تأثير الصابئة المندائيين على الإسلام

 

                                                                                 

نستعرض تأثير الصابئة على الإسلام .

ولسنا بصدد التأريخ لها وشرح عقائدها إلا بالقدر الذي يتصل بجوهر كتابنا ونعني به تبين العوامل الفاعلة في التوحيد الذي ساهم في تحول قريش من قبيلة هاشمية تسكن جبال مكة وأطرافها إلى دولة مركزية تحكم الجزيرة العربية كلها ثم الإمبراطورية الواسعة التي عرفها التاريخ .
* * * *
احتدم الخلاف بين اللغويين والباحثين والمؤرخين والمفسرين والدارسين في حقل الملل والنحل والفرق سواء بين الإسلاميين والإسلاميين أو بين الإسلاميين والغربيين حول الصابئة أو الصابئين حتى هذين الاسمين لم يفلتا من الاختلاف ، فالبعض يرى أنهما يدلان على مسمى واحد وأنه لا فرق بين الصابئة والصابئين ، والبعض الآخر يذهب إلى أنهما متمايزان وأن الصابئة فرقة والصابئين فرقة أخرى .
والاختلاف بدأ مبكراً بخصوص أصل الاسم أوجذره أو مأخذه فهناك من يرى أن " صبأ " معناه ظهر وطلع كما تطلع النجوم أو تظهر ( تاج العروس من جواهر القاموس ، الزبيدي ، والقاموس المحيط ، الفيروز آيادي ، والمعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية ) .
ومنهم من يذهب إلى أن " صبأ " يصبو : إذا نزع واشتاق أو فعل فعل الصبيان أو صبا إذا عشق " (معجم القرآن الكريم ، إعداد مجمع اللغة العربية نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب ) .
فهنا نرى أن جذر الكلمة "صبأ " قد تراوح ما بين :
طلع أو ظهر - ـ نزع أو اشتاق - ـ فعل فعل الصبيان - عشق
ولكنها جميعاً تدل على : الظهور والبزوغ والتحول من حال إلى حال .
هناك شبه إجماع بين البحاث العرب المسلمين على أن معنى صبأ الرجل : خرج من دينه الذي هو عليه إلى دين آخر .
ومن هنا كان يقال عن النبي محمد ( ص ) " الصابئ " هكذا كانت تسمية العرب وقريش وهذه المصادر الثلاثة التي أوردناها على سبيل المثال تعلل ذلك بقولها :
أن النبي ( ص ) ترك دين قبيلته قريش إلى دين الإسلام فهو قد صبأ .
وهو تعليل جرى عليه السلف ولكن ليس هناك ما يمنع عقلا أن يكون هناك تعليل أخير .
******
أما عن الدارسيين الغربيين فهم طالهم الاختلاف حول جذر الكلمة أو مأخذها وأتى كل واحد منهم بتفسير فمنهم من يرجع كلمة ( صبأ ) إلى الكلمة العبرية ( صبغ ) أي غمس أو غطس أو أغمد ...
وبذلك يكونون هم " المعمدون " الذين يباشرون طقس ( التعميد ) بواسطة الغطس .
وهنا نورد معلومة قد تلقي مزيداً من الضوء على الرأي الذي يذهب إلى أن معتقدات الصابئة ترجع في الأصل إلى مصر القديمة ، فالتعميد بالغطس كان طقساً مصرياً قديماً في بعض الأقاليم إذ كان المولود في الأسبوع الأول من ولادته يعمد بـ ( تغطيسه ) في نهر النيل المقدس أو حابي وما زالت هذه العادة سارية في بعض القرى في النوبة في أسوان إذ تقوم النسوان فيها بممارسة هذا الطقس مع مواليدهن .
أما الفريق الآخر من الدارسين الغربيين فهو يذهب إلى أن كلمة " صابئة " ربما تكون مشتقة من الكلمة المصرية القديمة ( سب ) التي تعني ( الحكمة ) و ( النجوم ) وربما تكون هذه الكلمة المصرية هي أصل الكلمة اليونانية ( سوفيا ) أو ( الحكمة ) وربما ولكن بقدر مشكوك فيه تكون هي أصل كلمة (الصوفية ).
