دعوة للحوار / الطائفة المندائية ، تحديات كبيرة ومستقبل مجهول / فائز الحيدر / الحلقة الاخيرة

                                                                                                                                  

دعوة للحوار 
الطائفة المندائية ... تحديات كبيرة ومستقبل مجهول
الحلقة الأخيرة
فائز الحيدر
 
تواجه الطائفة هذه الأيام تحديات عديدة تسير بها نحو المجهول ، وتحدثنا في حلقاتنا السابقة إلى أبرز تلك التحديات التي تواجه الطائفة والتي تهدد مستقبلها وهي....المندائيون والإضطهاد والتطهير العرقي عبر التأريخ ، موقف المرجعيات الدينية في العراق وإيـران من المندائيين ، إنقراض اللغة المندائية ، ضياع التـراث المندائي ، هجرة المندائيون العشوائية ، ظاهرة الطلاق والزواج من الأديان الأخرى. أما اليوم فنتحدث عندور رجال الدين المندائيين .
 
دور رجال الدين المندائيين
 
يعرف الجميع بأنه لم تكن للمندائيين سابقا" سلطة أو دولة أو مرجعية بالمعنى المتعارف عليه اليوم ، تقـود وتوجه أتباعها وتعطي رأيها بشكل كامل في القضايا الدينيـة والدنيوية المطروحة من قبلهم ، وأستمر هـذا الحال لغاية بضع عقود قليلة ماضية ، وكان كل رجل دين ورغم قلة عددهم يعطي رأيه في أي قضية تطرح عليه وفق ثقافته الدينية وخبرته وإجتهاده الشخصي ، ولم يعي غالبيتهم متطلبات المرحلة الخطيرة التي مرت وتمر بهـا الطائفة ، وتجلى ذلك بعـدم قـدرتهم على مواكبة الأحداث المؤلمة والإضطهاد المتواصل الذي تعرض له المندائيون خلال تأريخهم الطويل ، بسبب تشتتهم وسكنهم في مناطق متباعدة ، وتفرغهم للعبـادة والزهـد وممارسة الطقوس الدينية .
وبما إن الدين المندائي لا يؤمن بالمـادة ، بل بالروحانيـات . وبما إن السلطة هي من ماديات الدنيا ، لذلك لم يفكروا يوما" بالحيـاة الدنيوية الفانية أو بإقامة كيان خاص للدفاع عن أنفسهم ، والحفاظ على الطائفة ومسيرتها ولغتـها وتراثها بإعتبارها طائفة دينية قليلة العدد مهـددة بالإنقراض ، لذلك مالـوا الى التقشف والزهـد والعبادة ، وعاشوا كأقلية دينية مسلوبة الحرية والحقوق في ظل دول وعشائر سائدة في مناطق سكنهم ، وإستمر واقع الحال هذا لمئات السنين كانت الطائفة خلالها تعيش في دوامة من التحديات لم تأخذ الإهتمام الكافي حتى من قبل المندائيين الذين تبعوهم ولوضع حلول عملية مناسبة لتلك التحديات .
أما اليوم وبعد الهجرة القسرية التي تعرض لها المندائيون من قبل أطراف عديدة ، ووصول الآلاف منهم إلى دول لجوء مختلفة بعد أن تركوا وطنهم ووطن أجدادهم نتيجة تعرضهم للقتل والعنف المنظم الذي مورس ضدهم ، ورغم التطور الحضاري لتلك البلدان التي وصلوا إليها وإنتشارهم في مدن متباعدة ، يمكن ملاحظة الكثير من المظاهر التي تؤثر سلبا" على الدين المندائي ومسيرته ، وهي قصور البعض من الأخوة رجال الدين في الفهم العميق للتعاليـم الدينية المندائية واللاهوت المندائي أو في تفسير الكتب الدينية ، ويعـود سبب ذلك كما يعرف الجميعللتفاوت الكبير في تحصـيلهم الدراسي والعمر والمرتبـة والخبـرة الدينية والتجربة الحياتيـة وإجادتهم للغة المندائية ، إضافة إلى أن الكثيـر منهم لم يدرس الدين المندائي ولم يولد ويرعرع داخل عوائل متدينة ، بـل أجبرت الظروف الصعبة التي مرت على الوطن ( ولا نود الخوض بها اليوم ) البعض منهم ليصبح رجل الدين ، لذلك فمن الطبيعي ملاحظـة إختلافهم في الآراء وفي تطبيق الطقوس الدينية ، كما وطغت على البعض منهم العلاقات العائلية والشخصية بدلا" من الدينية ، فنرى منهم المتشـدد والمتساهل والمعتـدل بتطبيق النصوص الدينية الواحدة ، وفي تفسير الكتاب المقدس في أحيانـا" كثيرة ، والتي سببت في تشتت أفكار أبنـاء الطائفة ولأي رجـل دين يتبعـون !!! ومن هو الصائب منهم ؟ ، فمنهم منحـلل وأوصى بشرب ماء الحنفيـة وإجراء طقوس التعميـد بالأحواض والبحيرات الساكنة والملوثة أحيانا" ، وآخر لا زال يبحث لغاية اليوم وبمساعدة وعطف المحيطين به بين ثناياالأنهـار والبحيرات المتجمـدة وفي درجة البرودة التي تصل إلى ما دون الصفر بكثير ليملئ بعض الأوانيبالمـاء الملوث لغرض الشرب رافضا" ما يقوم به البعض من زملائه رجال الديـن وما يتفق عليه الأخرين ، رغم إن الديانة المندائية فيها الكثير من المرونة ما يجعلها تتأقلم مع ظروف المندائيين الجديدة وفي أماكن مختلفة من بلدان المهجر . وفي هذا المجال يذكر الترميذا الدكتور (عصام خلف الزهيري ) ( إن المندائيين وبالتحديد رجال الدين قد غيروا بعض ممارساتهم الدينية والحياتية والتي تشهد بأن طقوسنا الدينية فيها من المرونة ما يجعلنا نتخطى ونواجه كل مرحلة جديدة بنجاح ، ويعد السبب في ذلك للظروف المحيطة برجال الدين وصعوبة تنفيذ تلك الواجبات ومن قام بتلك التغيرات هم رجال الدين وحدهم ) . ورغم هذا الرأي فلا يلاحظ غالبية المندائيين المرونة الكافية في تطبيق الطقوس المندائية التي يتطلبها الواقع الحالي للمندائيين في المهجر .        
وبـدلا" من أن يبحث رجال الدين المندائيين عن السبل لإيجاد الحلول المناسبة للخلافاتالعالقة بينهم والقضاياالصعبة التي تواجههم وتواجه الطائفة عموما" ، ومواصلة الدراسة والبحث وزيادة معارفهم الدينية ، وتوحيـد خطابهم الإعلامي ، وقدرتهم الخطابية التي تنقصها اللباقة وترابط المفردات قياسا" لرجال الدين من الأديان الأخرى ، نلاحظ ومع الأسف ، إن البعض منهم قدنسى مهماته الأساسية وواجباته الدينية ، وتغلبت عليه الأنانية والنرجسية والإزدواجية والمصلحة الذاتية ، وأصبحت آراءه غير قابلة للنقاش والنقد ، وظهرت بينهم الكثير من الخلافـات الشخصية ، ودخل البعض منهم في تخندقات عائلية وعشائرية وفكرية عفى عنهـا الزمن ، تحول دون وحدتهم لمواجهـة التحديـات الدينية والإجتماعية وتظر بمستقبل الطائفة ، وتؤدي في نهاية المطاف إلى تقسيمها إلى تجمعات صغيرة متناحرة موزرعة على قارات عديدة ولها قياداتها الخاصة ، ووصل الحال لحـد إستعمال البعض منهـم الكلمات الغير اللائقة والمرفوضة دينيـا" وإجتماعيا" بحق بعضهم ، والتهجم على العاملين في مؤسسـات الطائفة المدنية والمثقفين المندائيين ، مما سبب في العديد من الإنشقاقات وإنسحاب وتعليق عضوية بعض المجـالس والجمعيات ،مما وضع أبنـاءالطائفة ومجالسها وجمعياتها في حيرة من أمرهم وقـد تشتت أذهانهم بين هذا وذلك من رجال الدين ، لذلك فضل بعضهم الإنعزال بسبب تلك الخلافات والمشاحنات ، مما أثر بشكل مباشر على تأسيس المجلس الروحاني المندائي العـام الذي يعقد عليه غالبية المندائيين الآمال في حـل الكثير من المسائل المعلقة بالطائفة .
