من الذاكرة / طفولة وذكريات الفلوجة / الحلقة الثالثة / فائز الحيدر

 

من الذاكـرة
طفـولة وذكـريات
الفلوجـة مدينـة سـكنها المنـدائيون
الحلقة الثالثة
فائز الحيدر

طقوس تقديم القهوة في المضايف المندائية
لتقديم القهوة طقوس وعادات أتخذها المندائيون في مضايفهم وأصبحت رمزاً للكرم والضيافة وخاصة في المناطق الجنوبية من العراق واشتهر العديد من المندائيين بمضايفهم وكرمهم وأصبحت لهم مكانة اجتماعية معروفة في مناطق سكنهم ، وتشترط لصب القهوة طرق ثابتة ومتعارف عليها ، وأولها مسك الدلة باليد اليسرى والفناجين باليد اليمنى وتصب القهوة وقوفا" ويبدأ من أول جالس في الجهة اليمنى من المضيف أو المجلس وحسب تسلسل الجالسين
حتى وان كان بينهم طفل صغير . على أن لا تتجاوز كمية القهوة ثلث الفنجان ، عند مرافقتي الوالد في بعض هذه الأمسيات وعندما يصلني الدور بفنجان القهوة كان الجميع ينادي على من يصب القهوة ( دير بالك على الأشكندا )  وهذا ما سنتحدث عنه لاحقا" ، وأحيانا" يقوم صباب القهوة بأحداث رنين خفيف نتيجة ملامسة الفنجان للدلّة لتنبيه الضّيف إذا كان مشغول أو شارد البال  ومن طقوس شرب القهوة أن يهزّ الضيف الفنجان يمينا" وشمالا" حتّى تبرّد قليلا" ليتمّ تناولها بسرعة .
تقدم القهوة في المضايف المندائية للضيف ثلاث مرات أو أكثر أسوة بالمضايف والدواوين الأخرى ،
الأولى عند دخوله المضيف ، والثانية بعد الأستراحة ، والثالثة بعد تناول الطعاموممكن في اوقات أخرى عند طلب الحضور وخاصة اذا كانت القهوة ذا طعم جيد مستحب .
وفي الدواوين المندائية
ولا سيما في مجالس العوائل ، تقتضي عادات الضيافة المندائية انه كلما دخل ضيف جديد على المجلس يتم تقديم القهوة من جديد على جميع الجالسين ، كما لا يفضل أن يغادر أحد الضيوف الديوان أثناء تقديم القهوة وعليه الإنتظار حتى الأنتهاء من تقديمها .
وهناك طقوس أخرى مهمة متعارف عليها في دواوين القهوة ، فعادة ما  يشرب صاحب المضيف الفنجان الأول قبل الأخرين ، ويقال انها عادة قديمة أتخذها العرب في مضايفهم وذلك ليأمن ضيفهم من أن تكون
القهوة  ذات طعم غريب أو مسمومة فيلحق بالمضيف السخرية والعار طيلة حياته . ولا زال المندائيون يستعملون الأسلوب نفسه ويسمى هذا الفنجان ( الهيف )...
