دعوة للحوار / الطائفة المندائية ، تحديات كبيرة ومستقبل مجهول / فائز الحيدر / الحلقة الثالثة

                                                                                                         

 دعوة للحوار
الطائفة المندائية ، تحديات كبيرة ومستقبل مجهول
الحلقة الثالثة 
فائز الحيدر
 
لقد تحدثنا في مقالاتنا السابقة عن أبرز تلك التحديات التي تواجه الطائفة والتي تهدد مستقبلها وهي....المندائيون والإضطهاد والتطهير العرقي عبر التأريخ ، إنقراض اللغة المندائية ، أما اليوم فنتحدث عن موقف المرجعيات الدينية في العراق وإيـران من المندائيين .
موقف المرجعيات الدينية من المندائيين
كما أشرنا في حلقتنا السابقة ، إن التأريخ قد بين لنا مدى القسوة والإضطهاد والتصفيات التي تعرض لها المندائيون في العراق وإيران ومنذ عقود طويلة ولغاية اليوم من قبل محيطهم الإسلامي ، ولتفادي هذا الإضطهاد والتخفيف من المعاناة اليومية التي يتعرضون لها تم إجراء لقاء بين ممثلين عن الطائفة والمرجع الشيعي الأعلى في النجف آنذاك آية الله ( أبو القاسم الخوئي )لإطلاعه عن الديانة المندائية ، وتم تزويده بما يملكون من كتب وحجج تبين له إن الدين المندائي من الديانات الموحدة . وبعد قراءة كتبهم وتأريخهم أكد لأتباعه من الشيعة بقوله : ( إن الأقوى والأظهر بحسب الأدلة إن الصابئيين يعدون من أهل الكتاب ) . إلا إننا نجهل ولغاية اليوم لماذا لم يصدر آية الله ( أبو القاسم الخوئي ) فتوى لأتباعه بذلك ، ولم تتخذ المرجعية الدينية التي يقودها أي أجراء لتطبيقها عمليا" ، وبقي المندائيون يعانون من الإضطهاد ، وبالرغم من تغير وتعدد المرجعيات الدينية في العراق ولسنوات لاحقة ، أصبح من الصعب معرفة الجهة المؤثرة لتوجيه فتوى تقضي حماية المندائيين من القتل والإضطهاد ، كون إن الفتوى لا تعتبر ملزمة بأي حال لغير من يقلدون هذا المرجع أو ذاك ، لأن باب الإجتهاد مفتوح لكل رجال الدين .
وفي مكان آخر وفي إيران بالذات ولنفس السبب وللتقليل من معاناة أخوتنا المندائيين هناك ، تم عقد لقاء مع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله ( علي خامنئي ) ، لتوضيح فحوى ديانتهم المندائية التوحيدية ، وبعد الإطلاع عليها نفت المرجعية هناك وعلى لسان آية الله علي الخامنئي في كتابه ( الصابئة حكمهم الشرعي وحقيقتهم الدينية ) ، أن تكون ديانتهم متفرعه من الديانات الأخرى ، بل نظر إليها كديانة مستقلة وقال فيهم : (( فمن جملة عقائدهم التي يدعونها ويصرون عليها التوحيد)) ، كما وجه الخامنئي نقدا" لفقهاء الشيعة يقول فيها (( والحق الذي ينبغي الإعتراف به هو أننا لا نعرف من المعارف والأحكام الدينية لهذه النحلة التاريخية ( المندائيون ) والتي أصبح المنتمون إليها موجودين بين أيدينا وفي عقر بلادنا )) . ورغم هذا الموقف لم تصدر فتوى من المرجعية الدينية في إيران تحرم إضطهاد وقتل المندائيين .
