من الذاكرة / طفولة وذكريات الفلوجة / الحلقة الاولى / فائز الحيدر

 

                                                          
من الذاكــرة
طفـولة وذكـريات
الفلوجـة مدينة سكنها المندائيون
الحلقة الأولى
فائز الحيدر
الصابئة المندائيون أقدم الشعوب الذين قطنوا العراق ، ارتبط وجودهم فيه وخاصة في منطقة الاهوار في جنوب العراق وأيران ، وتشير المصادر التأريخية الى ان ديانتهم كانت منتشرة في بلاد وادي الرافدين قبل اكثر من 2000 عام .. ولذلك تعتبر هذه الديانة  من أقدم الديانات التوحيدية الحيّة التي نشأت في بلاد الرافدين . ويشير الكتاب  المقدس للصابئة المندائيين والمسمى ( كنزا ربا ) والذي يعني في اللغة الآرامية الشرقية ( الكنز العظيم ) الى وحدانية الله كما وينظرون الى يوحنا المعدان أو ( النبي يحيى ) باعتباره أهم أنبيائهم .
وتشير الدراسات الى ان أغلب الصابئة المندائيين في جنوب العراق قد مارسوا المهن اليدوية مثل الحدادة والنجارة التي تشمل صناعة الأدوات الزراعية مثل المساحي والمناجل والسكاكين والفالات ( جمع فالة ) لصيد الأسماك والفؤوس بأشكالها المختلفة  والقوارب أضافة الى بيع الأخشاب ومواد النجارة وبناء البيوت , وتحول اغلبهم خلال العقود الأخيرة إلى صياغة الذهب والفضة والميناء وقد برعوا بها قياسا" الى اقرانهم من الصاغة في مناطقهم ، ولم أجد سببا" مقنعا" لتحول المندائيين الى مهنة الصياغة دون غيرها من المهن وقد يكون السبب في ذلك  لقرب مهنة الصياغة من مهنة الحدادة اليدوية  . وبعد عقود من الزمن لعب أبنائهم دورا" كبيرا" في مجالات العلم والتربية والطب والهندسة بعد تكوين الدولة العراقية الحديثة وأصبح  لهم موقع ودورهام في تاريخ العراق السياسي والثقافي والفكري .
غادرت أعداد كبيرة من الصابئة المندائيين مناطق سكناهم في الأهوار والقرى الجنوبية منذ ثلاثينيات و أربعينيات القرن الماضي متوجهين إلى العاصمة بغداد والمدن الكبيرة الأخرى في الوسط والشمال وقرب الأنهار لأسباب عديدة منها تواجد الأقطاع والتخلف الأجتماعي في مناطقهم أضافة الى الأضطهاد الديني وعدم ممارسة طقوسهم الدينية بحرية من قبل جيرانهم المسلمين والعشائر المحيطة بهم ، الى جانب الأسباب أقتصادية والبحث عن فرص عمل أفضل أو لعدم توفر فرص التعليم لأبنائهم في أماكن سكنهم حيث انخرطوا هناك في الحياة الجديدة وقدموا كل طاقاتهم وإمكانياتهم الحرفية والعلمية والمعرفية التي اكتسبوها من دراستهم ومن الحياة العامة من أجل المساهمة في بناء وطنهم العراق . ومن المدن التي استوطنها الصابئة المندائيون في ثلاثينات القرن الماضي هي مدينة الفلوجة .
مدينة الفلوجة عبر التأريخ
يقول أبو حيان التوحيدي في كتابه ( الأمتناع والمؤانسة )  ان المدن ((  تبنى على الماء والمرعى والمحتطب والحصانة )) ، بُنيت الفلُّوجة محطة على ماء الفرات ترسوا عندها السفن الماخرة مياه النهر بين جنوب العراق حتى أقاصي غربه . ويصفها الجغرافي ( ابن منظور ) في كتابه المشهور( لسان العرب ) انها ((  الطيبة البيضاء المستخرجة للزراعة )) ويقال  أنفلجت ضفتا الفرات بعد مهبطه من الأنبار وهيت وحديثة وعانة فكانت بلدة الفَلُّوجة ، ويقول ((  ياقوت الحموي )) عن آخرين ((  فلاليج السواد قراها ، وإحداها الفَلُّوجة )) ، اما  ( معجم البلدان ) فيذكر انها تعد من سواد بغداد والكوفة . وللفلج عدة معان جميلة فالفُلج تعني ( الساقية أو الماء الجاري ) ، والفُلجان تعني سواقي الزرع ، والفَلَجات تعني المزارع . والفَلج بمعنى الصبح . والفَلج أو الفُلج تعني القَمْر ، والفَلُّوج تعني الكاتب . والفَلِج الصنف من الناس . والفَالج البعير ذو السنامين ، وقافلتها فوالج . والمرأة الفلجاء التي أفترقت أسنانها أو فعلت ذلك طلباً للجمال . والفَلج الظفر والفوز . ويقول بشير فرنسيس وكوركيس عواد في ( مجلة سومر ) عرفها الأكديون ببلوكاتو وعرفها الآراميون ببلوكثا ، أما اسم الفَلُّوجة في اللغات الأكدية والآرامية تعني الانشطار أو الانفلاج ، ويقول ( لسترنج ) في بلدان الخلافة الشرقية ارتاد شاطئها الإنكليز زمن الملكة إليزابيث الأولى و ((  أبقوا سفنهم فيها وسافروا براً إلى دجلة أسفل المدائن بثلاثة فراسخ ))  وبقربها خرائب الأنبار القديمة تقاوم الدهور ، الأنبار التي أخذت اسمها من أنابير الحبوب ، وهي الرمادي . ويرى المحقق ( عبود الشالجي ) في كتابه (  الفرج بعد الشدة ) أن الفَلُّوجة حلت محل الأنبار .
