مخاريق محشوة / عبد الله ابراهيم

                                                                                                                     

تحت عنوان مخاريق محشوة
 كتب عبدالله ابراهيم
 
 يتوهم كثيرون أن هذا التمزيق الدلالي، والمكاني، والزماني، لمحمول الخبر وصيغته السردية سيفضي إلى تصدّع الفكرة القابعة تحته، فيتناثر كل ما له صلة بالصابئة، ويُدرج طيّ النسيان، فيما نرى أن تلك النبذ المتناثرة تمثل القيمة الدلالية لمحمول الخبر؛ إذا جرى ترميمه في ضوء المظان الأصلية التي حملت إلينا أخبار الصابئة، فخلف الرغبة المضمرة لطمس المحمول الدلالي تلوح قضية متماسكة ينقصها السياق الحاضن الذي يمنحها المعنى الخاص بها. فما يعدّ تشتيتاً نجده تأكيداً على عالمية عقيدة الصابئة، فلابد أن تكون الصابئية ديانة كونية شملت العالم قبل اليهودية والنصرانية والإسلام لتغطي هذه المساحة من الأرض، فقد أخذت عن اليونان حكمتها، وخلّدتْ في الشرق الأدنى هياكلها، ثم استعارت لغة الهند، وانتهت بأن عبّرت عن نفسها في أقاصي الصين باعتبارها ضامنة للمعرفة الأولى. وبدل الانتقاص والذم يفضل الحديث عن عقيدة فُنيتْ في العقائد الأخرى، وتلاشت فيها، وكانت جذورا لها ومنابع، وذابت كثير من عناصرها في تلك العقائد التي ورثتها، كما ترث الأديان بعضها بعضا في كل زمان ومكان. لم تكن الصابئية عقيدة مغلقة تنتهي صلاحيتها بانقضاء عصرها، إنما أعادت تشكيل نفسها في قلب العقائد الكبرى التي ظهرت في إثرها، ووجدت لها تجليات في سائر تلك العقائد التي تسعى جاهدة للتخلص من أصول مزعجة. واستنطاق النص سيظهر التنوعات الخفية للصابئية التي أراد العمري أن يدفع بها إلى هوّة النسيان. يضع خبر الصابئة بين أيدينا الطريقة المشوبة بالاحتقار للعقائد القديمة، فكل ما لا نرغب فيه يجب طمره إلى الأبد. فما وصلنا إنما جاء بـ”مخاريق”. وطبقا للعمري فذمّ الحامل يُقصد منه إبطال قيمة المحمول.
فمهما أجَلنا النظر في المرويات والمدونات القديمة التي انتدبت نفسها للتعريف بالجماعات والعقائد غير الإسلامية، خارج دار الإسلام وفي داخلها ، قبل ظهور الإسلام وبعده، فنواجه بستار سميك من التجهيل يحول دون ملامستنا المباشرة لحقيقة تلك الجماعات والأديان، فقد تراكم تراث من الانتقاص والدونية لكل ما يغايرنا، ولا يمتثل لنظام القيم السائد لدينا، ولا يستقيم الأمر بدون نظرة نقدية تفكك ركائز ثقافة الكراهية ليقع قبول الآخر.
