الدين والاخلاق / بقلم فضيلة الكنزبرا سلام غياض

                                                                                    
       
الدين والاخلاق
يتكوّن كل دين ظهر في هذا العالم المادي الكبيرالمترامي الاطراف, متعدد اللغات, والمختلف في الثقافات والعادات الاجتماعية , من مكونات رئيسية وأخرى ثانوية.
يصف الكاتب فراس السواح ( في كتابه "دين الانسان ) المكونات الرئيسية للدين وهي :-
 المعتقد, الاسطورة, الطقس.
أما المكونات الثانوية في رأيه ركنان :-
 الاخلاق والشرائع.
 ونرى أن اهمية كل عنصر من هذه العناصر الاساسية او الثانوية تتغير طبقا الى نوع الدين وطبيعته , فالاديان البدائية تقدم الطقس وتجعله من اولوياتها والاديان الجوهرية ( اديان الشرق الاقصى ) تضع المعتقد في اولوياتها , والاديان الالهية ( اديان الشرق الادنى وحوض المتوسط ) تضع الاسطورة في اولوياتها مصدرا للمعتقد والطقس, وهذا التقسيم ذهب اليه خزعل الماجدي.
فنرى الباحثين يناقشون اذا ما كانت الاخلاق من الاساسيات للدين ام من المكملات له وكل باحث يدلو بدلوه ويعطي ويبرهن رأيه بما موجود من معطيات اجتماعية او نصوص دينية او أساطير تجعل المجتمع يسرح بخياله لينسج ويصوغ قوانينه وعلاقاته من خلالها, فنجد فراس السواح يحذر من آفة إسقاط معتقدنا وأفكارنا على معتقدات الاخرين قائلا: "علينا من الآن ايضا أن نتخلى عن أطر تفكيرنا العالية والطريقة التي نرى بها الدين من خلال ثقافتنا الخاصة, لنكون أقدر على فهم وإستيعاب ثقافات بعيدة ومغايرة دون أن نسقط ما نعرفه على كثير مما لا نعرف, وهي آفة عانت منها وما زالت تعاني أساليب التفكير البشري إجمالا، وهذه حقيقة المجتمعات عندما تتداخل فيما بينها عن طريق الحروب والاحتلال او عن طريق الهجرة, فكلاهما يريد فرض ثقافته وعاداته على الآخر، الأكثرية على من اقتحم ديارها والأقلية في محاولات للثبات والبقاء.
وفي اتجاهٍ آخر نجد فلسفة الدين ترتبط بالاخلاق إرتباطاً وثيقاً كما يقول الكاتب أديب صعب في مقدمة فلسفة الدين انه ( ليس هنالك اي دين دون أخلاق ) بينما يرى السواح ان الدين والاخلاق من حيث المبدأ هما مفهومان متمايزان كل التمايز بالرغم من ما يبدو من صلتهما الوطيدة.
فالدين عبارة عن معتقدات وممارسات تنظّم سلوك الانسان إتجاه عالم المقدسات وتزودّه برؤية شمولية لهذا الكون الفسيح وموقعه فيه , بينما الاخلاق هي قواعد وممارسات تنظم سلوك الافراد بعضهم ببعض وبالمجتمع الذي هم جزء منه , والاصل في الاخلاق إستقلالها عن الدين وعلى هذا الاساس جعل فراس السواح الاخلاق من المكونات الثانوية لا لأنها قليلة الشأن بل لأن وجودها لم يكن في اصل الدين.  
اعتقد ان فكرة السواح في موضوع الاخلاق مغاير للواقع لكون الاخلاق جزءاً مهماً وأساسياَ في الاديان , وأن الاخلاق وقوانينها هي من السمات الرئيسية المشتركه بين الاديان السماوية منها وغير السماوية وإن اختلفت في طريقة طرحها ومفهومها ولكنها تبقى ثابتة في أسُسِها.