ظلت الفَلُّوجة طوال العهود العثمانية والفارسية موقع لمعارك كبيرة  بين جيوش هذه الدول لكونها تقع على وسط طريق العثمانيين من استانبول إلى بغداد ، ولا يأمن الجالس في ببغداد على سلطانه إلا إذا أخضعها له ، ويقال ان مَنْ تمكن منها تمكن من بغداد . . فعندما هيمن عليها الشيخ ناصر بن مهنا بموافقة السلطان العثماني ووزير العراق أخذ يحصل الأتاوات من المسافرين من بغداد ، بعد أن ملك القسم الجنوبي من النجف حتى الفَلُّوجة .
أما طبيعة أرض الفلوجة فتتكون من أراضي سهلة رسوبية وتعد أمتدادا" لسهول محافظة الانبار التي تكونت من ترسبات نهر الفرات على مر العصور ، وتتميز بمناخها شبه الصحراوي وقلة سقوط الأمطار والتباين الكبير بين حرارتي الليل والنهار وانخفاض الرطوبة. ترتفع الحرارة فيها صيفاً إلى ما يقارب 42 درجة مئوية،  وتنخفض شتاءً فتصل إلى 9 درجة مئوية . لذلك اتخذ
العثمانيونالمدينة خلال أحتلالهم للعراق كمحطة استراحة في الطريق الصحراوي المؤدي إلى بغداد .
أشتهرت الفلوجة بين العراقيين بكبابها ، كشهرة كباب أربيل ومسكوف شارع أبي نواس وباجة الحاتي . وعرفت بجسرها الحديدي الجميل ، الذي أنشئ على الفرات سنة 1929 ، وبالنسبة لهواة السياحة فالطريق الى بحيرة الحبانية الساحرة يمر من خلالها ، فهي لا تبعد عن محافظة الأنبار غير 54 كم و56 كم عن محافظة بغداد .
ويقع بين مدينة الرمادي و الفلوجة مطار ( سن الذبان ) العسكري الذي أنشأه البريطانيون غربي الفرات بجوار ( الحبانية ) عام 1935م . وهو معسكر كبير نقلت إليه قوات السلاح الجوي البريطاني من معسكر الهنيدي ( والذي سمي لاحقا" بمعسكر الرشيد) ومن معسكر الموصل فدبت فيه الحياة والعمران حتى اصبح مدينة على طراز غربي . وقد سكنها الجيش العراقي منذ عام 1955م بعد إلغاء معاهدة 30 حزيران 1935م العراقية - البريطانية التي عقدت على أساس إقامة قاعدتين جويتن بريطانيتين إحداهما في الشعيبة بجوار البصرة والأخرى بين الرمادي والفلوجة .
أستحداث قضاء الفلوجة
يقول المؤرخ العراقي ( صبحي راشد الباني ) :  بعد اندثار مدينة الانبار (5 كم) شمال غربي الفلوجة حالياً والتي بناها ابو العباس السفاح ولاتزال الاثار للعاصمة العباسية شاهدة للعيان في الوقت الحاضر ثم ارتحل اهل الانبار الى منطقة الصقلاوية المحاذية للمدينة حيث اصبحت هذه القرية ناحية في زمن الحكومة العثمانية عام 1875 وقد كان العبور الى الرمادي والمدن الواقعة غرب الفرات من الصقلاوية بوسائل النقل القديمة (الشختور) و ( القرب المنفوخة ) لذلك قرر والي بغداد ارسال مدير بلدية بغداد الحاج ( محمود التكريتي ) الى منطقة الصقلاوية لمسح المنطقة واختيار مكان ملائم على النهر يقام عليه جسر خشبي يسهل عليه العبور الى الجهة الغربية من نهر الفرات وبالعكس  فتم اختيار موقع يبعد 150 متر عن جسر الفلوجة الحديدي بالقرب من دار المرحوم ( عبد الله الشاها ) ، حيث اخذ الناس يتوافدون اليها من منطقة الصقلاوية وبقية مدن العراق فقاموا ببناء المساكن بالقرب من منطقة الجسر الخشبي وقررت الدولة حينها بنقل مقر الناحية من الصقلاوية الى الفلوجة وقام الملك فيصل الاول مع نوري السعيد والوزراء بافتتاح جسر الفلوجة القديم عام 1933 وهناك من يقول انه افتتح في عام 1929 كما سنلاحظ ذلك لاحقا" .
