الصابئة المندائيون وذكرهم في القرآن

 

                                                                                             
 
الصابئة المندائيون وذكرهم في القرآ ن
مقدمة الباحث:
 ذكر الصابئة قي القرآن الكريم أكثر من مرة, في ثلاث سور هي سورة البقرة ، وسورة المائدة، وسورة الحج : (أن الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الأخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة – أية 62, ومن الطبيعي أن يثار تساؤل حول ما إذا كان الصابئة المندائيون هم المقصودين في القرآن الكريم أم أنالقرآن قد قصد قوماً آخرين. وهناك ثمة طريقتين –في نظر الباحث- للإجابة على هذا السؤال, تتمثل الطريقة الاولى في تتبع واقع وتاريخ الصابئة المندائيين والتحقق مما إذا كان من الممكن أن يكونوا هم المقصودين بالآية , وذلك في ضوء المعطيات والنتائج التاريخية والواقعية التي يتم الوصول إليها.
أما الطريقة الثانية فهي تتمثل في دراسة الدين المندائي والعقيدة المندائية, وإعمال العقل واستخدامه لفهم أصول هذه العقيدة بدون أحكام مسبقة (ويساعدنا على ذلك كون هذا الدين وبيئته الأصلية بعيدين كل البعد عنا في مصر, وأنه لا يوجد أي إحتكاك مباشر بيننا وبينهم, إضافة إلى كونهم يميلون إلى العزلة وعدم التبشير بديانتهم على أية حال). وبعد التحقق والدراسة يتم إعمال العقل بحيث تدرس النتائج التي وصل إليها العقل وتقارن بما يعده القارئ أو الدارس بمثابة المراد من الآيات التي تذكر الصابئين, فإذا كان القارئ يفهم مثلاً من الآيات التي تتحدث عمن عمل صالحاً من اليهود والنصارى أن لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون , فإنه يقارن بين جوهر وأحكام المسيحية أو اليهودية وبين جوهر وأحكام ديانة الصابئة المندائية , فإذا وجد بعد أن يستفتي قلبه ويعمل عقله أن هؤلاء القوم يصلحون ليكونوا اهل كتاب مثلهم مثل اليهود او النصارى , فإنه يعتبرهم الصابئة المذكورين والمقصودين في القرآن الكريم , لا سيما وأنهم قد عرفوا بهذا الاسم على مر القرون , حتى ولو لم يكونوا يعرفون أنفسهم بهذا الإسم الذي أطلقة عليهم الناس منذ زمن بعيد
 كثر الكلام عن الصابئة (تاريخهم ودينهم وطقوسهم) . وماتزال وجهات النظر التي تدور حولهم مختلفة ، (2 ) لابل  متناقضة احيانا من خلال الابحاث والدراسات التي ما تزال متواصلة حولهم . وان لم يبق اليوم الا القليل منهم، ممن يعتنق هذا المذهب ويمارس طقوسه ، الا ان ذكرهم في القرآن يدل على وجود اناس ، عند ظهور الاسلام في مكة والحجاز، كانوا يعتنقون هذا الدين ويمارسون طقوسه. الا ان خلافات كثيرة في وجهات نظر الباحثين القدامى والمعاصرين ماتزال تثار حول تسميتهم .
لقد وردت كلمة (الصابئة) ثلاث مرات في ألقرآن [ سورة البقرة، الاية 62 والاية 69 وسورة الحج ، الاية 17]. غير ان علماء اللغة العربية اختلفوا حول اصلها. بعضهم اعتبر كلمة (الصابئة) اسم فاعل ، ورأى ان الصبأ يعني الرغبة. واطلقوا صفة الصابئي على الشخص الذي يترك دينه ليعتنق دينا اخر. ومن هنا وجدوا الصلة بين هؤلاء وبين الاحناف.
واعتبر البعض الاخر هذه اللفظة مصدرا لكلمة السباحة ، بمعنى معرفتهم بالسباحة، حيث يقولون ان قسما من اليهود ممن آمنوا بيحيى بن زكريا (يوحنا المعمذان) وتم تعميدهم ، اطلق عليهم لقب " السابحون " وبمرور الزمن تحولت الكلمة الى الصابئة او الصابئين .
اما الجماعة الثالثة فترى ان الكلمة مشتقة من سبأ اليمانية، وان هذا الدين كان الدين الاول لاهل سبأ      ( تفسير ابو الفتوح الرازي ج1 وتفسير الطبري ج1 وتاريخ العرب قبل الاسلام ج5 والملل والنحل للشهرستاني ص 210).
