دعوة للحوار / الطائفة المندائية ، تحديات كبيرة ومستقبل مجهول / فائز الحيدر / الحلقة السادسة

 
                                    
دعوة للحوار
الطائفة المندائية ... تحديات كبيرة ومستقبل مجهول
الحلقة السادسة
فائز الحيدر
المقدمة .....
تواجه الطائفة هذه الأيام تحديات عديدة تسير بها نحو المجهول ، تحدثنا في حلقاتنا السابقة إلى أبرز تلك التحديات التي تواجه الطائفة والتي تهدد مستقبلها وهي....المندائيون والإضطهاد والتطهير العرقي عبر التأريخ ، موقف المرجعيات الدينية في العراق وإيـران من المندائيين ، إنقراض اللغة المندائية ، ضياع التـراث المندائي ، هجرة المندائيون العشوائية وأثرهاعلى المندائيين . أما اليوم فنتحدث عن ظاهرة خطيرة أخرى وهي الطلاق والزواج من الأديان الأخرى.
 
ظاهرة الطلاق والعنوسة والزواج من الأديان الأخرى
من الظواهر السلبية التي يعيشها المجتمع المندائي هذه الأيام هي تفشي ظاهرة الطلاق المحرمة في الديانة المندائية ، حتى أصبح لهذه الظاهرة تأثير سئ على نفوس الأطفال والشباب المندائيين وعقولهم وسلوكياتهم ومؤثرة في القضاء شيئا" فشيئا" على السلوكيات القويمة التي تسعى الأسرة ألمندائية لزرعها في داخلهم . وقد بينت الأبحاث الإجتماعية والنفسية بأن الطلاق يعتبر من الأحداث الأكثر صعوبة في حياة الإنسان ، وليس له أي طقوس إجتماعية أو دينية تدعمه أو تبرره .
لقد سبق وكتبنا قبل أسابيع مقالة مطولة حول ظاهرة الطلاق المحرمة في الديانة المندائية ، وناشدت الأخوة في الكروب المندائي والمعنيين في الأمر فتح صفحة للحوار ومناقشة هذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد مستقبل الطائفة ، وتعتير واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الطائفة ووحدة العائلة المندائية ، ولكن مع الأسف لم تحض مقالتنا تلك الآذان الصاغية من قبل غالبية المندائيين ، رغم إنشغالهم طيلة أيام وشهور أحيانا" في مناقشة تبادل الإتهامات ومشاكل شخصية والتعليق على أمور خاصة لا تستحق حتى القراءة والنقاش وليس لها علاقة بمستقبل الطائفة .
 