وبعد فترة من الفجان الأول يبدأ بصب الفنجان الثاني وهو الأول بالنسبة الى الضيوف والمسمى ( الضيف )  وهو أهم طقوس الضيافـة ، والضيوف
مجـبرين على شربه أحتراما" للمضيف إلا في حالـةوجود العداوة أو أن يكون للضيفطلب عند المضيف فكان يمتنع عن شربه إلا بعد وعـد من المضّيف أو المعزبأو كما يسمونه أحيانا"بتلبية الطلب .. وقد كانمن الصعوبة بمكان أن يأتي ضيف إلى الديوان ويمتنع عن شرب القهوة إلا بعد تلبية طلبه فالمضّيف  حتما" مجـبر على تلبيـة طلبه وإلا لطخ  بهالعـار حسب العرف العشائري ، وأتذكر في أحدى الأمسيات كان والدي يستقبل الضيوف في دارنا وضع أحد الأقارب  فنجان القهوة على الأرض رافضا" شربه وجلب هذا أنتباه الضيوف وأستغرابهم وكل ضيف أخذ يفكر في ما يعتقده ، فليس للوالد أي مشكلة مع هذا العم الضيف وبالعكس فهو يرتبط معه بعلاقات حميمة وزيارات عائلية متبادلة وليس للوالد بنات في سن الزواج لربما جاء العم يطلب احداهن ومع ذلك جاء رد الوالد بأبتسامته المعروفة ، (  ابشر يا خوي .. قضيتك محلولة وطلبك على عيني  )  فكان جواب العم أريدك اليوم تتحدث لنا عن بطولات عنتر بن شداد وشعره الغزلي بأبنة عمه عبلة .. وسط ضحك كافة العمام الضيوف الموجدين في الديوان وفعلا" كانت الليلة تلك خاصة لبطولات عنتر وعبلة .
في وسط الجلسة عادة ما يقوم المضّيف بقديم الفنجـان الثاني للضيف  ويسمى ( الكيف ) ، وهو ليس مجـبر على شربه ولا
يضير المضيف إن لم يشربه الضيف .. إنما تقديمه هو لمجـرد مواصلة الجلسة ولقضاء اوقات ممتعة بالديوان . بعد أن شرب الجميع الفنجان الثاني  وأثنوا على جودت القهوة وطعمها أو علق أحدهم على نوعيتها يبدأ الوالد بالتحدث عن عنتر وعبلة تلبية لطلب ضيوفه في الديوان .
أما الفنجـان الثالث الذي يقدمه المضّيف  للضيف يسمى ( السيف ) ، وهو يعـني أن من يشربه فهـو مع المضّيف في السـراء والضـراء ، ومجـبر على الوقوف معه .
بعد الأنتهاء من شرب القهوة يبدأ الوالد بالحديث عن غزل عنتر بن شداد بأبنة عمه عبلة وبناء على طلب احد العمام ويبدأ بقوله : قبل ان نبدأ يا جماعة الخير لازم تعرفوا من هو عنتر ؟ هو عنتره بن
شداد ، وهو من قبيله بني عبس في الجزيرة العربية وامه زبيبة النجاشيبنت ملك السودان..... الى بقية القصة .
مدرسة ابن خلدون الأبتدائية
تعتبر مدرسة ابن خلدون للبنين من اقدم وأشهر المدارس الأبتدائية في الفلوجة وتتميز بالمدرسين الجيدين من سكان المحافظة والفلوجة بالذلت ، واشتهرت هذه المدرسة بنسبة نجاحها العالي في أمتحانات البكلوريا للسادس الأبتدائي وبعدد الكؤوس الرياضية التي حصلت في مباريات رياضية عديدة في اللواء ،  شيدت مدرسة أبن خلدون عام 1944 ، درس فيها غالبية أطفال العوائل المندائية في المدينة وكانت وسيلة للتعارف واللعب فيما بينهم أضافة الى ما يجري بينهم من مشاكل وعراك في مناسبات عديدة تحتاج الى تدخل الأهل أحيانا" لحل النزاعات الصبيانية وأعادة الوئام فيما بينهم .
