تأثير اللغات السامية في اللهجة العراقية المعاصرة / ثائر صالح

                                                                                                          

 
ثائر صالح
تأثير اللغات السامية في اللهجة العراقية المعاصرة
(دراسة صدرت في صحيفة الحياة اللندنية، عدد 18 نيسان 1993)
 
مقدمة: اللغات والشعوب السامية
ظهر مصطلح اللغات والشعوب السامية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي في المانيا، واستند واضعه شلوتسر إلى لوح الأنساب في سفر التكوين – الإصحاحين العاشر والحادي عشر، فقد قسمت التوراة الشعوب وفقاً لانتسابها إلى أولاد وأحفاد سام وحام أبناء نوح. ولقي هذا المصطلح قبولاً من الباحثين برغم عدم استناده إلى أساس علمي متين، إذ لا يماشى بعض ما ورد في التوراة الحقائق التاريخية، فأبدل السامي بالحامي وخلط الحابل بالنابل (ذكر أن العيلاميين هم ساميون، وهذا غير صحيح، وتقول التوراة أن الكنعانيين والأموريين والأحباش هم حاميون على عكس الواقع).
يقسم العلماء اللغات السامية إلى شمالية شرقية (وادي الرافدين)، وشمالية غربية (سورية وفلسطين)، وجنوبية غربية (العربيا وأثيوبيا). وتضم عائلة اللغات السامية الشمالية الشرقية الأكدية بمختلف مراحلها (الأكدية القديمة، والبابلية بمراحلها القديمة والوسطى والحديثة والمتأخرة) والآشورية (القديمة والوسطى والحديثة) والأمورية القديمة. عائلة اللغات السامية الشمالية الغربية تتألف من: الكنعانية وفروعها العبرية والمؤابية والفينيقية، وتضم كذلك الأوغاريتية والأمورية (الكنعانية الشرقية) والآرامية. أما عائلة اللغات السامية الجنوبية الغربية فتتألف من العربية الجنوبية وفروعها المعينية والسبأية والحميرية، أما العربية فتضم الثمودية واللحيانية والعربية الكلاسيكية (القرشية). وإلى جانب هذه اللغات نجد الأثيوبية القديمة والحديثة (الأمهرية).
وقد تقسم اللغات إلى فروع أصغر، مثل الآرامية التي تقسم إلى شرقية وغربية، وفي عائلة الآرامية الشرقية نجد السريانية (آرامية أديسا، أي مدينة الرها، وهي تسمى اليوم أورفة بتركيا)، وآرامية التلمود البابلي (البابلية الآرامية)، والمندائية، والآرامية الجديدة الشرقية التي يتحدث بها يهود كردستان. أما الآرامية الغربية فتضم السريانية النسطورية والفلسطينية اليهودية (كتب جزء كبير من مخطوطات قمران بهده اللغة) والفلسطينية المسيحية (لغة الملكيين في القرون من الخامس حتى الثامن الميلادي) والسامرية والنبطية والتدمرية والآرامية الجديدة الغربية (ومنها لغة معلولا).
ونذكر أن الآرامية قبل انقسامها إلى فروع مرت بمراحل عدة، منها المرحلة القديمة، ومرحلة الآرامية الإمبراطورية (الآرامية الكلاسيكية) التي سادت في مناطق الشرق الأوسط أبان الحكم الآشوري والكلداني ، وبدرجة أهم أثناء الحكم الأخميني. واطلق اسم اللغة السريانية على لهجة أديسا الآرامية في حوالي القرنين الثاني- الثالث الميلاديين وكانت لغة سكان المنطقة من المسيحيين(1،2). ومن بين اللغات الآرامية لا يستعمل السكان اليوم سوى السريانية الحديثة في بعض مناطق بلاد الشام والعراق وكردستان، والمندائية الحديثة في تجمعات صغيرة في الأهواز بإيران، ويتحدث السكان المسلمون والمسيحيون في معلولا وقرى أخرى في جبال لبنان الشرقية قرب دمشق بلغة آرامية غربية خاصة. والسريانية الحديثة أعقد من السريانية الكلاسيكية، في حين تعتبر المندائية الحديثة (العامية أو الرطنة) تبسيطاً للغة الكلاسيكية وعدد من يستعملها في تناقص شديد وقد تختفي قريباً.
