دعوة للحوار / الطائفة المندائية ، تحديات كبيرة ومستقبل مجهول / فائز الحيدر / الحلقة الخامسة

                                                                                                   

دعوة للحوار
الطائفة المندائية ... تحديات كبيرة ومستقبل مجهول
الحلقة الخامسة 
فائز الحيدر 
  
المقدمة .... تواجه الطائفة اليوم جملة من التحديات تسير بها نحو المجهول ، وفي مقالاتنا السابقة تحدثنا عن المندائيين والإضطهاد والتطهير العرقي عبر التأريخ ، إنقراض اللغة المندائية ، موقف المرجعيات الدينية في العراق وإيران من المندائيين ، ضياع التراث المندائي ، أما اليوم فنتحدث عن الهجرة العشوائية وتأثيرها على المجتمع المندائي .
التهجير والهجرة العشوائية وتأثيرها على المجتمع المندائي
عرفت المنظمات الإنسانية الهجرة : (عملية إنتقال أو تحول لفرد أو جماعة من منطقة إعتادوا الإقامة فيها الى منطقة آخري خارج حدود هذا البلد ، وقد تكون هذه العملية مؤقتة أو دائمة وخاضعة  لإرادة الفرد أو الجماعة ، أما الهجرة القسرية : فهي إجبار سكان البلد الأصليين على الرحيل بغير إرادتهم من ديارهم بالقوة من قبل الأكثرية ، بسبب القتل والإضطهاد الديني لغرض إجبارهم على إعتناق دين أو مذهب آخر ، وبذلك يصبحون أقلية فيه و خاضعين لقوانين الأكثرية وأنظمتها ، ومن ثم تسلبهم بالتدريج كافة حقوقها الدينية والإقتصادية والثقافية والفكرية ) .
 
