المندائية ...في كتابات الغرب والشرق / سنان نافل والي

                                              
 

 

 
المندائية ...في كتابات الغرب والشرق
سنان نافل والي
        حظيت المندائية ولعقود طويلة بإهتمام الباحثين والدارسين بشكل كبير ’ ليس فقط على الصعيد الديني بل اللغوي’ والتاريخي وايضا اللاهوتي ’ ويعود السبب في ذلك الى عدة عوامل أهمها :
1 _ معرفة وإستقراء مدى التأثير المتبادل ما بين المندائية وبين الاديان الموجودة في المنطقة كاليهودية والمسيحية والاسلامية ’ اضافة الى بعض المذاهب الدينية التي ظهرت في فترة ما كالمانوية وأيضا مع بعض الحركات الفكرية والفلسفية مثل اخوان الصفا وغيرها وذلك لرسم خريطة أوضح وأكثر دقة لمسار وتطور الفكر الديني في منطقة الشرق الاوسط .
2 _ المحاولة في معرفة الاصول الاولى للاديان ’ بداياتها ومنابعها الفكرية وأصول المؤمنين بها انثروبولوجيا .
3 _ المحاولة في فهم وتفسير السر الكامن في بقاء هذه العقيدة الموغلة في القدم حتى الوقت الراهن دون ان يكون لهل أي دعم سياسي أو اقتصادي أو حتى اجتماعي طوال قرون عديدة خصوصا مع ذلك الجدار الحديدي الذي أقامه رجال الدين حول الطائفة للالفين سنة الماضية في جنوب بلاد ما بين النهرين واعتمادهم في تدبير امور حياتهم الاقتصادية على الاكتفاء الذاتي من صيد وزراعة وصناعة . وعلى هذا الاساس كانت اولى الكتابات في هذا المضمار قد بدأت مبكرا مع ما فيها من أخطاء خصوصا على المستوى الديني الا انها بنفس الوقت قد فتحت الباب على مصراعيه لدراسة ومعرفة ما يمكن دراسته ومعرفته عن المندائية ’ وكان كتاب ( L, escholie ) للمبشر المسيحي ( Theodor Bar Kouni) في القرن العاشر الميلادي من المحاولات الجادة والمتميزة في هذا المجال عندما قام بدراسة ومقارنة العديد من النصوص الدينية ما بين ( كنزا ربا ) والكتاب المقدس للطائفة الكانتية ’ مبينا أوجه التشابه والاختلاف بين الطائفتين منطلقا بذلك من عقلية تبشيرية واضحة ’ ليأتي بعد ذلك بتسعة قرون تقريبا القنصل الفرنسي في بغداد ( Pognion) أيام الدولة العثمانية وهو المهتم بالاثار والاديان في المنطقة بإضافة العديد من نصوص الاواني المندائية التي كان يتم اكتشافها بين الحين والاخر من قبل المزارعين والصيادين في وسط وجنوب العراق ’ الى كتاب ( Barkouni ) ليضفي عليه في النهاية فائدة كبيرة لا غنى عنها عند قراءته والذي أصبح مكتوبا بثلاثة لغات هي السريانية ’ لغة الكتاب الاصلية والمندائية والفرنسية علما أن الكتاب لم يحقق أو يترجم بعد ومازالت نسخته الاصلية الوحيدة تقبع في ادراج المتحف الوطني العراقي ’ وما بين هذين التأريخيين وما بعدهما توالت المؤلفات بشكل كبير لتصل ذروتها في بدايات القرن العشرين ومنتصفه وبالتحديد ما بين عام ( 1930 ) و ( 1960 ) حيث وصلت عدد الكتب التي