فالتعاليم المتعلقة بالاخلاق إذن تنظم علاقه الانسان بالانسان من خلال ابواب الوصايا مثل لاتسرقوا - لا تزنوا - لا تكذبوا - لا تشهدوا زورا - لا تقتلوا-لا تلووا السنتكم في قول الحق -لا تنافقوا ....... وما إليها من اللاءات , كما تنظم العلاقة بين الانسان والطبيعة, وعلاقة الفرد بالمجتمع, وعلاقة المجتمع بالمجتمعات الاخرى. لذا نرى أن البشرية قد نظـّمت هذه العلاقة من خلال قوانين وأعراف صاغتها وفق نصوص اقرتها ليطبقها الجميع ويعاقب مَن يخالفها , بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية والدينية والمذهبية ومَن أو ماذا يعبد وكيف يصف الاله الذي يعبده وما شابه من المسائل. فتشترك الأديان كلها بمسلـّمات الاخلاق، ولو عدنا إلى حمورابي مثلاً لوجدنا أن مسلته تشتمل على الكثير من القوانين الاخلاقية رغم أنه لم يعبد الإله الذي تعبده الديانات السماوية, وهذا ما وجده الباحث اللاهوتي السويسري هانس كونغ في دراسته الاديان العالمية والروح العالمية الى البحث عن المشترك بين الاديان العالمية لأظهار الروح التي تميّز هذه الاديان ومن اجل التواصل بين البشر, فكان له أن يجد القاعدة الذهبية التي يندرج ضمنها حقل الاخلاق ومثال حقيقي وواقعي لما أثبته هذا العالم , حيث يقول
كونفوشيوس :-
لا تعامل الآخرين بما لا تريد أن يعاملوك به.
وتقول الديانة اليهودية :-
لا تعامل الاخرين بما لا تريد ان يضطروا الى معاملتك به.
وتقول الديانة المسيحية :-
عامل الناس بما تحب ان يعاملوك به.
ويقول النبي محمد :-
لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
 أما ديننا المندائي فيقول :-
"أيها المؤمنون والكاملون ,كل ماهو مكروه لديكم لا تفعلوه لأصحابكم".
كذلك زرادشت الذي أسس الديانة الزرادشتية
على اساس المعتقد فصاغ النظام الاخلاقي لديانته كما يلي :- الفكر الحسن, فلا يتداول الفرد في عقله إلا الأفكار الطيبة وينبغي أن يُبعِد الافكار الخبيثة, ويقوم بالعمل الحسن الذي يفيد به نفسه وعائلته ومجتمعه ولا يبادر الى ما فيه أذى لمخلوق قط . كما يقول القول الحسن فلا يصدر عنه سوى الكلام الطيب.
هذه الامثلة التي ذكرناها من الديانات الاكثر شيوعا فنراها تجتمع بعبارة جميله وكأنها مستنسخة من دين الى آخر وهذه هي قوانين الاخلاق التي تجمع الديانات السماوية وغيرها, بغض النظر عن عدد المؤمنين بكل من هذه الديانات, فالمجتمع الياباني لا يختلف كثيراً عن المجتمع المندائي او الأسلامي في تقاليد احترام الانسان لأخيه الانسان فنراه متعاون محب يحترم الجميع ويقدم لهم كل ما يريد ان يُقدَّم له , وهذه طبيعة الأنسان ذي الاخلاق الفاضلة بصرف النظر عن ايمانه ودرجة ايمانه , فإن حسُنت اخلاقه وإيمانه وصل الى مرتبة الملائكة ودخل عالم الانوار, فلتكن اخلاقنا وقيمنا العالية بالانسانية والمحبة والاحترام , مؤطرة بإيماننا بمندائيتنا ونصوصها المقدسة , سفينة عبورنا الى العالم المثالي الذي يجمع من تمثلت بهم كل الصفات الطيبة.
       المصادر
   فراس السواح
 خزعل الماجدي
 
      تقبلوا تحيات
الكنزفرا سلام غياض