ربطت اللغة العربية الصابئة بالفعل”صبأ”على نحو يُراد به نوعا من الذم، فدلالة الفعل تذهب إلى معنى الظهور والطلوع والخروج، واختص في سياق التداول بكل مَنْ”خرج من دين إلى دين”. وكانت العرب تسمّي الرسول بـ”الصابيء”لأنه”خرج من دين قريش إلى الإسلام” فالمعنى- في هذا السياق- يحيل على الاهتداء إلى الحق، ونبذ الباطل، ولكن حينما يتصل الأمر بـ”الصابئة” فينبغي تحريف المعنى ليوافق المواقف المسبقة تجاههم، فيفهم أنهم خرجوا على دين، وانحاشوا عنه، وارتدوا، وزعموا أنهم على دين نوح كذبا. وإسقاط دلالة فعل عربي مستحدث للتعبير عن عقيدة قديمة جدا، يؤدي، لا محالة، إلى تزييف القصد، فالصابئة لاعلاقة لها بمعنى الفعل العربي، إنما التسمية مستوحاة من فعل بالآرامية يدل على التعميد والغطس بالماء الحيّ، والانغمار فيه، فالصابئة في سياق الثقافة الآرامية هم”المتعمّدون”بالماء. والتطهر بالجاري منه أمر ملزم في طقوسهم الدينية، ولهذا سكنوا ضفاف الأنهار، والبطائح. وتبوّأ كثير منهم وظائف النسخ والكتابة والترجمة في العهدين الساساني والاسلامي، وكانوا الوسطاء الحقيقيون بين اللغات اليونانية، والفارسية، والآرامية، والعربية. ينبغي تجنّب هذه العثرات التي تُرمى أمامنا كيلا نصل إلى الصابئة بسلام، وإذ امتثلنا لذلك فسوف نُحجز وراء رغبة العمري والمسعودي والشهرستاني وسواهم، ولا نبلغ هدفنا أبدا. ولكي نقترب إلى محمول الخبر، ونلمّ شتات عناصره، ونكتشف حبكته السردية الخاصة بخزائن الكتب الأولى في العالم، فلا بد نزيح هذه الشِباك، لنرى تدفق الحقائق بطريقة مختلفة تماما.
تقبع تحت خبر”الصابئة”إحدى أكثر القضايا إثارة في علاقة المسلمين بغيرهم من أصحاب العقائد، وكما أن النص يذكر كتب العالم الأولى ولا يعرّف بها، فالثقافة الإسلامية أقرّت بوجود الصابئة ولم تعترف بهم، فقضية الصابئة لم تزل معلّقة في الفضاء اللاهوتي الإسلامي، بطريقة لا تبتعد كثيرا عمّا يستبطنه نص العمري. لنتمعّن، بادئ ذي بدء، في المفارقة الآتية: المسلمون لم يقرّوا تماما بعقيدة الصابئة على أنها من عقائد أهل الكتاب، بدلالة عدم فرض الجزية عليهم كما فُرضت على أولئك، وفي الوقت نفسه لم يفتكوا بهم إن لم ينخرطوا في الإسلام إذ ظلوا على عقائدهم القديمة. وهذا أمر يثير العجب والدهشة والحيرة، وحينما نطوف في المظان القديمة نجد تضاربا منقطع النظير حولهم، لكن آية”الجزية”خصّتْ أهل الكتاب دونهم، أي أولئك الذين اعترف بأن لهم كتبا سماوية”قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون” وغير أهل الكتاب من الكفار الذين ينبغي سفك دمائهم إن لم يدخلوا الاسلام، أو يدفعوا الجزية، فينطبق عليهم حكم الآيتين”إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب”و”فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم”.
تتنزل قضية الصائبة بين حكمين واضحين، فمن جهة أولى لم تؤخذ الجزية منهم، وهذا ما قُرّر على أهل الكتاب القيام به في دار الإسلام، وقد خصّ بذلك اليهود والنصارى، ومن جهة ثانية لم يقع الاعتراف بدين سماوي لهم، فينطبق عليهم حكم ضرب الرقاب، ولكن لم يفتك بهم بسبب ذلك. ومع كل مظاهر النبذ والاقصاء التي تعرضوا إليها، فقد كان الموقف الديني غامضا تجاههم، ولم يتفق بشأنهم، إذ لم يشملوا بأحكام غير المسلمين، ولم يقبلهم المسلمون كجزء منهم، فعاشوا عالقين، وغير منتمين، لا لأهل الكتاب، ولا لأهل الإسلام. كيف وقع التعارض بين الوجود الفعلي للصابئة في دار الإسلام دون أن يدفعوا جزية، ودون أن يُعترف لهم بدين؟ أي كيف مرّوا بين حكم ديني قال بقتلهم، وحكم دنيوي قرر حمايتهم؟. عند هذه النقطة يجب القول إن القرآن أشار إلى الصابئة في ثلاث سور:المائدة-69، والبقرة-62، والحج-17. قال تعالى”إن الذينَ آمنوا، وَالذينَ هادوا وَالنصَارَى وَالصابئين مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيوم الآخِرِ وَعَملَ صالحاً، فَلهمْ أجْرُهم عنْدَ رَبهِمْ ولاَ خوَف عَليهمْ وَلاَ همْ يَحزْنونَ”. لقد أدرجتهم الآية مع أهل الكتاب ممَنْ آمنوا بالله واليوم والآخر. ثم جاء قوله”إن اْلذين آمَنواَ، وَالذينَ هادُوا وَالصابئينَ وَالنصَارَى وَالْمجوسَ، وَالذينَ أشْرَكُوا، إنَ الله يَفْصِل بينهُمْ يَوْمَ الْقيامَةَ، إن الله عَلى كُل شيءٍ شهَيد”. وفي هذه الآية إقرار بان الله سيفصل يوم القيامة بين ثلاث مِلل: المسلمون، ثم اليهود والصابئة والنصارى والمجوس، ثم المشركون الذين يعبدون الأصنام.
