دعوة للحوار / الطائفة المندائية ، تحديات كبيرة ومستقبل مجهول / فائز الحيدر / الحلقة الرابعة

 

دعوة للحوار
الطائفة المندائية ... تحديات كبيرة ومستقبل مجهول
الحلقة الرابعة
فائز الحيدر
المقدمة ......
تواجه الطائفة اليوم جملة من التحـديات تسير بها نحو المجهـول ، وفي مقالاتنا السابقة تحدثنـا عن المندائيين والإضطهاد والتطهير العرقي عبر التأريخ، إنقراض اللغة المندائية ، موقف المرجعيات الدينية في العراق وإيران من المندائيين ، أما اليوم فنتحدث عن ضياع التـراث المندائي .
ضياع التراث المندائي ....
التراث Heritage ، هو ( عبارة عن الإرث الثقافي وما خلفه لنا الأسلاف ، من عـادات وتقاليـد شعبية وتأريخ وعلـوم وآداب ، وفنون ومأثورات شعبية من شعر وغناء وموسيقى ومعتقـدات شّعبية وقصص وأساطير وحكايات وأمثال ، وعادات الزواج والمناسبات المختلفـة ، وما تتضمنه من طرق موروثة في الأداء مثل الرقص والألعاب والمهارات ، والخاصة بمجموعة سكانية معينة ، في بلد معين ، والتي إرتبطت بشكل مباشر مع الإنسان وواقعه وحياته اليومية، وغالبا" ما يتم نقل تلك المعرفةمن جيل إلى جيل عن طريق الرواية الشفهية .. )
ووفقا" للتعريف السابق فالتراث المندائي هـو ما خلفـه لنا الأسلاف من الإرث الثقافي في كافة مجالاته ، أعلاه ، والذي إرتبط بشكل مباشر مع واقع وحياة الإنسان المندائي ،والذي عادة ما ينقل عبر الأجيال ، ولو توفر لدينا اليوم مثل هذا التراث سواء كان مدونا" أو شفهيا" لكان بالإمكان معرفة الكثير من خصائص المجتمع المندائي وأسراره وغموضه ، لأن مثل التراث هو بالتأكيد تراكم معرفي طويل منقول عبر أجيال لذاكرة المندائيين وعبر قرون يعكس هويتهم وعصارة فكرهم وإبداعهم ، لذلك فغزارة التراث لأي مجموعة بشرية دليل على عظمتها وتطورها .
وهنا نتسائل هل يتوفر لدينا وبين أيدينا نحن المندائيين هذه الأيام تراث واضح ومعروف يمكننا من خلاله معرفة هويتنا وتأريخنا المندائي الطويل ؟ بالطبع سيكون الجواب بـ لا..!!! فقصتنا مع هويتنا المندائية والبحث عن تراثنا المفقود هي قصة طويلة ، ويمكن أن نشبهها بقصة العائلة التي ورثت قصرا" فخما" من أسلافها ، ولكن بسبب إضطهاد الأقوام المحيطة بهم وفرض عقائد دينية جديدة عليهم ، جعلت أبناء تلك العائلة يهربون من قصرهم ويتجاهلون قيمته ويهجرون قاعاته الفخمة ويهملون كنوزه الفنية ويحيلون حدائقه الجميلة الى أدغال جافة ، وينزوون في بيوت بائسة قديمة وينطوون على أنفسهم بعيدا" ، وينظرون إلى قصرهم وتدمير تراثهم من بعيد خوفا" على حياتهم من المحيطين بهم ، هذه حقيقة المندائيين المؤلمة منذ قرون مضت وحتى اليوم ، رغم إنهم يعيشون كل لحظة من حياتهم في ظلها ، لذلك تراهم يجهلون الكثير من تأريخهم وتراثهم وهويتهم وهم أصحاب الشأن فكيف بالآخرين المحيطين بهم !!! .
وفي ظل هذا الضياع والضبابية وفقدان الهوية والتراث ، لا زال النقاش والإختلاف واضحا" بين المندائيين فيما إذا كنا شعبا" أو أمة في غابر الزمان ، رغم إن هناك شروطا" يجب توفرها في تسمية الشعب أو الأمة ، وهل إن هذه الشروط متوفرة لدى المندائيين ، فهنـاك من المندائيين ممن يفضل أطلاق تسمية ( الأمة المندائية ) أو ( الشعب المندائي ) على الطائفة لإعتقادهم إن المندائيين كانوا في العهـود السابقة أمة و( شعبا" ) لهتراثـه كبقية الشعوب والأمم ، وعليه يجب أن يطلقـوا على أنفسهم ( الشعب المندائي)أو ( الأمة المندائية ) بدلا" من تسميتهم بطائفة الصابئة المندائيون ، رغم أن التسمية الرسمية المتعامل بهـا حاليا" هي طائفة ( الصابئة المندائيون ) .
