• warning: Illegal string offset 'files' in /customers/a/a/7/mandaean.dk/httpd.www/modules/upload/upload.module on line 282.
  • warning: Illegal string offset 'files' in /customers/a/a/7/mandaean.dk/httpd.www/modules/upload/upload.module on line 282.

أخوان الصفا والصابئة / د. قيس مغشغش السعدي

                                     
 
أخوان الصفا والصابئة  
د. قيس مغشغش السعدي  
بعد أن تستقر الأديان من فورة الإحداث والنشر والتديين، يعود الفكر يعمل في البراهين، خاصة وأن أساس الدين هو المعتقد، وقيام المعتقد إنما على الفلسفة والنظر المنطقي في الكون وتدبيره. ومع شدة تأثير الإسلام من حيث اللغة والحجة والوضوح وسلطة تديين الناس به، إلا أننا نرى أن ذوي العقول والفكر لم يقفوا مستندين الى ما يقرر لهم، بل أعملوا فكرهم وأظهروا جوانب بيان الإتفاق والإختلاف. ونتلمس ذلك مصلحة بدءً من المرحلة الأولى التي أعقبت وفاة النبي محمد وعدم إتفاق المهاجرين بزعامة أبي بكر وعمر بن الخطاب من جهة والأنصار بزعامة سعد بن عبادة من جهة ثانية وعلي بن أبي طالب كونه رأس آل البيت من جهة ثالثة، وكل يرى أحقيته في الخلافة وله مؤيديه. ثم ما دار بين علي بن أبي طالب وعائشة زوج محمد من معارك وبينه وبين معاوية بن أبي سفيان أيضا، وهكذا بين الأمويين والعباسيين. ولما إستقر الأمر عباسيا ظهرت المذاهب التي تباينت بحسب رؤيتها في الشرح للقرآن وللأحاديث والسنة وتباينت في التشريع والأحكام، ثم الحركات المتعددة ولعل أبرزها الخوارج والمعتزلة والقرامطة والإسماعيلية. وقد هددت بعض هذه الحركات كيان الإسلام ودولته. ثم بدأت حياة المجتمعات تتأثر وبخاصة بعد دخول أجناس غير عربية ( تركية وفارسية) ميدان الحكم والسلطة وسعيها لنقل تراثها وثقافتها السابقة والتي غـُلبت بالإسلام وتحيي معتقداتها المرتبطة بالتوحيد والمتميزة بالفكر العرفاني وخاصة بعد أن ملكت السلطة كما حصل في العصر البويهي. ويعد المأمون، عالم خلفاء بني العباس، متميزا في تطوير حركة العلم والمعرفة نقلا وتأسيسا وقبولا، وكان في تأسيس بيت الحكمة مثالا على التوجه العلمي بكل مناحيه وبخاصة في الجوانب الفلسفية والمنطقية. وأبرز ما دار في عصره موضوع خلق القرآن الذي هز الكيان وأدى الى إنقسامات كبيرة وتمايزات أخمدها الخليفة المعتصم بعد وفاة والده وأوقف فتنتها. ويعد القرن الثالث الهجري متميزا ببروز الفلاسفة وبخاصة بعد قدوم ثابت بن قرة وجماعته من حران التي تعتبر مدينة الفلسفة وعاصمة الدين وعلوم الفلك والرياضيات والمنطق. لقد أثر هذا العالم الموسوعي ( الذي يتطلب منا أن نضع عنه مؤلفا كاملا لما له من علم وقيمة كبيرة في العلوم والتراث) بعلمه وفكره وأخلاقه في الخلافة العباسية وبخاصة أنه كان جليس الخليفة المعتضد ونديمه، وعالمه الذي وضع وترجم ونقل وشرح له الكثير من الكتب والمعرفة. وقد تأثر بأفكار ثابت وفلسفته العديد ممن عايشه وعاصره وكذلك ممن جاء بعده، ذلك أنه فيلسوف رائد طرح معتقدات الصابئة التي توارثها ودرسها في حران وأضاف لها بشرحه وعبقريته الفذة التوضيحات التي أثرت في العديد من الأفكار وبجوانب أثبتها بالبرهان المنطقي أو الرياضي أو بالتنبؤات الفلكية المبنية على علم النجوم. وما لم يستطع الوصول إليه في التأثير، تلقفته عنه مجموعة أخوان الصفا التي ظلت مجموعة سرية غير معروفة الأسماء برغم شيوع بعضها، إلا إن الإختلاف في عدم إمكانية الإتفاق عليهم يشير الى خشية هذه المجموعة من أن يصيبها الأذى بحكم ما ذهبت إليه مما يختلف مع الشريعة الإسلامية رغم تغليفها لأمرها بما يتفق معها في الظاهر.