الفت عن المندائية الى أكثر من ( 60 ) كتابا وبحثا ودراسة ’ أي بمعدل مؤلفين في السنة الواحدة لتسمى تلك الفترة ب ( حمى المندائية ) حيث سعى الجميع الى ابداء الرأي أو تقديم ما يمكن تقديمه عن هذا الموضوع الشائك ’ ومع مرور الوقت وكثرة الدراسات برزت العديد من الاسماء التي تركت بصمتها الواضحة في هذا المجال والتي لا يمكن الا الاعتماد عليها والرجوع اليها عند تناول الديانة المندائية بأي شكل من الاشكال ’ كمصادر بحثية معلوماتية مهمة وأساسية ’ فكان أبرز هؤلاء ( الليدي دراور _ كورت رودولف _ نولدكه _ ماتسوخ _ ليدزبارسكي  _ ياموشي _ اريكا هنتر _ ت.س كوندوز_ باكلي _..... الخ ) الا أن أشهرهم بالتأكيد وأكثرهم انتاجا على الاطلاق هي ( الليدي دراور ) أو ( ايثل ستيفانا دراور ) التي عاشت قرابة ال ( 35 عاما ) مع المندائيين في موطنهم في العراق وايران وكانت قريبة جدا من رجال الدين وطقوسهم حتى كادت برأي البعض حينها ان تكون مندائية ’ استطاعت ان تحصل وتترجم بعد ان اتقنت اللغة المندائية بشكل كبير ’ كل الكتب الدينية الى الانكليزية ’ وألفت عام 1937 ما يمكن ان يكون أهم كتاب صدر عن المندائية خلال القرن المنصرم وهو ( مندائيو العراق وايران _ الجزء الاول ) وقام بترجمته الى العربية الاستاذان نعيم بدوي وغضبان رومي عام 1962 بينما بقي الجزء الثاني وهو ملحق حتى عام 2010 عندما قام بترجمته الى العربية ( أحمد الحاج سالم وآمنة الجبلاوي ) تحت عنوان ( أساطير الخلق عند الصابئة المندائيين ) . وأيضا ( كورت رودولف ) الذي اشتهر بكتاباته اللاهوتية الفلسفية المرتكزة اساسا حول الخلق والملائكة وعوالم النور والظلام والصراع ما بينهما وكذلك خلق العالم الارضي ثم الانسان وما تبع ذلك من صراع داخلي بين الخير والشر ... الخ ’ وأشهر كتبه في هذا المجال على الاطلاق هو ( النشوء والخلق في النصوص المندائية ) الذي قام بترجمته الى العربية بعد اشكالات كثيرة ’ الاستاذ الدكتور ( صبيح مدلول السهيري ) عام 1994 وكانت جهة النشر أخيرا هي جامعة بغداد بعد حذف الكثير من النصوص الموجودة في النسخة الالمانية الاصلية . .. عموما تركزت أغلب كتابات الباحثين الغربيين حول نقطتين رئيسيتين هما .. أولا : معرفة الاصول المسيحية أو في أحسن الاحوال الاصول اليهودية للمندائية ومحاولة ايجادها واثباتها بما لا يدع مجالا للشك بأن المندائية كما يتصورون هي فرقة يهودية أو حتى مسيحية منشقة اتخذت لها خطا خاصا بها في ظروف خاصة وبيئة معينة لتبقى بهذا الشكل الى يومنا هذا ’ وثانيا وهم الاقلية القليلة منهم حاول ان يسير عكس التيار ويثبت العكس ’ أي اثبات الاصول المندائية للعقيدة المسيحية بالتحديد كما ذهبت الى ذلك الليدي دراور وفريق اخر معها في هذا الامر ’ الذي شكل في مرحلة ما من حياتها سخطا شديدا عليها في اوساط الكنيسة .
