم، ولاشمالكم بما وهبت يمنيكم. بئس من وهب صقدقة فأفسدها بالتشهير. إذا رأيتم جائعا فإطعموه. وإذا رأيتم عطشانا فإسقوه وإذا رأيتم عاريا فأكسوه. طوبى لمن وهب فإنه المأجور. طوبى لمن كسا فسيكسى أردية من نور. طوبى لمن أنقذ أسيراَ فسيستقبله رسل ملك النور"
"أحبوا لأصحابكم ما تحبوا لأنفسكم. وأكرهوا لهم ما تكرهون لها وتزودوا لآخرتكم بالعمل الصالح، فإنظروا وإسمعوا وآمنوا وتقبلوا كلمات ربكم"
"أيتها النساء اللواتي تكن للرجال حذار مما لا يرضي الله ولا يحسن لدى الناس، الزنى والسرقة. وإياكن وعمل السحر. إنه من رجس الشيطان. الزوجة الصادقة تهب الحب الصادق. لا ينفصل بعضكم عن بعض حتى تنتهي أعماركم. ربوا أبناءكم وهذبوهم، والحكمة علموهم. وأغرسوا في نفوسهم الإيمان"
"ومن المياه الحية. نحن الحياة صرنا"
"ربنا إنا أخطأنا وأذنبنا فأغفر لنا خطايانا وذنوبنا، إنا تائبون، وإنا لكينونتك خاضعون"
"هكذا الملاك جزاه الحي. لقد جزى الملاك الذي أتى بنفس آدم. إهبط وأذن أذانا سماوياَ. أذانا سماويا أذن. تبعد عن النفس الأشرار"
" أيتها الأمم والأجيال لماذا تبكون؟ أوما علمتم بأن أعمالكم ترتد عليكم، وإنكم بما فعلتم تؤخذون؟"

(كنزا ربا – الكنز العظيم – كتاب الصابئة المندائيين)
إن المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية بما تملكه من قوة كبيرة على أرض العراق ووفق إتفاقيات جنيف ونظم الأمم المتحدة مسئولة عن كل روح تزهق في العراق وعن كل روح مندائية يصيبها الأذى
وإن مسئولي الدولة العراقية مدانون في عدم توفير الأمان للصابئة المندائيين.
وإن المجتمع العراقي بطوائفه وقومياته يتحملون مسئولية إنسانية إن هم لا يوفرون الحماية والأمان لأخوتهم أبناء الطائفة المندائية إرث العراق الجميل وطيف لونه الشمسي المبهج.
أقول لكم أن العراق سيكون موحشا إذا لم نرى فيه الحب وهو يلون مياه الفراتين والشاطئ العربي .. أنه "يردنا العظيم" الذي علينا أن نصفيه من الشوائب والشظايا وكل ما يلوثه كي نرى على سواحله تلكم الأضواء والأكاليل وخبز الزوجين الأصفياء ونرى بينهم الكنزبرا والترميذا يرتلون بإسم الحي العظيم الكلمات المندائية الآرامية ثم يجلسون تحت سقيفة القصب ويشدون الشال الأخضر هدية الزواج التي ليس فيها خنجر يقتل ولا سيف يذبح بل هي مزدانة بأكاليل الياس.
ليس عراقاَ على الإطلاق إن لم تزدهر فيه الأديان ويزدهر فيه تراث محمد وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ويسوع المسيح ويحيا زكريا.
والحي المزكي.
سينمائي عراقي مقيم في هولندا

مقال منقول عن موقع الجيران الالكتروني