وفي هذا التقسيم جاء الصابئة ضمن”أهل الكتاب”دون إشارة إلى أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، ويستدعي ذلك اعترافا بأن لهم كتابا سماويا يحثّهم على الإيمان بالآخرة، مما يوجب أن عقائدم إيمانية. فإذا كان جرى اعتراف صريح باليهود والنصارى كأهل كتاب، فلم لم ينسحب ذلك على الصابئة؟ ثم إن إدراجهم في فئة أهل الكتاب يوجب عليهم الجزية تبعا لما وقع على أقرانهم من اليهود والنصارى والمجوس، ولم يثبت أنها فُرضت عليهم، أو أنهم دفعوها بمقتضى حكم الجزية، ولا تذكر إلا حالة افتداء بالمال في عهد الخليفة العباسي القاهر بالله. ولكن في أثناء الفتح الإسلامي للعراق، وفد زعيمهم الديني”آنوش بن دنقا”إلى الفاتحين، يحمل معه كتاب”الكنزا ربّا” وأخبرهم أنهم من أتباع يحيى بن زكريا، فلم يتعرّض الفاتحون لهم بشيء. ويغلب أن هذه السابقة رفعت عنهم بعض التكاليف التي استقامت في الفقه الإسلامي تجاه الملل الأخرى.
تضع سورة الحج الصابئة ضمن أصحاب الديانات، وتأويلها على أنهم أصحاب كتاب سيدرجهم ضمن أهل الجزية، والابقاء عليهم أحياء بدون دخول الإسلام يُفسَّر على أنهم مشركون، وهذا يعني عدم الأخذ بحكم ضرب الرقاب في الآية القائلة بقتل المشركين ممن ضلوا السبيل، وأبوا دخول الإسلام. ومع ذلك فلا بد أن نمضي في التأويل بناء على تغليب الظن بقرائن تضعها الآية المذكورة بين أيدينا. فقد رأينا كيف أنها فَصَلتْ بين فئات ثلاث، وجاء الصابئون ضمن فئة أهل الكتاب، وعدم الاقرار بوجود كتاب لهم ليس دليلا على عدم وجوده بإطلاق، فربما كان لديهم كتاب يجهله المسلمون، وربما كان شأنهم شأن المجوس في ذلك، فلمَ لم يعاملوا معاملة”مَنْ له شبهة كتاب”؟(وقد نفى ذلك عنهم ابن القيّم الجوزية). ولكن أية أخرى في سورة”مريم”ربما تضيء لنا جانبا من هذه العتمة، فقد ورد قوله”يا يحيى، خذ الكتاب بقوة، وآتيناه الحكم صبيا”.
