من الذاكرة / طفولة وذكريات الفلوجة / الحلقة الرابعة / فائز الحيدر

 

من الذاكـرة
طفولة وذكريات
الفلوجة مدينة سكنها المندائيون
الحلقة الرابعة
فائز الحيدر
فقدان الجدة بصرية
لفترة قريبة لم أكن أدرك السر الذي يدعو الوالد عبد الرزاق صكر والعم حيدر صكر الى الأهتمام الغير العادي بالجدة ( بصرية ) ، تلك المرأة الطاعنة بالسن والتي تجاوزت السبعين عاما" من العمر ، كنت في حينها أعتقد ان ذلك يعود لكوننا مندائيين وهذا واجب المندائي تجاه اخيه المندائي ، لم أسأل الوالد او الوالدة عن هذا الموضوع يوما" لأعرف ما هي القرابة بيننا وبين بيت الجد شمخي جبر وأولاده العمام حاتم وفنجان وصبري ووسمي وكاطع . وكل ما اتذكره ان زيارة الوالد الى بيت العم فنجان شمخي جبر كانت عديدة خاصة عند المساء وعند عودته من العمل وهو يحمل رقية ( شرط السكين ) الى الجدة العزيزة بصرية أو كيس من المعجنات التي تحبها أو الكعك المسمسم مرفقا" ببطل من ماء الورد أو علج بستج .
تعودت العوائل المندائية أن تشتري خروفا" للعيد الكبير وقبل حلوله بشهرين أو أكثر ويرسل هذا الخروف مع احد الرعاة للرعي من الصباح وحتى المساء وعند عودته يترك الراعي الأغنام والأبقار عند طرف مدينة الفلوجة الجنوبي وتعود هذه الأغنام والأبقار الى بيوتها بنفسها بعد ان تعودت على طريقها لأيام عديدة حتى يأتي موعد العيد فيكون الخروف قد زاد وزنه وجاهز للذبح . أتذكر خروفنا ذو القرنين الكبيرين الذي اشتراه الوالد قبل عدة أشهر من العيد وأخذنا نرسله مع الراعي فجر كل يوم ليعود قبل الغروب مع بقية القطيع حيث نكون قد استعدينا لأستقباله لأيصاله الى البيت بدون ان يضايقه أحد من أطفال المحلة في الطريق ، وعندما لا يجد أحد منا لأستقباله لسبب ما فيسلك طريقه بهدوء الى البيت ويقوم ينطح الباب بقرنيه ثم يأخذ طريقه متسلقا" السلم القصير الى الغرفة الصغيرة المخصصة له قرب السطح حيث يجد الماء الصافي وباقات الجت بأنتظاره ليقضي ليلته بهدوء .
بعد جهود كبيرة اقنع العم فنجان شمخي الجدة بصرية على ارسال البقرة الحلوب العائدة لهم مع الراعي صباح كل يوم ليخفف عنها عناء الأهتمام بها طيلة النهار لكبر سنها ، وعند المساء كانت جدتنا تستقبل بقرتها العزيزة عند طرف المدينة وتعود بها الى البيت فرحة حيث الأهتمام الغير العادي وتقدم لها باقات الجت الطرية مصحوبة بالتدليك والتحدث معها لفترة طويلة لكي تطمئن عليها . وفي مساء احد الأيام وعند عوة البقرة الى البيت كانت الجدة بصرية بأنتظارها كالعادة عن بعد ، لكنها فوجئت بمعاكسة بعض صبية المحلة لبقرتها ( هايشة الصبيّة ) ورموها بالحجارة ويبدوا ان احدى قطع الحجارة قد اصاب رأس البقرة وفقدت صوابها أثر ذلك فأضطرت الى تغيير مسارها بأتجاه معاكس ونحو مقبرة المدينة ثم الى الطريق المؤدي الى بغداد القريب منها ، ومن جانبها أبت الجدة بصرية ان تترك البقرة تفلت من يدها وتبعتها مهرولة حتى مسكت بذيلها وهي تحدثها بطرق شتى عسى ان تنجح محاولاتها بأقناع البقرة بالوقوف وهي العجوز الطاعنة بالسن دون جدوى .
