دعوة للحوار / الطائفة المندائية ، تحديات كبيرة ومستقبل مجهول / فائز الحيدر / الحلقة الثانية

دعوة للحوار
الطائفة المندائية ، تحديات كبيرة ومستقبل مجهول
الحلقة الثانية
فائز الحيدر
 
المقدمة .....
تتعرض الطائفة المندائية ومنذ عقود مضت ولغاية اليوم إلى مجموعة من التحديات الكبيرة التي تهدد وجودها الحالي ومستقبلها ، مما يتطلب من الجميع بذل كافة الجهود لمناقشة تلك التحديات من أجل وضع الخطوات العملية لأعادة هيبتها ومكانتها والحفاظ عليها من المستقبل المجهول الذي ينتظرها قبل فوات الأوان ..لقد تحدثنا في الحلقة الأولى عن المندائيين والأضطهاد والتطهير العرقي عبر التأريخ ، أما اليوم فنتحدث عن إنقراض اللغة المندائية ...
إنقراض اللغة المندائية
يؤكد العلماء بأن اللغة تعتبر أهم أداة إخترعها الإنسان قبل ما يزيد عن المليون سنة ، وهي إحدى الميزات الفارقة بين الأنسان والكائنات الحيوانية الحية الأخرى ، حيث ساعدت على تطور الأنسان وتكوين الشعوب والأمم ، لذلك لا يمكن أن يتصور المرء إمكانية التعبير عن فكـر معيّن بدقّـة وشمولية دون اللجوء إلى الكلام .
لربما لا يجد المرء تعريفا" كاملا" ودقيقا" للغة ومفهومها ، ولم يتفق علماء التأريخ والأجتماع على مفهوم محدد لها ، وذلك لكثرة التعريفات وتعددها وإرتباطها  بالعديد من العلـوم والأفكار السياسيـة والأجتماعية ، لذا فإختيار تعريف معين لهـا ليس بالعملية السهلة ، وعلى العموم يمكن إختيـار التعريف التالي كأفضل تعريف لمفهوم اللغـة الذي أتفق عليه الكثير من علمـاء الأجتماع وهو ..(( مجموعة من الرموز الصوتية المنطوقة والمكتوبة والتي يحكمها نظام معين ،والتي لها دلالات محددة ، يتعارف عليها أفراد ذوي ثقافـة معينة ، ويستخدمونها فيالتعبير عن حاجاتهم وحاجات المجتمع الذي يعيشون فيه ، ويحققون بها الإتصال فيمابينهم )) . وتُقدَّر منظمة اليونسكو الدوليـة عـدد اللغات في المجتمع البشري بزهـاء السبعة آلاف لغـة مختلفة تنتشر في مناطق مختلفـة من العالم ،وتواجه اليوم معظم هذه اللغات صعوبات كبيرة بسبب الأستخدام الواسع للغات الأساسية المتداولة في العالم مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية وغيرها .
وتؤكد اليونسكو أن هناك الكثير من اللغات تمر الأن بمرحلة ما تسمى ( بإحتضار اللغة ) وسبق وإن مرت اللغة المندائية بها قبل عدة عقود لأسباب عديدة ، وإعتبرت المنظمة أن أية مجمـوعة بشرية لا يتحدث 30% من أطفالها لغتهم ، أو إذا ما وصل عدد المتكلمين بإحداها إلى أقل من ألف إنسان فتعتبر تلك اللغة منقرضة حتما" لا محالة ، وتشير الوقائع إلى أن الكثير من اللغات اللغـات السامية قد مرت بالحدث نفسه وإنقرضـت مثل الأشورية والبابلية والآراميـة والقبطية والسومرية والعشرات غيرها اليوم تصنف اليوم ضمن اللغات المنقرضة .أما اللغة المندائية التي لا يتحدث بها اليوم غير بضعة عشرات من المندائيين ،فتعتبر لغة منقرضة وفق مقياس منظمة اليونسكو ، نتيجة لطغيـان الثقافة العربية الأسلامية والأضطهـاد طيلة قرون ، فتكتم المندائيون على لغتهم الأصلية وعملوا على تغييبها وعدم التحدث بها طيلة مئات السنين خوفا" من محيطهم وأتخذوا من اللغات العربية والفارسية السائدة لغة بديلة لهم خشية من أنكشاف هويتهم الدينية ومن ثم التعرض الى الإضطهاد أو الملاحقة أو التصفية الدينية ، أو أجبارهم على تغيير ديانتهم ، وهذا ما حدث للمندائيين في جنوب العراق وأيران عندما وضعوا لغتهم الأصلية وتراثهم جانبا" وتطبعـوا بالعادات الأسلامية وتظاهروا بأنهم مسلمين تجنبـا" للأضطهـاد من قبل جيرانـهم مما سبب في تناقص المتحدثين بها حتى وصلت إلى خانة اللغات المنقرضة .