 
”شعوب“ العراق:
سكنت أراضي وادي الرافدين جماعات بشرية متعددة منذ فجر التأريخ، وظهرت أولى الحضارات في وادي الرافدين ووادي النيل وشرق أفريقيا عقب تحسن المناخ وازدياد الأمطار في تلك المناطق. وكان وادي الرافدين جنة خضراء عند قدوم السومريين إليه بحدود 3500 ق.م. وتعلم السومريون الزراعة البدائية من سكان المنطقة الساميين، وسرعان ما بزوهم في تنظيم الري وإنشاء القنوات على وجه الخصوص بعد التصحر الذي ضرب المنطقة بحدود 3000--2500 ق.م.(3،4). ولا يعرف أصل السومريين، ولا يوجد في أدبهم وميثولوجيتهم ما يشير إلى ذلك ولربما لا يعرفون ذلك أنفسهم، ولا تنتمي اللغة السومرية إلى أي من عوائل اللغات المعروفة (5).
وفضل السومريين على الحضارة البشرية معروف، فهم بنوا أول حضارة ابتكرت التدوين ونظمت الري وشق القنوات، فقد ظهرت أولى النصوص الإدارية والتجارية في مكتبة أوروك (بحدود 3100 ق.م.) وبدأ أولى النصوص الأدبية بالظهور حوالي 3500 ق.م. ومنذ بداية الألف الثاني ق.م. بدأ السومريون بفقد السيطرة السياسية بالرغم من استمرار سيطرتهم الثقافية، وذلك لصالح أقوام سامية هم الأكديين الذين أسسوا دولتهم في النصف الأخير من الألف الثالث ق.م. (شاروكين الأول، حوالي 2350 ق.م.). كما ازداد نفوذ الأموريين (وهم فرع من الكنعانيين قدموا من الغرب كما يدل اسمهم) الذين بنوا حضارة بابل الأولى وتعاظم نفوذهم منذ أوائل الألف الثاني قبل الميلاد، خاصة في زمن حمورابي. وبعد ذلك بدأت القبائل الآرامية بالنزوح إلى أرض الرافدين في أواسط الألف الثاني ق.م.، وبدأ نفوذ الآشوريين بالتنامي شيئاً فشيئاً منذ قدومهم إلى شمال العراق وتأسيسهم الإمبراطورية الآشورية بحدود 1300 ق.م. (6،7).
وتواجدت إلى جانب الشعوب السامية (وقريباً منها) شعوب أخرى ليست سامية مثل الأكراد والميديين والعيلاميين والفرثيين (من الشعوب الآرية) والحِثيين والميتانيين (وغيرهم من شعوب آسيا الصغرى)، وتوافدت شعوب أخرى غازية مثل المقدونيين والرومان، أو من الشعوب التي هجّرها الآشوريون والكلدان، كاليهود، وقد استوطن بلاد الرافدين عدد كبير من هؤلاء. كل هذه الشعوب تمازجت فيما بينها، وتبادلت لغاتها التأثير والتأثر. وحينما فتحت العرب هذه البلاد، تقبل سكانها اللغة العربية لقربها من لسانهم السامي، وحافظوا في الوقت نفسه على لهجاتهم المحلية كأصداء لعصور غابرة (8).