وتعني الصبأ في اللغة العربية : الرحل او الميل للانتقال من مكان الى اخر، وبالتالي تعني تغيير الدين   ( الدكتور ماتسوخ " مسألة التاريخ الاقدم لدين الصابئة " )
ويلاحظ ان قريشا اطلقت على الرسول تسمية " الصابي " ايضا ( تاريخ العرب قبل الاسلام، المجلد 5 ) وعلى الصحابة الذين كانوا يتخلون عن دين ابائهم ويعتنقون الدين الاسلامي، اطلقت تسمية " الصباة "  ( ابو الفتوح الرازي 1:197). ويروى انه بسبب اعتناق قبيلة بني جذيمة للاسلام ( جذيمة بن عامر، من الكنانة التي تقاتل معها خالد بن الوليد في السنة الثامنة للهجرة (غزوة القميط) ) فانها كانت تقول" صبأنا، صبأنا ". ولان عمر بن الخطاب اعتنق الاسلام ، سمي ب " الصابي ". وعندما اسلم ابوذر الغفاري، كان اهل مكة يضربونه لانه خرج عن الدين واثار الفتنة واصبح صابئيا. وعندما اراد (معصم بن عدي) وهو من اشراف قريش، ان يزوج ابنه من بنت ابي بكر، خشي ان يؤثر " الصبأة " على ابنه، لان المشركين كانوا يسمون المسلمين ب " الصبأة ". وفي غزوة حنين قال دريد بن الصمة ( كان من اشراف بني حشم ) لاحد كبار القوم : " ثم القى الصباء على متون الخيل ". ولبيد الذي كان ايضا قد ذهب الى الرسول ليطلع على الامور، حدث اهله، لدى عودته ، عن القيامة والجنة وجهنم ، وسمى شاعر يدعى (صرافة) هذا الدين " دين الصابئين "( هو صرافة بن عوض بن الاحوض: الاغاني للاصفهاني 15:131)
كثيرة هي النماذج التي تدل على تسمية اهل الجاهلية، المسلمين بالصابئين. بيد انه ليس من الواضح اذا كان المسلمون قد قبلوا بتسمية كهذه. لكن يذكر انه عندما اسلم عمر بن الخطاب، نشر جميل بن معمر    ( كان يطلق عليه صاحب القلبين لقوة ذاكرته وفكره الثاقب – مجمع البيان 4:334 ل) وسط قريش ان عمر بن الخطاب صار صابئيا. بيد ان عمر نفى ذلك معلنا اعتناقه الاسلام. لكن قريشا قالت: " صبأ عمر "( سيرة ابن هشام 1:349 ) .
وان دل هذا النفي على شيئ فانما يدل على عدم تقبل المسلمين هذه التسمية، في حين انهم لم يعارضوا اطلاق تسمية " الحنيف " او " الاحناف" عليهم. غير ان هذه المسألة جديرة بالمزيد من البحث، وهذا ماحدا باللغويين العرب ان يشتقوا كلمة "صابيئ" من "صبأ" التي تعني تبديل الدين. بيد ان علماء اللغة المعاصرين سلكوا طريقا اخر.
يقول الدكتور رودلف ماتسوخ، المتخصص في اللغة والادب المندائي : ال"صابيئ" هو الاسم العربي لهذه المجموعة، وهو مأخوذ من الارامية. وان ال" صبع" يعني التعميذ، لان اساس دينهم هو عملية التعميد. فالشخص الذي يرتكب خطيئة ما يجب ان يعمد بماء جار، ليدل ذلك ان المذنب عاد ثانية الى جادة الله واصبح طاهرا من جديد. والماء في المذهب المندائي هو عنصر مقدس يسمونه " يردنه " وتعني الاردن. ويطلقون اسم الاردن على اي ماء جار صالح للتعميد.ويعتبر بعض العلماء، امثال جون باليس وبوركيت، ان مفردات المذهب الصابئي المتعلقة بالتوراة والانجيل، مأخوذة من المسيحيين السريان (النساطرة). وهي مغايرة للحقيقة , كون الديانة المندائية هي من اقدم الدينات وكما سنبينه لاحقاً
يسمي الصابئة انفسهم بالمندائيين، وهي صفة مشتقة من كلمة "مندا" الارامية والتي تعني (العلم والعرفان). فالمندائي يعني العارف. واللغة الصابئية او المندائية هي احدى اللهجات الارامية – البابلية. ولقد تم الحفاظ على كلمة " ماتدا " من اجل المصطلح الديني البحت والذي يعني " معرفة الوجود ". واشتقت كلمة " مندا " من اصل والتي تقابلها كلمة " جنوسيس " Gnosis اليونانية كلمة Manda d’ Hayya
كما كان العرب يسمون المندائيين ب " المغتسلة " ارتباطا بممارسة هذه الجماعة، غالب الاحيان اداب وطقوس الاغتسال. ويبدو ان هؤلاء هم " الصابئون " انفسهم الذين ورد ذكرهم في القران والكتب الاسلامية. وهم في الواقع قدامى المندائيين. الا ان هناك من لم يوافق على ان المغتسلة هم المندائيون انفسهم. بيد ان ابن النديم اعتبر المغتسلة هم " صابئة البطايح " صابئة ناحية ميسان تحديدا. وهذا هو تأكيد وليس نفي حيث انها الحقيقة كون ميسان في العراق وششتر في جنوب ايران هي موطنهم بعد النزوح من اورشليم سنة 72 بعد الميلاد .
كما اطلقت تسمية " النصورائي " على المندائيين. الا انهم كانوا يستخدمون هذه التسمية للروحانيين (رجال الدين) والمؤمنين الحقيقيين (التقاة). وفي كتبهم الدينية عنت الكلمة رجال الدين الذين يراعون تطبيق الاحكام والاوامر الدينية، قبل غيرهم. وقد اشار البروفيسور ليدزبارسكي، الى ان هذه الكلمة هي نفس كلمة (الناصري) التي وردت في انجيل متى، كلقب للسيد المسيح. فانجيل متى يعتبر ان الاسم مشتق من مدينة الناصرة، مكان اقامة السيد المسيح. بيد ان اشتقاقا كهذا غير صحيح ، والمعنى الحقيقي لهذه الكلمة هو " حافظ القوانين والاوامر الدينية ". ويبدو ان هذه الكلمة ادت بالبعض الى ان يعتبروا مجموعة منهم نصارى، وان يعتبروا النصرائي، نصرانيا.