ومن المعلومات المنشورة والمتوفـرة لدينا لا يتجاوز عدد المتحدثين باللغة المندائية في العالم وبشكل تام عن  مائة شخص ، 40% منهم رجال الدين ، عشرة أشخاص في العراق والبقية في الأهواز ، وغالبيتهم من كبار السن المهدديـن بالموت . وفي تصريح لأحد رجال الدين المندائيين في مدينة الناصرية لوسـائل الأعلام قبل عدة شهور بيّن فيه أن عدد المتحدثين من المندائيين باللغة المندائية فيالمدينةوالذين يتراوح عددهم ما بين 4 ـ 6 آلافنسمة ( وهـو رقم مبالغ فيه كثيرا" كما أعتقد وهو للأعلام فقط ) لا يتجـاوز الخمسةأشخاصوهم رجـل الدينومساعديه فقط مشيرا" الى إن معظم المندائيين لا يستخدمون مفردات لغتهم الأم في الحياةاليومية . ومن هذا ندرك وبدون شك إن اللغة المندائية قد إنقرضت في وطنها فكيف لها أن تنتعش في بلدان المهجر ؟
لقد ساهمت الظروف الصعبة التي مر بها المندائيون في العراق وإيران ، وهجرتهم إلى مدن عديدة متباعدة داخل البلد الواحد أو إلى دول المهجر من تقليل فرص اللقاء فيما بينهم والتخاطب بلغتهم ، ومن ثم أدى الحال بعد عقود إلى إنقراض لغتهم ، نتيجة الإختلاط مع محيطهم الجديد وأصبح لزاما" على المندائيين إتخـاذ لغة ذلك المحيط ، كلغة للحـديث والعمل والدراسة والقراءة ، أي لغة الحياة الجديدة ، وبسبب ذلك إنحسرت اللغة المندائيـة لمن يتكلم بها ، وظل عـدد قليل من رجال الدين والى عهد قريب يتحدثون اللغة المندائية وإقتصر أستخدامها في الطقوس الدينية فقط، حيث أن لغتهم تركزت على حفظ نصوص دينية ينقصها الإعداد اللغوي ، حتى طغت اللغات الجديدة على تخاطبهم أيضا" بسبب عدم إستخدامها في الحياة اليومية وإنشغالهم بتدبير أمورهم الحياتية الجديدة التي أجبرتهم على تركها والتحدث بلغة المجتمع الجديد . ومن المعلوم أن ترك اللغة وعدم التحدث بها يؤثر في قدرة التخاطب بها ويضعفها وهو ما حصل لدى أغلب رجال الدين ، ويؤكد علماء اللغة ، إن أي لغة إذا لم تستعمل في الحياة اليومية قد تنتهي عند الجيل الثالث أو الرابع على أبعد تقدير ، فالجيل الأول يكون أحادي اللغة ويتكلم لغـة الأبوين ويتعلم قليلا" من اللغة السائدة ، أما الجيل الثاني ، فيصبح ثنائي اللغة ، إذ يتعلم لغة الأجداد من ذويهم ويتقن اللغة السائـدة من المجتمع المحيط ، أما الجيل الثالث ، فيتعلم فقط اللغة السائدة في المجتمع ، وبهذا تنحسر اللغة شيئا" فشيئا" وتتلاشى حيث يكون الجيل الجديد من الشباب المتعلم قد نسي لغة الآباء وتعلم لغة المجتمع الجديدوهذا ما حصل للغة المندائية خلال العقود الماضية .
وبما أن اللغات ، تمثل التراث الثقافي والإجتماعي للأمم والشعوب ، ومن خلالها نتعرف على المعارف الإنسانية لتلك الشعوب ، بإعتبارها أداةالتواصل المعرفي بين الماضي والحاضر ، وبين الآبـاء والأبناء مما يساعد على التواصل بين الأجيال ، فإنقراضها يعني فقدان التراث والتأريخ المكتوب بتلك اللغات ، وبذلك يصبح التراث بالنسبة للأجيال اللاحقة عبارة عن طلاسم ورموز مبهمة غير مفهومة المعنى والدلالـة ، وتصبح عملية فك رمـوز المخطوطات صعبة جـدا" ، مما يؤدي بالتالي إلى فقدان التواصل بين الأجيال ، ومن ثم فقدان الهوية الدينية والثقافية . إن إحياء أي لغة يعتبر خطوة للحفاظ على ميراث الإنسانية من علوم وثقافات وفنونوآثار ، لأنها حصاد فكري وعقلي للآباء والأجداد ، فإحياء اللغة و إحياءللميراث اللغـوي للأجيال السابقة ليظل متوارثـا" ومتواصلا"، وبالطبعإن فقـدان اللغة المندائية قد ساهم بشكل مباشر بفقدان التراث المندائي بكل أشكاله .