مما تجدر الإشارة إليه، هو أن اللهجة العراقية العامية ليست موحدة، وتقسم إلى مناطق متمايزة، فهناك لهجة خاصة بسكان الأهوار، وأخرى بالموصل، وبالفرات الأوسط وبالجزيرة وغيرها. ويبدو أن التجمعات السكانية في هذه المناطق متمايزة فيلولوجياً في الأصل، فنلمس تأثيراً آشورياً-سريانياً على لهجة أهل الموصل، وتأثيراً مندائياً على لهجة الأهوار. ولا نطمح في هذه الكلمة القصيرة إلى إبراز هذه الإختلافات بقدر توضيح اصول بعض الكلمات المستعملة عموماً في العراق والتطرق عرضاً إلى بعض الظواهر اللغوية العامة.
ونعتقد أن التأثيرات التي يمكن تتبعها في اللهجات العراقية أعقد بكثير من تلك في اللهجات العربية المجاورة، كالسورية واللبنانية مثلاً، إذ نلمس هناك ثقلاً كبيراً للتأثير السرياني على لهجة هذين البلدين، لدرجة بقاء بعض القواعد اللغوية السريانية في هاتين اللهجتين، مثالنا على ذلك قولهم ”كيف حالكون، كيفكون“ بدلا من كيف حالكم أو كيفكم، أو استعمال التصريف السرياني في حالة فعل الأمر فيقولون ”كتوب“ و”عمول“ مقابل اكتب واعمل الخ.. عدا عن استعمال الكثير من الكلمات السريانية (إيمات بمعنى متى، جفنة وجفنات العنب – وهي العنب ذاته ونحو ذلك).
ومقارنة ذلك بالتأثيرات السريانية والمندائية (الآرامية عموماً)، إضافة للتأثيرات السومرية والأكدية المباشرة، علاوة على التأثيرات المعروفة للغة الكردية والفارسية والتركية وحتى الإنكليزية بعد الإحتلال البريطاني للعراق، وبعض المفردات الفرنسية والإيطالية وربما الألمانية التي دخلت العراق عن طريق سوريا وتركيا، يظهر أن لهجات العراق أكثر تعقيداً كما أسلفنا.
لنحاول الآن إعطاء صورة تقريبية للوضع الديني والإثني في بلاد الرافدين عشية الفتح الإسلامي؛ فإلى جانب الشعوب والتجمعات السامية (كلدان آشوريين، مختلف القبائل الآرامية) نجد أقواماً أخرى مثل الأكراد، والقبائل الإيرانية وبقايا السلوقيين وغيرهم. أما على الصعيد الديني، فبالرغم من عدم توفر معطيات تأريخية ملموسة، نعتقد أن أغلبية السكان كانت تدين بالمسيحية (بمختلف طوائفها) وبالمندائية (الدين الصابئي المندائي)، إلى جانب الأديان الإيرانية المعرفية الغنوصية (المانوية بالدرجة الأولى، والإيزيدية والزرادشتية والمزدكية)، والتجمعات اليهودية الكبيرة في مدن مثل بابل وعانة ومناطق أخرى على الفرات.