ولسنا في حاجة لأن نذكر أن هذا التفسير يؤيد المذهب الذي يرجع معتقدات الصابئة إلى مصر القديمة وسوف نرى أن النبي إدريس عليه السلام يرجح البعض أن ولادته كانت في مصر أو على الأقل إقامته فيها ردحاً من عمره ، وسبق أن قلنا أن بعض الصابئون يزعمون أنهم على دين ادريس عليه السلام ولو أن البحاث الإسلاميين يكذبونهم في ذلك .
وإذا كان هذا هو قدر الاختلاف حول مأخذ كلمة الصابئة سواء فيما بين الإسلاميين أو بين الغربيين      ( الفرنجة ) فأن الاختلاف حول أصل عقائد الصابئين أشد :
( الصابئون يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام وهم قوم يزعمون أنهم على ملة نوح ) (المعجم الوسيط ) وأيضاً ( … ويزعمون ) أنهم على دين نوح عليه السلام بكذبهم وفي التهذيب عن الليث كذلك أما في الروض فهم منسوبون إلى ( صابئ بن لامك أخي نوح عليه السلام ) (تاج العروس ، الزبيدي )
ولقد لفت نظري وأنا أبحث حول الصابئة ما ذكره الطبري في تفسيره " جامع البيان عن تأويل آي القرآن أو تفسير الطبري " حققه وراجعه الإخوان محمود وأحمد شاكر ـ المجلد الثاني ـ ص147 ـ ط2 ، 1969 م ـ دار المعارف بمصر . ومن المفسرين من اقتصر على بيان دين الصابئة بقوله :
هم قوم عدلوا عن دين اليهودية أو النصرانية وعبدوا الملائكة ) ( الزمخشري ، في الكشاف ، الجزء الأول عند تفسير آية البقرة التي ورد بها ذكر الصابئين) .
وللإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رأي جرئ في خصوصية عبادة الصابئة للكواكب لا يسعنا إلا إيراده : ( أما الصابئات فقد قال أبو حنيفة يجوز للمسلم أن يتزوج بهن وقال أبو يوسف ومحمد ( الصاحبان ) لا يجوز وسبب الخلاف أن أبا حنيفة يرى أنهم قوم يؤمنون بكتاب ويقرون بنبي ولا يعبدون الكواكب بل يعظمونها كتعظيم المسلمين الكعبة في أنهم يستقبلونها عند صلاتهم وهذا لا يمنع التزاوج من نسائهم ) (أحكام الزواج والطلاق في الإسلام ، للشيخ بدران أبو العينين بدران ، كلية الحقوق بالقاهرة ، ص99 ، ط2، 1961 ، مطبعة دار التأليف بمصر ، وكذلك كتاب الأحكام الإسلامية في الأحوال الشخصية ، للشيخ محمد ذكريا البرديسي ، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية حقوق القاهرة ، ص167 ـ 168 ، ط3 ، 1966 ،1967 الناشر دار النهضة العربية بمصر . )
ومعلوم أن أبا حنيفة عاش في العراق حيث كانت هناك فرقة من الصابئة فرأيه إذن على قدر من الأهمية لأنه نفى عنهم عبادة الكواكب وأكد أنهم يعظمونها وقارن بين تعظيمها للكواكب وتعظيم المسلمين الكعبة وهي لفتة ذكية ولا غرو فقد اشتهر شيخ الأحناف بالذكاء وسرعة البديهة .
وسوف نتناول فيما بعد حكم الفقه في الصابئة ولكننا استبقنا ذلك لأن رأي الإمام الأعظم يدخل في تقييم عقيدة الصابئة .
وهناك من يؤكد أنهم ينتهون بعقائدهم إلى غاذيمون وهو شيث بن آدم وهرمس وهو أدريس النبي عليه السلام وقالت فرقة منهم أن إدريس وهو هرمس ولد بـ ( منف ) وسموه هرمس الهرامسة أو مثلث الحكمة وباليونانية آرمسيس أي عطارد وعند العبرانيين أخنوخ وقالت فرقة أخرى أن إدريس ولد ببابل وانتقل إلى مصر وهو أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم وأن الله أفهمه سر الفلك وعدد السنين والحساب وأنه أول من نظر في الطب وتكلم فيه ( هامش ص109 من الجزء الثاني من كتاب الملل والنحل للشهرستاني وهو التعليق بقلم الشيخ أحمد فهمي محمد المحامي الشرعي الذي صحح " الملل " وعلق عليه .)
