لقطات من الذاكرة..... الجدة بصرية / فائز الحيدر

                                                                          
لقطات من الذاكرة..... الجدة بصرية فائز الحيدر رغم ان هناك الكثير من المندائيين يؤكدون إن الكثير من العوائل المندائية قد سكنت قضاء الفلوجة في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي بعد أن هاجرت من مدنها الأصلية في جنوب العراق ، إلا انني لم أستطع الحصول على اية معلومات تأريخية دقيقة تدل على تواجد الصابئة المندائيين هناك ومتى سكنوها بالضبط ، كما إن المؤرخ العراقي ( عبدالرزاق الحسني ) لم يتطرق في مؤلفاته الى أن المندائيين قد سكنوا الفلوجة يوما" . بينما يذكر الأستاذ الباحث ( رشيد الخيون ) في أحدى مقالاته على شبكة الأنترنيت بقوله ( إن مَنْ يُقلب صفحات التأريخ يجـد ان للفلوجـة قدرة غير طبيعيـة على التعايش الديني والمذهبي والعشائري ، وعرفت بأنفتاحها الأجتماعي والديني كما موضح في إحصاء السكان لعام 1947 ، وذلك بتواجد كل شرائح أديان العراق فيها وهي البلدة الصغيرة ، حيث عاش في قصبتها أربعمائة وستة وأربعون يهودياً ، لم يبرحوها حتى هجرتهم الجماعية في بداية الخمسينات في ظروف قاهرة . وعاش فيها سبعة وثمانون مسيحياً ، ومائة صابئي مندائي ، وعدد قليل من الأيزيديين . ويعد التواجد الديني غير المسلم كثيراً ، إذا علمنا أن عدد السكان الكلي للفلوجة وتوابعها كان ثمانية وأربعين ألفا" ومائة واثنين وستين فرداً. ( ويضيف بقوله ( وظل الحال كما هو عليه في إحصاء 1957 ففي قصبتها عاش مائة وعشرون مسيحياً ، ومائة وسبعة وثلاثون صابئيا" مندائيا" ، فيما انحسر عدد يهودها إلى ثمانية عشر يهوديا" ، مع وجود جماعة من الأيزيديين أيضاً ) .. وترتبط هذه الأقليات وخاصة المندائيين بعلاقات قوية يسودها الوئام مع العشائر العربية أمثال : عشيرة زوبع ، وعشيرة البوعيسى ، وعشيرة الدليم ، وعشيرة الجميلة وعشيرة المحامدة ، وعشيرة تميم ، وعشيرة آل فياض وغيرها . وهذا يعطينا الدليل على إن العديد من العوائل المندائية قد سكنت الفلوجة في بداية الثلاثينات والأربعينات بعد أن هاجرت من أماكن سكنها في مدن وقصبات جنوب العراق وخاصة من ناحية الكحلاء وقلعة صالح والعمارة والناصرية والكوت وغيرها . وقد تكون هجرتهم هذه هربا" من جور الأقطاع والأضطهاد الديني والمعاناة التي كانوا يمرون بها من قبل جيرانهم المسلمين ، أو بحثا" للرزق وتحسين وضعهم الأقتصادي أوادخال أبنائهم للمدارس المتوسطة والثانوية التي لم تكن متوفرة في ذلك الوقت في مناطق سكنهم خاصة والمحافظات الجنوبية بشكل عام . وأتذكر من المندائيين وعوائلهم الذين سكنوا الفلوجة هم : الوالد عبد الرزاق صكر الحيدر ، حيدر صكر الحيدر ، يوسف مظلوم الحيدر ، عبد الجبار مظلوم الحيدر ، سعد رهيف مشيري ، حاتم شمخي جبر شبيب ، فنجان شمخي جبر شبيب ، صبري شمخي جبر شبيب ، وسمي شمخي جبر شبيب ، كاطع شمخي جبر شبيب ، مجيد عذاب ، جبار عبود ، خضير صبر ، جاني صبر ، بطوش كنيكر ذويب ، خزعل خنيفر ، غانم مهاوش ، مجيد طارش محيي ، نايف غيلان ، حبيب غرباوي ، عزيز غرباوي ، مجيد جابك ، فنجان جبوري باهض ، وعدد آخر لا تسعفني الذاكرة بتذكرهم ، حيث كانت العلاقات فيما بينهم يسودها الألفة والتعاون والمحبة والزيارات المتبادلة في كافة المناسبات . لفترة طويلة لم أكن أدرك السـر الذي يدعـوا الوالـد المرحوم عبد الرزاق صكر الحيدر لزيارة بيت العم ( فنجان شمخي ) أبو غريب بشكل مستمر والأهتمام الغير العادي بالجدة المرحومة ( بصرية ) ، تلك المرأة الحنونة الطاعنة بالسن والتي تجاوزت الخامسة والسبعين عاما" من