الميثيولوجيا المندائية / خزعل الماجدي

 

 
الميثيولوجيا المندائية
(التاريخ الأسطوري للكون والإنسان منذ الخليقة وحتى الفناء في الديانة المندائية)
تأليف : خزعل الماجدي
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع / دمشق
604صفحة
 
 
 
كتب ناشر الكتاب في حقه قائلا: ربما يكون هذا الكتاب هو الأول من نوعه في المكتبة العربية والمكتبة الأجنبية معاً، فهو يتطرق إلى موضوع نادر يتهيّبُ منه كثيرون بسبب حاجته إلى عدة معرفية كبيرة في تاريخ وعلم الأديان التوحيدية وجذورها. إن الديانة المندائية ما زالت محاطة بالكثير من الغموض واللبس فكيف إذا كان الموضوع هو (المثولوجيا) التي تبحث في شرح وتحليل وتأويل الأساطير المندائية التي هي العتبة الأولى للغنوصية والتوحيدية .
سيكون هذا الكتاب، ولزمنٍ طويل جداً، متفرداً في موضوعه وسيوفِّر للقراء والباحثين المفاتيح الحقيقية لفهم الديانة المندائية وسبر أغوارها بعيداً عن الكتب السطحية التي وضعت عنها. إنه يضع الأساطير المندائية في دورة كونية شاملة تبدأ بالخليقة ثم العمران ثم الخراب وتنتهي بالموت والفناء، وهو، بذلك يقيم ترابطاً بين موضوع الأساطير وزمن حدوثها.
ورغم غزارة إنتاج المؤلف، في حقل المثولوجيا وتاريخ وعلم الأديان، لكن هذا الكتاب يبدو لنا وكأنه الأهم بين مؤلفاته فرط علميته ودقته وموضوعيته وندرة موضوعه وأسلوبه الأخاذ.

أما المؤلف الدكتور خزعل الماجدي فيقول في مقدمة الكتاب:

منذ صباي، كنت أنظرُ إلى الديانة المندائية باحترامٍ وإعجاب. وكان يدفعني الفضولُ بقوةٍ لمعرفة أسرارها وخفاياها لسبب ما زلت أجهله حتى هذا اليوم. وكان حبي لهذه الديانة مدعاةً لصداقات كثيرة انعقدت، مع الزمن، بيني وبين أبناء هذه الديانة في العراق.. لقد شعروا بحبي لهم وقد غمروني بالتقدير والاحترام.
ولعل نقطة التحول الإيجابية المهمة، في علاقتي مع هذه الديانة وأهلها، كانت يوم ألقيت محاضرتي (الأصول السومرية للديانة الصابئية المندائية) في نادي التعارف الخاص بهم عام 1996 والتي استغرقت أكثر من خمس ساعات، ثم نشرتها في كتابي (جذور الديانة المندئية). وقد أحدثت المحاضرة ثم الكتاب ضجةً في الوسط المندائي وأنقسم المندائيون حولهما بين متحمسٍ ومعارض، وصدرت حولها ردود وبيانات اضطررت بعدها إلى إلقاء محاضرة جديدة، في المكان نفسه، لتوضيح ما التبس من القصد.
بعدها أزداد إطلاعي على الدراسات والكتب الموسعة حول هذه الديانة في اللغات الأجنبية وعرفتُ الكثير من خفاياها، وتعززت نظرتي السابقة لأصولها الرافدينية. فقد توغلتُ في أعماق نصوصها الدينية والأدبية وتجلّت لي، يوماً بعد آخر، صورتها الحقيقية وأدركت أن (المندائية) هي آخر الصفحات المشرقة لحضارة وادي الرافدين قبل الإسلام، لكن جذورها الثقافية كانت تمتد إلى ما قبل السومريين، رغم أن الدراسات الأجنبية تتحاشى البحث في هذه الجذور وتحاول زرعها في أماكن أخرى غير وادي الرافدين!!