بالتأكيد أن معاناة المندائيين وإضطهادهم وهجراتهم المتعاقبة طيلةقرون عديدة قد سببت في ضياع الكثير من تراثهم وكتبهم ومؤلفاتهم بسببإضطرارهم الى أخفاء ما يملكون من الكتب والمخطوطات تحتالأرض مما أدى الى تلفها بعد فترة ، وما كتب لاحقا" من تراث يعودالى القرنين الثامن والتاسع عشر.. كما يقول الباحث ( س . كوندوز ) ، وهنا يعـود الفضل بكتابة ذلك التراث وما تبقى منه للنساخ والكتبة والشيوخ ورجال الدين الذين تحملواالصعوبات والعمل الشاق وإستطاعوا بجهودهم من نقل المدونات بأمانة ودقة دون تحريفعلى لفائف ورق البردي وألواح الرصاص والفخار وإحتفظوا ببعض النسخ في أماكن متفـرقة. بطرق غير سليمة مما أدى الى تلف غالبيتها وضاع بذلك تأريخهم لقرون عديدة
إن ما جمعته الباحثة الأنكليزية الليدي ( أ. سدراور) في كتابها المعنون ( أساطير وحكايات شعبية مندائية ) ، ترجمة المرحومين نعيم بدوي وغضبان رومي ، وما نملكه اليوم من تراث أدبي مندائي هو تراث فقير بكل معنى الكلمة ، والمتوفر منه اليوم هو أدب ديني بحت ،ومحدود ويشمل قصص دينية وشعر بين صفحات الكتاب المقدس ( الكنزاربا ) اليمين وبعض قطع النثر وأبيات الشعر المتبادلة بين الأقارب والأصدقاء بخصوص الغزل والعمل والعتاب بين أفراد الأسرة الواحدة والتي لا يتجاوز عمرها 100 عاما" أو أكثر بقليل ، فالنساء المندائيات لبسن الملابس السوداء ، تعلوها العصّابة والجرغد ، أما لباس أجدادنا وآبائنـا وهـو العقالواليشماغ والخاكية بأشكالهما وألوانهما المختلفة ، وهذا بالتأكيد هو تراث عربيإسلامي غالبا" وليس مندائي أساسا" تم تطويره وإشاعته في المنطقة العربية حزنا" على ( فقدان الأندلسوأندحـار الجيوش العربيـة والإسلامية قبل خمسمائة عام تقريبا" ) ، وأتخذه المندائيينلباسهم مجاراة لمحيطهم الإسلاميحفظا" على حياتهم وعلى حساب تراثهم الأصلي ، وهنا نسأل ما علاقةالصابئة المندائيين بفقدان الأندلس ؟؟ وما هو الزي المندائي قبل ذلك ؟؟
أما فيما يتعلق بالعاداتوالتقاليد الشعبية،فأن تقاليد الزواج والتعميد وعيد الخليقة(البرونايا ) ، والعيـد الكبير ( دهفا ربا ) والصغير دهوا هنينا ، والأعيــاد الأخرى هـي من أهم التقاليدالدينية المتوارثة لدى المندائيين أيضا" .أما فيما يخصالفنون الشعبية،فلكـل الشعوبوالقوميات أغانيهم الخاصة والمعروفة والمتوارثة والتي تشكل تراث متعارف عليهويستعمل لحد الأن . فالعرب والأكراد والأشوريييـن والكلدانييين والأيزيدين مثلا" هم شعوب وقوميات لهم لغاتهم وملابسهم ورقصاتهم وأغانيهم الخاصة ، فأين التراث الغنائي للمنـدائيين ؟؟ وأين أغانيهم ورقصاتهم ودبكاتهم ولباسـهم الذي يتميزون به أسوة بالآخرين ؟؟ لقد سبق وتحدثنا في الحلقة الأولى عن الإضطهاد الذي عانى منه المندائيين طيلة قرون عديدة مما أجبرهم على تغيير أسمائهم ولباسهم وإبتعدوا حتى التحدث بلغتهم المندائية ، ويبدوا لنا أن المندائيين هنا أيضا" تجاوبوا مع محيطهم الإسلامي وبضغط منه ولم يلتفتوا إلى الرقص والغناء أيضا" وهو المحرم إسلاميا" في تلـك الفتـرة .
لقد إستطاعت الباحثة ( أ . س . دراور)أن تحصي كل ما دون من الأدب الديني المندائي ، والذي يتميز بتنوعهوكثرة نصوصه حتى ليصعب على الكثير من رجال الدين المندائيين الحصول عليه ناهيك عن عامة المندائيين، ويقسم ذلك التراث الى نصوص سرية خاصة بالكهنة ، وقد صيغت على شكل أسئلة وأجوبة تدور حـول العقائد والطقوسالدينيةالمندائية ، الأناشيد والتراتيل والصـلوات المعروفة بـ (النياني) ، أساطيـر حـول خلق الكون والإنسانوالصراع بين قوى النور والظلام ويوم الحساب ، الكتاب المقدس ( كنزاربا ) و( دراشة د يحيـا ) ويضمالتراتيل والنصوص التي تتحدث عن النبي يحيى ونشأته والهجرة من فلسطيـنالى الفرات و( ديـوان أباثر ) و ( ديـوان نهرواثة ) و( ديـوان النهر ) ، و( ديوان حران كويتة ) ، ( أسفر ملواشة) ويضم نصوصـا" منوعة عن الفلك وقراءة الطالع ، وأخيـرا" مجمـوعة من الطلاسـم والأدعية ونصوص سحرية لطردالأرواح الخبيثة وأدعية طلب عطف القوى الروحانية .