لقد اخطاء البروفسور ليدزبارسكي بهذا الوصف كون مدينة الناصرة لم يكن لها وجود خلال هذه الحقبة الزمنية من التأريخ وقد ضهرت في منتصف القرن الثاني للميلاد اي بعد 150 عام من ولادة المسيح .
في القرن السابع عشر ادى عدم فهم البحارة البرتغاليين للمعنى الصحيح لاسم هذه لطائفة، ادى في اوروبا الى اعتبارهم " المسيحيين الذين عمدوا يحيى " (( حسب ماورد في كتاب خولسون(الصابئون وصبأ) المجلد الاول ص 100)). وربما يعود هذا الالتباس الى ان يحيى بن زكريا هو اول من عمد المذهب النصراني، ولان احد مبادئ الدين المندائي هو التعميد ايضا. اضافة الى ذلك فأن قصص الصابئة المتعلقة ب " يحيى المعمدان " كزعيم لهذا الدين، جمعت في كتاب يحمل عنوان " دراشي د يحيى "Draschi d' Jhia، والتي تعني " دراسات يحيى ". بيد ان هذا الكتاب حديث تماما، وقد تم جمعه بعد الاسلام. بالاضافة الى ذلك فان اسم يحيى بالارامية هو يوحنا، اي ان الاسم الاول كلمة معربة. وهذه شهادة على حداثة هذه الدراسات حسب الدكتور ماتسوخ في قاموسه (ايران زمين) 8:26
ومن الاسماء الاخرى التي سمي بها الصابئة "المسيحيون المنحرفون". اذ يرى اتباع هذا الرأي ان الصابئة يعتبرون السيد المسيح نبيا كاذبا، والروح القدس ام السياطين، وابليس و"الاعور" قائد جند الظلمة. وكذلك ترى ان ام المسيح وكذلك انبياء الاقوام السامية قد ولدوا جميعا من الروح القدس مع الشياطين من ام واحدة.
وعلى الرغم من وجود اختلافات كبيرة فيما يخص ظهور الصابئة والدين الذي يعتنقونه، الا ان تأريخهم، على مايبدو، اقدم من تاريخ الدين المسيحي في فلسطين. ويعزى التشابك والتداخل والتعقيدات المتداخلة في هذا الدين متأتية من ان كتب الصابئة الدينية كتبت في وقت متأخر نسبيا.
 
يقول الدكتور ماتسوخ في قاموس (ايران زمين) ج8 ص25 : "بعد هجرة الصابئة من فلسطين الى بلاد مابين النهرين، فأن اديانا عديدة كالدين البابلي والزرادشتي والمسيحي واخيرا الاسلام، قد اثرت على هذا الدين، الى درجة انه اصبح من الصعب جدا فرز العناصر الاصلية عن التأثيرات البعيدة ".وانني لا اتفق مع هذا القول كون الديانة المندائية لم تتأثر بهذه الأديان كونها ديانة مغلقة وغير تبشيرية وقد حافظت على جوهرها طيلة هذه الفترة الزمنية , ولكننا لا نستبعد من ان معايشتها مع هذه الديانات والمكونات من المجتمع , قد أثر في عاداتها وتقاليدها , حفاظاً على ديمومتها , وعدم اثارة الكراهية لهم
ان مفردات هذا الدين الاساسية مثل: معرفة الوجود والنصورائي والاردن، والتي بدونها لايمكن تصور هذا المذهب، تدل وحسب مؤشرات لغوية-حضارية، على ظهور هذه الطائفة في فلسطين اول الامر. مما يؤكد ذلك على ان وثائق الصابئة القديمة منها تعتبر فلسطين مملكتهم الاصلية، وجميع الاماكن المقدسة المذكورة في الكتب الدينية، كالكرمل ولبنان وحران... وغيرها، هي فلسطينية وليست بابلية ( جينزا Genza يمينا 231:5 )
يتذكر الصابئة، اليهود بالكره وروح التبشير بالانتقام والضغينة. وان دل ذلك على شيئ ، فانما يدل على الاهانة والتعذيب الذي تعرضوا له على ايدي اليهود " ومن الطبيعي ان تقع احداثا كهذه في فلسطين، اذ كانت اورشليم مكان تعذيب الصابئة ومعاناتهم. وقد غادر هذه الديار وبسببهذا الاضطهاد 365 كاهنا صابئيا ( نفس المصدر السابق ) .
في علم 1953 اصدرت سيدة انكليزية تدعى (ليدي دراور) في الفاتيكان، وثيقة مهمة عن الصابئة تحت عنوان " حران الداخلية " تحكي قصة تاريخية عن الصابئة تعود الى هجرة اتباع هذا المذهب الى حران في عهد الملك الفرثي ارتيانوس الثالث، الذي يعتبره الدكتور ماتسوخ معاصرا للسيد المسيح، وقد حكم من سنة 12-38 للميلاد. ويعتقد ان يكون قد هاجر الصابئة الى مدينة حران في السنوات الاخيرة لحكم هذا الملك ( ماتسوخ (ايران زمين) 8:30 )
يقول ماتسوخ في قاموسه المذكور، ان الصابئة هي الطائفة العرفانية الوحيدة قبل الاسلام التي بقيت لحد الان . وانها حافظت بدقة، لحسن الحظ، على جميع كتبها الدينية. واستادا الى ذلك فان هذا المذهب هو من احسن الوسائل لمعرفة الغنوصية Gnosticesim ، والتي تعني العرفان القديم. وان ما يلفت النظر هو تشابه الافكار الاساسية للصابئة مع اصل العرفان المسيحي المثبتة بشكل خاص في انجيل يوحنا، وهي متساوية ومترابطة الواحدة بالاخرى، دون شك ( ماتسوخ 8:23 )
بيد ان ماذكر في القران حول الصابئة معقد بعض الشيئ. فقد رافقت كلمة " الصابئة " ثلاث مرات مع كلمتي اليهود والمسيحيين (( يقال ان المراد من " الصابئين " في سورتي البقرة والمائدة، هم القوم الموحدون. ومن " الصابئين " في سورة الحج، هم الصابئون المشركون (اعلام القران، 39) ))
فقد صنف علماء الاسلام " الصابئين " الى مجموعتين : احناف ومشركين . واعتبروا الحنفاء اتباع ابراهيم، اما المشركون فهم الذين يؤمنون بالنجوم .