العمر ، كنت أعتقد حينها إن هذا الأهتمام يعود لكوننا مندائيين وهذا واجب المندائي تجاه أخوته المندائيين ، كانت جدتنا ( بصرية ) كما أتذكرها في بداية الخمسينات من القرن الماضي ، قصيرة القامة ، قوية البنية ، ذات ملابس مكللة بالسواد تعلوها ( العصابة والشيلة ) أو( الجرغد والشيلة ) على الطريقة الأسلامية كبقية النسوة المندائيات الكبيرات في السن في المدينة ، ملامح وجههـا تدل على المحبة والطيبة ، تؤدي ( الرشامة والبراخا ) ثلاث مرات يوميا" ، وعند اصابتنا بوعكة صحية تستدعينا وتقوم بنشر الماء على وجوهنا مصحوبا" ببعض الأدعية التي لا نفهم منها شيئا" ، تستقبلنا نحن الأطفال بالتحايا والقبل في كل زيارة لها وخاصة في مناسبات الأعياد لتملئ جيوبنا بالجكليت والمسقول الملون والباسورك الذي يدخل الفرحة في نفوسنا مصحوبا" بقدح من عصير البرتقال اللذيذ ماركة ( الجميلي ) . لم أتجرأ يوما" أن أسئل الوالد او الوالدة عن سـر هذه العلاقة لأعـرف ما هي القرابة بيننـا وبين زوج ( بصرية ) الجد المرحوم ( شمخي جبر شبيب الخميسي ) وأولاده ( فنجان وحاتم وصبري ووسمي وكاطع ) ، فلربما يكون ذلك بسبب الأحترام الشديد للوالدين أو بسبب الخوف من ردة فعل غير متوقعة . وكل ما أتذكره إن زيارتي برفقة الوالد الى بيت العم ( فنجان شمخي جبر ) حيث تعيش الجدة ( بصرية ) كانت متكررة وعند عودته من العمل مساء" وهو يحمل على كتفه ركية ( حمرة شرط السكين ) الى الجدة العزيزة وقد يكون ذلك مرفقا" في بعض الزيارات بكيس من ( الكعك ابوالسمسم ) أو ( ببطل من ماء الورد الهندي ) أو كمية من ( علج البستج ) أو ( الهيل والجوزة بوة ) أو ما تطلبه بنفسها . تعودت العوائل المندائية في هذه المدينة الصغيرة أن تشتري خروف العيد الكبير ( دهوا ربا ) قبل حلوله بشهرين أو أكثر ، وبعد أيام من شراء الخروف يرسل مع احد رعاة الأغنام صباحا" حيث الماء والعشب الأخضر خارج المدينة ، وقبل الغروب بقليل يترك الراعي الأغنام والأبقار عند طرف المدينة الجنوبي لتعود الى بيوتها بنفسها بعد ان تعودت بمرور الأيام على طريق عودتها الى البيوت . وعند أقتراب العيد يكون الخروف المسكين قد وصل الى الحجم والسمنة المناسبة استعدادا" للذبح . لا زلت أتذكر الخروف ذو القرنين الصغيرين الذي إشتراه الوالد قبل ما يقارب الشهرين من العيد الكبير ، ووضعنا اللون الأحمر على رقبته لتمييزه عن الأغنام الأخرى ، حيث كان يعود مع بقية القطيع في الوقت الذي نكون في إنتظاره عن بعد لأيصاله الى البيت بدون أن يضايقه أحد في الطريق من أطفال المحلة المشاكسين ، وعندما لا يجد أحد منا بإنتظاره لسبب ما فيسلك طريقه وحيدا" وبهدوء الى البيت ويدفع باب البيت بقرنيه ثم يأخذ طريقه متسلقا" السلم القصير الى الغرفة الصغيرة المخصصة له وسط السلم حيث يجد الماء الصافي وباقات الجت بأنتظاره ليقضي ليلته نائما" بهدوء . بعد جهود كبيرة وبرجاء الأقارب اقنع العم ( فنجان شمخي جبر ) والدته ( بصرية ) على ارسال البقرة الحلوب النادرة النوع العائدة لها والمسماة ( البكعة ) مع الراعي صباح كل يوم ، ليخفف عنها عناء الأهتمام بها في البيت طيلة النهار لكبر سنها وحاجتها للراحة والنوم ، وقبل المساء كانت ( بصرية ) تخرج من البيت لتستقبل بقرتها العزيزة عند طرف المدينة وتعود بها الى البيت فرحة حيث تلقي الأهتمام والرعاية متفقدة كل جزء من جسمها خوفا" من تعرضها لجروح او إصابات ، يتبعها التدليك وتقديم الماء وباقات الجت الطرية ، والتحدث معها لفترة طويلة كي تطمئن عليها وكأن هناك تفاهم مشترك بينهما . وجاء ذلك اليوم الذي خرجت فيه الجدة بصرية وكعاتها وهي تتهيأ للقاء بقرتها العزيزة عند طرف المدينة وهي تشاهدها من بعيد متوجهة نحوها حتى أصبحت على بعد خطوات قليلة منها ، لكنها فوجئـت بمعاكسة بعض صـبية المحلة لبقرتها وهم يصرخـون هاي ..