فما الكتاب الذي أمر اللهُ النبيَّ يحيى بن زكريا أن يأخذه بقوة؟(=هو يوحنا المعمدان الذي قام بتعميد المسيح في نهر الأردن). في تفاسير القرآن يشار إلى أن ذلك الكتاب هو التوراة، ولكن من المعروف أن التوراة، والإنجيل، قد خُصّا بنبيين آخرين، أفلا يُرجّح أن يكون المقصود كتابا خصّ به الله يحيى كما خص أنبياءه الآخرين؟. ورد ذكر يحيى خمس مرات في أربع سور. ففي”آل عمران”اعتُرف بأنه جاء”مُصدَّقا بكلمة من الله”وكان”نبيّاً من الصالحين”. وطبقا لتفسير الطبري، فالمقصود أنه كان”رسولا لربه إلى قومه، يُنبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويُبلِّغهم عنه ما أرسله به إليهم”. وفي سورة”الأنبياء”عُدّ يحيى”هبة الله” وأُدرج في “الأنعام”ضمن”الأنبياء الصالحين”. وعُرف بأنه”نبي متألّه”. وهو عند الصابئة الرباني الأكبر بين جميع الأنبياء والرسل، ولهم كتاب مقدس بعنوان”تراتيل يحيى”. وذكرته الأناجيل في سياق التعظيم والتبجيل، ففي”مرقس”جاء أنه”نبي أو كأحد الأنبياء”وفي”متّى”أنه كان”مثل نبي” وفي”لوقا”تختلط صورته بصورة المسيح”كان الشعبُ ينتظرُ، والجميعُ يفكِّرون في قلوبهم عن يوحنّا لعله المسيحُ”. وفي”يوحنا”يُشدّد على أنه ليس المسيح، إنما نبي آخر مرسل. فقال لتلاميذه”لستُ أنا المسيحَ بل إني مٌرسَلٌ”. لقد اعترف القرآن والإنجيل بأنه نبي مرسل. ومجاراة للموروث الديني الذي قرر أن لسائر أنبياء الله صحفا خاصة بهم، وللرسل منهم كتبهم، فينبغي طرح السؤال الآتي: أين كتاب يحيى بن زكريا الذي أُرسل لتبليغه؟.
لم يُحدّد السياق القرآني كتابَ يحيى إلا على سبيل الترجيح الذي يمكن استخلاصه من تفسير الآية، إذ لم يُسمّ الكتاب بنص صريح كما وقع للتوراة، والإنجيل، والزبور، ومعلوم أنه باستثناءات نادرة تُنكر العقائد وجود كتب لغيرها، وإنْ اعترفتْ بها فتلحّ على تحريفها، أو عدّها نوعا من الهرطقة. فكل عقيدة تعرض خلاصا مقيّدا بها يقوم على أنقاض خلاص سابق جرى تخطّيه وإهماله. ولما كان القرآن هو خاتمة المسار الصاعد للكتب السماوية، وفيه الصياغة الأخيرة لكل ما سبقه، طبقا لفرضيات لاهوتية مُدعمة بأدلة نصية، فليس مطلوبا منه التصريح التفصيلي بكل التطورات التي سبقته إلا على سبيل التلميح الاعتباري، ولهذا فالأفضل البحث عن أمر وجود الكتب السماوية من داخل العقائد الأخرى نفسها. وقد آن لنا أن نقترب إلى كتب الصابئة التي ألمح القرآن إليها، ولم يصرّح بها، فللصابئة كتاب”كنزا ربّا”(ويكتب أحيانا كنزه ربّه)وهو”مصحف يحيى”الذي يُحتمل أن يكون القرآن قصده في سورة”مريم”.
وتنسب بعضُ فرق الصابئة الكتابَ لـ”شيت”(=شيتل)أو”إدريس”(=هرمس)بل يُنسب أحيانا إلى”آدم”ويسمى”سدرا- آدم”أي”سِفر آدم”. وحتى لو نُسب الكتاب لإدريس، فالأخبار تورد أنه أول من بُعث من بني آدم، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة. سُمّي كتاب الصابئة المقدس”بـ الكنز العظيم”أو”الكنز الكبير”أو”كنز الله”أو”كتاب آدم”وتعدّد التسميات جاء نتيجة لتضارب الترجمة من الآرامية، والاختلاف بين رواية وأخرى نجد له نظيراً في تسمية الأناجيل المتعددة، والاختلافات فيما بينها؛ فالروايات الشفوية المختلفة للأصول تفرض اختلافا في المتون، ومعلوم أن جمع القرآن وتدوينه في مصحف موحّد قد حال دون تعدد رواياته في الأمصار.