لن أبالغ إذا قلتُ أن التراث المندائي هو أول وآخر تراث رافدينيٍّ أصيل، فقد بدأت به الحضارات الرافدينية مع الشعب الناصورائي الذي أسس مدينة (أريدو) وقد اخترق التاريخ، منذ الألف الخامس قبل الميلاد، بصمتٍ وبصعوبةٍ بالغةً منفياً هناك على حافات الأهوار وعند فم الخليج حتى تم تدوين أصوله الشفاهية في القرون الميلادية الأولى باللغة المندائية (التي أصبحت لغته في الألف الأول قبل الميلاد) ووضع هذه الأصول في مخطوطات كثيرة، فُقد بعضها، وتناوب على إدامتها نسّاخ عظماء أوصلوها، بأعجوبة، إلى العصر الحديث.
كان إطّلاعي على التراث السومري والأكدي والآشوري والبابلي قد زودني بعدّة جيدة للخوض في مغاور الديانة المندائية فقد أضاء لي هذا التراث الكثير من جوانب هذه الديانة التي كان إغواؤها لا يُقاوم، فهي تحملُ، من جهةٍ، ذلك التراث بكلِّ أطيافه وتحمل، في الوقت عينه، لوناً جديداً هو نزة التوحيد التي تنفرد بها المندائية دون غيرها من صفحات وادي الرافدين.
كان هناك هاجس قوي يدفعني للقول، دائماً، أن جذور التوحيد الأسسية موجودة في وادي الرافدين لكني كنتُ أفتقر إلى الأدلة التي تؤكد ذلك، حتى أطّلعت بعمق على هذه الديانة فتأكد ظني تماماً حيث أدركتُ أنها كانت ديانة التوحيد السرية في وادي الرافدين والتي تبلور التوحيد فيها في منتصف الألف الأول قبل الميلاد وظلت تنمو تحت العقائد الدينية متعددة الآلهة لكنها لم تستطع تقويضها لأنها ديانة مسالمة ومحدودة الانتشار، فظهرت ببطءٍ إلى العلن بعد سقوط بابل وتعرّف عليها اليهود والفرسُ والإغريق وأخذوا منها.. وسرعان ما أصبحت (المندائية) التي ترجمها الإغريق بصيغة مصطلح (الغنوصية)، سمة العصر الهيلنستي الدينية ثم الفلسفية.. أما أهلها المساكين فكانوا يزدادون عزلةً وفقراً قرب الأهوار في جنوب العراق.
لقد أعطت المندائية الروحَ للغنوصية التي أنعشت الفكر الهيلنستي، وهي أعظم فترة اختلاطٍ للعقائد العالمية، لكنها لم تُذكر بخير ولم يلتفتُ أحد إلى أهلها ولم ينصفهم التاريخ، بل أن اليهودية ثم المسيحية تدينان بالكثير لها. لكنها طُويت في ثناياهما وضاع إرثها فيهما.
هكذا تبددت روح المندائية، بصمتٍ، في عقائد الهيلنستية والتوحيدية وازدادت هذه الديانة عزلةً وغموضاً منذ ذلك اليوم وحتى وقت قريب.
ورغم أن علماء الأديان والآثار واللغات السامية بحثوا فيها وسلطوا الضوء عليها ولفتوا الانتباه لها، لكن خلفياتهم التوراتية والإنجيلية لعبت دوراً كبيراً في محاولة إرجاع هذه الديانة إلى جذورٍ يهودية ومسيحية باعتبارها فرقة هرطوقية منهما نبتت في أرضهما (فلسطين والأردن) ثم رحلت إلى (وادي الرافدين) في القرون الميلادية الأولى، وقد ساهم هذا في إعادة تضبيب وتمويه أصول هذه الديانة وأهميتها.
أعتقد أن الوقت قد حان لوضع دراسات علمية دقيقة ومقارنة لسبر أغوار المندائية في لغتها وذيانتها وأصولها الأنثروبولوجية دون أية خلفيات أو دوافع دينية أو أيدولوجية بل بدافع علمي محض، وهو ما سيعطي لهذه الديانة مكانتها الحقيقية.
لقد كان إغواء الأساطير المندائية، قياساً لأبحاثي في هذه الديانة، هو الأقوى، فقد دأبتُ على جمع وتبويب وتصنيف هذه الأساطير في مجاميع متجانسةٍ ثم بدأتُ بتحليلها وفق الآليات العلمية المتبعة في علم الأساطير (المثولوجيا). ومن هنا كانت فكرة هذه الكتاب.