 ومما ذكر سابقا" نلاحظ أن ما جمعته الباحثة ( أ . س . دراور ) هو أدب من الأساطير الدينية القليلة لدى المندائيين ، فأين الأساطير الأخرى ؟ ولماذا لا يتم تناولها والإطلاع عليها ، في الوقت الذي يعتقد البعض إن قسم منها موجود بين أيدي بعض رجال الدين المندائيين . لقد ساهم المندائيون طيلة مئات السنين بنقل معارفهـم في كل المجالات العلميـة والأدبية الى الحضارة العربية والإسلامية والمحيطين بهم ونسوا أنفسهم ولم يحتفظوا مما قدموه للآخرين إلا بنصوصهم الدينية وتقاليدهم وطقوسهم وصلواتهم ووصاياهم التي دونوها بأنفسهم وبخط أيديهم
ونود هنا أن نسأل بعد ما ذكر أعلاه ، هليملك المندائيين تراث شعبي خـاص بهم ومنقول عبر أجيال ؟ وأين هذا التراث الآن ؟وأذا كان قد فقدنا هذا التراث فمن المسؤول عن ضياعه طيلة القرون الماضية ؟ وهل إن الهجـرات المتعاقبة وإنقراض لغتهم المندائية كان السبب الرئيسي في ضياع تراثهم ؟ وهليتحمل هذا الضيـاع المندائيين عمومـا" بحكم الظروف القاسية التي مرت عليهم ، أم تقـع المسؤولية على رجال الدين بحكم مسؤوليتهم القيادية وما يملكون من ثقافة متواضعةكانـت سائدة في تلك الحقبة التأريخية مما حدا بهم التركيز على الدين وتعاليمه فقـط وأهملوا أدب وتراث أتباعهم المندائيين خلال قرون عديدة صعبة تميزت بالقتل والأضطهـاد الديني والإجبارعلى تغييـر الدين من قبـل جيرانهم المسلمين متناسين إن على الأمم واجـب الحفاظ عليما لديهـا من أدب وإرث تاريخي للشعب .
إن دعوة إتحاد الجمعيات المندائية وتبنيه لـ( مؤسسة حفظ وإحياء الذاكرة المندائية ) لأحيـاء التراث المندائي سيكون خطوة أولى على طريق البحث عن تراثنا المفقود ، ودعونا ننتظر لنرى ما نحصل عليه وما يرفده المندائيون من أرشيف وتراث متوفر بين أيديهم للأخوة في اللجنة المذكورة . فإحياء التراث لأي شعب أو أمة أو مجموعة بشرية ، هو مهمة نبيلة وشاقة وطويلة تتطلب جهودا" كبيرة ، فليس من الحكمة أن نتصور إننا سنعثر على التراث المندائي المفقود طيلة قرون من خلال مساهمة بعض الأخوة المندائيين ، لكوننا لا نزال نجهل غالبية هذا التراث وما نوعه ، نجهل موطنه الذي ضاع فيه بسبب الهجرات المتعاقبة ، ، ونجهل ما يحتوي من مخطوطات بعد أن توزع على دول شتى ، وعلينا التعرف وتعقـب الأماكن التي يتواجد فيها ، لذلك فالبحث عنه هي مهمة الجميع، ويتوجب على كافة المندائيين دعم اللجنة بكل الوسائل وتزويدهـا بما يملكون من مخطوطات ومواد تراثيـة وذكريات وكتب وصـور قديمة ..ألخ ، وهي أولـى الخطوات في الطريق الصحيح . إن من الجميل فعله أن يكرس الجميع جهدهم في البحث عن آثارناالقابعة وتراثنا المخفي تحت الأرض ، مما خلفه لنا الآباء والأجداد ،فتلك المخطوطات والأحجار والأواني الفخارية والنقوش والعملات النقدية ، والكتب والأشعارالفنيـة ، ما هي إلا إشـعاع من باطن تلك الأرض المليئـة بالكنوز ، وما علينا إلا أنننفض عن تلك الآثار غبارها ، ونجلو عنها صفاءها ، لنعيد للمندائية ذاكرتهـا ونضارتها.
المصادر ـــــ
1 ـ رشيد الخيون ، الأديان والمذاهب بالعراق / الطبعة الأولى 1426 صفحة 439 .
2 ـ
راجع موقع الدكتور يوسف زيدان للتراث والمخطوطاتعلى شبكة الأنترنيت .
3 ـعبداللة إبراهيم ، مجلة الفكر العربي ، العدد 95 لعام 1999 .
4 ـ الزهيري عبد الفتاح ، تاريخالصابئة المندائيين - العرب البائدة. بغداد 1983.
5 ـ المباركي ، ماجد فندي ، دراسات مندائية ، تاريخ ومعتقدات،سيدني 2000.
يتبع في الحلقة الخامسة
          كندا
في 21 / تشرين الثاني / 2011