ولا شك أن مصحح كتاب " الملل " قد نقل ذلك من كتاب التفاسير ( تفاسير القرآن ) التي نقلت بدورها بشأن إدريس كثيراً من الأساطير التي وردت في ( التوراة ) بشأن ( أخنوخ ) في حين أن المسلم يلتزم في شأنه بما ورد في القرآن الكريم أما الأساطير التي تعج بها التوراة فهو في غنى عنها ( انظر تعليق أ . محمد فريد وجدي على مادة إدريس التي وردت في دائرة المعارف الإسلامية ، ص484 ـ 485 من المجلد الثاني دائرة المعارف الإسلامية، إعداد وتحرير إبراهيم ذكي خورشيد وآخرين ، ط1، 1969 ، دار الشعب بمصر ) .
وبعيداً عن الأساطير فإن تأثر الصابئة بأحد أسلافهم سواء أكان اسمه إدريس أو أخنوخ أو هرمس عاش في مصر وتعلم من كهنتها الحكمة والطب . وسر الفلك أمر يقوم شاهداً على احتواء عقائد الصابئة على وشائج حميمة بالكواكب بلغت درجة العبادة ( أو التعظيم ) وعلم القدماء المصريين في الفلك والطب لا يماري فيه أحد وقد استطردنا قليلاً في هذه الجزئية للتأكيد على أن من يذهب إلى أن عقائد الصابئة تؤوب في مصادرها الأولى إلى مصر القديمة لم يخطئ .
********
وتوسع الشهرستاني - ربما بعكس غيره - من الإسلاميين الذين تكلموا في ( الملل والنحل ) في شرح عقائد الصابئة فقال أنهم يقفون في مقابل الحنيفية وأنهم يقرون بأن للعالم صانعاً فاطراً حكيماً مقدساً عن الحدوث ويعجز البشر عن الوصول إليه وأنما يكون التقرب إليه بالوساطات المقربين وهم ( الروحانيون ) المقدسون ومنهم شيث بن آدم وإدريس .
وأن أحوال هؤلاء الروحانيين من الروح والريحان .. الخ ومنهم الساجد والراكع والقائم والساكن والمتحرك ومنهم كروبيون في عالم القبض وروحانيون في عالم البسط وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( الملل والنحل ، الشهرستاني ، ت548 هـ ، صححه وعلق عليه الأستاذ الشيخ أحمد فهمي محمد المحامي الشرعي ، ص108 وما بعدها ، الجزء الثاني ، ط1 ، 1467 هـ ، نشرته مكتبة الحسين التجارية بمصر ) .
ولعل وصف هؤلاء الروحانيين يذكر بأوصاف الملائكة في الإسلام ( والملائكة الكروبيون أقرب الملائكة إلى حملة العرش ،وقال أبو العالية : الكروبيون سادة الملائكة منهم : جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم المقربون ( هامش ص116 من المصدر نفسه ) .
بل كان العرب قبل الإسلام الجاهلية يعرفون الملائكة الكروبيين يقول أمية بن أبي الصلت : ملائكة لا يفترون عبادة .. كروبية منهم ركوع وسجد ( المرجع السابق ) . وسنذكر فيما بعد أن من تأثير الصابئة في عملية التوحيد تجذير عملية الوساطة ولكن حل الملائكة عند عرب ما قبل البعثة المحمدية محل الروحانيين وتهيئة الأذهان لقبول الأوصاف الروحية التقديسية للملائكة ..وكيف أن عقيدة الوساطة تحولت إلى الشفاعة ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه ) الآية 355 من سورة البقرة .
أما عن طقوسهم العبادية :
التضرع والابتهال بالدعوات وإقامة الصلوات وكذلك الزكوات والصيام عن المطعومات والمشروبات وتقريب القرابين والذبائح يضاف إلى ذلك أنهم عرفوا الوضوء فقد ( كانوا يطهرون أنفسهم بالوضوء عند الاتصال الجنسي وأنهم كانوا يحرمون لحوم الخنزير والكلاب والطيور ذات المخالب .. وأنهم كانوا يبيحون الطلاق أو يجيزونه ) (
First Encyclopedia of Islam )
وهذه الفروض العبادية قد تسربت إلى الأديان الأخرى ، ولعل فريضة الصيام هي أشدها لفتا للانتباه لأنها امتناع عن المطعومات والمشروبات في حين أنها في اليهودية والمسيحية امتناع عن أنواع مخصومة من الطعام في أوقات معينة .