حل الظلام ومرت ساعات ولم تعد جدتنا الى البيت واعلنت حالة الطوارئ بين العوائل المندائية المجاورة لبيت العم فنجان وتولدت في ذهن كل منا قصة ، وتوزع الجميع كبارا" وصغارا" في شوارع الفلوجة ومقبرتها القريبة وهم يحملون المصابيح والشموع يبحثون عنها في الطرق المؤدية الى البيت حتى تجاوزت الساعة العاشرة ليلا" وفقد الجميع العثور عليها حية ، وأخيرا" خطر للعم فنجان ان يسأل عنها سواق سيارات الأجرة القادمة من بغداد وهو الأحتمال الأخير وكان جواب أحدهم بالأيجاب فقد شاهد أمرأة عجوز تمسك بذيل بقرة بالقرب من ( خان ضاري ) والتي تبعد اكثر من عشرة كيلومترات عن الفلوجة وعندها اسرع الجميع لنجدتها بعدة سيارات أنطلقت من المدينة وعادوا بها بسيارة خاصة الى البيت مع البقرة وهي شبه فاقدة للوعي .
هذه الحادثة تركت في ذاكرتي معنى العزيمة والأصرار لدى الأنسان مهما كبر في السن ، واخذت أتابع ما هي العلاقة بين الجدة بصرية وعائلة صكر الحيدر حتى تبين لي ما هو السر ولو بعد سنين طويلة لاحقة لكي تكتمل الحقيقة .
تزوج الجد لفتة بن حيدر زوجتان فأنجب من الأولى ولد واحد هو الجد مصبوب لفتة ابو سلمان ( ابو عيدان ) وثلاث بنات :
ـ البنت الأولى هي الجدة فتنة ( ام سعدية ) ام أبن العم جبار خضير صكر ( أبو ظافر ) .
ـ البنت الثانية هي الجدة حرشة ( زوجة جبر الكلمشي ) .
ـ البنت الثالثة هي الجدة حلاوة ( زوجة عجيل خلف ) .
وأنجب من الزوجة الثانية ولدان هما :
ـ الولد الأول هو الجد صكر بن لفتة .
ـ الولد الثاني هو الجد مظلوم بن لفتة .
وخمسة بنات هن :
ـ الجدة مصبوبة .
ـ الجدة حلوة .
ـ الجدة سفحة ( ام سودي عايز ) ابو عبد الواحد .
ـ الجدة مجذوبة ( ام شيرة ام غانم مهاوش ابو انيس ) .
ـ الجدة بصرية زوجة شمخي جبر ( ام فنجان شمخي ) والتي تعتبر عمة الوالد عبد الرزاق صكر وبقية العمام , وعند هذا تبين لنا السر لماذا كان الوالد والعم حيدر صكر يهتم بالجدة بصرية .
بائعة القيمر وضحة
اشتهرت المدن العراقية منذ زمن بعيد بمنتجاتها المحلية ، والذي بات علامة مميزة لكل واحدة ، لا يضاهيه منتوج مماثل وان ظهر في مدن اخرى ، فمثلا" البرتقال أشتهر في محافظة ديالى ، والكرزات أشتهرت بها مدينة الموصل ، والسمك في سدة مدينة الكوت ، والعنب في قضاء بلد ، والبطيخ في قضاء سامراء ، والكباب في قضاء الفلوجة ، والطرشي في محافظة النجف ، والرز العنبر في قضاء الشامية ، واللبن في محافظة اربيل والتمر في محافظة البصرة ... ألخ .