يتحدث ابن النديم في فصل " اسماء كتب الشرائع " ايضا عن " الصابئين الابراهيميين" ويبرز الخلاف بين المفسرين حول هذه الجماعة .
لقد وردت كلمة " الصابئين " في القران بمستوى واحد مع اصحاب الكتاب. اي ان الاسلام اعتبرهم من اهل الكتاب ايضا اسوة بالمسيحيين واليهود. وتشير الرقاق والالواح المعدنية الموجودة اليوم في المتحف البريطاني، الى وجود الخط الصابئي في القرن الرابع الميلادي، كما هو الحال بالنسبة لقصص الصابئة الدينية اتي كانت محفوظة في هيئة كتاب، قبل الاسلام .
كان المندائيون يتحلون بشيئ من الايمان حيال التوحيد. ومن هنا تأتى اعتقاد بعض العلماء ، كون ان المقصود بالصابئين في عهد الرسول، هم المندائيون . بيد ان الذي ادى الى ملابسات الموضوع فهو وجود صابئة حران ، الذين كانوا مشركين وعبدة نجوم .
ومن هنا لايد من التمييز بين هاتين الفئتين من الصابئة. وكما رأينا فان المندائيين كان لهم اصل فلسطيني. بيد ان ما قيل عن عبدة الاوثان السريان الذين اشتهروا في حران يختلف عن ذلك تماما. وكان لهذه الفئة من الصابئين في حران ، حتى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، مدارس وكتب باللغة السريانية، وكانت وسيلة لايصال الحضارة اليونانية . واشتهر في وسط هذه الفئة علماء كبار تركوا اثرا كبيرا على الحضارة العربية. وكان هناك تداخلا كبيرا بين هاتين الفئتين من الصابئة والى يوم قريب. واول من ميز بينهما هو خولسون استنادا الى ابن النديم .
وقد ظهر هذا الاشكال لدى عبور الخليفة العباسي المأمون، في المعركة الاخيرة مع الروم الشرقيين، من اقليم حران ، وملاحظته بين المستقبلين اناسا بمظهر فريب وشعر طويل وملابس ضيقة ، فأستفسر عن اصلهم ومعتقدهم ، الا انه لم يلق جوابا شافيا ، فامهلهم فرصة الى عودته من المعركة : اما الاسلام او اعتناق احد الاديان السماوية المذكورة في كتب الله . مما ادى هذا الى اعتناق البعض منهم الدين الاسلامي ، اما البقية فقد انتابهم قلق شديد الى ان جاءهم فقيه مسلم ليريهم، مقابل القليل من الذهب، الطريق لحل معضلتهم ، بأن يعرفوا منذ ذلك الوقت كطائفة من الصابئين . مؤكدا لهم بذكر اسم هذه الطائفة في القران . وهكذا احتفظ هؤلاء ومنذ ذلك التاريخ باسم الصابئين .
يقول ابو ريحان البيروني " يطلق احيانا على الحرانيين، بقايا المؤمنين بدين مغرب الارض القديم، والذين تخلى عنهم الروم بعد المسيحية، بالصابئة ، رغم انهم اطلقوا على انفسهم هذه التسمية في الدولة العباسية سنة 228 هجرية ، وذلك لتراعى شروط الذمة بحقهم كذلك "
ان وضع الحلول لهذه الاشكالية ليس بالشيئ السهل . فحسب كتابات ابيفانيوس وهيبوليثوس (من كتاب قبل الاسلام) ان اسم الصابئة كان قبل الاسلام يستخدم للمشركين مابين النهرين ومدينة حران كذلك.
واستنادا الى كتب الصابئة انفسهم ، كانت مدينة حران نحط اهتمام كبير من الصابئة وعبر تاريخهم . فبعد ان هرب الصابئة اثر اضطهاد اليهود لهم، لجأوا الى حران وشيدوا معبدا لهم فيها. وهذا يدل على وجود صلة بين الحرانيين والصابئة.
يقول الدكتور ماتسوخ : يبدوا ان حران كانت تتمتع بحرية المعتقدات ، مما حدا بها الى قبول اللاجئين المندائيين وممارسة معتقداتهم الدينية بحرية. وان تحتاج دقائق الامور الى تسليط اضواء اخرى لتبيان الحقائق. وهذه من مهام المتخصصين في تاريخ الاديان.
