الزواج المندائي بين الشكل والمضمون / بقلم فضيلة الترميذا علاء النشمي

 

                                                                                   

 

الزواج المندائي بين الشكل والمضمون

بقلم فضيلة الترميذا يوحنا النشمي

ان المعرفة (مندا) صنو الايمان (هيمنوثا) في الفكر المندائي، ويعتبران حالة مثالية للانسان المؤمن الذي يبغي الحياة الروحية في المندائية. والتي من خلالها يصبح جبلا لا تزحزحه الرياح. من هذا المنطلق ارتضيت لنفسي الولوج في موضوع مقالتي هذه وهو (الزواج المندائي بين الشكل والمضمون) .

ان الزواج عند المندائيين من الامور الجوهرية في العقيدة والايمان ، فالمرء الغير متزوج يعتبر غير كاملا دينيا وروحيا، لان فلسفة (1) الزواج هو الاقتران بقصد التكامل في الطبيعة والحياة ، ولغرض الانجاب وديمومة العنصر ايضا.  والمندائية عموما تحرم اشد التحريم الرهبنة (أي الامتناع الارادي عن الزواج باي قصد) وتعتبره من محرماتها ، كما ان النصوص المندائية تنتقد بشدة الرهبان الذين يعزفون عن الزواج.

ان الزواج المندائي لا يتم الا بولي وشهود، وعقد القران (المهر)إذا كان لامراءة (ثيب – غير عذراء) لا يقوم به رجال الدين العاديين بدرجة كنزابرا او ترميدا، وانما من المفروض ان يقوم به رجل دين يسمى (ابيسق) (2)  وحاليا لا وجود لتلك المرتبة من رجال الدين، ويستعاض عنه برجال دين، ولكنهم يقومون بخلع او بعدم تصعيد تيجانهم فوق رؤسهم . وكان اخر رجل دين بدرجة ابيسق هو المرحوم الذي خرج من جسده الشيخ ادم.  

ان المندائية تعتبر اشد موقفا حتى من المسيحية والتي اخذت من الاولى الشيء الكثير، حيث تعتبر الاخيرة بان ما يجمعه الله لا يفرقه انسان، وان علاقة الزواج لا يفصمها الا الموت، حيث يسمح لاحد الزوجين بالزواج مرة اخرى بعد وفاة شريكه .. ونرى تشددا اكثر قوة في المندائية والتي لا تسمح بالزواج مرة اخرى لاحد الزوجين بعد وفاة احدهما، لانها تعتبر الارتباط الذي جرى فيما بينهما اثناء مراسيم الزواج بالروح وليس الجسد .. وفي الوقت نفسه لانها لا تؤمن بالموت الا على انه بوابة انتقال من حياة الى حياة اخرى. فشخصية الانسان باقية من خلال رمز نسمته  (النفس - نشمثا) والتي هي نفحة من نفحات الملا الاعظم، والتي اخذت من ملكوت الحياة وانزلت في جسد الانسان الاول (ادم وهوا - ادم وحواء). فلذلك نرى ان المندائية تؤمن ببقاء الولاء الزوجي والحب ما بين الزوجين حتى بعد الوفاة.

وهنا ياخذنا سؤال مفاده هل حواء خلقت من ضلع آدم الرجل حسب المفهوم المندائي؟ حسب هذا المفهوم تصبح حواء ثانوية في عملية الخلق، وهذا ما ترفضه المندائية، التي تؤمن، وحسب ما ورد في كتابها المقدس كنزا ربا، بان حواء خلقت من نفس الطينة التي تشكل منها آدم الرجل الأول. فبذلك تصبح حواء موازية للرجل في عملية الخلق، ومكملة له.