استحدث قضاء الفلوجة  بموجب الإدارة الملكية المرقمة (  866) في سنة 1926 ويقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات وهي مركز قضاء تابع إلى محافظة ألا نبار ، واصبحت  حدودها الإدارية من الشمال قضاء الكاظمية ومن الشرق قضاء المحمودية ومن الجنوب قضاء المسيب .
مدينة الفلوجة في الخمسينات من القرن الماضي
كما بينا تقع الفلوجة على الضفة اليمنى لنهر الفرات ، وتبعد مسافة 56 كم عن بغداد ويربط المدينتين شارع واحد يمر في وسطها ويقسمها الى قسمين ويمر بجسر الفلوجة الحديدي الذي بنته القوات البريطانية عام 1929 لعبور قواتها من قاعدة سن الذبان في الحبانية على نهر الفرات الى بغداد وبالعكس . الفلوجة مدينة صغيرة لا يتجاوز مساحتها المسكونة في ذلك الوقت عن أربعة كيلومترات مربعة تقريبا" ، ويمكن لزائر المدينة القادم من بغداد وعند دخوله الشارع الرئيسي ان يرى في بداية اطرافها ، على الجانب الأيمن تتواجد معامل جص البناء والطابوق يليها بيوت قديمة عديدة متلاصقة ثم يليها مدرسة الخنساء الأبتدائية للبنات التي شيدت في بداية الخمسينات وأتذكر جيدا تسلقي جدارها الخارجي لألقاء التحية على شقيقتي في فترة الأستراحة في حديقة المدرسة ، أما على الجانب الأيسر فنشاهد ساحة الألعاب الرياضية التي تجري فيها عادة الأستعراضات المدرسية السنوية لعموم لواء الرمادي في ذلك الوقت يتبعها متوسطة الملك فيصل للبنين وهي احدى المتوسطات المشهورة في المدينة سواء بمدرسيها الأكفاء أو بالتفوق العلمي لطلبتها وكان يدرس بها العديد من الطلبة المندائيين وأتذكر ان الأخ الأستاذ ( مؤيد سعيد رهيف ) كان أحد اساتذة درس الفيزياء المشهورين فيها ، تجاور المتوسطة مباشرة مدرستنا وهي مدرسة ابن خلدون الأبتدائية للبنين التي بنيت عام 1944 والتي تظم الكثير من الأطفال المندائين ايضا" ومديرها المعروف بالقساوة مطلوب العاني  ، عند مواصلة السير في الشارع الرئيسي نرى على الجانبين مجموعة من البيوت لا اتذكر ان رأيت ابوابها قد فتحت يوما" وطيلة سنوات ولا نعرف سر ذلك ، ثم يليها محطة الوقود الوحيدة في المدينة على الجهة اليمنى . بجانب محطة الوقود هناك شارع متعامد على الشارع الرئيسي يوصلنا الى سوق البزازين ( القماش ) المسقف بألواح معدنية تقيه من حراة الشمس صيفا" وهو من مخلفات الحرب العالمية الأولى وفتح فيه العديد من الصاغة المندائيين محلاتهم هناك وفي بدايته وعلى الجهة اليسرى كانت محلات العمام فنجان شمخي جبر وحاتم شمخي جبر وصبري شمخي جبر ووسمي شمخي وفرحان كاطع واخوته ناصر وجبار وغيرهم ، ومن هناك نصل الى سوق الخضروات والحاجات المنزلية اضافة الى علاوي الحبوب والتمور والأخشاب والمطاعم الشعبية وهانك محل الوالد عبد الرزاق صكر والعم حيدر صكر وصاغة آخرون لا تسعفني الذاكرة بتذكر اسمائهم . وعند عودتنا الى محطة الوقود على الشارع الرئيسي  فيقابلها على اليسار دائرة البريد حيث  يقابلها العديد من الكازينوهات الشعبية التي عادة ما يتردد عليها ابناء الريف والفلاحيـن القادمين من ضواحي الفلوجة لللأسـتراحة وتناول دوندرمة ( الأزبري )  صيفا" قبل مغادرتهم المدينة بعد بيع منتجاتهم الزراعية والتسوق واتمام عملهم فيها ، ونستمر في السير الى الامام لنرى الجسر الحديدي الوحيد ذو الممرين  وبعبوره نتجه الى مدينة الرمادي ومن ثم الطريق الى سوريا .