كما يعتقد صاحب كتاب الصابئة المندائيين محمد حماد أن دينهم من أقدم الأديان على وجه الأرض ،     ( 3 )   وأنه أنزل بأمر ملك النور على (آدم وحواء) وهو باق منذ تلك الأزمنة إلى يومنا هذا .وهم يكنون العداء الشديد للمسيحية واليهودية، حتى أنهم يعتبرون "موسى " من رسل الروح الشرير ، ويعتقد بعض الباحثين بأن ما حدث مع الصابئة من تعرضهم للذبح ، من قبل اليهود ، جعل منهم ألد أعداء اليهود ، يخالفونهم في كل شئ حتى أنهم يقيمون الأحزان بمناسبة غرق المصريين ، الذين كانوا يلاحقون موسى ، ويطلقون على يوم غرقهم اسم " عاشورية ".
والسؤال أثر هذه ديانة الصابئة في الإسلام؟ وقد وجدنا بعض الملامح والقواسم المشتركة بين الإسلام والصابئة في عدة تشريعات أو قواعد منها الصلاة. فما هو شكل الصلاة عند الصابئة؟
الصلاة :
يتقدم الصابئ من النهر ويقول :" ابرخ يردنه ربه ادميه هي " وتعنى " أبارك اليردنه العظمى الماء الحى " ، و " بشميهون أدهى ربى اسوثه وزكوثه نهفيلخ ياأب أبو هن ملكا برياويس يردنه ربه ملكا برياويس، يردنه ربه إدميه هي " ( باسم الحياة العظمى لك الشفاء والطهر بابى واباهم ملكاً برياويز ، اليردنه العظمى للماء الحى " . وهنا يجب أن يشد حزامه ( هيمانة ) ، قبل أن يقترب من الماء ، ثم يغسل يديه قائلاً:" بشميهون ادهى ري هللنين ايدن بكشطه واسفن ، بهيمنوتا مللنيت ابملاله اد زيوه طبن دنهوره( باسم الحياة العظمى أطهر يدى بالصلاح ، وشفتى بالإيمان ؛ لينطقا كلام النور ، وليجعل وضوئى حيناً بأفكار النور )". ويغسل وجهه ثلاث مرات ، ويأخذ بيديه قائلاً :" ابرخ ن اشمخ ، مشبه اشمخ ، مارى منداد هى ، ابرخ مشبه هاخ برصوفه ربه ديقاره اد من تافشى افرش " ( أبارك اسمك ، وأمسح اسمك يا مولاي منداد هيى، حمداً لسماء الجلال الأعظم الذى قام من ذاته )، ثم يأخذ بيده الماء ، ويجمع أصابع يده اليمنى ، ويمررها على جبهته ، من بداية صدغه الأيمن حتى نهاية صدغه الأيسر ، ويقول :" إن فلان بربلانيثا ( الملواشة ) رشمنا بروشمه ادهى اشم ادهيى واشم اد مندا هيى مدخر إلى "( أنا فلان بن فلانه " يذكر ملواشه، أى الإسم الدينى" ارسم نفسى برسم الحياة اسم " الحياة " واسم منداد هيى منطوق على) . ثم يغمس سبابته ثلاث مرات في الماء ، ثم ينظف أذنيه قائلاً:" أدنى شمن قال دهيى" ( لتسمع أذناى صوت الحياة ) ، صم يستنشق الماء ثلاث من راحته ، مردداً في كل مرة :" نهيري اره ريهة ادهيى "
( لتشم مناخيرى رائحة الحياة . ثم يبدأ بغسل ركبتيه وساقيه قائلاً:" روشمه ايلاوي لهوه بنوره ولهوه بمشه ولهوه بمشيهه روشمي امش بيردته ربه ادميه هيى اد انش ابهيلى لا مصى اشم اد منداد هيى مدخر إلى "( ليست علامتى هى النار " إشارة إلى الديانة المجوسية " ، ولا هى الزيت " إشارة إلى الديانة اليهودية " وليست هى المسح" وتعنى المسيح ويقصد منها الديانة المسيحية " إن علامتى هى اليردنه. " في الأصل تعنى نهر الأردن ، حيث كان يوحنا المعمدان يعمد أتباعه ، ومع مرور الزمن أطلق الصابئة لفظ اليردنه على كل ما هو ماء جار " العظمى الماء الحى الذى لا يستطيع الأنسان أن يحصل عليه بقوته وحده ، إن اسم الحياة واسم منداد هيى منطوق على ) ثم يتمضمض الصابئى ثلاث مرات بيده اليمنى قائلاً :" بمى بوثه تشبيه تمله " (ليمتلئ فمى بدعوات التسبيح) ويلفظ الماء إلى الجهة اليسرى ، ثم يغسل ركبتيه ثلاث مرات قائلاً:" بركى اد مبريخا وساغدى الهيى ربى"( لتبارك ركبتاى الحياة العظمى ولتسجد له) . ثم يغسل بعد ذلك ساقيه ثلاث مرات قائلاً:" لغرى اد مدريخا دركى كشطه وهيمنوثه "(لتتبع ساقاى سبل الحق والإيمان).ويغمس أصابعه فى النهر ويداه ممدوتان معاً وراحتاه نحو الأرض قائلاً:" أنا فلان بربلا ثيثا( الملواشه) صبينا ابمصبته اد بهرام ربه بروربى مصبتى تناظرى وتسق لريش اشم ادهى واشم اد منداد هيى مدخر إلى"( أنا فلان بن فلانه عمدت نفسى بعماد بهرام الكبير بن القدرة ، وعمادى سيحرسنى ويرفعنى إلى الأعلى ، إلى البدء - أى أوج الكمال بيت الحياة - اسم الحياة واسم منداد هيى منطوقان على ). وأخيراً يغمس قدمه اليمنى فى النهر مرتين ، واليسرى مرة واحدة قائلاً:" لغرى وايد يهون ادشفه واترسر لا تتشلط إلى اشم ادهيى واشم اد منداد هيى مدخرا لى "( لتبتعد عن قدماى ويدى سلطة السبعة -كواكب -والاثنى عشر-علامات البروج-اسم الحياة واسم منداد هيى منطوق على) نلاحظ التشابه الواضح بين الوضوء والصلاة عند الصابئة وعند المسلمين فمن أخذ ذلك هو من أعاد الدعوة الإبراهيمية وألبسها لبوس جديد وثقافة جديدة؟‍
ومفسدات الضوء التي أخذ بها النبي في تعليم أصحابه أصول الدعوة!