ان الفكر المندائي يعطي قدسية عظيمة للعنصر الذكري والعنصر الانثوي في هذه الحياة، ويعتبرهما من التكوينات السماوية الاولى والمتوازية في الخلق، حيث يرمز للعنصر الذكري ب(سيندركا- النخلة او رمز التكاثر والثبات) ويرمز للعنصر الانثوي ب (اينا – عين او ينبوع المياه). من هنا نفهم أن المندائية تؤمن بان العنصر الأنثوي ليس طارئا على الخليقة، وانما موجود في الأصول الاولى للخلق. فهناك نرى ورود عدد كبير من اسماء الكائنات النورانية الانثوية، التي لها قداستها في الايمان المندائي، والتي تاتي مصاحبة للكائنات النورانية الذكرية (من ملائكة، اثري، ناطري) وقرينة لهما. ومن امثال تلك الكائنات النورانية الانثوية نورد بعضها:

سيمات هيي ( ام الحياة )، ازلات ربتي (ازلات العظيمة)، مركنيثا دكيثا ( الجوهرة الطاهرة)، بهرات انانا ...الخ.

فقد جاء في ك/ي ما يلي: (( اذهب واخلق رجلا واحدا وامرأة واحدة وأطلق عليهما الاسمين آدم للرجل وحواء للمرأة )). وأيضا في نفس المصدر جاء ما يلي ((  وبعد ذلك خلق هو آدم وامرأته حواء وانزل النفس (نيشمثا) على جسديهما )). ونرى صدى تلك الافكار في الميثلوجيا السومرية والبابلية القديمة التي ازدهرت في بلاد وادي الرافدين قبل الالاف السنين.

ومثلما اوضحنا بان المندائية في صميمها تؤمن وتدافع عن مساءلة التساوي ما بين الجنسين، ولكن على الرغم من ذلك نرى اجحاف بحق الانثى يتخذ هنا او هناك من الناحية التطبيقية، وهذا ارجعه لسببين مترابطين، الاول منهما هو تاثير البيئة التي عاشها المندائيون ولفترة طويلة في ظل الخيمة الاسلامية، ولنكن اكثر دقة ايضا في ظل التطرف القبلي والعشائري في جنوب وادي الرافدين. اما السبب الثاني فنستطيع ان نرجعه الى الجهل في المعرفة المندائية والذي بدأ بالتقهقر تدريجيا. وبودي ان اتي بمثال بسيط عن هذا الاجحاف بحق المراة، وهو ان المندائيون يسمحون برجوع الرجل الذي يتزوج من خارج محيط الطائفة، الى الجماعة المندائية ويؤهلونه مرة اخرى، ولا يسمحون للمراة التي اثمت بزواجها من خارج محيط الطائفة، للرجوع في رحبها ثانيا!!

ان طقس الزواج المندائي والمسمى ( قابين اد شيشلام ربا )، من اروع الطقوس التي يشتهر المندائيون بادائها، لما تحمله من مفاهيم قيمة وراقية عن الحياة الزوجية، وعلاقتهم بالمثيل النوراني في عالم الانوار، وايضا روعته تاتي من خلال الطريقة العملية التي تخرج تلك الافكار والمفاهيم والفلسفة المندائية من خلال ما تثيره من رموز لها دلالاتها الروحية والاجتماعية. ولو انتبه رجال الدين والمندائيون المهتمون لتلك الطقوس وخاصة طقس (الزواج المندائي)، ودرسوه دراسة حقيقية دينية اجتماعية تراثية صحيحة، لاصبح هذا الطقس لولب المراسيم الدينية وشعار المندائية بعد التعميد ( المصبتا ). لان هذا الطقس في رايي قد تحمل الكثير من شوائب الزمن والبيئة القديمة التي كان المندائيون يعيشونها في الماضي، والتي حولت تطبيقه مع الزمن، وانعدام الدراسة الدينية له، الى حالة من الميكانيكية الفارغة الغريبة عن الانسان المندائي.

في فترات معينة وطويلة، استطاع المندائيون ان يجابهوا الظروف القاهرة والمحيطة بهم، بالانعزال التام عن مسرح الاحداث، او على الاقل الابتعاد نسبيا عن مدى تاثيراتها .. وساعدتهم في ذلك البيئة القديمة التي كانوا يعيشونها في جنوب بلاد الرافدين، في قرى صغيرة موزعة على ضفاف الانهر وما بين الاهوار (مع العلم ان لهذا الانعزال ايجابياته في وقته، وسلبياته التي نجابهها الان بسبب ذلك الانعزال). ولكن هل الانعزال في ظل هذا الوقت هو الحل الصحيح لديمومة الطائفة؟! والذي يروج له البعض بطريقة غير مباشرة مع الاسف الشديد والذين ليس لديهم أي علم بالاشياء.