كتاب”الكنزا ربّا”يماثل الكتب السماوية المعروفة، ففيه الرواية الكونية عن الخلق منذ آدم، حيث توالى نزول الصحف على الأنبياء من ذريته بعده، وتتخلل تلك الرواية شذرات من مواعظ اعتبارية، وتضرّعات، وتشفّعات، وأدعية، ووعود، وترغيب، وترهيب. ويتألف الكتاب من قسمين الأول ينحو منحى تاريخيا يتعّقب مسار الأحداث منذ المبتدأ، والثاني عن ارتقاء النفس وخلودها، وكيفية تدبّر أمر سعادتها في الختام. ومذهب الصابئة أن”الكنزا ربّا”أول كتاب سماوي عرفته الخليقة، ففيه صحف أدم، ولا سابق لها في التاريخ، وهذا يتوافق مع مذهب بعض الباحثين في نسب الديانات، إذ يرون الصابئية أول عقيدة توحيد عرفتها البشرية. وللصابئة، فضلا عن “الكنزا ربّا” كتب أخرى، منها”تراتيل يحيى”(=دراشة أد يهيا)وهو مواعظ تنسب ليحيى بن زكريا، ثم كتاب”الديوان”، وكتاب”سفر البروج”وهو في الفلك والتنجيم، وهم يعظّمون الكواكب ويرونها مواطن الملائكة، وفي هذا يجارون بعض الأديان السماوية. وعند مؤرخي الملل لا تقترن الصابئية بعدم وجود كتاب سماوي إنما بتعدّد الآلهة، الأمر الذي يفسر انتشارها بين مشارق الأرض ومغاربها، مع الأخذ بالحسبان أن أولئك المؤرخين يخلطون المعلومات في سياق وصفهم للفرق الضالة، فلا يدخروا وسعا في انتقاصها، وذلك تسبب في تشويش المعلومات عن كل تلك الفرق، بما فيها الصابئية.  
ويرى ابن حزم الأندلسي، في سياق ذكره للأمم المؤمنة، الأمر من منظار مختلف، إذ قال إن اليهود والنصارى أقرّوا بالتوحيد، ثم بالنبوّة، وبآيات الأنبياء، وكذلك أقر”الصابئة والمجوس..ببعض الأنبياء”(16). وقدّم الشهرستاني التفصيل الآتي”وكانت الفرق في زمان إبراهيم الخليل راجعة إلى صنفين إثنين أحدهما: الصابئة، والثاني:الحنفاء. فالصابئة كانت تقول: إنّا نحتاج- في معرفة الله تعالى، ومعرفة طاعته، وأوامره، وأحكامه- إلى متوسّط؛ لكن ذلك المتوسّط يجب أن يكون روحانياً لا جسمانياً؛ وذلك لزكاء الروحانيات، وطهارتها، وقربها من رب الأرباب، والجسماني بشر مثلنا، يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب. يماثلنا في المادة والصورة..وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين. والصابئة تدّعي أن مذهبها هو الاكتساب، والحنفاء تدّعي أن مذهبها هو الفطرة، فدعوة الصابئة إلى الاكتساب، ودعوة الحنفاء إلى الفطرة”(17).
ينتهي بنا الشهرستاني إلى قضية غاية في الأهمية، وهي: أن الحنفية والصابئية ديانة واحدة، تختلف رموزها، وطبائع رُسلها، ويتماثل محتواها، وقد أقر الإسلام رموز الاحناف، ولم يقر برموز الصابئة، ويفهم من ذلك ضمنا أنه أقرّ بالمحتوى الواحد لهما، ومعلوم بأن الحنفية تمثل المشترك الأعلى للديانات السماوية الكبرى قاطبة.
. ويضيف بأن الصابئة”يقرّون بواجب الوجود الذي صدرت عنه العقول، والنفوس، والأفلاك، والأرض” (19). أما صاحب”أبجد العلوم” فقرّر أنهم”يقولون بحدود وأحكام عقلية، ربما أخذوا أصولها وقوانينها مِن مؤيَّد بالوحي”(20). وفي”التعاريف”أن الصابئة” قوم يزعمون أنهم على دين نوح”(21). وإلى ذلك تذهب معظم المعاجم العربية. ومنهم مَنْ يزعم أنه من اتباع إبراهيم الخليل الذي ظهر في بلاد سومر، جنوب العراق، في نحو منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وقد احتذى خطاه في هجرته من”أور”إلى”حرّان”. وهذا التضارب مفهوم في سياق ثقافة شفوية تقوم على تجميع نبذ الأخبار دون التحقّق الكامل من أمرها. وكما رأينا في خبر العمري، فسياقه الشفوي يجمع أخبارا وأقاويل، وليس من شأنه التدقيق، وتكاد المؤلفات القديمة تتشارك في هذه الصفات.