التأثيرات السامية-الآرامية :
لعل احتفاظ السكان المحليين بأسماء الأدوات التي كانت مستعملة منذ القدم هو حالة طبيعية في تطور لغوي من هذا النوع، فتعود كلمات عدة إلى أصل أكدي اقتبسته اللغات الاخرى. فالفخار في الأكدية ”فخارو“ وفي السريانية ”فخرا“ والمندائية ”فهرا“، والفالة هي ”فالتو“ بالأكدية و”فالطا“ بالمندائية. أما القفة (الـﮔفّة) المعروفة فهي بالأكدية ”قـفـو“ وبالمندائية ”قـفتا“ أو ”قـفا“، وتعني أيضاً سلة، أو سلة مطلية بالقار. وهناك الخزّامة التي تتزين بها نساء الأهوار وقد اشتق الأسم من الفعل الأكدي ”خزامو“ والمندائي ”هزم“ بمعنى يقرط أو يكبس. والكاسة بالأكدية ”كاسو“ وفي الآراميات ”كاسا“ ومنها أخذت العربية والفارسية الكلمة، وكذلك الطاسة، فأكديتها ”طاشو“ أو ”داشو“ والمندائية ”طاسا“ والعربية طاس وطس والفارسية تشت وطشت. والنفط بالأكدية ”نفطو“ أو ”نـﭙطو“، والكبريت ”كفريتو“ وبالمندائية ”كبريت“ و”كبريتا“ وفي الآراميات ”كبريتا“ أو ”كفريتا“ وكذلك في العبرية. أما الجدر في المندائية فهو ”قدرا“ ومثلها في السريانية والآرامية وفي العربية القدر، وتوجد الكلمة في اليونانية والمصرية القديمة ولغات قفقاسيا. والتنّور في الأكدية ”تنورو“، وهي مستعملة في الفارسية والآراميات. ويبدو أن أصل كلمتي هور وأهوار هو مندائي، ”هوري“ بضم أو فتح الهاء، ولعلها مشتقة من ”هوارا“ وهو اللون الأبيض. والهور حسب القاموس المحيط البحيرة تغيض بها مياه غياض وآجام فتتسع وجمعها أهوار، غير أن ما ورد لا يفسر أصل الكلمة.
والشيء ذاته ينطبق على أسماء النباتات والحيوانات، فهي متشابهة في أغلب اللغات السامية. الذئب في الأكدية ”زيبو“ والسريانية والمندائية ”ديبا“ وفي السريانية الحديثة ”ديوا“ لإبدال الباء بالواو، والطاووس في الآرامية والسريانية والعبرية والمندائية ”طاوس“ أو ”طاوسا“، وفي اليونانية ”تاوس“. ويبدو أن للفعل المندائي ”ط و س“ علاقة بالأمر، فمعناه يطير. والنر في الأكدية ”نمرو“ وهي أصل الكلمات الآرامية والعبرية والسبأية والأثيوبية والعربية والسريانية والمندائية. أما السلحفاة فتسمى في الأكدية ”رقو“، وفي المندائية ”رقا“، أي رﮔـة وتلفظ كذلك، وفي السريانية الحديثة ”رقا“.
وللذباب حكايته، فهو ”زومبو“ بالأكدية، و”دبا“ بالآرامية و”ديدبا“ بالمندائية والتلمودية من ”دبدبا“، وفي العبرية ”زبوب“، وفي السريانية الكلاسيكية ”دبابا“ والحديثة ”دِدوا“وأصل الكلمة العراقية ذبّان هو ما ورد في القاموس المحيط كجمع للذبابة. ويبدو أن الأسماء القديمة لهذه الحشرة المزعجة تميزت بمحاكاة صوتها باستعمال أحرف الصفير (زومبو أو زبوب). ونذكر في هذا الباب أن إحدى التسميات المعروفة للشيطان هي بلزبوب وهو تلاعب لفظي قام به الكتاب اليهود بهدف السخرية من دين أقربائهم الكنعانيين. فأصل الكلمة هو بعل زبوب أي سيد أو ربّ الذباب محرّفة عن بعل زبول (وتعني سيد أو ربّ الريف) أحد آلهة الكنعانيين الذين عاداهم اليهود أشد العداء.
الشوك في اللغات السامية ”سلوا“ و”سليا“، وهي أصل كلمة السلّي. والشِبَه (وهي حزمة القصب) هي ”شبي“ في المندائية. أما التالة وهي فسيلة النخلة فتسمى ”تالا“ في المندائية والتلمودية، وبالأكدية ”تا-آ-لوم“ وبالآرامية ”تالو“. والنخل ذاته يسمى في شمال أفريقيا دِقلة، وهي كلمة تشير إلى نهر دجلة، حيث انتشرت زراعة النخيل منذ القدم.