ومن الامور التي تسبب الاسف الشديد ان بعض رجال ديننا، لا يفكر الا بنفسه ووضعه الديني، ولا يهتم بالحالة الدينية العامة، ولا بالمستقبل وما ستؤول عليه المواضيع التي جابهها بعدم اكتراث ولا مبالاة، وكانه غير مسؤول عن ارساء الاسس الصحيحة، والمساعدة في تثبيت الدين. اعتقد بان هذا مرده الى الشعور الديني عند البعض، الذي يقول ان هذا العصر الذي نعيشه هو (خير دارة – اخر دارة او عصر)، اي بقرب حلول يوم الافناء العظيم لجميع البشرية. ان هذا الامر قد حدا برجال الدين الى الالتزام بانفسهم وبوضعهم الديني، ولا يهتمون بما الت عليه الطائفة والمؤمنين المندائيين.

ومن جملة الامور التي تخص موضوعنا الان وهو ( الزواج المندائي ) ، والتي يجب دراستها دراسة عميقة ومن مختلف الجوانب الدينية والاجتماعية، ووضع الحل الجذري لها، هي:ـ

1ـ الزواج من خارج المندائية: فهذا الموضوع يقسم الى حالتين :
* الحالة الاولى: هنالك عدد من ابناء\بنات الطائفة الصابئية المندائية الذين تزوجوا من خارج الطائفة لاسباب متعددة .. وفي نفس الوقت مصرين على ايمانهم المندائي، وترغب ذريتهم بالانظمام الى الجماعة المندائية .. فهل نتركهم ونقطعهم من الجماعة المندائية وبالتالي خسرنا فئة مؤمنة ومتمسكة بمندائيتها. وماذا سيكون وضعهم الديني في داخل الجماعة المندائية، وهل يؤثر ذلك على البناء والهيكلية الروحية الدينية المندائية من جانب اخر !.

* الحالة الثانية: التبشير في الديانة الصابئية المندائية .. هل هي تبشيرية ام لا .. والجواب على هذا السؤال ليس بالسهولة التي يتوقعها البعض، فان اجبت بالايجاب والذي اساسه بالطبع كثير من المواقف والنصوص الدينية التي تساعدك على تبني

  ذلك الموقف..ولكن سوف تصطدم بامور في غاية الاهمية واهمها الانفتاح الكبير الذي سوف يحصل للطائفة والذي سوف يسبب زوالها واضمحلالها في ظل تلك الظروف التي يعيشها المندائيون، ويجابهك ايضا مساءلة كيفية تاهيل هؤلاء اجتماعيا ودينيا !!. وان كان جوابك بالسلب واكيد ايضا مدعوم ببعض النصوص المتاخرة .. سوف تجابهنا مساءلة دينية فكرية وروحية جدا مهمة في بقاء الايمان بالفكر المندائي لدى الجيل الناشيء خاصة. فمن غير المعقول ان نصف الديانة المندائية بانها ديانة قبلية او ديانة قومية .. وليست ديانة كونية وسماوية !!! فعهد الديانات القبلية والقومية قد ولى وهو من العهود الغابرة والتي كان فيها الانسان وثني غير موحد.

2-  حالات الطلاق المتزايدة فيما بين ابناء الطائفة .. وهذا امر يجب بحثه ودراسته بصورة علمية وعميقة، لكي نستطيع ان نستخلص المسببات وبالتالي نضع حلولا ربما نحد منها قليلا.

3-  تعدد الزوجات .. هل ممكن ان نقبل تخريج بعض رجال الدين لهذا الموضوع !!!!!.

4-  البهارة ( او ما يسمى شعبيا بالكشافة ) : اعتقد بان هذا الموضوع المراد منه ( العفة والاخلاق ) باعتبار ان الحفاظ على الامتناع من تكوين العلاقات الجنسية الا من خلال اطار الزواج .. فهو تاج الانسان سواء اكان ذكرا ام انثى .. وان هذا الموضوع نجد صداه في ديوان الف ترسر شيالا.