وسبق أن تكلمنا عن شعيرة " التعميد " بالغطس أو الغمس في الماء وفي رأينا أنه طقس من طقوس الانتقال أكثر مما هو طقس عبادي أو شعائري ( معجم العلوم الاجتماعية ، أشرف على تحريره د.إبراهيم مدكور ، ط1 ، 1975 الهيئة العامة المصرية للكتاب ) .
وليس ثمة ما يمنع أن يوحنا المعمدان تلقفه منهم وعنه أخذته المسيحية مع تغيير في الأداء ونذكر بما قلناه أنه في الأساس مأخوذ من مصر القديمة .
ولعل طقس التعميد هذا هو الذي حسم الفرق بين الفرقة التي تدخل في زمرة أهل الكتاب وتسمى الصباة أو الصابئة وهم المندائيون وهي فرقة يهودية مسيحية تمارس طقس التعميد وموطنها فيما بين النهرين .
أما الصابئون فهم الحرانيون نسبة إلى حران وهم وثنيون وهم الذين عاشوا شطراً من الزمن تحت ظلال الإسلام .
وهم متأثرون بالثقافة الهللينية وإليهم ينسب عدد من المدرسين المشهورين في الثقافة الإسلامية مثل ثابت بن قره وجابر بن حيان .
ولا يعنينا ما تقوله المصادر الغربية في شأن معاملة حكام المسلمين للصابئين أو الصباة التي تتراوح بين الرعاية والاضطهاد لأنها تند عن موضوع درسناه .
ولقد ذكر ابن النديم هؤلاء الحرانيين باسم ( الحرنانية الكلدانيين المعروفين بـ الصابئة ) وأورد طرفاً من عبادتهم وطقوسهم العبادية فقال ( المفترض عليهم من صلاة في كل يوم ثلاثة … لموضع الأوتاد الثلاثة التي هي : وتد المشرق ووتد السماء ووتد المغرب ، في صلاتهم ركعات وسجدات . وفي صلواتهم : فروض ونوافل . ولا صلاة لهم إلا على طهور . والمفترض عليهم من الصيام ثلاثون يوماً ولهم أعياد منها : عيد ( فطر السبعة ) و ( فطر الشهر ) و ( عيد الميلاد ) وهو في ثلاثة وعشرين من كانون .
ولهم قربان ( ضحية ) يتقربون به وإنما يذبحون للكواكب ويذبحون للقربان ( الأضحية ) : الذكور منهم المعز والضان وسائر ذوات الأربع مما ليس له أسنان في اللحيين جميعاً ومن الطير : غير الحمام مما لا مخلب له . والذبيحة عندهم ما قطع الأوداج والحلقوم والتذكية متصلة بالذبيحة لا انفصال بينهما . ولا ذبيحة إلا لما له رئة ودم . وقد نهوا عن أكل الجزور وما لم يذك وكل ما له أسنان في اللحيين جميعا : كالخنزير والكلب والحمار .ومن الطير غير الحمام وما له مخلب . ومن النبات غير الباقلي والثوم ويتركون الاختتان . ويتزوجون بشهود . لا من قريب القرابة ـ ولا طلاق إلا بحجة بينة عن فاحشة ظاهرة ولا يراجع المطلق ولا يجمع بين امرأتين ولا يطأ إلا لطلب الولد . وفي الميراث : فريضة الذكر مثل الأنثى ( الفهرست لابن النديم د. ت . ن . الناشر دار المعرفة ، بيروت )
أن كثير من هذه الطقوس والشعائر قد انتقلت أم بحذافيرها أو ببعض التعديلات لغيرها من الأديان .
ولكن يظل سؤال هو :
هذه الطقوس والشعائر كانت سائدة لدى الحرانيين الصابئة في وقت كتابة ابن النديم للفهرست أي في القرن الرابع الهجري ؟ فهل هي نفسها التي كانت موجودة لدى الصابئة أو الصابئين وقت أن كانت قريش تعمل على السيطرة على مقدرات الجزيرة العربية ؟
أنني من ناحيتي أرجح ذلك لأن الطقوس والشعائر من سماتها الرئيسية الدوم والاستمرار وترثها الأجيال بعضها عن بعض كما هي .