ومما يفسد الوضوء : البول والغائط ، وخروج الريح ، ولمس الحائض، والنفساء، وأكل شئ قبل الصلاة ، ولايجوز الجمع بين صلاتين بوضوء واحد ، وإن لم يفسد الوضوء ، ونلاحظ أن الوضوء عند الصابئة قريب من الوضوء عند المسلمين.
 والصلاة فرض مكتوب على الصابئيين يؤدونها في اليوم ثلاث مرات ، وتقتصر صلاتهم على الوقوف والجلوس على الأرض من دون سجود ، وتستغرق تلاوة الأذكار فيها ساعة وربع الساعة تقريباً ، وتؤدى قبل طلوع الشمس ، وعند زوالها ، وقبيل غروبها ، وتفضل الصلاة جماعة أيام الآحاد ، وفى الأعياد . ويتوجه المصلى نحو الشمال( إلى الجدى) ، بلباسه الطاهر حافي القدمين ، رافعاً يديه ، مع انحناء قليل ، ويتلو سبع أذكار ، يمجد فيها الخالق ، ويدعوه بأسمائه الحسنى ، ويقول الصابئين : إن الصلاة كانت في عهد آدم سبع صلوات ، وهى : الصبح والظهر والعصر والمساء والعشاء ، وصلاتين فيما بينهما ، إلا أن يوحنا المعمدان خفف عنهم الصلوات وجعلها في ثلاث أوقات .
الصابئة التي تؤمن بالتوحيد ولا تقر بالوثنية بل هي في فهمها للوعي الاجتماعي كفر وخروج واضح عن معالم الدين الإبراهيمي التوحيدي . وقد ورد ذكر الصابئة في القرآن الكريم في المواضع التالية (( البقرة:62 ، المائدة:69 ، الحج: 17 )) ويعتبرهم أهل كتاب مساوياً بينهم وبين اليهود والنصارى والمسلمين أنفسهم ، وقد أفتى الإمام أبو حنيفة بأخذ الجزية من صابئة العراق على هذا الأساس ، ووافقه على ذلك الإمام أبو يوسف. فما هو رأي علماء اليوم عن الصابئة الذي يدعي أهل السنة أنهم قوم خارجون عن أصول الدين ومهرطقون  ويتناسون الصفات المشتركة التي تجمع الديانتين والنص القرآني الذي يخاطب الصابئة بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ والأثر الصابئي واضح جداً في الديانات الثلاث فقد أخذت المسيحية واليهودية والإسلام من أحكام وأعراف الصابئة وجاءوا ورفضوا الاعتراف بهم؟ رغم وجودهم؟ 
 فمن هم الصائبة ..؟

تعتبر الصائبة من أقدم الفرق و الطوائف التي اختلفت كتب الفرق و التاريخ بالحديث عنهم ، بل تشعب فيهم الحديث و اختلط ، و ذهبت الآراء في عقيدتهم مذاهب شتى ، و اختلفت بالمؤرخين لهم والمصنفين عند ذكرهم السبل والأنحاء .
فالعرب تسمى كل خارج من دين الى غيره صائباً .. و من هنا كان يقال للرجال اذا اسلم في بدء البعثة : قد صبأ ، بل ذكرت المصادر أن قريشا كانت تسمي النبي - صلى الله عليه و سلم - وصحابته الكرام : صُباة .. أي : الخارجون على دين قومهم .
ولما أسلم أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - قيلت له بعد إسلامه ، و عندما ذهب سعد بن معاذ - رضي الله عنه - إلى مكة ، عاتبه أبو جهل لدخوله في دين الصابئين ، أي المسلمين ، و لما قدم – خالد بن الوليد – رضي الله عنه و أرضاه – على بني جذيمة ، نادوه بأنهم : صبأوا .. أي دخلوا في دين الإسلام .
ولكن المسلمين لم يرتاحوا لهذه التسمية ، بل كانوا يكذبون كل من يطلق عليهم هذه التسمية ، فلما نادى – جميل بن معمر الجمحي – في قريش قائلاً : ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ ...وذلك حين دخل في الإسلام – فنادى عمر - رضي الله عنه وأرضاه - من خلفه قائلاً : لقد كذب .. إني أسلمت .. فتكذيب عمر - رضي الله عنه - وغيره للوثنيين من أهل مكة ، يشعر بأن أهل مكة إنما أطلقوا على المسلمين هذه التسمية إهانة لهم ، وازدراء بهم ، وإلا لما انزعج المسلمون منها ...... فالصائبة في اللغة إذن : هم أولئك الخارجون على عبادة قومهم
بينما قالت المستشرقة الانجليزية : الليدي دراوور : بأن الصائبة كلمة مأخوذة من كلمة –صبا – ومعناها : الاغتسال بالماء الجاري ، أو من صبا الآرامية بمعنى : يغطس و يتعمد ) (1) وهم يطلقون على الماء الجاري او النهر اسم : يردنه ، وليس لها علاقة بنهر الأردن ، فالأردن و النيل كلاهما عن الصابئين يسمى : أردنه ، أو: يردنه ).