لقد عانى المندائيون وكباقي الأقليات الدينية في العراق من الهجرة والتهجير القسري منذ قرون مضت ، وخير مثال ذلك ما سببته الغزوات الإسلامية للمنطقة العربية ومنها العراق تجاه الأديان الأخرى ، حيث أصبح المندائيون وهم من سكان البلد الأصليين منذ آلاف السنين أقلية دينية مسلوبة الحقوق والحريات في أرضهم مما دفعهم للتفكير بالهجرة لخارج وطنهم .
وبعيدا" عن هذا الواقع المؤلم وما يعانيه المندائيين والأقليات الأخرى في العراق من إضطهاد يومي ، فقد تجاهل غالبية المفكرين الإسلاميين مسألة الأقليات الدينية وأنكروا وجودها أصلا" ، في محاولة لصهرها ضمن المجتمع العربي الإسلامي ، فهناك من رجال الدين المسلمين والمفكرين العرب ، من يقول إن إثارة مسألة الأقليات والمطالبة بحقوقها التي نصت عليها القوانين الدولية ، هو مخطط صهيوني صليبي ، الهدف منه تقسيم الوطن العربي الإسلامي ، وهدم دينه ، وعلى العرب والمسلمين الوقوف بوجهه ومحاربته . بينما يقول آخرون ، بأن مشكلة الأقليات العرقية والدينية لم يكن لها أي وجود يذكر في الوطن العربي ، لأن الإسلام كم يدعون لا يفرق بين المسلمين على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو حتى اللغة وكذلك لا يظلم غير المسلمين على أي أساس . وان الحل الأمثل لمشاكل الأقليات هو العودة إلى المرجعية الإسلامية وإعلاء قيمة الانتماء الحضاري الإسلامي .
ورغم كل الأضطهـاد اللاإنساني الذي واجهته الطائفـة المندائية خلال عقود طويلة ، لم يعرف الصابئة المندائيين الهجرة القسرية بشكلها العشوائي الحالي لإرتباطهم بأرض الوطن ، ولكن يمكن القول إن هجرة المندائيين قد بدأت منذ ستينات القرن الماضي بشكل فردي ، نتيجة تعرض الكثير من المناضلين المندائيين للقتل والتعذيب والسجون بعد تسلم حزب البعث الفاشي للسلطة في الثامن من شباط عام 1963 ، وأخذت هجرة المندائيين بالتصاعد في السنين اللاحقة حتى وصلت قمتها في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي ، بسبب أشتـداد القمع وتوسع الحملة الشرسة لنظام البعث الدكتاتوري لتصفية القوى الوطنية واليسارية ، وما تبعه من من حروب وحصار إقتصادي في فترة التسعينات ، إلا ان تلك الهجرة قد تحولت إلى عملية تهجير قسري جماعي ، وشملت الآلاف من المندائيين بعد سقوط النظام الدكتاتوري في التاسع من نيسان عام 2003 وتسلم قوى الإسلام السياسي المتخلفة مقاليد الحكم في العراق ، حيث جرى تكفيرهم من قبل بعض المرجعيات الدينية والمليشيات ورؤساء العشائر .
لقد مارست المليشيات والعصابات المرتبطة بقوى الإسلام السياسي المشاركة بالحكم وخارجه ووفق أجندة خارجية وداخلية أبشع أنواع القتل والخطف ، وإتباع أساليب القمع والتهديد بالأستيـلاء على الأمـلاك المنقولة وغير المنقولة لحمل المندائيين على تغيير عقيدتهم الدينية ، كما وتم أخبار النساء المندائيات على إرتداء الحجاب والزواج القسري وإغتصاب العشرات منهن ، وممارسة الختان المحرم بالديانة المنـدائية بشكل قسري على الأطفال والبالغين المخطوفين ، مما سبب في هجرة عشوائية غير مخطط لها لآلاف منهم لدول الجوار وهم في ظروف صعبة بحثا" عن مكان آمن للعيش .
إن ما عاناه ويعانيه المنـدائيين ولغاية اليوم قد وصل حد الكارثة الإنسانية بحق ، حيث نجد عشرات الألوف منهم في حالة يرثى لها ، وهم يتركون منازلهم ومصادر رزقهم ووظائفهم ومدارس أطفالهم في أرض آبائهم وأجدادهم ، وهم يهيمون اليوم في شوارع وأزقة المدن السورية والأردنية وغيرها من دول الجوار ، وليس لهم من الإمكانيات المادية ما يستطيعون به تدبير أمورهم المعيشية اليومية وينتظرون عطف المنظمات الدولية وما نجود به أيادي أبناء جلدتهم من المندائيين الذين حالفهم الحظ في الوصول لبلدان اللجوء من مساعدات شحيحة بين فترة وأخرى .
أما من تبقى في العراق ، ومن ليس له الإمكانية بمغادرة الوطن من الطبقات الفقيرة والمتعبة فمعاناتهم مضاعفة ، فهم يمرون منذ سنوات ولغاية اليوم بظروف غاية في الصعوبة في العيش والإستقرار وسط العنف الذي يتعرضون له ، حيث يعيش الجميع في دوامة من الخوف وفقدان الأمن ومن المستقبل المجهول  الذي ينتظرهم مما دفعهم أيضا" للتفكير الجدي بمغادرة الوطن الى دول الجوار التي توفر لهم الأمان والإستقرار المؤقت على الأقل  .
ومن جانب آخر فقد ساهمت الظروف الإجتماعية والأصطفاف الطائفي والعشائرية والتخلف الديني والعادات والتقاليد البالية التي مرت ويمر بها الشعب العراقي منذ عقود طويلة وفي ظل أنظمة حكم متخلفة متعاقبة ، على تخريب نفسية نسبة كبيرة من المجتمع العراقي داخل الوطن ، ومنهم المندائيين بالطبع بإعتبارهم شريحة من شرائح هذا المجتمع وعاشت إلى جانب محيطهم المتخلف ، بغض النظر عن وضعهم الإجتماعي والإقتصادي وثقافتهم ، وظهرت لدينا بعض الشخصيات المندائية التي تميزت بالكبرياء والتعصب الفكري والديني ، والمبالغة في الإنجازات ، والشعور بالعظمة وحب الذات ، وبقدراتهم التي لا تتوفر لدى الآخرين ، مستغلين ذو ذوي القلوب الطيبة من المندائيين وبطرق ملتوية لتحقيق مصالحهم الشخصية والأنانية ، لغرض الحصول على المناصب الوهمية ، تحت واجهة الحرص على الطائفة وحماية أبنائها غير مبالين بالطائفة ومستقبلها . وبدلا" من التخلص من تلك النفسيات المخربة والمريضة ، حمل البعض منهم مع