المعمدانيون المندائيون من اعرق اهل وادي الرافدين .. توما شماني

                                                                         
 
 
شخبطة على الحائط
 المندائيون أو الصابئيون او الصابئون قوم عريق ممتد في جذور التاريخ القديم حتى العهد السومري، والمندائية كدين من أقدم الديانات الموحدة. كانت كبيرة الانتشار بين الحجاز و بلاد الرافدين و فلسطين ما قبل المسيحية، وفي العهود الحديثة كان لهم حضور في العراق و والأحواز في ايران والمندائية مشتقة من الجذر (مندا) و الذي يعني المعرفة أو العلم أما الصابئة فهي مشتقة من الجذر (صبا) وتعني بالآرامية اصطبغ, تعمد, غط أو غطس في الماء و هي من أهم شعائرهم الدينية و بذلك يكون معنى الصابئة المندائيين المتعمدين العارفين لدين الحق وبوجود الخالق الأوحد. ويدعو الدين المندائي الى الإيمان بالله ووحدانيته و يصفونه بالحي العظيم أو الحي الأزلي اذ جاء في كتاب المندائيين المقدس (كنزا ربا) أن الحي العظيم أنبعث من ذاته و بأمره و كلمته خلقت جميع المخلوقات و تمجده الملائكة وتسبح له في عالمها النوراني، كذلك بأمره خلق آدم وحواء وقد أمر الله آدم بتعليم هذا الدين لذريته لينشرو من بعده. المندائيون يرتبطون بالنبي ابراهيم الخليل الذي عاش في اور السومرية (مدينة آلهة القمر نانا) في منتصف الالف الثالث قبل الميلاد، وكان ابراهيم أول من نبذ الاصنام ودعا لرب واحد عظيم القدرة اطلق عليه السومريون اسم (لوگـال ـ ديمير ـ آن ـ كي ـ آ) ملك آلهة ما هو فوق وما هو تحت (رب السماوات والارض). آمن الصابئة المندائيون بتعاليم ابراهيم واحتفظوا بصحفه ومارسوا طقوس التعميد التي سنها لهم واستمروا عليها إلى يومنا هذا. وقد هاجر قسم منهم مع النبي ابراهيم إلى حران والقسم الآخر بقي في العراق وكان بروزهم في العراق منذ قرون كبيرة والذي حفظهم اهوار مابين النهرين، وقد عرفـوا ايضا بـ (ناصورايي اد كوشطا) اي حراس العهد الذين أسسوا بيوت النور والحكمة (أي ـ كاشونمال) بيت مندا او (بيت المعرفة) ويؤمنون مار اد ربوثا ( الله ـ رب العظمة)، واتخذوا من الشمال (اباثر) الذي دعاه السومريون (نيبورو) قبلة لهم لوجود عالم النور (الجنة). اهم صفة يحتفظ بها المندائيون طقوس التعميد بالماء فاعتبروا نهريها ادگـلات وپـورانون (دجلة والفرات) انهارا مقدسة تطهر الارواح والاجساد فاصطبغوا في مياهها كي تنال نفوسهم النقاء والبهاء الذي يغمر آلما د نهورا (عالم النور) الذي اليه يعودون. ورد مفهوم الاغتسال و التعميد في العديد من النصوص المسمـارية حيث كتب الشاعر السومري في مرثية مدينة اور (شعب الرؤوس السوداء ما عادوا يغتسلون من أجل اعيادك، اناشيدك تحولت إلى أنين، مدينة اور مثل طفل في طريق مهدم، يفتش لنفسه عن مكان امامك).
 في زمن الدولة الفارسية تمتع المندائيون تحت حكم الملك ادشير الأخير بحماية الدولة بيد ان الأمر تغير حين جاء إلى السلطة الملك الساساني بهرام الأول سنة 273 ، اذ قام باعدام ( ماني ) في بداية حكمه بتأثير من الكاهن الزرادشتي الأعظم (كاردير) . وامتد الاضطهاد الساساني الديني ليشمل اتباع الديانات الاخرى غير الزرادشتية مثل المندائية والمانوية واليهودية والمسيحية والهندوسية والبوذية وهو الذي الى اسقط دولة المناذرة في الحيرة. المندائييون حافظوا على تراثهم خاصة التراث الديني بجهود قام بها الناسخ (زازاي). حملة الاضطهاد الشعواء التي قادها (كاردير) لم تقضي على المندائية، غير ان التدوين توقف لعدة قرون. كانت المدائن (طيسفون) عاصمة الفرس الساسانيين الشتوية تتألف من السريان والمندائيين. وكان المندائيون آنذاك يتواجدون على شرق دجلة وضفاف الكرخة والكارون فاستوطنوا ديزفول (عاصمة بلاد عيلام) والاحواز والخفاجية والبسيتين والمحمرة وكان اغلب سكان شوشتر من المندائيين الصابئة، كما اصبحت الطيب (طيب ماثا) اهم حاضرة لهم.    تفوق المندائيون في صناعة الذهب والفضة والاحجار الكريمة التي كانت تجلب من مملكة آراتا في المرتفعات الايرانية. اما القسم الاكبر منهم فقد امتهن الفلاحة وزراعة الارض واستوطنوا الاهوار وضفاف الانهار وقاموا بتنظيم قنوات الري في ارض السواد، وأسسوا لهم حواضر مهمة مثل كـوثـا و سـورا، وقد اطلق عليهم العرب تسمية انباط او (نبت) لانهم ينبتون الآرض.