الصابئة في عهد الدولة العباسية (سنة 288) ليعدوا في جملة من تؤخذ منه الجزية و ترعى له الذمة ، و كانوا قبلها يسمون بالحنفاء والحرانية .
ويوضح الأستاذ – إسماعيل مظهر – ذلك بقوله : ( إنهم تسموا بهذا الاسم في زمن الخليفة العباسي عندما مر بحران ، ليحارب امبراطور بيزنطة ، فاطلع على أحوالهم ، ووقف على حقيقة ديانتهم فطلب منهم أن يعتنقوا دينا من الأديان قبل أن يعود من الحرب ، فدلهم بعض الدهاة - بعد أن دفعوا له الأموال - على أن يتسموا بالصائبة ، وهي من الأديان المذكورة في القرآن )  . (2)   وهذا اعتراف بحقيقة كونهم دين من  الأ ديان التي جاء ذكرها في القرآن .
و تعرض المفسرون لذكر عقائد هذه الطائفة فقال الإمام الرازي في تفسيره بعد أن أورد الآراء التي قيلت فيهم :( و لهم قولان الأول : إن خالق العالم هو الله سبحانه ، إلا أنه أمر بتعظيم هذه الكواكب ..! و اتخاذها قبلة للدعاء و الصلاة ) .
والثاني : إن الله سبحانه خلق الكواكب - وهي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة و المرض - فعلى البشر تعظيمها ، و هذا المذهب هو المنسوب الى الكلدانيين الذين بعث الله فيهم إبراهيم - عليه السلام - رادا عليهم ، ومبطلا لقولهم .(3) و قال النيسابوري في تفسيره : ( وكانوا اي الصائبة يعبدون الكواكب ، و يزعمون انها المدبرة لهذا العالم ، و منها تصدر الخيرات و الشرور ) (4). و قال الأستاذ محمد عبد الهادي أبو ريدة في مقدمة كتابه رسائل الكندي الفلسفية ( ص 41.)
ما نصه : ( و من الجائز أن يكون هؤلاء الصائبة أتباع ديانة قديمة قد اختلطت بالفلسفة ، ولعل نحلتهم توحيد قديم يرجع إلى إبراهيم – عليه السلام – عادت إليه بعض التصورات البابلية القديمة وبعض مظاهر الوثنية التي حاربها إبراهيم عليه السلام ثم تغذت بعد فتح الاسكندر للشرق بعناصر فلسفية يونانية ).
و كانت الصائبة الحرانية تسكن شمال العراق ، و مركزهم الكبر في حران ، و هي مدينة قديمة جداً ، و تقع في شمالي الجزيرة قرب منابع نهر البلخ أحد روافد الفرات ، واشتهرت – حران – بأنها كانت مقرا لعبادة القمر – سن – و ظلت كذلك حتى بعد ان انهارات دولة الكلدانيين و دولة الفرس . (5).
و قد أنجبت – حران – كثيرا من العلماء الذين شاركوا في اثراء الفكر الانساني مشاركة فعالة ، في كثير من العلوم المختلفة : كالفلك و الرياضيات و الفلسفة و الطب و التاريخ و كافة العلوم الاسلامية ، أمثال : شيخ الإسلام ابن تيمية و ثابت بن قرة ، وجابر بن حيان ، وثابت بن سنان و البتاني الفلكي ، وأبو جعفر الخازن ، والجعد بن درهم - من رواد التأويل المنحرف والتفسير العقلي في الإسلام - وغيرهم ممن ذكرتهم كتب التاريخ .
الفرقة الثانية : الصابئة المندائيون أو المنديون :
و هم الذين تخلفوا ببابل من أسرى بابل الذي سباهم ، نبوخذ رصر ( الذي ينطقه العامة بختنصر ) إليها من بيت المقدس بعد تدميره هيكل سليمان ، وقد اعتادوا العيش في أرض بابل ، فآثروا البقاء بها ، ولم يرجعوا مع السبي العائد الى بيت المقدس ، بعد أن حررهم قورش الفارسي من الأسر ، فسمعوا أقاويل و معتقات المجوس وصبوا إلى بعضها .
إلا أن المستشرقة الانجليزية الليدي دراوور قالت في كتابها : ( يوجد قدر لابأس به من الروايات ما يشير إلى أن لدى الصابئة الحرانيين ما يشتركون به مع الصابئة المندائيين الحقيقيين ، وأن المثقفين منهم في البلاط العباسي ، قد اختاروا ادعاءالتعابير الفلسفية الأفلاطونية الحديثة ( و هي فلسفة تصوفية نشأت في عصر انحطاط الامبراطورية الرومانية ) حين كانوا يتحدثون عن دينهم لإضفاء جو من العلمانية و الفلسفة على مذهبهم ، و كانت المجوسية لاتزال حية و كريهة ، فكان يجب تجنب أي تغييرات أو أية علاقة مع المعتقدات الفارسية ، إن وجود اسم زهرون (إبراهيم زهرون ) من بين أسماء فلاسفة البلاط العباسي ، يمكن أن يكون دليلا على صلة – الصابئة الحرانيين – بالصابئين المندائيين ، فزهرون هو : أحد ملائكة النور لدى المندائيين ، و كان من السهل عليهم تحويرلفظ (هرموز ) أو ( هرمز ) أهورا - مازدا ( أي : أهريمان ويزدان اله النور والظلمة عند المجوس ) إلى لفظ (هيرمس)أو (هرمس)و إلى أن يذيعوا بأن هرمس المصري كان أحد أنبيائهم .(6).