( هايشة الصبيّة ) وأخذوا يرمونها بالحجارة من كل الجهات وسط صراخ بصرية في محاولة منها لمنعهم من إيذاء بقرتها ، ويبدوا إن أحدى الأحجار قد أصاب رأس البقرة وفقدت صوابها ، مما جعلها تغير مسارها بأتجاه معاكس نحو المقبرة المحاذية للمدينة ثم الطريق المؤدي الى بغداد المجاور لها ، أبت الجدة بصرية أن تترك البقرة تفلت من يدها وتبعتها مهرولة وبكل ما تملك من قوة وهي العجوز المتعبة والطاعنة بالسن حتى مسكت بذيلها في محاولة لأيقافها وهي تحدثها بطرق شتى عسى أن تنجح محاولاتها بإقناع البقرة بالعودة الى البيت وهي تناديها ( ولج يمة البكعة وين ماخذتني ) ، ( ولج يالبكعة تراني مليت من المشي وتعبت بيتنا هيج وبهل الصوب ) إلا ان البقرة استمرت في مسيرها دون جدوى . حل الظلام ومرت الساعات ولم تعد ( بصرية ) الى البيت وأعلنت حالة الطوارئ بين العوائل المندائية المجاورة لبيت العم فنجان وتولدت في ذهن كل منا قصة ، وتوزع جميع أولادها ومعارفها كبارا" وصغارا" يبحثون عنها في بيوت المندائيين وشوارع المدينة وأطراف مقبرتها القريبة ، سيرا" أو على الدراجات الهوائية ، وهم يحملون المصابيح والفوانيس والشموع ، حتى تجاوزت الساعة العاشرة ليلا" ، حيث فقد الأمل بالعثور عليها بعد كل هذه الجهود حية ، مما أضطر العم فنجان لإبلاغ مركز الشرطة بالحدث . وقف العم فنجان في مدخل الشارع الرئيسي القادم من بغداد والمؤدي لوسط المدينة وأخذ يسأل عنها المارة وأي شخص يشاهده في الطريق ، وحتى سواق سيارات الأجرة القادمة من بغداد ، عسى أن يكون قد شاهدها أحدهم في الطريق وكان هذا هو الأمل المتبقي للجميع . ولحسن الحظ كان جواب أحدهم بالأيجاب ، فقد شاهد أمرأة عجوز تمسك بذيل بقرة بالقرب من منطقة ( خان ضاري ) وعلى بعد اكثر من عشرة كيلومترات عن المدينة ، فرح الجميع لسماع هذا الخبر ، فالجدة بصرية حية ترزق ، وسارع الجميع لنجدتها بعدة سيارات أنطلقت من المدينة ، وعند الوصول إليها كانت لا زالت تمسك بذيل البقرة وهي في حالة إعياء كامل وشبه فاقدة للوعي ، وتحاول إيصال صوتها الخافت المتقطع الى ابنها فنجان ( يمة البكعة وينهه ؟ يمة البكعة بخير ؟ ديروا بلكم عليها تره هي روحي وجبدي !!!! ) . وبقيت الجدة بصرية طريحة الفراش لأسابيع عديدة وهي تعاني من آلام الظهر والمفاصل وأرتفاع ضغط الدم . هذه الحادثة تركت في نفوسنا نحن الأطفال معنى العزيمة والأصرار لدى الأنسان مهما كبر في السن ، واصبح درسا" لنا في حياتنا . هذه الحادثة شجعتني على متابعة ما هي العلاقة بين الجدة بصرية وعائلة صكر ومظلوم الحيدر ولماذا كان الوالد يهتم بالجدة بصرية ، حتى تبين لي ما كنت أصبوا إليه ولو بعد سنين طويلة لاحقة لكي تكتمل تلك المعلومة . وقد علمت ان الجد المرحوم لفتة بن حيدر كان قد تزوج زوجتان فأنجب من الأولى ولد واحد هو الجد مصبوب لفتة ( ابو سلمان ) وثلاث بنات : الأولى ... هي فتنة ( ام سعدية ) ، الثانية ... هي حرشة ( زوجة جبر الكلمشي ) . الثالثة ... هي حلاوة ( زوجة عجيل خلف ) . وأنجب من الزوجة الثانية ولدان هما : الأول هو الجد صكر بن لفتة ، الثاني هو الجد مظلوم بن لفتة . وخمسة بنات هن : مصبوبة ، حلوة ، سفحة ( ام سودي عايز ) ، مجذوبة ( ام شيرة ) ، بصرية ( ام فنجان شمخي ) زوجة المرحوم شمخي جبر شبيب الخميسي ) ، والتي تعتبر عمة الوالد عبد الرزاق صكر لفتة الحيدر ، وعند ذاك تبين لي لماذا كان الوالد يهتم بالجدة بصرية . كندا 1 / 9 / 2009