وعلى الرغم من الإعتراف بالصابئة المندائيين كأهل كتاب وموحدين من قبل أعلى سلطة دينية في إيران ، نجد إن دستور الدولة الإيرانية وفي المادة الثالثة عشر منه لا يعترف بالدين المندائي ضمن الأديان الأخرى المعترف فيها وهي الزرادشت ( المجوس ) واليهودوالمسيحيين ، وتم التضييق على أداء شعائرهم وطقوسهم الدينية ، مما دعاهم الى التوجه إلى القرى والأرياف لممارستها خوفا" من ملاحقة السلطات الإيرانية لهم ، كما ومنع أبنائهم من مواصلة الدارسة الجامعية أو الحصول على عمل مناسب ، وإن حصل بعضهم على شهادة أو عمل فقد كان تحت غطاء أو مسمى إسلامي . كما وتجسدت هذه الخطوات بإستيلاء الحرس الثوري الإيراني في عام 1989 على المعبد الوحيد ( المندي ) الخاص بالمندائيين في مدينة الأهواز ، ولم تكتفي السلطات الإيرانية بذلك فحسب و إنما عمدت الى تدمير مقبرتهم الوحيدة في المدينة مخالفة بذلك لأبسط القواعد الإنسانية والمواثيق الدولية رغم المناشدات التي تقدم بها رجال الدين وشخصيات بارزة من أبناء الطائفة ، وعند ذلك بدأت أعداد كبيرة من المندائيين بالهجرة غير المخططة من إيران واللجوء الى دول عديدة ولم يبقى منهم الأن في إيران غير بضعة آلاف . والسؤال المطروح هل سيواصل المندائيون الصمود في بلدان المهجر في ظل توفر الحرية الدينية ويحافظوا على هويتهم المندائية بعيدا" من الإنقراض كما حافظوا عليها منذ مئات السنين .
وفي رسالة أرسلها شخصيا" كاتب هذه السطور لمكتب السيد على السيستاني على موقع الأنترنيت في شباط / 2006 ووجه له السؤال التالي : ( يعتبر الصابئة المندائيون من سكنة العراق الأوائل الموحدين بالله ، ولهم كتابهم المقدس ( الكنزا ربا ) ولهم علاقات متميزة مع كافة المسلمين وخاصة من الشيعة ، ما هو رأي الأمام على السيستاني بالدين المندائي والمندائيون وهل يعتبرون من أهل الكتاب أو من أهل الذمة حسب نظركم ؟ وقد وصلت الإجابة على على الرسالة عبر الأيميل الشخصي بعد أقل من أسبوع وهي تحمل ختم من ( لجنة إستفتاء مكتب سـماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ) وختم آخر من مكتب السيسـتاني ، بتأريخ 3 صفر / 1427 هـ ( الكاتب يحتفظ بنص الرسالة ) وهي ( بسمه تعالى ، قد يقال بأنهم طائفة من النصارى فيلحقهم حكمهم ، ومع الشك فلا يحكم بنجاسة ملاقيهم ) . وهنا لا أود التعليق على هذه الرسالة وأتركها للقراء الكرام .
أما آراء بعض الفقهاء المسلمين المعاصرين وكما يذكر الباحث رشيد الخيون في مقالته أدناه ،( فالشيرازي ) يقول بحذر وتردد في كتاب ( تفسير وتقريب القرآن ) ...( فيهم غموض وخلاف ، وربما قيل عبدة النجوم ) . أما الطباطبائي في كتاب ( الميزان ) فيقول أن ( عقيدتهم مزيج من المجوسية واليهودية مع أشياء من الحرانية ) . ولنا أن نتصور مدى التطرف الذي يحمله الكثير من شيوخ الإسلام ومنهم شيخ الأزهر السابق ، الشيخ عبد الحليم محمودفي كتابه ( الإيمان بالله ) تجاه الأديان الأخرى حيث يقول: ( إن المسيحيين مثل السرطان والمرض المعدي ،وإن على المسلمين أن يضطهدوهم ويعاملوهم بخشونة وإحتقار ، ويقاطعوهم لإجبارهم للتحولإلى الإسلام . أو إعطاء حضانة أطفالهم للأم عندما تعتنق الإسلام ، استناداً إلى أنالدين عنـد الله الإسلام وأن على الأطفال أن لا يتربوا تحت شرائع دين آخر ) . ترى ما حالنا نحن المندائيين من هذا التصريح الخطير تجاه الأقليات الدينية من قبل أعلى سلطة دينية في مصر .