يلاحظ المندائيين في المهجر حدوث العشرات من حالات الطلاق المؤسفة التي حدثت وتحدث وبشكل مخيف في مدنهم ، خاصة وسط الشباب ، الأمر الذي يستدعي الوقوف عند هذه الظاهرة الخطيرة لإيجاد حل لها . ورغم إن الطلاق هي حالة إجتماعية شخصية خاصة بالفرد نفسه ولها ظروفها الإجتماعية والنفسية ، لكن من المؤسف أن نجد بيننا من الآباء المندائيين من يشجع على هذه الظاهرة لأتفه الأسباب ، مدعين أن ظاهرة الطلاق أصبحت اليوم أحدى سمات العصر ، ونتيجة طبيعية لحرية الرأي والإختيار الذي أصبح الشباب من الجنسين يتمتعان بها على حد سواء في الوطن وفي بلدان المهجر ، وبالتالي يحكمون على من يحاول مناقشة ظاهرة الطلاق بأنه ذو تفكير رجعي متخلف يحاول الوقوف ضد التيارات المدنية العصرية .
ورغم أن التعاليم المندائية تشجع على إحترام الرابطة الزوجية ، فلم يعرف المندائيون خلال تأريخهم الطويل قوانين أو شرائع تشجع على الطلاق إلا في فترة الثمانينات من القرن الماضي وما بعدها وعلى الأخص خلال فترة الحصار الإقتصادي الذي فرض على العراق في التسعينات حيث بدأت هذه الظاهرة تزداد ولحد الأن وبشكل يهدد الأسرة المندائية . لذا نعتقد من الضروري دراسة هذه الظاهرة والعمل على حدها وتحجيمها ، عبر ثقافة أسرية سليمة وبرامج توعية إجتماعية يساهم فيها كل من الأطباء ورجال الدين والمثقفين المندائيين على مختلف إختصاصاتهم ، وذلك من خلال الندوات التي تقيمها الجمعيات المندائية في بلدان المهجر ، وإعتبار هذه القضية على رأس القضايا المطروحة لأهميتها ، ولغرض توفير فرص حل المشكلات العائلية بطرق بعيدة عن الطلاق من أجل حماية الأسرة والبناء الإجتماعي المندائي .
وبالطبع يدرك الجميع بأن هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظاهرة ، إلا أنه يمكن ملاحظة إن نسبة الطلاق في داخل الوطن هي أقل من نسبتها في المهجر ، بسبب نظرة المجتمع الدونية للمرأة المطلقة وتحميلها شاءت أم أبت مسؤولية فشل الزواج ، وإعتمادها إقتصاديا" على الرجل كان يحد من خيارات المرأة ويجعلها تضطر لتحمل العنف والأهانات وتصرفات الرجل المسيئة ، أما في بلدان المهجر فحالة الطلاق غالبا" ما تنشأ نتيجة الضغوط الإجتماعية والنفسية والمالية بسبب الحياة المعقدة في المهجر والتي سهلت من هذه الظاهرة وأعطت المبررات للتفكير فيها وإتخاذها بديلا" وحلا" للمشاكل العائلية اليومية . خاصة وإن هناك قوانين تحمي المرأة المطلقة مثل الضمان الإجتماعي وقوانين الأحوال الشخصية التي تلعب دورا" في توفير الإطمئنان النفسي للمرأة المندائية في بلدان المهجر وتجعلها أكثر حرية في إتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها الزوجية .
وإلى جانب إنتشار ظاهرة الطلاق بين الشبـاب ، وخسارة وتشتت الأسرة وضياع الأطفال ، تشير المعلومات إلى تزايد ( ظاهرة العنوسة ) بين الفتيات المندائيات وهي ظاهرة خطيرة أيضا" ، والتي أخذت تزداد هي الأخرى ، وتعود لأسباب إجتماعية وإقتصادية ونفسية أيضا" ، وعزوف نسبة كبيرة من الشباب عن الزواج بسبب البحث عن شريكة الحياة المناسبة ، نتيجة لضعف التثقيف والإلتزام الديني ولعدم توفر الإمكانية المادية لتنفيذ الشروط الغير العقلانية التي تضعها بعض الأسر لزواج بناتهم ، مما يدفعهم للبحث عن فتيات من ديانات أخرى بدون شروط مسبقة . ومن خلال متابعتنا لهذه الظاهرة ، توفرت لدينا معلومات عن زواج الشباب من الأديان الأخرى في أحد بلدان المهجر ، حتى وصلت الى نسبة 75% من مجموع عدد الشباب في ذلك البلد وهي ظاهرة خطيرة أخذت بالإنتشار في السنوات الأخيرة بسبب الحريات المتاحة والإنفتاح على المجتمعات الجديدة .
 تحدثت شخصيا" مع شاب في الرابعة عشر من عمره ، يسكن السويد وفي المرحلة الثانوية ، وقلت له مازحا" هل لديك صديقة في المدرسة ؟ قال لي وهو يبتسم نعم وكبقية الشباب ، قلت وهل تنوي أن تتزوجها في المستقبل عندما تنهي دراستك ؟ أجابني بالإيجاب !!! قلت ولكنك مندائي ومن أبوين مندائيين فكيف تتزوج من فتاة غير مندائية خلاف الدين ؟ أجابني ما الفرق في ذلك ، أنا لا أعرف شيئا" عن ديانتي ، كما وإنها إنسانة أحبها قبل أن تكون مندائية !!! أنظر إلى أبي وأمي إنهم مندائيين ولكن بينهم مشاكل يومية لا تطاق تجعلني أتـرك البيت بعيدا" عنهم مما أثر على دراستي وأنتظر اليوم الذي أصل فيه السن القانونية التي تؤهلني إلى الإستقلال عنهم والعيش مع صديقتي ولربما الزواج مستقبلا" ، حتى لا أكرر مأساة أبي وأمي اليومية . هذا واقع الكثير من الشباب المندائيين اليوم ، ومع الأسف لا يلمس هذه الحالة الكثيرين فكيف نعالج الأمر ؟ وهل نعتبر هؤلاء الشباب قد خرجوا من الديانة المندائية أم نضع حلولا" تتناسب مع الوضع العام الذي تمر به الطائفة ، وماذا فعلنا لوقف هذا النزيف ؟ وهل قمنا بما يلزم ؟ .
 ، إضافة لكل ما سبق أعلاه هناك ظاهرة أخرى خطيرة لم يلتفت لها الكثيرين ويجب أخذها بالحسبان وهي إرتفاع نسبة الوفيات مقارنة بعدد الولادات الجديدة ، وفي إحصائية بسيطة وحسب ما نشر على موقع الياهو المندائي لعام 2010 فإن هناك 71 حالة وفاة وتشمل 42 رجل و29 سيدة مقابل 11 حالة ولادة فقط . أما في عام 2011 ولغاية نهاية شهر تشرين الأول / أكتوبر الماضي فهناك117 حالة وفاة تشمل 39 سيدة و78 رجل مقابل 38 حالة ولادة ، ومن هذه الإحصائية البسيطة يتبين لنا كم هو الفارق الكبير بين عدد الوفيات والولادات ومدى تأثيرها على عدد المندائيين في العقود القادمة لو إستمرت النسب السابقة كما هي الآن ولعدة عقود قادمة ؟؟؟؟
إنها تحديات كبيرة تتطلب الحل السريع بعيدا" عن التعصب وهي بالتأكيد مهمة الجميع ، وإلا فنحن نسير في الطريق الخطر ونحو المستقبل المجهول للطائفة .
يتبع في الحلقة الأخيرة .... موقف رجال الدين المندائيين .
          كندا
في 26 / تشرين الأول / 2011