ولا غرابة في اني لم اجد نصا واضحا بخصوص هذا الموضوع في الكتب الدينية المندائية .. واما فهمنا لتلك الحالة جاء من خلال التداول والتناقل عبر سنين طويلة يزيد او ينقص حسب الظروف والبيئة المحيطة .. او استنادنا الى تفسير بعض رجال الدين المندائيين لذلك الموضوع .. ولكني ارى بان هذا التفسير بالنسبة للبهارة والمراد منها غير واقعي مع النصوص الدينية والتعاليم المندائية التي تدعو الى الرحمة والمعرفة والايمان والعفة.

وهنا ياخذنا شيء اهم من ذلك فلا يمكن القول بان غشاء البكارة هو دليل الشرف والعفة .. لان هناك الكثير من الفتيات الذين يمارسن الفحشاء وهن بواكر .. هذا من جانب، ومن الجانب الاخر فما الذي عملناه بخصوص البنت التي تفقد غشاء بكارتها بحوادث عرضية ليس من خلال العملية الجنسية .. فهنالك الكثير من الفتيات الذين ربما يسقطون من على دراجة هوائية مثلا وتفقد على اثرها غشاء بكارتها والى اخره من الحوادث التي حصلت فيما بين عدد من البنات .. بالاضافة الى اننا نرى المراة اليوم وهي تدخل ميادين عدة وتصارع الحياة العصرية بكل جد ونشاط وعفة وصلاح .. هل من المعقول ان تكون الديانة المندائية مجحفة بحق تلك الفتاة ؟!!!.

انا لا انادي هنا بابطال البهارة وانما قصدت من ايلاجي البسيط في ذلك الموضوع ان اضع او اثبت بعض الحقائق والاشكاليات التي تواجهها المندائية من الناحية الطقسية والفكرية. لان بعض الشبيبة المندائيين سواء ذكورا او اناثا بداوا يبتعدون ويتذمرون من تلك الحالة، ولا يهمهم ان يكون زواجهم ( زواج بواكر) او ( زواج ثيبات ) وما تعنيه الحالتين دينيا. فمثلما اخذت وتاثرت المندائية والمندائيين بالمحيط القبلي العربي والاسلامي على مدى قرون عديدة، يجب علينا الاعتراف بان المندائية سوف تتاثر بالمحيط الغربي الجديد الذي تعيشه؟!!

5-  الاختلافات فيما بين رجال الدين في اداء ذلك الطقس: هنالك اختلافات ظاهرية وباطنية في كيفية اداء هذا الطقس واصبح هذا الطقس محط مزايدات ما بين فئة من المندائيين.

6- زواج الغير باكر ( الثيب ) : من الامور التي اعتبرها شخصيا خطأ دينيا فادحا يرتكبه بعض رجال الدين بموضوع زواج الارملة، والتي يجب وضع حد لها من خلال فهم ديني مندائي مع تطبيق طقسي صحيح. اذ يقوم بعض رجال الدين باسناد هذا الطقس الى احد اولادهم او رجل اخر لايملك ادنى معرفة، ومن جانب اخر لايحق اصلا ممارسة الطقوس لانه غير مكرس ومتوج دينيا !!! فيصبح الطقس عبارة عن شكل فارغ وفاقد لشرعيته الدينية والروحية والاجتماعية.

7-  الذرية التي انجبت من طرفين احدهما مندائي: وهذا يعودنا الى النقطة الاولى اعلاه، ويجب وضع دراسة صحيحة بهذا الشان بعيدا عن التعصب والعاطفة .. اخذا بنظر الاعتبار المصلحة المندائية بشكل عام وليس بشكل شخصي. وان حل هذا الموضوع لايتم بتكميم الافواه. لان التاريخ الانساني يؤكد لنا ان نظرية تكميم الافواه لايدوم طويلا.