الأسف نفسيته المخربة لبلدان اللجوء وبانت أكثر وضوحا" هناك ، فتلاشت لديهم مشاعر التواضع والتسامح والطيبة والمحبة المندائية ، وحل محلها الحقد والكراهية والإنقسام وإنشاء التكتلات وخلق المشاكل ومحاولة شق وحدة الطائفة بين مندائي العراق وإيران ومحاولة سحب البساط من تحت أقدام المؤسسات الدينية والمدنية المندائية المنتخبة ، والتي عادة ما يظهرونها تحت شعارات وواجهات دينية وثقافية وفي أوقات مختلفة ، وأصبحت ظاهرة الأنا والنرجسية والتعصب الديني وعدم إحترام الرأي الآخر أبرز ما تتصف به تلك الشخصيات بتعاملها مع الآخرين . أن تلك النزعة التي يحملها البعض من المندائيين تعبر بشكل مباشر أو غير مباشر عن ثقافة الكراهية ، التي تهتم بتحطيم الآخر وإنتهاك ثقافته وقيمه الفكرية والروحية ، تلك الثقافة التي تدعوا إلى زوال الآخر وما يملكه من إمكانيات وأفكار ومبادئ إنسانية .
وفي دول اللجوء حيث وصل الآلاف من المندائيين ، واجهتهم صعوبات كثيرة وبدأت معاناة  جديدة وبشكل آخر ، فقد تشتتت الكثير من العوائل في بلدان عدة متباعدة ، فنرى الآباء في بلد والأبناء في بلد آخر ، مما يصعب لقائهم وجمع شملهم من جديد ، مما أضعف العلاقات الإجتماعية والعائلية وحتى الإنسانية بينهم ، وبدأ الأبناء بتعلم لغة البلد الجديد وعاداته وثقافته ، وتخلوا عن لغة الوطن الأم وعاداته وتقاليده ، وأخذ الجيل الجديد من الشباب بالسخرية والإستهزاء من عادات وتقاليد الآباء والأجداد المتخلفة حسب تعبيرهم !!! .
وفي ظل هذا التشتت وإنعـدام المؤسسات المندائية الفاعلة ودور العبادة ( المنادي ) في مناطق سكنهم الجديدة ، إضافة لقلة رجال الدين المندائيين وإبتعاد غالبيتهم عن الإهتمام بالشباب وغرس الروح المندائية بينهم ، بقى الآباء والأمهات لا يعرفون مصيرهم في الغربة ، وهل هي غربة دائميـة أم مؤقتة ، وهم يتطلعون الى الوطن والحنين أليه ، وليس لهم من سلوى سوى متابعة القنوات الفضائية العربية ، والإستماع لأغاني حضيـري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وغيرها من الأغاني الشعبية القديمة التي تشدهم للوطن وتعيد ذكرياتهم فيه ، بينما يستمتع الشباب بأحدث أنواع التكنولوجيا وعلم الكمبيوتر ، والإستماع لأغاني مايكل جاكسون وسالين ديلون وهيفاء وهبي وشاكيرا وغيرهم من مطربي هذا الزمان ، إضافة لما يسببونه من المشاكل الإجتماعية والعنف العائلي الناشئ عن الإدمان على المسكرات والمخدرات والتدخين والدخول في عصابات مختلفة خلافا" للقوانين المحلية السائدة ، وهنا يبدأ الصراع بين الطرفين على أشده ، حيث يفقد الوالدين السيطرة على الأبناء غير قادرين على فعل شئ وهم تحت حماية قوانين الدولة ورعايتها . وبعد كل ما ذكر من الأمور المحزنة وبعد سنوات قادمة تكون الطائفة المندائية قد خسرت أجيال الشباب من أبنائها وبناتها في بلدان المهجر . عندئذ يكون مستقبل المندائية في المهجر قد دخل أكثر المراحل خطورة . ومن هنا تقع على الطائفة بمؤسساتها المدنية والدينية والمثقفين المندائيين وكل من يعنيه الأمر مسؤولية الحفاظ على طائفتهم بإيجاد الحلول الواقعية لتجاوز هذه المرحلة الخطرة .
وبعيدا" عن مسببات الهجرة وما يحمله البعض من تلك النفسيات المخربة في بلدان المهجر والتي تحتاج إلى إصلاح ، على الجميع الإلتفات إلى التحديات والصعوبات الحقيقية والأكثر أهمية والتي تواجه المندائيون اليوم في بلدان المهجر ، وتحتاج لدراسة معمقة من قبل الجميع ، لوضع الحلول العملية والواقعية لها من خلال مؤتمراتهم القادمة ، ومنها تشكيل المجلس الروحاني العام والذي طال إنتظاره من قبل المندائيين ، ومستقبل الطائفة في ظل المستجدات والتحديات التي تواجهها ، كتطبيق الطقوس المندائية بما يتلائم مع الظروف المستجدة على الساحة المندائية دون المساس بجوهر تلك الطقوس ، وإنتشار ظاهرة الطلاق المخيفة بين الشباب والتي توسعت بشكل يدعوا للإستغراب ، وزواج البعض من الجيل الجديد من أديان أخرى ، وعذرية المرأة ، والختان القسري ، والتشجيع على إنجاب الأطفال ، والعشرات من القضايا الأخرى التي تم طرحها على موقع الياهو المندائي . وعلينا هنا التعامل مع هذه الأطروحات بعقلية منفتحة بعيدة عن التعصب لإيجاد صيغة مقبولة للجميع وفق واقع المندائيين الجديد بعيدة عن عقلية الماضي للبعض من المندائيين ، وإلا فأننا سنقع في خطأ كبير لا نحسد عليه مستقبلا"  .
 
من هنا ندعوا كافة الأخوة المندائيين لإعادة النظر في القيم العليا السامية للطائفة وضرورة غرسها في أعماق نفوس الناشئة من المندائيين وصولا" إلى التواضع والإبتعاد عن الذات والتكبر والتعصب وإحترام الرأي الأخر والحوار الحضاري المتبادل ، فالحوار يتطلب وجود الطرف الآخر وهذا لا يتم إلا بالإبتعاد عن الأنا ، وبالتالي كلما ترفع الانسان عن أنانيته كلما أوجد في ذاته مكانا" رحبا" للآخر .
المصادر :
1 ـ الصابئة المندائيون ، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي ، بغداد 1969.
2
ـ سلام إبراهيم كبة ، الهجرة والتهجير واللجوء سياسة غدر النخب الحكمة في العراق ، الحوار المتمدن لعدد 1568 في 6 / 1 / 2005
3
ـ موقع الجريدة الإلكتروني ، مستلزمات إيقاف نزيف الهجرة والتهجير ، الينة 9 ، العدد 795.

يتبع في الحلقة السادسة
         
كندا
في 24 / تشرين الثاني / 2011