لقد تأثرت هذه المجموعة بأفكار العالم ثابت بن قرة في مجالات عديدة وهم ينقلون عنه بالإسم مرة وبدونه مرات في مواضيع متعددة، بل أن البعض يرى أن بعض كتب ثابت ورسائله نقلت وتم تضمينها كاملة ضمن رسائل أخوان الصفا التي تعد أول موسوعة في التاريخ من حيث شمولها وتنوعها. وما يهمنا أيضا ما يراه واضعوا هذه الرسائل من أهمية وإبراز لفكر الصابئة الذي دخل الفكر العربي والإسلامي من خلال ما نقله وشرحه كبير الصابئة ثابت بن قرة الذي أظهر فكر الصابئة من السر الى العلن وميز هذا الفكر بعقله وأبعده عن كل الطقسيات غير المنطقية التي علقت به والتي يأخذها البعض على ديانة صابئة حران وما بنوا عليه من تشويهات بأسباب تناحر الغلبة الدينية.
إن أخوان الصفا يشيرون صراحة الى علاقتهم بصابئة حران بالقول:" إن مذهبنا وإعتقادنا هو مذهب صابئة حران". ولأن غايتهم التقريب بين الدين والفلسفة فلا بد من أن ينظروا بفلسفة من سبق ويخضعونها لمنطق الإلتقاء مع حرص المرء على التدين فيكون التكامل بين المعرفة وبين الوجدان. وعلى هذا يشير أخوان الصفا في معرض تحليلهم لتسلسل عبادة الأصنام، أن بدء عبادة الأمم لها كان أولا عبادة الكواكب، وبدء عبادة الكواكب كان عبادة الملائكة، وسبب عبادة الملائكة كان التوسل بهم الى الله لأنهم صفوة الخلق. والمعروف أن صابئة حران والصابئة المندائيين يعظمون الكواكب لما لها من قيمة تدبير زودها بها الخالق للفعل في مدبراته في الكون. والمندائيون يعظمون الملائكه لأنها أطهر خلق الخالق ويرون منازلها في الأفلاك، وهكذا يحض أخوان الصفا أيضا.
ومثلما تأثر صابئة حران بالمذهب الفيثاغوري وبتأثير الأعداد وأهميتها وبناء الكل وتكثره من الواحد وفيض الجميع عنه مثلما يفيض الضوء عن قرص الشمس، فإن أخوان الصفا يرون فيهم الحكماء الفيثاغوريين الذين يعطون كل ذي حق حقه، فهم يقولون:( إن الموجودات بحسب طبيعة العدد وهذا هو مذهب أخوتنا - يقصدون الصابئة - وبحسب رأيهم في وضع الأشياء مواضعها وترتيبهم حق مراتبها على المجرى الطبيعي والنظام الإلهي).