على الجانب الايمن للجسر وعلى ضفة النهر يقع دار القائمقام تجاوره ساحة كبيرة كانت تستغل في النهار لبيع الأغنام تسمى ( وكفة الغنم ) والخضروات والحاجيات المنزلية والباعة المتجولين وتستغل في أماسي أيام الجمع لعرض الأفلام السينمائية من قبل السينما المتجولة التابعة لوزارة المعارف حينها والتي تعرض نشاطات الحكومة المختلفة وجولات الملك فيصل الثاني وولي العهد عبد الأله عبر شريط الأخبار الذي تعده الوزارة آنذاك أضافة الى بعض الأفلام عن التطور والأعمار في العراق ، ونادرا" ما يعرض فلم عربي طويل ، اما على الجانب الأيسر فيقع نادي الموظفين وهو مكان تجمع كافة الموظفين والمثقفين العاملين في المدينة وكان من رواد هذا النادي الشاعر المعروف معروف الرصافي الذي عاش  منفيا" ومنعزلا" في آخر ايام حياته في الفلوجة ونظرا" لفقر حاله وللظروف السياسية التي كان يمر به العراق في ذلك الوقت ولمعارضته الحكم الملكي اصبح يبيع السكايرعلى ارصفة الفلوجة ومن قصائده المشهورة في نقد الحكومة والملك حينذاك
أنا بالحكومة والسياسة أعرف       أأ لام في تفنيدها وأعنف
علم ودستور ومجلس امة         كل عن المعنى الصحيح محرف
 يليه بعدة مئات من الأمتار المستشفى الملكي البسيط في تجهيزاته وكادره الطبي . تحيط بالفلوجة مجموعة كبيرة من البساتين والأراضي الزراعية الخصبة اتي عادة ما تزرع بالخضروات ومن اهم تلك البساتين بستان ( حسن بيك ) وهو احد الأقطاعيين المعروفين في ذلك الوقت ويملك أكبر مضخة لسحب الماء من نهر الفرات لأرواء بساتينه العديدة الواسعة حافظة ألانبار .
التعليم والصحة
ويمكن القول ان التعليم في الفلوجة في ذلك الوقت كانً بدائياً أسوة بالمدن العراقية الأخرى ، وكان يقتصر على تعليم قراءة القران مع بعض مبادئ القراءة والحساب وكان يقوم بهذه المهمة رجل يسمى (الملا) ، ولكن وبعد قيام اول حكومة وطنية افتتحت العديد من المدارس وكانت اول مدرسة ابتدائية تفتتح في الفلوجة عام 1922 ومن مدراء هذه المدرسة المعروفين الذين يذكرهم كبار السن هو (عبد المجيد الفارس ) وتم افتتاح مدرسة ابن خلدون الأبتدائية عام 1944 ومدرسة الانبار الأبتدائية عام 1944 والمنصور الأبتدائية عام  1953 وتم افتتاح اول مدرسة أبتدائية للبنات في بداية الخمسينيات سميت بمدرسة الخنساء وهو بناء حديث لو تمت مقارنته بالمدارس الأخرى القديمة والتي اجريت عليها بعض التعديلات . وبمرور الزمن ولحاجة القضاء افتتحت عدة مدارس ابتدائية لتغطي حاجة المدينة ولتخفيف الضغط على المدارس الأخرى .
اما من الناحية الصحية في المدينة فهي متأخرة ، حيث كان المرضى ولغاية الثلاثينات من القرن الماضي  يعالجون بالعقاقير النباتية والأعشاب حيث تتوفرالعديد من محلات بيع عقاقير الأعشاب  . وكان للحلاقون دورهم وعملهم الآخر فكانوا يساهمون بعلاج بعض الامراض وخاصة الأمرض الجلدية وقلع الاسنان وختان الأطفال ، وهناك من يعالج المرضى بالسحر وبالكتابة على الورق وحرقها مع الحرمل في النار للتبخر وتقرباً للشفاء وكذلك كان البعض يستخدم الكي بالنار لعلاج بعض الامراض ولا ننسى ان هناك من كان يعالج نفسه بزيارة مراقد الاولياء والصالحين في ضواحي المدينة . وبقي الحال الى ان افتتح اول مستوصف في الفلوجة عام 1937 ومكانه قرب دائرة البريد ، ومن اوائل الاطباء الذين عملوا فيه وكما يتذكره آبائنا وكبار السن (عزة الروماني ) .
يتبع في الحلقة الثانية
كندا / نيسان / 2008