دعونا نعود إلى نقطة البدء، بدء العقائد، فالحديث عن الصابئية يقودنا إلى أقدم الديانات، أي إلى أصلها جميعا. يؤكد القلقشندي قدم الصابئية”والسريان أقدم الأمم في الخليقة، وكانوا يدينون بدين الصابئة، وينتسبون إلى صابيء بن إدريس..قال ابن حزم: ودينهم أقدم الأديان على وجه الأرض..وكانت منازلهم أرض بابل من العراق. وقال المسعودي: وهم أول ملوك الأرض بعد الطوفان”(22).
ويؤكد السيوطي أمر القدم التاريخي للصابئية، ولكنه يجعل مصر القديمة موطنها قبل أن تعمّ الأرض بأجمعها”تنبأ إدريس وهو ابن أربعين سنة، وأراده الملك محويل بن أخنوخ بن قابيل بسوءٍ، فعصمه الله، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، ودفع إليه أبوه وصية جدّه، والعلوم التي عنده، ووِلده بمصر، وخرج منها، وطاف الأرض كلها، وكانت ملّته الصابئة، وهي توحيد الله، والطهارة، والصلاة، والصوم، وغير ذلك من رسوم التعبّدات. وكان في رحلته إلى المشرق أطاعه جميع ملوكها، وابتنى مائة وأربعين مدينة أصغرها الرها، ثم عاد إلى مصر فأطاعه ملكها، وآمن به، فنظر في تدبير أمرها، وكان النيل يأتيهم سيحاً، فينحازون من مَسالهِ إلى أعلى الجبل والأرض العالية حتى ينقص، فينزلون فيزرعون حيثما وجدوا الأرض ندية، وكان يأتي في وقت الزراعة، وفي غير وقتها، فلما عاد إدريس جمع أهل مصر، وصعد بهم إلى أول مسيل النيل، ودبّر وزن الأرض، ووزن الماء على الأرض، وأمرهم بإصلاح ما أرادوا من خفض المرتفع ورفع المنخفض وغير ذلك مما رآه في علم النجوم والهندسة والهيئة”(23).
طاف إدريس أطراف الأرض، وأطاعته ممالك الشرق، ووصل إلى عمق إفريقيا حيث منابع النيل، وعُرف عنه شغفه بالتعليم والتدريس، ومن ذلك اشتق اسمه، وله صحف مرسلة أسوة بالأنبياء. وقرر ابن العماد الحنبلي ما يأتي”مات إدريس بمصر، والصابئة تزعم أن هرمي مصر أحدهما قبر شيث، والآخر قبر إدريس”(24). وذكر ياقوت الحموي، بخصوص الهرمين، أنه “إليهما تحجّ الصابئة، وكانا أولاً مكسوين بالديباج وعليهما مكتوب”وقد كسوناهما بالديباج فمن استطاع بعدنا فليكسهما بالحصير”(25) وحسب المقريزي، فـ”قد كان يُحجّ اليهما، ويُهدى إليهما من أقطار البلاد”. وكانت الصابئة تعظّم أبي الهول الرابض أمامهما كأنه يحرسهما(26). فإذا صحت كل هذه المعطيات، وأخذ بالاعتبار القدم التاريخي للصابئية، يكون حج الصابئة للأهرام أول حج عرفه أبناء آدم، وقد كُسيتْ بالديباج، وهي شبه مكعبة، وتلك هي القبلة الأولى، وقد مرّ بها أنبياء ورسل كثيرون، منهم إدريس، وإبراهيم، وموسى، وعنها تناسلت سائر ضروب الحج وتقاليده في الديانات الأخرى، بما فيها تعظيم بيوت الله في أكثر من مكان؛ والتوجه إليها، والطواف حول بعضها، فالحج إليها هو التقرّب إلى الخالق بالوصول إلى المكان الذي يعتقد أن له أثراً فيه، فتلك بيوت الله، مهما تعدّدتْ أشكالها، ومواقعها، وطقوس العبادة فيها. ذلك ما يمكن الخلوص إليه في قراءة تتحرّى الدقة للمصادر القديمة التي حملت إلينا أخباراً متناثرة عن الصابئة.
