أول المعرفة..................سؤال / سنان نافل والي

                                                                                                      
أول المعرفة..................سؤال
سنان نافل والي
بغداد..2011
رغم كل ماكتب عن المندائية من كتب ومقالات طوال عقود من السنين الا ان هذه القضية كما يسميها (
عزيز سباهي) بالقضية الشائكة’ما زال يكتنفها الغموض والضبابية سواء على مستوى أصل اللغة أو بداية النشأة أو حتى الموطن الاصلي وربما أشياء أخرى’ وعلى الرغم ان هذه المسألة تعد طبيعية جدا عندما يتعلق الامر بأفكار وعقائد تعود الى أزمنة بعيدة يصعب معها الوصول الى آراء قاطعة بشأنها كما أشار الى ذلك العلامة العراقي (مصطفى جواد) عندما قال ان العقائد والاديان كلما كانت أكثر قدما في الزمن كلما دخلنا في التخمينات والتكهنات بشأنها.الا أن هذا لم يمنع بعض الكتاب والباحثين ومنهم المندائيين بأطلاق الاحكام والتأكيدات بخصوص مسألة ما وجعلها بحكم اليقين المتفق عليه من الجميع كما ورد على سبيل المثال في احدى الندوات لأحد الاصدقاء عندما أكد وبشكل قاطع على أن المندائية هي (طائفة عراقية قبل أن تكون أي شي اخر ) ,أو عندما يقول أن النظرية القائلة بوجودهم الاصلي في بلاد ما بين النهرين هي الراجحة على تلك التي تقول بوجودهم في فلسطين والاردن , دونما دلائل واضحة تفيد بذلك الا رغبته الشخصية ربما أن يكون الامر كذلك . على كل حال اذا أردنا اجابات واضحة والقاء المزيد من الضوء حول بعض الامور المتعلقة بالمندائية , أعتقد انه يتوجب علينا أن نسأل أسئلة واضحة وصريحة حول تلك الامور ذات الصلة دونما خشية من صدى هذه الاسئلة أو مسارها فيما لو اتخذت مسارا لها من قبل البعض ’وعلى هذا الاساس علينا أن نسأل مثلا ’هل مرت الأبجدية المندائية بمرحلة تطور لغوية تأريخية من لغات اخرى لتصل الينا كما نعرفها الان ’ أم انها بدأت بنفس الشكل والخط الذي انتهت اليه بعد تدوين الكتب الدينية ؟ تختلف الآراء بهذا الشأن كثيرا ( تقول الليدي دراور أن اللغة المندائية تنتسب انتسابا وثيقا الى لغة التلود البابلي فكلا اللغتين متجاورتان من الناحية الجغرافية .....لكن النصوص المندائية أنقى لغويا وليست مختلطة بعناصر غريبة وهي تمثل الكلام الارامي في بابل خيرا مما يمثله التلمود البابلي ) أما رودولف ماتسوخ فيؤكد أن ( أبجديات اخرى هي التي تطورت عن المندائية وليس العكس العيلامية والبهلولية ) ’ واذا كانت اللغة المندائية كما نعرف جميعا فرعا أو لهجة محلية بفرعها الشرقي من الارامية الام جنبا الى جنب مع لهجات اخرى مثل ( الارامية اليهودية البابلية ( التلمود البابلي )’ السريانية أو السورث (اللهجة المحاية للجماعات المسيحية أو ما تسمى بالارامية الجديدة )’وانتشرت بعد استقرار الاراميين الذين أجتاحو بلاد الشام وما بين النهرين ( ظهر الاراميون في التأريخ في نحو الألف الثالث ومطلع الألف الثاني قبل الميلاد ويعني الاسم ’ الارض المرتفعة ’ وذلك لسكناهم في المرتفعات الواقعة في الشمال الشرقي من سوريا ) ’ هل يعني ارتباطها المباشر هذا بتلك اللغة الام انها لم تكن موجودة قبل هذا التأريخ ؟ واذا لم تكن كذلك ’ هل هذا يعني عدم انتشار أو وجود العقيدة المندائية نفسها في هذه البقعة من الارض قبل هذا الوقت ’ بمعنى اخر ’ هل بإستطاعتنا فعلا أن نتخذ من تأريخ اللغة تأريخا أو دليلا على انتماء واضح لقوم معينين واضحين أم أن ذلك ( لا يعطي أي دليل تأريخي على كون المندائيين أراميي الاصل ؟ ) ’ وهنا لابد أن يبرز أمامنا سؤال مشروع جدا وهو هل فعلا علينا أن نربط بين اللغة المندائية التي ربما تطورت وأتخذت شكلا خاصا بها في فترة زمنية معينة ’ وانتشرت لاسباب معينة في وقت معين وفي ظروف معينة ’ وبين العقيدة الدينية نفسها التي وجدت قبلها بزمن طويل وأتخذت منها لغة محكية أولا ثم كتابية تدوينيه بعد ذلك ؟ ولابأس بعد هذا أن تصطبغ تلك اللغة بمسحة من القدسية على اعتبار أنها استعملت لتدوين تعاليمنا الدينية الشفوية ومنها كتابنا المقدس ( كنزا ربا ) فإمتلكت بذلك بعدا اخر يضاف الى وظيفتها الطبيعية كأداة للتواصل بين مجتمع واحد لتكون ذات طابع ديني قدسي وذات قوة نفسية خاصة للمؤمنين بالعقيدة الدينية ؟ ( من الجدير بالذكر أن اقدم المدونات المندائية التي وجدت والمتمثلة بألواح الرصاص يعود تأريخها الى النصف الاول من القرن الثالث الميلادي ’ وكذلك قسم من الاواني المندائية التي وجدت مدفونة أمام الابواب الامامية للبيوت ’ التي يعود تأريخها الى 600_700 ميلادي ’ المهم في هذا ليس تأريخ تدوينها بل هو في الفترة الزمنية التي احتاجتها هذه الكتابات لتصل الى هذا الشكل المتطور من الحروف المتصلة ذات البناء القواعدي الصحيح وشكل الخط وطريقة اتصال الكلمات وتكوين جمل متكاملة واضحة المعنى ’ انما يحتاج الى فترة تطورية لا تقل عن 200 سنة مما يعطي هذه المدونات بعدا اخر يصل الى بدايات القرن الاول الميلادي).أما اذا تحولنا الى مسار اخر وتوجهنا الى موضوع هجرتنا التاريخية من فلسطين الى مدينة حران واستقرار المهاجرين اخيرا في جنوب ما بين النهرين ’ ستخرج علينا أسئلة وعلامات استفهام ربما أكثر من اي موضوع اخر ’ ففي البداية السؤال الكبير : لماذا حدثت تلك الهجرة اصلا؟ السبب المعلن الذي تتحدث به على الاقل بعض الكتب المندائية هو تحول ميرياي تلك الشخصية الغامضة ( والفتاة ذات المنزلة العالية التي هجرت اليهودية لتنضم الى المندائية ) وما تابع ذلك من نشاطها المعلن في جذب الاخرين الى دينها الجديد مما اثار حفيظة اليهود ( أو بالاحرى حكام اليهود أو رؤسائهم الدينيين ) وحصل بعد ذلك ما حصل ’ لكن الملفت للانتباه هو التوقيت الغريب بين تلك المذبحة التي جرت في فلسطين للناصورائيين ’ والتي قدر على اثرها ان يغادر من يغادر وبين الثورة اليهودية الاولى ضد الحكم الروماني سنة 66_70 ميلادية حيث لم تكن هناك فترة زمنية بعيدة بين الامرين ’ هل هي مصادفة أم اشارة الى شيء اخر ؟ ثم أن ما ذكر لدينا ان ميرياي كانت تدعو الى المندائية عند مصب نهر الفرات وليس في فلسطين فما علاقة هذا بالذي جرى للمندائيين في اورشليم ؟ وهل كانت هناك اتصالات من نوع ما بين اليهود في بابل حينها وبين رؤساء اليهود في اورشليم ’ ليتحرك هؤلاء ويحدث ما حدث ؟ أم ان الامر له علاقة بصراع ديني عقائدي متستر بين الاثنين منذ ظهور النبي يحيى ودعوة الناس الى العودة لطريق الحق والابتعاد عن الخطايا مما جعل البعض في الطرف الاخر من المعادلة ان يفهم هذا الامر وكأنه دعوة للانتفاضة والثورة على المؤسسة الدينية الحاكمة انذاك ليصل ويتطور الى حالة الصدام المباشر بعد مقتله بأكثر من 50 عاما ؟ ولكن اذا كان الامر كذلك ’ أليس من الغريب ان يكون الصراع مع دين عرفوه منذ زمن بعيد ولم يكن غريبا عليهم حتى قبل ( يحيى) وايضا بعده بدليل انه كان يعمد في نهر الاردن كل من يرغب به سواء من اليهود او غيرهم ولم يشكل هذا أي منافسة أو تحد من نوع خطير للعقيدة اليهودية في ذلك الوقت ؟ وحتى بعد مقتله ’ حزن الناس عليه بمختلف انتماءاتهم مما يعطي انطباعا واضحا حول العلاقة الطيبة التي كانت تجمعه بالاخرين ’ على عكس الدين الجديد ( المسيحية ) التي اعتبرت منافسا خطيرا تمثلت انعكاساتها منذ البداية في صلب المسيح ’ أليس من المنطقي اذا ما كان هناك من صراع ديني ملموس في تلك المنطقة أن يكون مع المنافس الجديد الذي ظهر على الساحة وليس مع فكر وعقيدة اعتاد عليها السكان منذ وقت طويل دون مشاكل أو صراعات واضحة يذكرها لنا التاريخ ؟ المهم حدث ما حدث وقرر المهاجرون التوجه نحو حران ’ لكن لماذا هذه المدينة بالتحديد دون غيرها ؟ ربما يكون السبب الرئيسي ما يذكره لنا ديوان ( حران كويثا ) نفسه حيث يقول انها ( المدينة التي كان فيها ناصورائيين حيث لا سبيل الى الحكام اليهود ) مع الاشارة الهامة هنا الى تحديدهم بالعدو الرئيسي بالحكام والرؤساء ’ وليس عامة اليهود ’ ويتضح لنا لاحقا من خلال سرد الاحداث في الديوان أن قرارهم كان سليما ’ على الاقل في بداية الامر ’ بدليل استقبالهم الكبير هناك من قبل المندائيين ثم استقرارهم بعد ان بنو بيوتا لهم ( منادي ) ’ الا ان هذا الوضع المريح وهذا الاستقرار لم يدم طويلا حيث قرر المهاجرون أو بعضهم على الاقل بعد فترة زمنية لا نعلمها بالضبط ولاسباب مجهولة تماما أن يغادروا حران مرة اخرى ليتوجهوا نحو جنوب بلاد ما بين النهرين وتحديدا نحو مناطق الاهوار ليتخذوها سكنا جديدا لهم ’ وكل ما تذكره لنا المصادر المندائية عن ذلك الامر ’ أن اضطهادا يهوديا اخر وقع لهم مما اجبرهم ثانية على الرحيل ’ ماهو هذا الاضطهاد ولماذا حدث وهل طال المهاجرون الجدد فقط أم حتى الذين كانوا من قبلهم هناك وهل رحل الجميع من حران نحو الجنوب أم بقي من بقى ورحل من اراد الرحيل ؟ لا يذكر لنا التاريخ شيئا بالمرة ’ لكن الغريب في الامر ان الوجود اليهودي كان في حران وكذلك في عموم بلاد بابل شمالا وجنوبا ’ واذا حصل احتكاك لهم من نوع ما مع المندائيين في تلك المدينة لاسباب لا نعلمها ’ لماذا اذن لم يحصل عند وصول المهاجرين في هجرتهم الثانية الى مقرهم الجديد ؟ نعم يعتبر ذهاب المندائيين الى حران أول الامر طبيعيا لانهم التحقوا بأبناء عقيدتهم ’ ولكن ايضا نحن نعلم أن انتشارا مندائيا كان كبيرا جدا في عموم بلاد ما بين النهرين ( وجود اكثر من 400 مندي في مختلف البلاد العراقية عند بداية الفتح الاسلامي ) ’ وكذلك في الشام وفلسطين والاردن وشمال الحجاز وحتى الاسكندرية في مصر’ اضافة الى الشمال الشرقي من ايران ’ وكان المهجرون يعلمون ذلك علم اليقين وبالتالي من حقنا أن نسأل : لماذا لم يذهبوا نحو جنوب العراق منذ البداية وينتهي الموضوع ’ لماذا اختاروا مكانا بعيدا مثل حران ليستقروا فيه حتى يغادروا ثانية ؟ مع العلم أن الرحلة لو كانت متوجهة من فلسطين نحو الاهوار ’ لم يكن عليهم سوى اجتياز هضبة بلاد الشام للوصول الى هدفهم ولكنهم بدلا من ذلك انطلقوا في رحلة طويلة متعبة تستمر عدة اسابيع أو اشهر نحو الشمال قاطعين مسافات طويلة وبعد ذلك ولسبب غير معلوم يتركوه مرة اخرى لتبدأ رحلة طويلة ثانية نحو مكان اخر ’ على العموم لن نستطيع ان نعرف كل التفاصيل او الاجوبة سواء في هذا الموضوع أو غيره مثلما لن نعرف مثلا هل بقي احد من المندائيين في فلسطين بعد الهجرة أم أن الجميع قد غادروا ؟ تذكر لنا لميعة عباس عمارة في مجلتها الصادرة في امريكا ( المندائي ) العدد السادس ’ قصة احد الفلسطينيين الذين يعيشون في امريكا ’ نفهم منها ان جدته التي عاشت في فلسطين حتى بدايات القرن العشرين كانت مندائية وملتزمة بدينها بشكل كبير وبكل تفاصيله ’ مما يعطينا فكرة عامة بأن البعض قد بقي ولو على شكل عوائل شتات هنا أو هناك . المهم في هذا كله أنه يتوجب علينا دائما ان نسأل وأن نناقش في سبيل تحقيق معرفة ما في موضوع مندائي ما لحاجتنا الماسة ان نعرف وان نعرف المزيد ’ مثلما قال فيلسوف يوناني ذات مرة ( من تصادم الافكار تقدح بارقة الحقيقة ) والحي مزكي .
المصادر :
1 _ عزيز سباهي : أصول الصابئة المندائيين .
2 _ صبحي مبارك : محاضرة بعنوان " الصابئة المندائيون من هم والى اين " ؟
3 _ برونايا فهمي : أسفر ملواشي _ أطروحة ماجستير . جامعة بغداد
4 _ عبد المجيد سعدون : أسماء الاعلام في كنزا ربا _ أطروحة ماجستير. جامعة بغداد
5 _ فريال زهرون نعمان : أواني الاحراز المندائية _ أطروحة ماجستير . جامعة بغداد
6 _ عزيز سباهي : الصابئة الى أي قوم ينتمون