وتحتفظ اللغات المعاصرة ببقايا أسماء الألوان القديمة، ومنها الأخضر الذي بقي في صيغة ورقة، فأصله الآرامي ياروقا، وكذلك مرض اليرقان. أما الأحمر فبقي في صيغة السمّاق وهو ثمر جبلي مجفف يرش على الكباب المشوي ليعطيه طعماً لذيذاً، وأصله سموقو أو سماقا، وهو اللون الأحمر ذاته. والكباب بالمناسبة، كلمة أكدية تفيد في الحرق أو الشواء.
وتحفل اللغة المندائية بكلمات تفسر العديد من الكلمات العراقية الدارجة، وإليكم بعضها:
  أصل كلمة أكو العراقية الشهيرة مندائي بالمعنى نفسه، فيقولون ”اكا هيي اكا ماري اكا مندا دهيي“ ومعناها ”الحي موجود سيدي موجود (معرفة أو عارف الحياة) موجود“. ومعرفة أو عارف الحياة في العقيدة المندائية التوحيدية هو الخالق، يقابل الفكرة العليا أي Gnosis بالمفهوم الفلسفي. ويعتقد مؤلفا القاموس المندائي (استناداً إلى رأي عالم الساميات الشهير نولدكه) أن أصل الكلمة هي ”أيث + كا“ ومعناها ”الذي يوجد“ أي الموجود، ويذكر الأستاذ علي الشوك أن أيث تقابل ”أيس“ بمعنى يوجد في اللغات السامية وعكسها ”ليس“. ولا يوجد في الأكدية ما يقابل ”أكو“ بالرغم من وجود ”ماكو“ بنفس معناها العراقي الشائع، أي لا يوجد.
  ومن الكلمات المندائية للدلالة على الرشح (النشلة) نجد كلمة ”نشرا“. ونلمس في اللغة المندائية ظاهرة إبدال اللام بالراء (مثلاً ترميذا مقابل تلميذ، أو لفظ الكلمة الفارسية سوراخ على سولاخ، وتعني منفذ أو معبر).
  ومن الطريف ذكر اسم الأداة الموسيقية الشعبية الطبل – الدنبـگ، فهو في المندائية ”دربوكي“ ويماثل الأسم السرياني كما هو مستعمل في الشام، أما الدنبـگ (ويقال أحياناً الدمبـگ)، فهي فارسية.
والكلّة في السريانية والمندائية ”كلتا“، وهي عزل الفراش بقماش من الموسلين للوقاية من البعوض. وعلى الرغم من انتشار الكلمة وورودها في محيط الفيروزابادي، لم نجد في العربية جذراً لهذه المفردة (كلّ أو كلل) على الرغم من وجودها في باقي اللغات السامية بشكل كلل وكنن.
ويذكر هادي العلوي في مقالته ”الساميون وحضارتهم“ (9) أن الأسم السامي للعربة هو عجلة في العربية والعبرية، ويذكر: ”وقد ورد في نص آرامي غابر اسم جلجل في نفس المعنى“. هنا نود ذكر اسم العجلة ”ﮔلـﮕـلا“ بالآرامية و”ﮔرﮔول“ أو  ”ﮔرﮔـلا“ بالمندائيةوهي العجلة وليست المركبة أو العربة بحد ذاتها. ونجد في المندائية ”ﮔرﮔلي مركباتون“ أي عجلات مركباتهم. هذا يقودنا إلى كلمة أكدية هي ”سكانو“ وهي المصدر الإتمولوجي لكلمة ”سُكانا“ المندائية التي تعني عجلة، عجلة مقود، ومنها الكلمة العراقية الشائعة السكّان للدلالة على المقود.
  وتدل كلمة شهر العربية على القمر، فكلمة ”سِرّا“ المندائية و”سِهرا“ الآرامية والسريانية و”شَهرُنيم“ العبرية (وتعني أقماراً صغيرة للزينة) وغيرها هي للدلالة على القمر (سين= سرا). والشهر هو دورة القمر، ولا يزال بعض العرب يستعمل التقويم القمري إلى اليوم. أما الشهر فهو ”يهرا“ بالمندائية و”يرحا“ بلهجة معلولا، وهي الأقرب إلى كلمة قمر الأكدية ”يرخو“.