           بالنسبة للكتاب العرب فالامر كان مختلفا ’ فهم على كثرتهم وتنوع مدارسهم الفكرية وانتماءاتهم المذهبية ’ فأن أغلبيتهم وبسبب اعتمادهم منطق الرواية لم يقدموا الا أفكارا متشابهة تخلو من التحليل والدراسة ’ دارت معظمها في اطار أن المندائيين عبدة نجوم وكواكب أو انهم ليسوا من أهل الكتاب ’ وإختلفوا اختلافا شديدا في تفسير الايات القرآنية التي تصنف الصابئة ضمن الفئات التي لا خوف عليها في الدنيا والاخرة ’ ثم اختلفوا أشد من ذلك في ماهية الكتاب المقدس للمندائيين أو في هوية نبيهم المبعوث لهم ...الخ ’ بيد أن بعضهم كان أكثر اعتدالا في رؤيته وتفسيره للايات القرانية التي تصنف الصابئة من الاديان القريبة على الاقل من اليهودية والمسيحية والاسلامية وبالتالي أفتوا بكتابيتهم وجواز أخذ الجزية منهم على اعتبار أنهم من الذين امنوا والذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ’ وكانت من أبرز الكتابات في هذا المجال على سبيل المثال لا الحصر ’ ( الملل والنحل ) للشهرستاني و ( الفهرست ) لابن النديم التي مازالت الى الان تعتبر للبعض من الباحثين مرجعا مهما لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة عند الحديث عن الصابئة .
             أما ما يخص المندائيين انفسهم فقد كانت كتاباتهم هي القليلة جدا وذات البدايات المتأخرة نوعا ما مقارنة بمثيلاتها في الغرب والشرق ’ وتشكل في أغلبها تعريفا عموميا عن المندائية لا يخرج عن اطار الدفاع عن النفس تجاه الرأي الاخر ومحاولة اثبات الوجود ’ فمنذ أول كتاب صدر عام 1920 بعنوان ( مندائي ) لعبد الحميد عبادة مرورا بكتاب   (تأريخ العرب البائدة ) لعبد الفتاح الزهيري وكتاب الاستاذة ناجية المراني ( مفاهيم صابئية ) عام 1982 وصولا الى عزيز سباهي وكتابه ( أصول الصابئة المندائيين ) عام 1996 الذي يمكن اعتباره بدون شك أفضل ما صدر عن هذا الموضوع خلال الستين أو السبعين السنة الاخيرة ’ فأن تلك المحاولات بإستثناء كتاب سباهي الذي اعتمد التحليل والاستقراء في كشف الغموض المحيط بالمندائية ’ فأن البقية لم تعدو كونها خطوات متعثرة ومتباعدة زمنيا بشكل كبير بين الواحدة والاخرى ’ الا أنها بنفس الوقت وللانصاف كانت محاولات شجاعة وجريئة اذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المرحلة التأريخية للمجتمع العراقي حينها وطبيعة تركيبته السكانية والديينية ’ اضافة الى العزلة الاعلامية الرسمية التي كانت تعاني منها أغلبية الاقليات الدينية العراقية طوال عقود القرن العشرين تقريبا ’ والذي يمكن ان نستثني العشرين سنة الاخيرة منه حيث تميزت هذه الفترة بتسليط بعض الاضواء الرسمية على الطائفة المندائية ’ كان من نتيجتها ظهور العديد من الدراسات الاكاديمية ولأول مرة لباحثين مندائيين كأطروحات ماجستير ’ كانت من أبرزها ( أواني الاحراز المندائية ) _ فريال زهرون نعمان عام 1997 والتي تعد في هذا المجال الثانية عالميا بعد الباحثة البريطانية اريكا هنتر ’ وكذلك الاطروحة المعنونة ( أسماء الاعلام في كنزا ربا ) _ عبد المجيد سعدون عام 1997 . وأطروحة ( أسفر ملواشي ) _ برونايا فهمي شنان عام 1999 ’ وأطروحة ( أسماء النبات والحيوان في النصوص المندائية ) _ أشواق نصرت عام 2006 ’ ..وغيرها . كذلك ظهرت بعض المواقع المختصة بالمندائية ’ ربما من أكثرها انتشارا موقع ( اتحاد الجمعيات المندائية في دول المهجر ) ومواقع اخرى جيدة مما يعطينا فكرة واضحة أن حمى المندائية قد عادت من جديد لتجتاح الباحثين والمهتمين بعقيدة لم يستطع ان يمحوها الزمن من ذاكرته رغم كل المصاعب والعقبات التي واجهتها اتبقى شاهدا على دين وفكر حي متجدد يبقى رغم كل شي .