وقد ذكر القرآن الكريم الصابئين في ثلاثة مواضع :
الآية 62 / من سورة البقرة
الآية 69 / من سورة المائدة
الآية 17 / من سورة الحج
وفي المرات الثلاث قرنهم باليهود والنصارى وهناك ملحظ لا يخفي على التأمل الذي يقرأ بعين مفتوحة وعقل يقظ وهى أنة في آيتي المائدة والحج قدم الصابئين علي النصارى وهما تاليتان في المصحف لسورة البقرة فهل هذا مرجعة إلي تقييم أو وزن العقائد في كلتا الديانتين أم مردة لمدي الانفتاح علي كل منهما . وسبق أن ذكرنا أن الصابئين يصلون خمس مرات في اليوم وأن صيامهم كف عن تناول المطعومات والمشروبات لمدة ثلاثين يوماً وأنهم يتوضأون ويتضرعون ويقدمون الأضاحي ويؤدون الزكاة ويحرمون الخنزير ويجيزون الطلاق ... الخ فهل كان لذلك أثر في تقديم ذكر الصابئين على النصارى في السورتين التاليتين ( في ترتيب المصحف ) لسورة البقرة ... ومن نافلة القول أن نذكر أن ما يجئ في الذكر الحكيم محسوب بدقة بالغة وبعناية شديدة فلا يقال أن تقديم الصابئة على النصارى في السورتين المتأخرين قد جاء اعتباطاً ـ
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
ولكن ما هي الفرقة التي جاء ذكرها في القرآن العظيم في السور الثلاث التي أوردناها ؟
الباحثون الإسلاميون لم يقدموا إجابة مباشرة عن هذا السؤال ـ ولكن يمكن الاهتداء إليها من خلال ما كتبوه أي ما بين السطور :
عندما يرى أكثر الفقهاء أن الصابئة كحكم النصارى في الذبيحة والنكاح والجزية ( كتاب الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم ، أبي منصور عبد الله البغدادي المتوفي 429 هـ ، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ، ص215 ، ( د . ت . ن . ) مؤسسة الحلبي بمصر ) فإن مفاد ذلك أن القرآن الكريم قد عنى الفرقة التي ترى أن الخالق صانع حكيم منزه عن الحوادث تؤمن بحدوث العالم حتى وأن وقع خلاف معها في صفات الصانع وأن عظمت الكواكب لأن هذا التعظيم لا يبلغ رتبة العبادة وشأنه شأن تعظيم المسلمين الكعبة فلم يقل أحدهم أنهم يعبدونها ومن غير المعقول أن يكون القرآن قد قصد الفرقة الوثنية التي تعبد الكواكب .
وقد اختلف شيخ الأحناف أبو حنيفة مع تلميذيه الأثيرين أبي سيف ومحمد الصاحبين في شأن الصابئين فالأمام الأعظم ذهب إلى حلية نكاح نسوانهم أي معاملتهم معاملة أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين في حين أن الصاحبين يحرمان على المسلمين التزوج من الصابئات ...الخ .
ومرد الخلاف هو تفسير موقف الصابئة من مسألة الألوهية فإن كانوا يعترفون بالصانع المبدع فيعاملون كاليهود والنصارى أما إذا كانوا يعبدون الكواكب فيعاملون معاملة المشركين .
وذهب رأس الحنيفية إلى أبعد من هذا فقد قال أنهم يؤمنون بكتاب ويقرون بنبي ( أحكام الزواج والطلاق في الإسلام ، للشيخ بدران والأحكام الإسلامية في الأحوال الشخصية ، للشيخ البرديسي ) ونحن نميل إلى ترجيح رأي الإمام الأعظم ودليلنا على ذلك أن القرآن المجيد في الآيات الثلاث قرن الصابئين باليهود والنصارى بل أنه في آيتي المائدة والحج قدم الصابئين على النصارى كما ذكرنا ويستحيل عقلاً أن يفعل ذلك لو كانوا وثنيين ولا يؤمنون بالصانع المبدع ومعلوم أن الخلاف او الاختلاف على صفاته ليس إنكاراً له ... ولسنا في حاجة إلى التذكير بالخلاف على صفات الباري بين فرق أهل الكلام في الإسلام .
ومن هنا نرى أن ما يذهب إليه الدارسون الغربيون ( الفرنجة ) من أن موقف القرآن الكريم من الصابئة غير معروف لا يتسم بالنظرة المتأنية إنما أطلق على وجه العجلة ( وعلى كل فمن غير المعروف من هم الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن والحقيقة المؤكدة أن عدة طوائف انتسبت إلى الاسم ومن ثم فان من المستحيل تعيين ما عناه القرآن منهم على وجه الدقة ) .