تختلفُ الأساطير المندائية عن أساطير العالم القديم وعن أساطير بيئتها القديمة في وادي الرافدين، فهي منطقة وسطى وحلقة صلةٍ ما بين تلك الأساطير والأساطير الغنوصية في شكلها الهيلنستي. إنها أساطير غنوصية نيئة لم تطبخها حرارة التحولات الجديدة في العالم القديم، بعد أن حرك مياهه الراكدة غزو الاسكندر المقدوني للشرق عام 334 ق.م، في حين أصبحت الأساطير الغنوصية ناضجة أو صلبةً في القرنين الأول والثاني الميلادي. أما الأساطير المندائية فقد احتفظت ببراءتها وعفويتها وظلت هكذا حتى يومنا هذا، ولذلك نرى أن دراسة الأساطير المندائية بعمقٍ أمرٌ لا بد منه لفهم الأساطير الغنوصية وتحولاتها.
ظهر الاهتمام بالأساطير المندائية مع مؤلفات الليدي دراور التي ترجمت بعض الكتب المندائية التي تضم هذه الأساطير وعلّقت عليها تعليقات بسيطة مثل (آدم الخفي، حران كوثيا وتعميد هيبل زيوا، تتويج شيشلام ربّا) لكن كتابها (أساطير وحكايات) الذي يشكل الجزء الثاني من كتابها (الصابئة المندائيون في العراق وإيران)، الصادر عام1937 كان هو أول كتاب أساسي في هذا المجال والذي ترجمه كلّ من (نعيم بدوي وغضبان الرومي)، لكن هذا الكتاب لا يعد كتاب أساطير بالمعنى الحقيقي للكلمة لأن عيوبه معروفة فهو ليس بالكتاب التحليلي بل هو مجرد سرد للأساطير الشعبية المندائية على لسان رجل صابئي اسمه (هرمز بن الملاّ خضر) وهي حكايات شعبية شفاهية فقد بعضها أصله الأسطوري. وتحولت إلى نوعٍ من الحكايات المشوشة الذاكرة. وهي، مع ذلك، مفيدة. ولكننا لا نضعها في حقل المثولوجيا نصوصاً أو دراسةً.
المحاولة الوحيدة الجادة هي كتاب كورت رودولف (خلق الآلهة والكون والإنسان في الديانة المندائية) الذي صدر بالألمانية عام 1965 والذي ترجمه بإعدادٍ وتصرفٍ الدكتور صبيح مدلول السهيري. والكتاب دراسة جيدة في حقلها لكنها لا تتناول إلاّ أساطير الخليقة وهو جزءٌ من الأساطير وتهمل أساطير العمران وأساطير الخراب وأساطير الموت، أي أن الكتاب بتناول الربع الأول من حقل الأساطير المندائية فقط.
إننا اليوم نقّدم هنا، في كتابنا هذا، أول محاولة شاملة في تحليل ودراسة كلّ لأساطير المندائية من خلال علم الأساطير (المثولوجيا)، وسيعرف قارئ الكتاب حجم ونوع ما ذهبنا إليه من تقديم صورة شاملة للمثولوجيا المندائية بتبويب علمي دقيق وبملاحقة لكل التفاصيل وتحليل دقائقها الصغيرة وربطها بأصولها الرافدينية القديمة. ونحنُ نرى أن هناك انعكاسات متبادلة بينها وبين أساطير الأديان الأخرى كالبارسية والزرادشتية والأساطير الغنوصية مررنا عليها حيثما استدعت الضرورة ذلك.