8-  الزواجات التي حصلت بدون عقد المراسيم الدينية: هنالك عدد من ابناء طائفتنا الذين لم تساعدهم الظروف لكي يؤدوا مراسيم الزواج المندائي .. اعتقد باننا يجب ان نلتفت اليهم ونضع حدا لمعاناتهم الروحية. لان الديانة المندائية ديانة رحمة ومحبة وهي جاءت لتخليص الانسان وجعله مطمئنا روحيا.

9-  مساءلة زواج اخت الزوجة بعد وفاتها ولايسمح بزواج الزوجة من اخ زوجها المتوفي ... لقد بحثت كثيرا في هذه المساءلة ولم اجد اي نص ديني صريح وواضح يتحدث في هذا المساءلة .. ربما يسعفنا بعض رجال ديننا الافاضل في هذا الموضوع .. وهنا السؤال المهم .. كيف جاء اباحة الاولى وتحريم الثانية ؟!!! وعلى اي اسس استند التحليل والتحريم ؟!!!! ممكن ان اقول هنا بانني من المؤيدين للراي القائل بتحريم الحالتين وعدم اباحتهما .. لان علاقة اخت الزوجة او اخ الزوج هما في كلتا الحالتين ضمن سياق العلاقة الاخوية في الدين بالنسبة للزوج والزوجة .. وهذا ما يصطلح على تسميته في البلاد الغربية ب Brother in Law و Sister in Law. على العموم هذا الموضوع يحتاج الى دراسة اعمق وبحث اكثر تفصيلا في هذه المساءلة وكذا المسائل الاخرى.

ولو تفحصنا التاريخ الديني والفقهي المكتوب للمندائية بالاضافة الى التراث الشفهي المتناقل، لوجدنا الكثير من المعالجات العصرية التي وضعها علماء الدين المندائيين. فلذلك يجب على رجال الدين المندائيين ان يدرسوا المتغيرات التي طرات على الحياة العملية ومدى تجاوبها مع الحياة الدينية المندائية. واحب ان اؤكد هنا في الجهة المقابلة لهذا الموضوع بان على رجال الدين المندائيين الحفاظ على النظام الجوهري العقائدي الروحي في الديانة المندائية وجعله متفاعل مع الحياة والفكر.

وسوف اورد هنا مثال واحد من عدة امثلة ممكن ان نسوقها هنا، وهو مسالة تعدد الزوجات هل هو جائز مندائيا دينيا ام لا؟ وهو بالطبع امر لايزال محط جدال ما بين رجال الدين وابناء الطائفة عموما ؟. من الامور المسلمة في المندائية بان المندائية من مؤيدي الزواج الاحادي ( أي ترفض مبدأ التعدد ) وتجعل هذا الزواج في قمة التقديس (3 ) .. وعلى الرغم من ذلك نشاهد حالات زواج ثنائية او ثلاثية وتصل في امثلة محصورة جدا الى رباعية وخماسية !!!.. واعتقد بان هذا يرجع الى ما عاشه المندائيون من ظروف صعبة وفي بيئة قاسية كبيئة اقصى جنوب وادي الرافدين، وخاصة في فترة القرن الخامس عشر فما فوق وتحملهم الى اضطهاد وضغط ديني واجتماعي كبيرين .. والتي ادت بالتالي الى موت الكثير من رجال الطائفة ومنهم رجال الدين، اما من خلال الامراض والاوبئة التي انتشرت انذاك وفي عصور مختلفة كالطاعون الذي ضرب اهالي مناطق وسط وجنوب العراق في عام 1831م والذي راح ضحيته الكثير من ابناء الطائفة ورجال الدين. والامر الثاني يعود للغزوات (4)والقتل الكثير الذي تعرضت له الطائفة من قبل بعض القبائل والعشائر العربية، ومثال على ذلك ما حصل من مجزرة جماعية(5)للطائفة في مدينة (شيشتر (6)راح ضحيتها مئات الضحايا من الرجال وخاصة الفئة الشابة منهم. فهذه الامور قد تكون غير مؤثرة على طائفة كبيرة العدد، او قد يكون تاثيرها محصورا على قضايا معدودة، ولكن في طائفة صغيرة العدد كطائفة الصابئة المندائيين وبالوضع القاسي الذي كانت تعيشه، كان له تاثير جدا كبير، ليس على حياتها الاجتماعية فقط، وانما اندرج ايضا على تفكيرها الديني وحتى على مراسيمها الدينية.