 وأما على الصعيد الإجتماعي ، حيث تجمعات المندائيين اليوم في بلدان المهجر تفوق عددهم في الوطن ، نرى إن رجال الدين قد تجمعوا بأرادتهم أو بغيرها في بلدان معينة مثل أستراليا والسويد ، لأسباب قد تعود للظروف العائلية أو الإقتصادية أو المناخية ، وإنشغل غالبيتهم في حياتهم الجديدة وتدبير أمور معيشتهم الصعبة ، غير مبالين لما يحدث لباقي تجمعات المندائيين في الدول الأخرى ، كما وصاحب ذلك تشتت المندائيين في مدن عديـدة متباعدة وإنغلاقهم على بعضهم ولعدم توفر دور العبـادة ( المندي ) ، مما سبب في قلة لقاءاتهم وبالتالي قلل من فرص إجراء الطقوس الدينيـة والألتـزام الديني في كثير من مناسبات الزواج والأعياد وغيرها وبالتالي أضعف الروابط العائلية والدينية والإجتماعية بينهم ، مما أثر وسوف يؤثر حتما" على الجيل الجديد من الشباب الذي لا يعرف غير القليل عن ديانته وسـط الضغوطات الإسلامية وهجمة المنظمات التبشيرية المختلفة ، وأصبح هؤلاء الشباب يعيشون اليوم حالة اللا إنتماء ، وأصبح همهم هـو حب الأستهـلاك والمال وتحقيقرغباتهم المتعددة من التكنولوجيا الحديثة التي تحيـط بهم من كـل جانب متناسين هويـتهم المندائية ، أما لغتهم فتحولت إلى رموزوأسماء الشركات العالمية ، وهنا نلاحظ تشتت العائلة الواحدة، وبدأ الصراع بين جيل الشباب وبين آبائهم من الجيل القديم وكما أطلق عليهم البعض ( جيل الديناصورات ) ، حيث فقد الآباء السيطرة على الأبناء وتوجيههم وهم تحـت حماية قوانينالدولة ، وبعد سنوات ستكون الطائفة المندائية قد خسرتالكثير من أبنائها وبناتها في بلدان المهجر مثلما فقدنا اللغة والتراث والهوية المندائية . وبذلك تكون الطائفة المندائية قد دخلت إحدىأكثر المراحـل خطورة . وأصبح واقع الحال هذا يقلق الجميعحول المستقبل المجهولولربما الإنقراض الذي ينتظر الطائفة في العقود القادمة لو إستمر الحال على هذا المنوال .
إن الطائفة المندائية وقيادتها المدنية والدينية بأمس الحاجة اليوم لممارسة مسؤوليتهم التأريخية لإعادة النظر في مسيرتها بكل سلبياتها وإيجابياتها ، ووضع خطة عمل واضحة للنهوض بواقعها الحالي والإبتعاد عن الجمود والتعصب والسلفية ومسايرة الحياة المدنية ومتطلباتها والإنفتاح على العالم ، وتوزيع رجال الدين وحسب تجمعات المندائيين في بلدان المهجر ، وفصل النشاطات المدنية عن الدينية ، والإهتمام بالشباب والمحافظة عليهم من الضياع ، فهم مستقبلها ووجودها ، وهذا يتطلب تجاوز كافة الخلافات بين رجال الدين أنفسهم أولا" وبينهم وبين المؤسسات المدنية والمثقفين المندائيين ثانيا" ، حرصا" على وحدة الطائفة وبقائها وبذلك يسهل تشكيل ( المجلس الروحاني المندائي العام ) الذي يطالب به كل المندائيون ومنذ سنوات ليبت في كافة الأمور الدينية المختلف عليها ، فالطائفة بحاجة لمثل هذا المجلس اليوم أكثر من أي وقت ، فمستقبل الطائفة مرهون ببناء الذات والإنفتاح على العالم الجديد والإبتعاد عن ما عفى عنه الزمن .
وأخيرا" لا بد أن نبين وبعد كل الحلقات التي كتبت ( دعوة للحوار ) ، إن الطائفة تسير فعلا" نحو المستقبل المجهول ، ما لم تتخذ الخطوات العملية لتفادي تلك التحديات ، وبالطبع جزء من المسؤولية تقع على رجال الدين الذين إنغلقوا على أنفسهم وتركوا الطائفة تعيش في حالة من التشتت والجهل في ديانتهم ، ولم يعطوا الدين المندائي وطقوسه المرونة الكافية .
بدون شك لا يتمنى أي منـدائي أن تؤثر الأحداث الحالية والخلافـات في وجهات النظر بين بعض رجال الدين وأتحـاد الجمعيات المندائية والمثقفين المنـدائيين على مستقبل الطائفة لكي تبقى الطائفة المندائية رافدا" حيويا" من روافد التراث والفكر الإنساني ولإرتباطهابأرض الوطن من آلاف السنين وعانت كثيرا" من القتل والإضطهادوبقيت صامدة لغاية اليوم وتستطيع المواصلة فيما أذا تغلبت على ما يجابههااليوم من صعاب وتحديات ( رغم ان واقع الحال لا يدل على ذلك مع الأسف ) .
          كندا
في 28 / تشرين الأول / 2011