وذكرت كتب المقالات والفرق كثيرا من عقائدهم التي لا العلم بها ينفع و لا الجهل بها يضر (7) ، وقد أثرت الصابئة المندائية – بالطائفة الاسماعيلية ...! بل يرى المقدسي بأن حمدان الاشعث الملقب بقرمط - زعيم القرامطة الاسماعيليين – كان صابئيا مندائياً .. ! (8)
ويرى الدكتور عبد المنعم الحفني أن ( الصائبة من باطنية اليهود ، و ينكر مؤرخو اليهود يهوديتهم على أساس انهم ثنوية ،( أي : يقولون بالهين ) و الخالق عندهم اسمه : الله .. بصيغته العربية ، و هو نورالسموات والأرض ، فاضت منه المخلوقات..
و قيل : انهم من نصارى اليهود وكتابهم السفر الكبير ( كنزة ربة ) يطرح نظرية في الخلق كنظرية سفر التكوين ، وهم ينوهون بيوحنا المعمدان و يسمونه يحيي لانه من الزاهدين المغتسلين و تشبه شعائرهم في الصلاة شعائر اليهود (9) و تنتشر هذه الطائفة في : الكوت ، والعمارة ، و الناصرية ، وواسط ، وبغداد وفي الأهواز على شاطىء نهر كارون في إيران ، ويسمونهم العامة بالصبية .. و يحتكرون الأعمال المتعلقة بالمشغولات والمسكوكات الفضية و الذهبية ، وكان معظم الصاغة في أسواق الكويت منهم !! و من أبرز رجالهم في العصر الحديث : الدكتور عبد الجبار عبد الله عالم الفيزياء الشهير و رئيس جامعة بغداد سابقاً ، والشاعر العراقي : عبد الرزاق عبد الواحد وكان يرأس الطائفة المدعو : عبد الله الشيخ نجم ...!؟
الصابئون في القرآن الكريم
ورد ذكر الصائبين في ثلاث سور القران الكريم :
قال تعالى في سورة البقرة (آية63) : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليه ولا هم يحزنون ).
و قال تعالى في سورة الحج (آية 17) : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ) . و قال تعالى في سورة المائدة (آية 69):(إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
هناكَ شعوب كثيرة عبدت الشمس كإله (مذكر) والقمر كإلَهَة (مؤنثة). أما العرب فقد اختلفوا عن غيرهم بأنهم عبدوا القمر كإلهٍ والشمس كإلهة. وقد جعلوا لذلك الإله صوراً وتماثيل بشكل هلال يشبه تماماً هلال المسلمين الشيعة ما خلا نجمة صغيرة أضافوها إليه. كذلك كان لليمنيين الصابئة إلهٌ قمرٌ (بناءً على موسوعة المعارف الإسلامية ص 303) وربما أخذ القريشيون هذا الإله عنهم.   
يعد السهروردي مؤسسا للفكر الفلسفي الإشراقي ( تعاليم أفلوطين الذي جمع بين أفكار أفلاطون والدين المسيحي ) ، الذي يدعو إلى  الوصول للمعرفة عن طريق الذوق والكشف الروحاني، بخلاف التوجه الفلسفي العام والمستدل بالتقصي والتحليل البرهاني، جمع بين عدة توجهات فلسفية من اليونان ومصر وغيرها كنماذج فلسفية لتوضيح الفلسفة الإشراقية، أكبر من دعى إلى التأمل الروحاني من بين الفلاسفة المسلمين كما عرف عنه بعدم الاقتناع بالمصادر بل بأسلوب التفكير الذاتي والنفسي ..
والغريب والأغرب رأي أبن تيمية في صاحبنا السهروردي – لاحقا – هو رأي يعكس ما قاله الفقهاء المعاصرون له : (( ذكر شيخ الإسلام أن هذا الرجل من أصحاب الأقيسة ذات المقدمات الضعيفة وقد قتل على الزندقة .. وكان في فلسفته مستمداً من الروم الصابئة والفرس المجوس، وقد سلك النظر والتأله جميعاً، وهو صابئي محض، فيلسوف لا يأخذ من النبوة إلا ما وافق فلسفته )) ، من كتاب ( الرجال الذين تكلم فيهم بن تيمية في فتاويه ).. لا أحد يفهم أو يفسر أو يشرح لنا ما معنى كلماته تلك ؟؟؟؟؟ حيث يتهم أبن تيمية السهروردي بأنه من الصابئة ، ولكن هل قرأ شيخ الإسلام أبن تيمية شيئا مما كتب السهروردي ؟؟؟ حتى يربط بين أفكار السهروردي وأفكار الدين الصابئي !!!
-----------------------------------
هوامش البحث
1. الصابئة المندائيون – الليدي دراوور ص 9

2. تاريخ الفكر العربي –إسماعيل مظهر ص 69.
3. الوحدانية – د.بركات عبد الفتاح دويدار ص 28.
4. تفسير النيسابوري ج1/312-343
5. دائرة المعارف الإسلامية مجلة 14/ص 90
6. الصابئة ص 25-26
7. الملل و النحل بهامش الفصل 2/95-146
8. البدء و التاريخ - للمقدسي ج2/98
9. الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية : ص 223د. عبد المنعم الخفني
 فرق الصابئة ......... د. سامي عطا حسن