إن ما نقله أخوان الصفا في رسائلهم من رسائل وكتب ثابت بن قرة وتبنيهم لآرائه وهي فكر وآراء الصابئة الأقدمين الذي تم توارثه وتناقله في مدينة حران بما عرف عنها أنها أصل الدين وحافظته قد أثار الحفيظة على ما جاء به أخوان الصفا وبخاصة في فلسفتهم التي أتهموا بأنها باطنية مغلفة بغلاف سياسي للإطاحة بالحكم العباسي من خلال تبني جماعات له وبخاصة جماعة الإسماعيلية التي تعتمد هذه الرسائل وتنظر إليها نظرة إحترام وتقديس كبيرة. ونحن لا نستبعد هذا التأثر بل نقره من خلال كثرة ما نقلوه عن ثابت بن قرة وكذلك عن أبنائه وأحفاده الذين ظلوا متأثرين بذلك وأبرزهم البتاني إبن أخت ثابت والذي يعد أبرز علماء الفلك وصاحب الزيج الصابئ، ونسيبه من أسرة آل زهرون ذائع الصيت أبو إسحق إبراهيم بن هلال الصابي، الذي عاش الفترة التي ظهرت فيها رسائل أخوان الصفا، بل وكان في بعض فترات حياته، على ما يذكر في شعره، في مدينة البصرة وهي المدينة التي عرف بها تأسيس جماعة أخوان الصفا. ولا نشك بأن الصابي قد إلتقى المبرزين في هذه المجموعة إن لم نقل أنه من زاد في الشرح والنقاش معهم وساهم في تغذية أفكارهم وبلورتها. وعلى هذا يذكر التوحيدي بعض أسماء المجموعة ومعرفته بهم وعنه نقل الآخرون أسماءهم، ومعروف أن التوحيدي من المقربين والمعجبين بأبي إسحق وعاش معه وذكره بخير الكلام. ( وقد وجدت لأبي إسحق الصابي في مخطوطة قديمة بجامعة لايدن/ هولندا رسالة كتبها الى أبي الحسن الصابي المنجم في إستطلاع تحويل سنته تلتقي في مضمونها وتوجهها بل وفي مفرداتها مع ما ثبته أخوان الصفا بنظرتهم لإستقراء طالع السنين وفي مقدراتها المرتبطة بتقدير الخالق وكيف أن الإستقراء لا يمنع نازلة بقدر ما يجعلك متهيئا لتلقيها فيخف وطؤها بالإستعداد المسبق).
ولهم في بيان قيمة المثلث من أنه أصل الأشكال المستقيمة الخطوط كما هو الواحد أصل لجميع العدد، فمن تكرارالمثلث يتكون المربع والمستطيل والمخمس والمسدس... وهكذا. ولنا أن نقارن ذلك بالأهمية التي يقدمها المندائيون للمثلث وبتكراره وتشكيل المعين منه وهذا ما يرد في النصوص بل وفي الزخارف المرسومة في المنمنمات التي ترد في الدواوين المندائية وبشكل متكرر وملحوظ.
وقد تناقضت التقييمات لرسائل أخوان الصفا بين التعظيم والتكفير. ويكفي أن ننقل ما يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية : (كتاب رسائل الإخوان الصفا الذي صنّفه جماعة في دولة بني بويه ببغداد ، و كانوا من الصابئة المتفلسفة المتحنفة ، جمعوا بزعمهم بين دين الصّابئة المبدّلين ، وبين الحنفية ، و أتوا بكلام المتفلسفة و بأشياء من الشريعة) ويذكر أن ابن تيمية مطلع على فكر الصابئة ذلك انه أصلا من مدينة حران وضواحيها.