يبحث الفصل الأول من الكتاب في التعريف بالصابئة المندائيين ويتبع أصلهم وتاريخهم من عدة وجهات نظر، فيبدأ بوجهة نظر المندائيين أنفسهم وكيف ينظرون إلى أصلهم وتاريخهم من خلال كتبهم المقدسة والتاريخية مثل (كنزا ربا ودراشة إد يهيا وكتاب حران كوثيا) ويؤشر الأماكن والأحداث التي أسطروا فيها تاريخهم وشطحوا فيها بخيالهم متأثرين بروايات التوراة بشكل خاص. ثم يطرح الفصل وجهة نظر العلماء العرب المسلمين في القرون الوسطى بين القرنين السابع والثاني عشر الميلاديين وما شاب رواياتهم من مغالطات وتعميمات خاطئة. ثم نطرح وجهة نظرنا الخاصة حول أصلهم وتاريخهم.
وكذلك بحثنا في هذا الفصل الأسطورة والمثولوجيا وتصنيف الأساطير لكي نعرّف القارئ بهذا الحقل وعلمه ومررنا على أساطير وادي الرافدين ثم الأساطير المندائية وعلاقتها بها وبالأساطير الغنوصية. أي أن هذا الفصل هو فصل تمهيدي للدخول في موضوعنا الرئيسي.
الفصل الثاني يتناول القسم الأول من الأساطير المندائية وهي أساطير الخليقة (التكوين) التي تشمل (الثيوغوينا) وهو نشوء الآلهة والكائنات الإلهية من نورانية وظلامية وأرضية، وقسّمناها إلى عدة حقول عن (الحي العظيم) و(كائنات النور) و(كائنات الظلام) و(خلق الإنسان) بدوراته الأربعة منذ آدم وحتى فناء الأرض القادم بالريح.
وقد وضعنا لهذا الحقل آليات تحليل جديدة حيث حاولنا الإمساك بالإيقاع المشترك لكل هذه الكائنات عبر سلاسل ودوائر ثيوغونية دقيقة كشفت لنا الكثير من أسرار تلك الكائنات وأضاءت فهمنا لأساطيرها التي سنتناولها.
أما أساطير خلق الكون(الكوزموغونيا) فقد تناولت خلق عالم النور وكائناته ، وقد شملت مجموعة من أساطير كائنات هذا العالم في أربع دورات خلقية هي الحياة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة وأسطورة نزول مندا إد هيي إلى عالم الظلام ثم أسطورة نزول هيبل زيوا إلى هناك.
وتناولها بالبحث والتحليل أساطير خلق عالم الظلام وعالم الأرض وكائناتهما في أربع دورات خلقية هي الأخرى. وفي خلق الإنسان (الانثروبوغوينا) تناولنا خليقة آدم بغرا (الجسدي) وآدم كاسيا (الخفي) وخلق حواء(بغرا وكاسيا) وولادة أبنائهما وانتقام مندا إد هيي من كائنات الظلام التي تحيط بهم.

وفي الفصل الثالث تناولنا أساطير العمران في عوالم النور والظلام والأرض والإنسان. حيث تم اتقان هذه العوالم وظهور مصائرها وقوانينها في عدد من أساطير هذه الكائنات مثل (نطفتا، هيبل زيوا، يوشامن، أباثر، بثاهيل،الكوشطا، شهلون، شلمي..)
وظهرت أساطير عالم الظلام في إتقان عالم الكواكب وأبراجها وتحديد وظائفها وكائناتها أما أساطير الأرض والإنسان فتجلى في معرفة الأسرار والعناصر ونزول الماء الحي إلى الأرض وتعليم الناس المعرفة والتذكير بالحساب والنظام ونزول سام زيوا ويوخابر كوشطا إلى الأرض..إلخ
في الفصل الرابع تناولنا أساطير الخراب حيث تبدأ عناصر العمران بالتفكك تمهيداً للزوال وينطبق هذا على العالم المخلوق لاحقاً والذي تدب فيه الحياة الدنيوية مثل الأرض والإنسان، رغم أنه يطال شيئاً من عالم الظلام المهتريء أصلاً لكن الخراب ثم الموت لا ينالان العالم الأزلي الذي هو عالم النور والخلود.
لقد اهتزّ عالم الظلام بدءاً منذ نزل إليه الأثري العظام وقد ساء أمر الكواكب والأبراج إلى الدرجة التي بدأت فيها بجعل الشر منهجاً أساسياً لها أما خراب الأرض فقد تجسد في أسطورتي هجوم مندا إد هيي وإبن نباط ربّا عليها.. وظهر الخراب البشري في إنحراف الناصورائيين (وهم النخبة المندائية) وظهر نداء الحياة لهم ونصائح الأثري العظام وتكررت صيحات النذير وتحذيرات مندا إد هيي. لقد انحرف الإنسان عن النهج الإلهي الذي خطط له.