ولو أمعن الدارس النظر في الآيات الثلاث التي جاء ذكر الصابئين وخاصة في السياق الذي شمل هؤلاء والنظم الذي سلكهم لاستبان له كنه فريق الصابئة الذي عناه القرآن ـ هذا بالإضافة إلى منهج القرآن ذاته يحيل عقلا تمجيد المشركين وحشرهم في زمرة المؤمنين بل وتفضيلهم على بعض أهل الكتاب.
ولكن دارساً عربياً إسلامياً له وزنه توقف عند الصابئة الذين ذكرهن القرآن ولم يقطع فيهم برأي كما فعل الباحثون الغربيون أو الفرنجة ( ولكن الذي يفهم من القرآن الكريم أن الصابئة جماعة كانت على دين خاص وأنها طائفة مثل اليهود والنصارى أي أن الكلمة مصطلح ولها مدلول معين ) (الفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، د . جواد علي ، الجزء السادس ، ص702 ، الطبعة الثانية ، يناير 1978 ، دار العلم للملايين بيروت ، ومكتب النهضة بغداد ) .
وكنا نود لو أنه أفصح عن رأيه وحدد الفرقة الصابئة التي ذكرها القرآن ويشرح لنا مدلول المصطلح ! ثم يعيب على المفسرين أن تعريفهم للصابئة أو تقييد لهم ( أنما تكون عندهم في الإسلام وبعد وقوفهم على أحوال الصابئة واتصالهم بهم ) ( الفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام المرجع السابق ص702) .
ولا ندري كيف كان يتأتى للمفسرين معرفة الصابئة وفرزهم وتصنيفهم دون الاتصال بهم ثم الوقوف على أحوالهم !
* * * *
وأهمية تحديد الفرقة الواردة في القرآن يساعد على معرفة مدى تأثيرها في دفع عجلة التوحيد إلى الأمام ، ولا يقتصر ذلك على البصمات التي تركتها تعاليم ومناسك الصابئة على غيرها فحسب بل قبل ذلك الدور الذي لعبته الصابئة كبوتقة ساعدت على صهر مختلف العقائد التي تؤمن بالإله في نهاية المطاف ولو كانت طريقة الوصول إليه تتم عبر بوابة ( الروحانيين ) أو ( الملائكة ) أو ( الشفعاء ) أو ( عزير ) أو يسوع )..الخ . فما دمت تؤمن بالصانع فأنت تدخل في زمرة المؤمنين حتى ولو كنت ترى أنه لا يتوصل إليه إلا بوسيلة الشفعاء .. الخ فهذا التسامح كان عاملاً فعالاً في التأليف والتوحيد وهذا ما لا حظه أحد البحاث الفرنجة ( الغربيين ) [ أن تصورات ( مفاهيم ) الصابئة أو أفكارهم مفتوحة الباب للتسامح مع أي دين يتبين بطريقة صحيحة أنه يؤدي إلى عبادة الله ] (
The concise Book of Encyclopedia of Islam) .
وإذا كان دور اليهودية والمسيحية تمثل في إثراء الخطاب الديني لدى عرب ما قبل الإسلام والتعريف بمفردات ومصطلحات كانت مجهولة لديهم وفي غرس فكرة النبي المنتظر في وجدانهم قبل عقولهم ـ فأن دور الصابئة تمثل في تصوير التوحيد كمعنى شامل لا يتقيد بألفاظ أو تراكيب أو صيغ ضيقة فما دام القصد هو الإيمان بالصانع المبدع فأن الوسائط تغدو ثانوية وهو ما يساعد على لم الشمل الذي كان خطوة واسعة في طريق التوحيد .
* * * *
وفكرة الشفاعة عن طريق الملائكة أو غيرها كانت شائعة لدى عرب ما قبل ظهور الإسلام ، فقبولها منهم ـ كما ترى ذلك الصابئة تولف قلوبهم ولا تنفرهم فالصابئة لم تنظر إليها على أنها شرك بالله أو أن هؤلاء الشافعين أو الشفعاء شركاء له في ملكه ـ بل كانت تركز نظرتها على الهدف وهو عبادة الصانع المبدع .
وإذا كان الإسلام قد رفض تلك الفكرة وعدها شركاً ونسبة بنات إلى الله ... الخ فلا يعني أن تلك النظرة التسامحية لم تؤد دورها في التماسك والتقارب والامتزاج .