عرضنا جانبا من ذخيرة المعلومات التي أمكن الوصول إليها، وترميمها، وانتهت بنا إلى أن الصابئية ديانة قديمة، بل أول الديانات، وهي تقول بتوحيد الله، والطهارة، والصلاة، والصوم، وغيرها من ضروب العبادات، وذلك يتعارض مع شتات المعلومات التي نثرها العمري المتأخر، المنزعج من التجسيم، والمتبرم بالتشبيه، مثله في ذلك مثل كثير من المؤرخين والجغرافيين والفقهاء المتأخرين في العصور الوسطى الإسلامية، ففي هذه الفترة هيمنت الثقافة المتعالمة القائلة بأن غالبية المسلمين لا يقولون بوجود وسيط بين الإنسان والله، فالعلاقة مباشرة، وشفافة، وتجريدية، وسندها الإيمان الصادق، وكل محاولة للعثور على وسيط تعني الهروب من الارتباط المباشر بالخالق، والانشغال بسواه، فالله حالة أثيرية متعالية على التجسيد، وتشخيصها يدفع إلى الشرك، وذلك يخالف الحقائق التاريخية لكل العقائد، وبما أن الصابئة يجعلون لله هيكلا يتعبدون فيه، فينبغي إدراجهم في خانة المشركين. وهذا التناسي المتعمد يصطدم بحقيقة أن المسلمين أوجدوا أيضا لله هيكلا، وهو الكعبة: بيت الله.
ينبغي الآن معرفة ما يحتويه مخزن”الكتب الأولى، وتاريخ الدنيا، وعلوم السماء لما كان ويكون”فقد أهمل العمري ذكرها. هذه الكتب، طبقا للصابئة، هي الكتب الأولى، كنوز الله، ففيها تاريخ الدنيا، وكيفية تكوينها، وفيها علوم السماء من فلك وتنجيم، وقد طمرت كلها في بئر تبتلع من ينكبّ عليها، فيندق رأسه هاويا في قعرها؛ لأنها تتضمن علوما سرية يُضن بها على غير أهلها، ومَنْ يفكّ شفراتها له أن يبلغ”خزائن رغائب هذا العالم “وعليه”لا يصل إلى الدخول إليها، والاقتباس مما فيها إلا من وازت قدرته قدرتنا، وعلمه علمنا”. إنها معرفة محظورة، جرى التكتّم عليها، وحجبها عن غير أهلها، والصابئية ليست عقيدة تبشير، وتكتفي باتباعها الذين تناقصوا عبر العصور، وليس من أهدافها الدعوة والانتشار، وطقوسها شبه سرية ومقتصرة على أهلها.
فالهيكل الصابئي يمتنع عن الطمس، ويمتنع عن الاكتشاف، فهو يربض في سامق من الأرض، في أقصى شرق العالم، بسبعة أبواب، وعليه منار تعلوها جوهرة مشعة تنير جوانبه، تمتنع عن أن تسرق، مهما احتيل لذلك. وكل من رام تخريب الهيكل مات وهلك، وهنالك بئر عميقة تفضي فتحتها إلى مخزن الكتب الأولى، كتب آدم، وإدريس، ويحيى. ولا سبيل للهبوط إليها إذ يندق رأس كل من يحاول ذلك، والتحذير الذي وضع على فوهتها كفيل بمنع أية محاولة، وهنالك لا توجد كتب الحقائق الأولى فحسب إنما”خزائن رغائب العالم” فلبلوغ ذلك المقام المهيب ينبغي الصعود إلى أعلى والهبوط إلى أسفل في حركة متعارضة، فالهيكل على قمة جبل لا ترام قلعته، وكل من يراه يخالجه أغرب شعور”جَزَع وحزن واجتذاب للقلب إليه، وحنين على إفساده، وتأسف على إفساد شيء منه أو هدمه”.
عبدالله ابراهيم
المصادر
16. ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ص59
17. الملل والنحل، ص72و85
19.م. ن، ص 248
20. صديق بن حسن القنوجي، أبجد العلوم 1: 66
21. محمد عبد الرحيم المناوي، التعاريف 1: 445
22. القلقشندي، صبح الأعشى، ص920
23. السيوطي، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، ص9
24.ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب 2: 108
25. ياقوت الحموي، معجم البلدان، ص1815
26. المواعظ والاعتبار، ص154
*نشر البحث في مجلة”التسامح”الصادرة في سلطنة عمان، مسقط، عدد 18