وبعد سقوط النظام الدكتاتوري في نيسان / 2003 إزدادت موجة العنف ضد المندائيين بإعتبارهم الحلقة الأضعف في المجتمع العراقي ، وتواصلت عمليات القتل المتعمد في بغداد والمحافظات الجنوبية من قبـل المليشيات المرتبطة بالسلطة والمدعومة داخليا" وخارجيا" ، مما أدى إلى تصاعد الإحتجاج بينأبناء الطائفة المندائية ومناشدة رئاسة الطائفة والمنظمات المندائية المدنية برفعصوت الإحتجاج عاليا" ضد هذه الجرائم والتي عادة ما تسجل ضد مجهول ، خاصة وان كافـةالأدلة ومن خلال إلقـاء القبض على بعض القتلـة المجرمين والتحقيق معهم تشير إلى أنالقائمين بها ينتمـون الى مليشيات مرتبطة بالأحزاب السياسية الطائفية الحاكمةفي بغـداد وموجهين من قبلهـم . وعلى ضوء ذلك قامت رئاسةالطائفة وبعض الشخصيات المندائية بمقابلة العديد من المرجعياتالدينية الشيعية والسنية ومنهم مرجعية السيد علي السيستاني ، ومقتـدى الصدر ، والمجلس الإسلامي الأعلى ، وهيئة علماء المسلمين لغرض توضيح معاناةالمندائيين وما يتعرضون له وطالبوا بإصدار فتوى تحرم قتل المندائيين ولكن ويعد مرور عدة سنواتعلى تلك اللقاءات لم تصدر مثل هذه الفتاوى لأسباب قد تكون معروفة للكل.
ويؤكد العاملين في المرجعية الدينية في النجف على صعوبة إعطاء فتوى بذلك لوجود عدة مرجعيات دينية تتناغم مع الأحزاب السياسية الحاكمة ومنها مرجعية السيد علي السيستاني ، واليعقوبي ،الشيرازي والحائري ، والحكيم ، ومقتـدى الصدر وغيرهم الكثير ، لـذلك من الصعب إصدار فتوى تسري ويطبقها ويلتزم بها الجميع ، فمثلا" أذا أصدر السيد على السيستاني فتوى لصالح المندائيينلربما لا يلتزم بها السيد مقتدى الصدر بسبب المصالح والجهات الممولة وسعة الخلافاتبينهم ، كما إنعمل المرجعية ( هو تزويد المؤمنين بالفتاوى الشرعية في مختلف شؤون الحياة الفرديةوالإجتماعية ، والسعي لترويج الدين الحنيف على نهج أئمة أهل البيت) ، ومن عمل المرجعيةالمذكور أعلاه نلاحظ التركيز على عبارة ( ترويج الدين الحنيف على نهج أئمة أهلالبيت ) وهذا يعني التركيز على شيعة أهل البيت فقط دون المذاهب الإسلامية وهم أخوةلهم بالدين ، فما بال حال الأديان الأخرى وحال المندائيين الذين يعتبرونهم كفرة ومنأهل الذمة.
 وبناء على ما سبق يمكننا الإستدلال على إن كافة المرجعيات الدينية الإسلامية سواء كانت شيعة أو سنية لها موقف مسبق من المندائيين ، وسوف لنتتعاطف مع محنتهم ، ولا بإصدار أية فتوى لصالحهم لتحرم قتلهم، والأسباب عديدة ومعروفة وأولها عدم إعتراف هذه المرجعيات أصلا" بالديانات الأخرى ومنها الديانة المندائيةكديانة موحدة مهما قدمت لهم من وثائق وكتب تثبت ذلك ، ومهما إدعت هذه المرجعيات منتعاطف على الصعيد الشخصي أو الإعلامي ، وعلى المندائيين إدراك هذه الحقيقة والمحافظة على هويتهم وعكس ذلك فأنهم سيبقون تحت المطرقة ولسنوات طويلة قادمة دون أن يسعفهم أحد .

     المصادر : -                                                                 

 

 

 
 

1 ـ رشيد الخيون ، الأديان والمذاهب بالعراق / الطبعة الأولى 1426 صفحة 439 .

2 ـ رشيد الخيون ، المندائيون ، آراء فقهاء المسلمين فيهم وموقفهم التقي من الله والخير ، مقالة نشرت على موقع صوت العراق الإلكتروني ، حزيران / 2004
3 ـ  الصابئة المندائيون ، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي ، بغداد 1969.
4 ـ الزهيري عبد الفتاح ، تاريخ الصابئة المندائيين - العرب البائدة. بغداد 1983.
5 ـ سباهي ، عزيز ، أصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم ، دمشق 1996.

 


 يتبع في الحلقة الرابعة        

كندا

في 18 / تشرين الثاني / 2011