وكان منطلق الإسلام في الرفض هو التوحيد الخالص أي من منظور ديني ـ في حين أن قريشاً كانت بارعة في استخدام جميع العوامل الموصلة للتوحيد الذي كانت قناعتها به كاملة لتحقيق حلمها وهو السيطرة على الجزيرة العربية تحت سلطانها هي دون غيرها من القبائل .
وأخيراً يبقى سؤال أخرناه عمداً وهو : ما الدليل على وجود الصابئين في مكة أو في الحجاز وقت أن كانت قريش تخطو خطواتها الواثقة نحو حكم الجزيرة العربية ؟
ويأتي على رأس الإجابة عنه : ذكر الصابئين في القرآن ثلاث مرات فلو أنهم كان لهم حضور في تلك المنطقة لما ذكرهم .
إلا فلماذا لم يذكر القرآن الكريم : الديانة الفيدية أو الديانة البرهمية أو الديانة الجينية أو الديانة البوذية .
 أنه لم يذكرها لأنها لم تكن معروفة في بلاد العرب وقت ظهور الإسلام .
إذن باختصار ذكر الصابئة في القرآن الكريم دليل لا يقبل النقض على وجودها في بلاد العرب عامة والحجاز خاصة .
ولقد رجح بل أكد كثير من الباحثين وجود " الصابئة " هناك .
وأنهم كانوا يملون حضوراً ملموساً وقت أن أعلن محمد ( ص ) دعوته :
1 ـ ( ولا استبعد أن يكون من سكان مكة أناس كانوا من الصابئة ، جاءوا إليها تجاراً من العراق أو جاء بهم الحظ إليها حيث أوقعهم في سوق النخاسة فاشتراهم تجار مكة وجاءوا بهم إلى مدينتهم وعرفوا أنهم صابئة ) ( د . جواد علي ، مرجع سابق ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) .
2 ـ ( والوثنيون على اختلاف أربابهم واليهود والنصارى والصابئون كان يمكنهم زيارتها ( أي الكعبة أو بيت الله ) والتعبد فيها … ( أحمد إبراهيم الشريف ، ص181 ، دار الفكر العربي بمصر ، مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ) .
وعندما يتناول شعيرة الحج فيقول :
( أن الذين كانوا يشهدون موسم الحج لم يكونوا قاصرين على أهل مكة أو القطر الحجازي بل منهم من يأتي من اليمن ونجد ومشارف الشام ومشارف العراق كما كان منهم إلى جانب المشركين الحنفاء والصابئة والنصارى واليهود ) ( المرجع السابق ، ص193 ) .
3 ـ [ والذي يفهم من القرآن الكريم أن الصابئة جماعة لهم دين خاص كاليهود والنصارى ومن الأرجح وجودهم في أرض العرب وفي أرض الحجاز خاصة …] ( أديان العرب قبل الإسلام ووجهها الحضاري والاجتماعي ، ص333 ، الأب جرجس داوود ، ط2 ، 1408 هـ / 1988 م ) .
4 ـ وكان في بلاد العرب وفي البلاد المجاورة صابئة ومجوس يعبدون النار ] ( محمد حسين هيكل ، ص166 ، ط11،دار المعارف بمصر ، حياة محمد ) .
5 ـ وهناك باحث آخر يرجع بوجودهم إلى زمن سحيق نسجت حوله بعض المسطورات التي لا زالت تؤمن بها وتتعبدها بعض الأمم وهو زمن إبراهيم وإسماعيل وأمه هاجر [ ويطرح افتراضا هو أن المذهب الصابئ قد استقل بمضمونه الفكري منذ رحلة إبراهيم ] ( في الفكر الديني الجاهلي ، ص131 ، د . محمد إبراهيم الفيومي ، ط1983 م ، دار المعارف بمصر ) .
وسواء صح هذا الافتراض أو لم يصح فأن الذي لا مرية فيه أن الصابئة كانت هناك عندما طفقت قريش تشد الرحال في طريقها إلى السيطرة على مقدرات جزيرة العرب وأنهم لعبوا دوراً بارزاً في دفع عجلة التوحيد الذي كان المطية التي ركبتها قريش وهي تيمم شطر هدفها المنشود أو بتعبير آخر نحو مشروعها الذي وضع أساسه قصي والذي أتم تشييده حفيده محمد بن عبد الله عليه
تأثير الصابئة على دين الأسلام
منتديات – الكنيسة – حوار الأديان – الحوار الأسلامي