في اواخر فصل الربيع وامتدادا" للصيف وقسم من الخريف يبدأ موسم ( أمهات الروبة ) ، وعادة ما يحفز القرويات بائعات الروبة بتسويق ألبانهن في تلك الأيام بالتزامن مع نضوج التمر الذي يروجه الفلاحون على شكل رطب ، حتى بات المشهد مألوفا" لبائعات الروبة في الأسواق وأصبح الإقبال عليه كبيرا" , وكتب الكثير من الكتاب عن تلك السيدات العاملات وسموهن باسم ( المعيديات ) . ان منظر بائعات اللبن جميل خاصة وهن قادمات من بعيد يحملن على رؤوسهن أقداح اللبن المنضدة في أوان فوق بعضها وهن يتمايلن في مشيتهن بتناغم يمنح الأواني الاستقرار والثبات . نشاهدهن كل يوم وهن يحملن صوان متباينة القطر مملوءة بطاسات اللبن الرائب المعدنية والخزفية الملونة وبالشكل الرائع وتعلوها الكشوة الطافية في الأعلى المائلة للصفرة ، مشكلة عدة طوابق قد تصل حتى الطابق السادس او السابع ، كن يصلن الى السوق قبل شروق الشمس وما يقارب الساعة السادسة صباحا" قادمات من ضواحي المدينة المختلفة حاملات عشرات من طاسات الروبة على رؤوسهن وفي رؤوسنا الكثير من علامات الأستفهام ، متى أستيقظن من النوم ؟ وكيف جئن الى المدينة ؟ ؟ وعند من تركن أطفالهن ومن يرعاهم ؟ وعندما كنت أرى واحدة من تلك السيدات ( بائعات الروبة ) من بعيد تمشي كنت أتذكر شعر الرصافي الذي درسناه في المدرسة وهو يصف أمرأة فقيرة في العيد :
لقيتها ليتني ما كنت ألقاها تمشي وقد أثقل الاملاق ممشاها
انهن يستيقظن فجر كل صباح أو كما يقال ( الغبشة ) وكلمة الغبشة بالعربية الفصحى تعني الصباح الباكر وقبل شروق الشمس ، ومعنى الغبش في اللغة العربية هو اللون الرصاصي ، حيث يكون لون الصباح مزيجا" بين الأبيض والأسود .
ومن المهن الشعبية القديمة التي كانت موجودة في الفلوجة والمحافظة على شعبيتها وزبائنها هي ( بيع القيمر ) وهو قشطة الحليب والتي أصبحت مهنة يزاولها الكثير من الكسبة من الرجال والنساء على السواء , ويعتبر القيمر وجبة دسمة من مشتقات حليب الجاموس التي ماتزال بيوت عدة في اطراف المدن تحتفظ بمجمعات منها لكسب قوتها حيث يتم اعداده هناك . وتعارف العراقيين قديما" ان اكرام الضيف القادم من مدينة أخرى يكون عادة بتقديم صحن أو ( صينية ) من القيمر صباحا" أو يقدم كوجبة فطور للشباب المتزوجين في الايام الثلاثة الاولى من الزفاف أو حتى في الفواتح , وعادة يباع القيمر في المناطق الشعبية في كافة المدن العراقية . ولا يكتفين البائعات على ببيع القيمر وحده عادة انما في النهار والمساء يبعن اللبن الرائب ( الروبة ) . حتى سمين احيانا" ببائعات الروبة.. وعادة ما نلاحظ بائعات الروبة والقيمر وغالبيتهن من النساء الكبيرات في السن في معظم كراجات النقل وتجمعات العمال وفي الأسواق الشعبية وقرب المخابز والافران والعتبات المقدسة ويعتبر ( القيمر والمربى ) وجبة فطور معروفة ومرغوبة جدا" لدى الجميع .