 وما يثبت قيمة الرسائل أنها قد لاقت قبولا وإنتشارا واسعا في المجتمع ودار الخلافة والإمارة البويهية ذات المذهب الزيدي الشيعي، وإنتقلت سريعا حتى الأندلس وأثرت في أفكار العصر وأخافت الحريصين على موضوعة الدين بجانبه العاطفي والوجداني الذي يمكن من خلاله تسيس الناس. أما الذين يبحثون عن المعرفة والمنطق والحكمة والميتافيزقيا فقد وجدوا فيها شمولا وتكاملا لأفكار الفلسفات والديانات السابقة وقد تلقفوها لما للغتها من بساطة وشروحات ووضوح. وهكذا أثـّروا في الفلاسفة من بعدهم ، كابن سينا والفارابي والسجستاني والكرماني وناصر خسرو ونصير الدين الطوسي وغيرهم. وهكذا أيضا أقبلعليها المستشرقون وترجموا أغلب نصوصها وأخضعوها للدرس والمقارنات. ومازالت الى اليوم تعد أول موسوعة شاملة عرفت، وأكفأ موسوعة تضمنت فكر الصابئين بشكل خاص لتأثر جماعتها بفكرهم إن لم نقل أن المجموعة التي كتبت هم صابئة أصلا كتموا أسماءهم خوفا وغلفوا عباراتهم بعبارات إسلامية قبولا من المجتمع مع أنهم حاولوا أن يستفيدوا من جميع معطيات الأديان وتضمين افكارها وما تقره بحسب تماشيها مع منطقهم ونظرتهم التي إستفادت من معطيات عصرهم وسعت لأن تنقله نقلة عرفانية فتقدمت العصر. ولولا أن الأمر يغرقنا في التخصص لنقلت للقارئ الكريم الكثير مما تناولوه وكيفية ربطه بفكر صابئة حران وبما يرد في فكر الصابئة المندائيين أيضا وبخاصة في معتقدات الخلق والخالق والنظرة الى خلق العالم والكواكب وتدبيرها للكون والمطهرات والإلتزامات الدينية في النجاسات والتنبؤات والفلك وعلم النجوم وقراءة طالع السنين ودخول الأبراج وتأثيراتها. بل أنهم سبقوا العالم دارون في نظريته نشوء الخلق حين أبانوا بأن أعلى مرتبة من الجماد مرتبطة بأدنى مرتبة من النبات وأعلى مرتبة من النبات مرتبطة بأدنى مرتبة من الحيوان وأعلى مرتبة من الحيوان مرتبطة بالإنسان الذي هو أرقاها تميزا وعقلا، ولهم في كل هذا أدلة وبراهين من صفة الجمادات ومكونات الأحياء. ونقول: لو أنهم برزوا في عصر غير ذلك العصر وفي مكان غير مقر الخلافة العباسية التي يجب أن تلتزم مبادئ الدين الإسلامي لرأينا لشأنهم شأنا في تطوير الفكر الإنساني والمعرفة من خلال التقبل والتشجيع والتعميق بالدرس العلني لا بالحركة السرية التي أضطروا على الإختباء وراءها خوفا من التكفير والقتل والإضطهاد كما هي العادة.  
وللصابئة أن يفخروا بمثل هذا التراث ويعملوا على إبرازه لأنه مستند الى فكر ومعتقد صابئة حران الذي يلتقي في جوانب كثيرة مع فكر ومعتقد الصابئة المندائيين مع خصوصية بعض الطقوس والشرائع. وإنما برز فكر صابئة حران بالعلماء الذين نقلوه وشرحوه، وظل فكل الصابئة المندائيين حبيس الكتب حتى ضعفت القدرة على شرحه ثم إنعدمت بل وصار الخوف من أن يكون الشرح مغلوطا بسبب عدم تواصل الدرس مع الأولين بما عرفوا حقا، وللإقدام على ذلك عليهم أن يعرفوا كيف يشرحوه ويقدموه لا بصفة التضاد بل بالصفة العرفانية المعروفة بديانتهم وهي معرفة أن الخالق علة الوجود. بل وعلى الصابئة اليوم أن يفخروا بتراث العظام الذين يقدرهم العالم وأبرزهم العالم الموسوعي ثابت بن قرة الذي يعد أعظم عقلية في تاريخ الرياضيات والفلك في أزمنة الحضارة العربية وفي الفلسفة والطب أيضا، وبكل من جاء من نسله وتبعه في ميادين المعرفة والأدب وأبرزهم الأديب الكبير والسياسي اللامع أبو إسحق الصابي