فلذلك نرى من جملة القضايا الكثيرة التي راح المندائيون يجابهونها، هي مساءلة زواج الارملة وغيرها من القضايا الكثيرة. فلقد شعر المندائيون في ليلة وضحاها بان هنالك الكثير من النساء مقارنة بالرجال، وان نوعهم وديمومتهم كطائفة بدأت بالتاثر السلبي (وخاصة انهم طائفة صغيرة تتأثر بتلك الامور مثلما اوضحنا اعلاه) فلذلك ارتأى اصحاب الشان ان يسمحوا حتى ولو بحدود ضيقة بتلك الزواجات المتعددة في سبيل ديمومة ووجود الطائفة. اعتقد شخصيا ومثلما يؤكدها الكثير من الباحثين والمهتمين بان الحياة والبيئة والاشكاليات الحياتية والمعيشية والظروف (وحتى الاقتصادية منها ) التي يعيشها الانسان وعلى مختلف العصور والازمان لها تاثير جدا كبير على التفكير الايدولوجي والديني والاجتماعي والنفسي للانسان، فتلك الامور استطيع ان امثلها كالبوصلة التي تحدد الطريق للتفكير الانساني من حيث يدري او لا يدري. السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف ان نستفاد من تلك الظروف وان نحولها قدر المستطاع لفائدة ومصلحة الطائفة والفكر الديني الايماني لابنائها وبالتالي ديمومتها وبقائها ؟!!.

الكثير منا يعرف الظروف التي تعيشها الطائفة من كافة النواحي، والتي اختلفت تماما مع ظروف القرن الماضي .. والأكثرية وخاصة المثقفة من الطائفة تتحسس المشاكل لا بل الاشكاليات التي تواجه الطائفة كمنظومة دينية، وهوية اجتماعية، وهوية تاريخية. اهم هذه الاشكاليات هي البناء الروحي للفرد المندائي والذي يبدأ من مسلماته الصغيرة الى ان ينتهي بمسلماته الكبيرة والتي ترتكز على الاسس الصحيحة للايمان المندائي كفكر ومعتقد وفلسفة حياتية. ومن اولى هذه المسلمات الصغيرة هي الطقوس والمراسيم الدينية المندائية، والتي يصطدم بها الفرد المندائي وتكون احدى مشاهداته الاولية للدين المندائي. هذه الطقوس التي لها اهمية جدا كبيرة على روحية الفرد المندائي وايمانه، في نظري هي لا تقل اهمية عن الايمان بالمعتقد والفكر المندائي اذا لم تكن هي بداية النفق للدخول في رحب الديانة المندائية .. والسؤال الذي يطرح نفسه : هل طقوسنا تجري بالشكل المطلوب لا بل بالشكل الصحيح الذي نبغي به تحقيق الاهداف الايمانية والاجتماعية للفرد المندائي ؟!! ومثلما قال البعض بان فهم السؤال وطرحه، تعني نصف الاجابة، أي نصف معرفة الحقيقة واعطاء الحل الصحيح. هذا الموضوع الذي اطرحه الان ليس هو من اهتمامات كاتب هذه الكلمات فقط، ولكن يشغل بال الكثير من رجال الدين ومثقفي الطائفة في كل مكان، ولاننسى ما عرضته الكثير من المجلات المندائية من مقالات تمس هذا الموضوع من قريب او بعيد، وخاصة تلك المحاولة الجريئة التي قامت بها مجلة الصدى في عام 2001(7)، والتي احدثت زوبعة من النقاشات والمجادلات .. ولكن للاسف تم اخمادها بسبب او بدونه، فحبذا لو تستمر هذه النقاشات وتتحول بالتالي الى بحوث ودراسات هادفة، لكي تسند عليها الطائفة هيكليتها الروحية وحتى الاجتماعية.