 المندائييون شعب آرامي لغتهم الآرامية الشرقية متأثرة بالاكدية. في العهد البابلي الأخير اصبحت شعوب المنطقة تتحدث الآرامية وكانت اللغة المهيمنة في القسم الجنوبي من بلاد ما بين النهرين حتى عربستان في إيران وهي نفس اللغة التي يستخدمها الصابئة المندائيون اليوم في كتبهم ونصوصهم الدينية. في تاريخ المندائيين ظهرت امرأة رائدة (شلاما بنت قدرا) 200 بعد الميلاد وكانت تكنى باسم امها او معلمتها في الكهانة، وهي اقدم امرأة (مندائية ) ورد اسمها وكانت ناسخة (الكنزا) شمالا كتاب المندائيين المقدس ويظم نصوصا شعرية حول صعود النفس إلى عالم النور اما (الكنزا ربا) فهو اقدم نص مندائي. (شلاما بنت قدرا) سبقت الناسخ المندائي الشهير زازاي بر گـويزطه سنة 270 بعد الميلاد.
يقول البعض أن كلمة صابئة جاءت من جذر الكلمة الارامي المندائي (صبا) أي بمعنى (تعمد اصطبغ غط غطس) وهي اهم شعيرة دينية لديهم وهو طقس (المصبتا – الصباغة – التعميد) فلذلك نرى ان كلمة صابئي تعني (المصطبغ او المتعمد). كلمة مندائي انما اتية من جذر الكلمة الارامي المندائي (مندا) بمعنى المعرفة او العلم، وبالتالي تعني المندائي (العارف او العالم بوجود الخالق الاوحد). في حين يرجع اللغويون العرب كلمة الصابئة إلى الفعل العربي (صبأ)، وتعني خرج وغير حالته، ان الاصل الارامي (صبأ) هو الاصل ولايمكن الجدل فيه، ويعني الذي خرج من الضلالة واتحد بدين الحق، و(صبا) تمثل مرحلة في التاريخ عندما كان الناس يتركون (يصبأوون) عن ديانتهم الوثنية، ويدخلون الدين المندائي الموحد، وبعضهم اسموهم  بالاحناف، أضف إلى ذلك ان هذه التسمية قديمة ولها أصول في اللغة العربية. اتفق المستشرقيون وهم الاكثر موضوعيا في دراساتهم على ان كلمة صابي او صابئي جاءت من ا الارامية وليس العربية للكلمة الصابغة او المتعمدين اوالسابحين. اشار المستشرق نولدكه إلى ان كلمة صابئة مشتقة من صب الماء.    التعميد أو الصباغة (مصبتا) تعتبر من أهم أركان الدين المندائي وهو فرض واجب لكل مندائي والهدف الخلاص والتوبة وغسل الذنوب والخطايا والتقرب من الله. التعميد ينبغي أن يتم في المياه الجارية لأنها رمز الحياة والنور الرباني. وللإنسان حرية تكرار التعميد متى شاء ويمارس التعميد في أيام الآحاد و المناسبات الدينية وعند الولادة والزواج أو عند رسم رجل دين جديد. وقد حافظ طقس التعميد على أصوله القديمة، والمعروف ان (يوحنا المعمدان) اجرى عملية التعميد لـ (المسيح) في نهر الاردن والمسيحيون يعتبروهنا بركة. الكتاب المقدس (كنزا ربـا) يعني الكنز العظيم وهو يجمع صحف آدم وشيت وسام ويقع في 600 صفحة ويتضمن سفر التكوين وربما ان سفر التكوين في كتاب العهد القديم الذي يقرأه المسيحيون هو ذاته الذي في كتاب (كنزا ربـا). من محرمات المندائيين الكفر، عدم أداء الفروض الدينية، القتل، الزنا من الكبائر المؤدية إلى النار، السرقة، لكذب، شهادة الزور، خيانة الأمانة والعهد، الحسد، النميمة، الغيبة، التصرف بغير حق بالصدقات المُعطاة، القسم الباطل، عبادة الشهوات، الشعوذة والسحر، الربا، البكاء على الميت ولبس السواد، تلويث الطبيعة والأنهار، أكل الميت والدم والحامل والجارح والكاسر من الحيوانات والذي هاجمه حيوان مفترس، الطلاق، الانتحار وإنهاء الحياة والإجهاض، تعذيب النفس وإيذاء الجسد. المندائيون يؤمنون بالتوحيد (سهدوثا اد