عندما أصطحبني والدي لأول مرة وانا طفل في التاسعة من العمر الى بيت بائعة القيمر ( وضحة ) في ضواحي الفلوجة لنشتري صحن القيمر سألته حينها ... ( يابه هذا الحليب مال الكيمر يأخذوه من هاي البقرة لو من الثور .. ) ، عندها صفعني الوالد على خدي ودمدم بصوت واطئ وقال ( أبني أسكت بعدين افهمك بالبيت !!! ) ، كانت وضحة في منتصف الثلاثينات من العمر ، ذات ملامح قروية جنوبية جميلة ، وجه صافي وعيون سوداء وسمار شرقي لطيف ، كان يعجبني كثيرا" ما أشاهده من بائعة القيمر ( وضحة ) وهي تقطع القيمر بالدبوس والبعض من الزبائن ينادونها ( خالة وضحة بروح أبوج زيدي شوية حليب ) . كان قيمر المعيدية وضحة له طعم خاص وتعودنا على تناوله نحن الصغار صباح كل يوم مع الدبس والراشي قبل الذهاب الى المدرسة ، ولكن من الذي يحضره يوميا" وبيت المعيدية وضحة يقع في طرف الفلوجة الشمالي ويبعد عنا أكثر من كيلومترين ونصف ، تطوعت لأحضاره يوميا" ( الغبشة ) أوعند الفجر وقبل ان تذهب وضحة الى السوق صباحا" لتبيع ما يبقى لديها من القيمر وقبل ان يصل احد زبائنها قبلي ليختار صحن القيمر الأفضل والمرتبة في الصينية الكبيرة خاصة وان هناك الكثير من المنافسين الأشداء من الأقارب وغيرهم ومنهم أبن العم حميد حيدر صكر ( أبو مناضل ) ، ورغم فارق العمر بيننا وهو الأكبر سنا" مني ، كنا نتسابق فجرا" للوصول لبيت وضحة للحصول على الصحن الأفضل حتى تخلى طوعيا" عن المهمة بسبب عدم تمكنه من النهوض فجرا" وكل يوم . كان علي قطع المسافة مشيا" على الأقدام ولم نفكر يوما" بالخطف والتسليب التي عادة ما تواجه أطفال العراق هذه الأيام .
(غبش ) الصيف له رائحة لطيفة خاصة ، فالجو يكون صافيا" والهواء خال من الأتربة مع برودة لطيفة ، اما غبش الشتاء فهناك اختلاف واسع ، فالأمطار كثيرة والأوحال تغطي الشوارع الترابية وعليّ قطع هذه المسافة متعثرا" في الأطيان فجر كل يوم واضعا" على رأسي كيس الحنطة الفارغ ( الكونية ) لأحميه من المطر ومرتديا" الجزمة المطاطية والتي اشتراها لي الوالد خصيصا" لهذه المهمة ، ولكن عند عودتي الى البيت حاملا" صحن القيمر معي اشعر بالغبطة والفرح لأني أنجزت المهمة اليومية بنجاح ولا يزال الأهل يغطون في سبات نومهم الصباحي . وعند المساء تمر ( وضحة ) مع من ترافقها من المعيديات بائعات الروبة أمام محلات الصاغة المندائيين وهم زبائن دائميين لشراء كاسات الروبة وسط غزل البعض منهم بجمالها ومن حولها من المعيديات . وهنا تحضرني أعنية المرحوم ناظم الغزالي :
يم العيون السود ما اجوزن أنا خدج الكيمر أنا أتريك منا
وقد يتسائل البعض منا ما معنى كلمة ( معيدي ) . يقال أنهم سكنة الاهوار ممن يطلق عليهم بـ ( المعدان ) وجاء اسمهم من قسوة الحياة في الأهوار وشظف العيش . ويقال ان اصل المعدان من بقايا السومريين بسبب من عمر الاهوار الضارب في القدم . ويقول الميداني في كتابه ( مجمع الأمثال ) : المعيدي هو نعت أطلقه ( النعمان بن المنذر بن ماء السماء ) أمير المناذرة في الحيرة على المعيدي ( ضمرو أبن أبي ضمرة ) الذي كان يغير على مال النعمان بن المنذر ملك الحيرة فكان يطلبه فلا يقدر عليه ، وكان يعجبه ما يسمع عنه من شجاعة واقدام إلى ان أمنه ، فلما رآه استزرى منظره لانه كان قصير القامة دميم الخلق فقال ( تسمع بالمعيدي خير من ان تراه ) ، والمعيدي تصغير رجل منسوب إلى معد يضرب مثلاً لمن كان خبره خيراً من مرآه .
يتبع في الحلقة الخامسة
كندا / حزيران / 2008

 منقول : موقع اتحاد الجمعيات المندائية