ان مراسيم الزواج المندائي ترتبط اجتماعيا في بعض الاحيان مع العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة، لان اي فكر واي ممارسة لا تنفصل عن البيئة الاجتماعية التي يعيشها الناس عامة ... فلذلك يجب الحذر عند اتخاذ المواقف والرؤى الدينية فيما يخص المراسيم الدينية، ويجب الفصل فيما بين العادات والتقاليد والتاثير البيئي وفيما بين جوهر الطقس ومفهومه الروحي الذي لايمكن المساس به لاي الاسباب لان ذلك ياخذنا الى نتيجة مفادها ضياع وزلزلة المنظومة الدينية الروحية المندائية .. فمثلا عندما كنت في مدينة الناصرية في العراق (وهي مركز محافظة ذي قار) وكنت حينها المسؤول الديني هناك ، عقدت مراسيم الزواج لاحد المندائيين بمرافقة احد رجال الدين الذي جاء من بغداد، وفي اثناء المراسيم جاءت امراءة من اقرباء العروسة، حاملة بيدها قفل صغير ومفتاحه، وقالت لي بان اضعه في هميانة العريس، في الحقيقة في بادء الامر استغربت من طلبها .. وافهمتها بان هذا ليست من شروط العقد الديني، وحاولت مرارا ان اقنعها فلم تقتنع، وعندما اصررت على ان اكافح البدع والانحرافات وحاولت بروح المؤمن المثقف ان افهمها بلا جدوى لتلك الاعمال وان ليس لها اي اساس في المراسيم الدينية .. ولكني كمن وخز عش الدبابير بيده !! .. ثارت ثائرتها وزعلت مني واعتبرتني باني لا اطبق الدين والمراسيم بصورة اصولية !!!.

لا اعتقد ان الصواب يجانبني اذا قلت ان الطائفة المندائية تشهد أكبر مرحلة جزر واضمحلال وتراجع. وذلك من خلال انشغال بعض المندائيين (وخاصة رجال الدين) بامور اقل اهمية كمساءلة الاكل والشرب، واعطاءها مساحة وجهد اكبر مما تستحق. واتساءل هنا من فرض قواعد الاكل والشرب والتي شغلت بال بعض رجال الدين، واصبحت مادة دسمة لجدالهم العقيم الذي لا نتيجة له، الى حد نسيان التعاليم المندائية العظيمة وقواعد واسس الايمان المندائي الصحيح، الهامة جدا لسلامة وديمومة المندائية كفكر وايمان وتواصل مع الحي العظيم الخالق العظيم سبحانه وتعالى !!

ربما البعض سوف ينتقدني على بعض الاخطاء التي سوف ترد هنا ام هناك. على كلا ان هذا الموضوع لا يقلل من اهمية الامور التي طرحتها وناقشتها في مقالتي هذه، وجل من لا يخطىء. اما البعض الاخر الذين سوف ينتقدون ولوجي في بعض المواضيع التي ربما تكون حساسة بالنسبة لهم. ولكني تصديت لتلك الامور الشائكة التي لا مجال للاغفال عنها وعلاجها بدفن الرؤوس في الرمال. وانما قصدت باثارتها للجميع ولذوي الشان خاصة، لمناقشتها بموضوعية عالية مسنودة بالفقه الديني، وتاخذ الاعتبارات الاجتماعية والعصرية التي يعيشها المندائيون الان. ولعمري ان هذه لفائدة للمندائيين ولدينهم، كما فعل الاجداد وتخطوا الكثير من الامور التي طرات على المندائية كدين، واستطاعوا ان يجدوا لها الحلول. ربما بعضها كانت حلول غير صائبة، ولكن على العموم تقع علينا المسؤولية في الابقاء على هذا الدين العظيم، والتراث المشرف، والتاريخ العريق للمندائيين ان يستمر.

أسال (هيي ربي) مشبا اشمي، أن يحفظ ويرعى الأنفس ( النشماثا )العانية والفقيرة في هذا العالم، وأساله الرحمة والمغفرة من الخطايا والاتحاد ( لوفا ) مع الحياة السرمدية.