هيي) و (هيي ربي) خالق الكون. ويذكر عندهم في الكتاب المقدس كنزا ربا (لا أب لك و لا مولود كائن قبلك و لا أخ يقاسمك الملكوت و لا توأم يشاركك الملكوت و لا تمتزج و لا تتجزأ و لا انفصام في موطنك جميل و قوي العالم الذي تسكنه). الصلاة عندهم (براخا) وفي المسيحية (البراخ) يعني طقس الزواج. المؤرخين القدماء يرجعون الصابئة إلى اصل قديم جدا فمنهم من يرجعهم إلى ادم او إلى ابنه شيث او شيتل كما يقول المندائيون. الباحثون قسموا المندائيين إلى اصل شرقي للمندائيين (بلاد وادي الرافدين) اوصل غربي فلسطين زمن المسيح الا ان الاصل الشرقي للمندائية بقي ويعاني الاندثار. اهتم المستشرقون بالتراث المندائي فقد قام باحث بترجمة الكتاب المقدس للمندائيين الى الالمانية. اما المستشرقة الانكليزية الليدي دراور   (E.S DROWER) فقد عرفت العام على معتقداتهم وتاريخهم وتراثهم الديني. المعروف ان هذه الباحثة عاشت في جنوب العراق متنقلة ما بين المندائيين لدراسة ديانتهم وتراثهم حوالي الربع قرن.    اهم ما يتميز به الصابئة في العراق هي براعتهم في الصياغة خاصة الفضة وتخصصهم في والنقش على عليها بـ (المينة) ينقوشون عليها أسد بابل او صور عراقية عريقة، والنقش على المينة لا يقوم به صاغة آخرون غير الصابئة وهو من إبتكارهم. ومن اشهرهم آل زهرون بن ملا خضر وحسني زهرون وعنيسي الفياض وناصر وحاتم ومنصور حاتم وعبد سكوت وبدن خضر وكريم النشمي وياسر صكر وزامل وضامن حويزاوي وسعد رهيف والمهندس حامد عبد الرزاق رويد واخوته ونصير لفتة شميل. وعندما كنت ناشئا كنت امر في البصرة على معرض آل زهرون وكان معلق على الحائط شهادة مززجة تشير الى مشاركتهم في معرض نيويورك الدولة المقام في عام 1933 كما اظن. ساهم الصابئة المندائيون في التاريخ العلمي في العصر العباسي، منهم أبو إسحاق الصابي وزير الطائع والمطيع، وثابت بن قرة وولديه سنان وإبراهيم اللذان برعا في الطب والرياضة والفلك والترجمة، وأيضا إبراهيم بن هلال الأديب الذي تولى ديوان الرسائل والمظالم سنة 960م. حاولت الحصول على الاعلام الصابئة في التاريخ فلم افلح. وفي عصرنا يعتبر الدكتور عبد الجبار عبد الله من المع في العراق، وهو عالم جليل تولى رئاسة جامعة بغدد عن جدارة الا ان الظروف السياسية التي مرت اثر سقوط عبد الكريم قاسم خذلت الجليل عبد الجبار عبد الله وهو من القلائل الذي ساهم في شرح نظرية انشتاين النسبية، وفي امريكا نال حقة اذ اختر رئي للمجمع العلمي لعلوم الأنواء الجوية في أمريكا وقد ساهم ايضا في تأسيس جامعة البصرة. وتعده بعض الدوائر العلمية المع عالم في مجاله في القرن العشرين. من المندائيين البارزين البروفيسور صبيح السهيلي والشاعرة المعروفة لميعة عباس عمارة والدكتور عبد العظيم السبتي (الذي كرمه اتحاد الفلكيين العالمي مؤخرا، وذلك بإطلاق اسمه على أحد الكواكب المكتشفة سنة 1981 وهو بذلك يعد أول عراقي ينال مثل هذا التكريم) وغضبان الرومي ونعيم بدوي وعبد الفتاح الزهيري والرسامة والشاعرة سوسن سلمان سيف إلى وكثيرون.   المندائيين ملأوأ الشرق الاوسط في الماضي حضارة وعلما ومعرفة وهم الآن يعانون الاندثار ولم يبق منهم غير التاريخ المسطور عنهم وهم في اندثار في العراق كما اندثرت من قبل حضارات الاكديين والبابليين وغيرهم امام سيوف فرسان التاريخ.
 توما شماني – تورونتو
عضو اتحاد المؤرخين العرب