في الفصل الخامس تناولنا أساطير الموت أو النهاية، وهي أساطير مشوقة جداً في الديانة المندائية. فقد تحدثنا أولاً عن مثولوجيا الموت والآخرة والخلاص وبحثنا في طبيعة كلٍّ من هذه المفردات وفيما إذا كان هناك حسابٌ وعقابٌ وثوابٌ وجنة ونار وحشر وفناء عند المندائيين.
أما أساطير الزمان الكبير وأدوار العالم المتجسدة في العود الأبدي ثم الفناء في المندائية فكانت لنا وقفة طويلة جداً معها فقد فصلنا مثولوجيا الأدوار الأربعة للخليقة وتوقفنا عند الدور الرابع ومن ظهر فيه من الأسماء الكبيرة التي شكلت علامات هامة في تاريخ المندائية والعالم ثم أتينا على أسطورة الفناء المندائية التي يرتفع في نهايتها كلٌّ من يوشامن وأباثر وبثاهيل إلى عالم النور رغم خطاياهم التي جرّت على عام النور كل هذه المتاعب، تمهيداً لنهاية العالم والفناء الأخير له.
كذلك تناولنا جوهر الديانة المندائية الميتافيزيقي وهو دورة الروح (نشمثا) وتتبعنا مسيرتها من وإلى عالم النور والتي نرى أنها أساس الغنوصية بأكملها. وأخيراً بحثنا، نظرياً، في أسطورة العود الأبدي والرحلات بين عالمي النور والظلام وأخيراً كشفنا فكرة العود الأبدي في الطقوس والشعائر المندائية وبشكل خاص في الأعياد المندائية.
كانت رحلتنا في هذا البحر المثولوجي اللجب محفوفة بالمخاطر والمتع أيضاً فقد أطّلعنا على واحدةٍ من أعظم الرحلات الروحية للإنسان في التاريخ عبر هذا الدين الذي يمثل بحق واحداً من الكنوز البشرية بسب ما يعكسه من مرايا الإيمان والتطهر والمثالية والخوف والجمال والحب ومن الأغوار الميتافيزيقية لتجربة الإنسان في أكثر أشواطه حنيناً لعالم نوراني طهراني مثالي لا يُنال.
إننا نسجلُ، بأعجاب، تلك المجالدة الروحية الكبرى وذلك الشوق العنيف الذي لم يُتعب رجال هذا الدين الخصيب وتطلعهم الأبدي إلى عالم النور والحق والخير والجمال الذي أرادوا له أن يتحقق على الأرض، وحين لم يتحقق ظلوا في ثبات أكيد على استلهام قيم هذا العالم رغم كل ما حصل من تبدلات في القيم والمفاهيم.
إننا ندعو إلى المزيد ن الاهتمام بهذه الديانة العريقة وإلى البحث في كنوزها وعجائبها فهي، وإن أنحدرت إلينا من أزمانٍ سحيقة لكنها حاضرة اليوم بيننا في طائفةٍ هي من أكثر طوائف الأرض سلاماً. وندعو للحفاظ على أبناء هذه الطائفة الذين يمثلون، اليوم، أصغر وأعرق ديانةٍ على وجه الأرض مثل سلالة نادرةٍ من الزهور.
ولا بد لنا أن ننوِّه بأننا جعلنا من حلمنا في ظهور هذا الكتاب حقيقةً رغم الظروف السيئة جداً التي نمرّ بها على مستوى بلادنا (العراق) وعلى المستوى الشخصي، فقد كرسنا وقتنا في أصعب أزمان الغربة التي عشناها لتأليف ونشر هذا الكتاب ونحن في معاناة شديدة التعقيد لنيل مكان آمن على وجه الأرض بعد أن أجبرنا وطننا على الهرب منه ومن الموت الذي مازالت تدور رحاه فيه.