يعتقد بعض الأخـوة إن فتح مدرسة لتعليم اللغة المندائية في مندي بغداد ، وقيام بعض الجمعيـات المندائية في المهجر ، بفتح الصفوف لتدريس اللغةالمندائية ونشرها موادها على صفحات الأنترنيت وإستخدام أقراص الليز وغرف المحادثة ، يعتبرخطوة أولى لأحياء اللغـة المندائية ، ورغم تلك الجهود إلا أنها لم تلقى مع الأسف الأقبال الكافي من قبل المندائيين وأبنائهم ولم تحقق النجاح المطلوب بسبب عـدم رغبة غالبية المندائيين بتعلم لغتهم ، وستبقى ذات نطاق ضيق وفائدة محـدودة وغيركافيـة لأحيائها من جديد وفق الأمكانيات المتوفرة حاليا" ، وسوف تأخـذ طريقها للنسيان بمرور الأيام طالما يبقى إستعمالهامحدودا" ومحصورا" ضمن نطاق المدرسة المندائيـة ولا يتم التداول بها في مجال الحيـاة اليومية في ظل تواجد لغات عـدة بديلة سهلة يتم التحدث بها ، إضافة إلى الصعوبة في أقناع الجيل الجديد من الشبـاب على التحدثباللغة المندائية وهـم في مجتمعات منفتحة تتحدث بلغات عالمية عديدة سهلة لهم ويتحدثون بها في البيت والمدرسة والعمل والشـارع وأصبحت لغتهم الجديدة وأخذ الآباء يقلدونهم ويتبعونهم ويطلبون مساعدتهم للتخلص من صعوبة الحياة اليومية التي تواجههم خاصة عند ترجمة الرسائل التي يستلمونها يوميا" والتي لا يعرفون مضمونها . كما إن عملية بقاء أية لغة متوقف أيضا" على مدى تعلق متحدثيها وأيمانهم بها .. فأين المندائيين من ذلك ؟ فهل العوائل المندائية مستعدة لتحمل التكاليف المادية والوقت والجهد لتعليم أبنائهم تلك اللغة ؟ .
وفي هذا المجال ، أي مجال اللغة المندائية والصعوبات التي تواجه عملية أحيائها ، كتب الترميذا ( علاء النشمي ) مقالة نشرها على موقع اتحاد الجمعيات المندائية وكانت بعنوان ( إحياء اللغة المندائية بين النظرية والتطبيق العملي ) بين رأيه حول إحياء اللغة المندائية والمعضلات والمشاكل التي تواجه عملية إحيائها نذكر بعض فقراتها حيث يقول : ( لا يوجد أحد يتحدث اللغة الكلاسيكية المندائية وينظم بها الشعر والنثر ويستعملها في الحياة اليومية ماعدى اللهجة العامية المندائية والتي تسمى بالرطنة ) والتي يتحدث بها عدد قليل جدا" وعلى نطاق ضيق . كما إن 99.9% من المندائيين تعتبر لغاتهم الأم أما عربية أو فارسية أو انكليزية ، وإن بنك مفردات اللغة المندائية في الحياة العصرية قليل جدا" ، وهذا سوف يعيق مهمة المعلمين في تعليم مادة اللغة المندائية ، فمواد التدريس من كتيبات وكراريس وملصقات وتوضيحات لغوية وقواميس غير متوفرة ، والأفتقار الى مدرسين مؤهلين أكاديميا" لتدريس مادة اللغة ويجيدون المندائية في الوقت الذي يؤكد فيه ( بأن إنهيار اللغة المندائية وإندثارها يعني إنهيار وإندثار الكثير من الروح المندائية الدينية منها والفكرية لأن الفكر المندائي لحد هذه اللحظة هو خزين الكتب والمخطوطات وما ترجم منها سوى النزر القليل ).
  وأخيرا" شئنا أو أبينا إن اللغة المندائية قد أصبحت منقرضة وفق المعايير الدولية وعلى الأجيال القادمة أن تبحث عن لغة مشتركة للتفاهم ولتواصل بين الأجيال بدلا" عن المندائية ووفقا" للظروف الجديدة .....
المصادر ـــــ

1 ـ البروفيسور حسيب شحادة ، جامعة هلسنكي ، مدخل إلى ظاهرة إنقراض اللغات ، آذار 2009

2 ـ  الصابئة المندائيون ، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي ، بغداد 1969.
3 ـ رودلف ، كورت ،النشوء والخلق في النصوص المندائية ، ترجمة وإعداد صبيح مدلول السهيري ، بغداد1999
 4ـ الترميذا علاء النشمي ، موقع اتحاد الجمعيات المندائية وتحت عنوان ( احياء اللغة المندائية بين النظرية والتطبيق العملي
يتبع في الحلقة الثالثة
          كندا
في تشرين الثاني / 2011