 تتألف هذه المدرسة من صفين لكل مرحلة عدا الصف الأول والثاني فهناك ثلاثة صفوف لكل مرحلة ، وتحتوي على ساحة كبيرة منظمة لكرة السلة والطائرة أضافة لكرة المنضدة والمرسم وتجري فيها المباريات الفصلية والسنوية في كرة السلة والطائرة بين مدرستنا والمدارس الأخرى أضافة الى المدارس في النواحي والأقضية التابعة لمحافظة ( لواء )  الرمادي ، وعادة ما تجري بهذه الساحة كل صباح مراسيم الأصطفاف ورفع العلم من قبل الطلبة وقراءة النشيد الوطني العراقي وهو نشيد موطني الذي كتبه الشاعر ( ابراهيم طوقان ) ويعتبر من روائعه الشعرية :
موطني ..... موطني ..... موطني
       الجلالٌ والجمالٌ والسناء والهناء في رباك            والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواك
          هل أراك سالما" منعما" وغانما" مكرما"             هـل أراك في عـــلاك تبلـغ سـماك
          الشباب لن يكل همه ان يستقل او يبيد               نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيد
          لا نريد ذلنا المؤبدا وعيشنا المنكـدا               لا نريــد بل نعيــد مجــدنا التليــد
         الحسام واليراع لا الكلام والنزاع رمزنا            مجدنا وعهدنا وواجب الى الوفاء يهزنا
         عـزنا غايـة تشرف وراية ترفرف                 يا هناك في علاك قاهــرا" عــداك
وفي بعض الأيام وعند رفع العلم في الأصطفاف صباحا" ننشد وكلنا حماس نشيد الشباب :
لاحت رؤوس الحراب تلمع بين الروابي
هاكم وفود الشباب هيا فتوة للجهاد
هيــا هيـــا هيـــا  هيا فتوة للجهاد
يا أمنا كفي الدموعا     وانتظري للرجوعا
وان دعيت شهيدا"     نادي الفتوة للجهاد
أهلا" أسود الوادي   أهلا" حماة البلاد
أو أحيانا" قراءة قصائد مديح الملك وولي العهد . نسبة كبيرة  من الطلبة يحسون بالحرج في فترة الأصطفاف وعند رفع العلم ، فقد كان المعلمون يطلبون من أحد الطلبة الخروج الى الساحة وقراءة نشيد ما أمام الطلبة المصطفين في الساحة ، كان الجميع يشعر بالخجل والحرج والخوف والتفكير بأنه سيجبر على الخروج من الصف الواقف فيه والوقوف وسط الساحة أمام جموع الطلبة .
تحتوي المدرسة على حديقة جميلة منسقة رغم صغرها ويهتم بها كافة المدرسين والطلبة والفراشين وتحوي العديد من أشجار الفاكهة والكروم ويقضي الأساتذة والطلبة عادة فترة الأستراحة بين الدروس صيفا" في هذه الحديقة اضافة الى ما يتعلمه طلبة الصفوف المنتهية من معلومات في درس الأشياء والصحة عن النباتات والحشرات والفواكه والخضروات المزروعة فيها .
كان يقف اما مدرستنا العديد من الباعة المتجولين في عرباتهم المختلفة او يضعون ما يبيعون على رؤوسهم في صواني مختلفة الأحجام والأشكال ، فمنهم بائع اللبلبي الذي ينادي دائما" ( لبلبي .. بيع امك واشتري ) ، ومنهم يبيع ( الطاطلي ) ،  ( وبائع السمسمية ) و( الطرشي الحامض ) والمكون اٍساسا" من الشلغم والشوندر ولكن الأطفال في عمرنا تراهم يحيطون بعربات ( الشلغم ) و( الباكلة ) التى تغطيها رائحة النعناع الفواح  والبطنج أكثر من غيرها خاصة في فترة الظهيرة وعند نهاية الدوام . كانت أدارة المدرسة تحاول جهدها من منع الطلبة لشراء ما يحبون من الباعة المتجولين في باب المدرسة بدعوة عدم نظافة المأكولات وأحتمالات التسمم بين الطلبة ولكن السبب الحقيقي ان مدير المدرسة قد فتح حانوت داخل المدرسة يتوفر به بعض الحلويات والبسكويت والمشروبات ( السيفون ) بألوانه المختلفة ويود ان يحصل على الربح لما يبيعه الى الطلبة ووصل الأمر استعمال القوة أحيانا" أو الأتصال بالشرطة لمنع الباعة المتجولين من الوقوف أمام المدرسة حتى يضطر الطلبة الى الشراء من الحانوت المدرسي .
يتبع في الحلقة الرابعة
كندا /مايس / آيار / 2008
 منقول : موقع اتحاد الجمعيات المندائية