والدبس =عسل التمر أو النحل (بالآرامية – اليهودية ”دُبشا“، السريانية ”دِبشا“ الأكدية ”دشبو“ والمندائية ”دُبشا“ أو ”دِبشا“) والدبس في العراق هو عسل التمر، وهو مادة غذائية معروفة منذ القدم.
ونرى بأن أصل كلمة ”لَك“ و”لِـﭻ“ هو من بقايا القواعد الآرامية. ففي السريانية يجري إضافة ت + ضمير متصل إلى فعل الأمر لتوكيد الفرق بين المذكر والمؤنث المخاطَبين. مثلاً ”أتالاخ“ أي تعال. وتوجد القاعدة ذاتها في المندائية ولو بنطاق ضيق : ”قوملاخ“ أي قم، و”قوملِخ“ أي قومي. ويجري في العامية العراقية والشامية إضافة واو لتصبح ”ولك“ وقد تسبق الفعل أحياناً وأصبح لها في اللهجات العراقية معنىً سلبياً فتستعمل للإهانة في بعض الأحيان، وليس فيها شيء من هذا في الأصل.
وعن بعض الأفعال:
هطر : أي ضرب، وفي المندائية ”هطر“ بذات المعنى، وهو مطلق الضرب حسب القاموس المحيط. ومن المثير اقتصار استعمال هذه المفردة على بعض مناطق العراق دون غيرها.
طم : أي طمر، وفي المندائية ”طمم“، وقد تكون الجذر الثنائي للفعل.
اشتقت النـﮕرة أي الحفرة من الفعل السامي الشائع ”نـﮕر“ أي حفر.
شبـﭻ: أي لخبط وخلط وشوش، في المندائية ”شبش“. ويقال الأمور شابـﭽـة أي متعقدة. وقد ابدل الباء بواو ”شوش“ ومنها التشويش، ولا نعتقد أن أصله الفعل العربي شبك والعبري ”سبك“.
وهناك كلمتا مسودن ومشَذَّن، ونعتقد أن أصلهما مندائي مشترك هو الفعل ”شذن“ أي جن، ولا يوجد مقارب لهذه المفردات في العربية.
ويبدو أن جذر الفعل انطى (انطيني) هو أقرب إلى الآراميات من العربية، ففي المندائية نجد الفعل ”نتن“ أي أعطى، وفي الأكدية ”ندانو“. ويذكر الأستاذ على الشوك أن أنطى هي لغة في أعطى أي أن بعض القبائل العربية كانت تلفظها بهذه الصورة. وما يدعم ذلك قول الفيروزابادي: ”أن أنطى: أعطى وقال الجوهر هي لغة اليمن وقال غيره هي لغة سعد بن بكر“.
وقد يكون أصل الفعل طب يطب هو المندائي ”طبا“ أي دخل، انغمر، غرق (في الماء) وهو مماثل للأصل الآرامي، وفي الأكدية ”طيبو“.
ونسرد بعض الإستعمالات القواعدية الآرامية الأصل: يقول أهل الموصل قيضحك، أي ديضحك أو ﮔـاعد يضحك إذا ما ”ترجمناها“ إلى اللهجات العراقية الاخرى، وهي من الآراميات، وتفيد في المضارع المستمر، ونفس القاعدة موجودة في المندائية الحديثة إذ يقال قمهدث أي تتحدث. ويستعمل البعض ابهات للدلالة على الآباء. ورغم أن كلمة أم تجمع على امهات، فالأبهات جمع غير معروف في العربية، وهو جمع آرامي معروف، ويستعمل كذلك في المندائية. وهناك دعاء مندائي شهير هو ”ابهاتَن قدمايي“ ومعناه آباؤنا الأوائل.
ونسمع أحياناً تصريف للفعل الماضي على نحو ”شربيت، كِليت أو أكليت، ضِحكيت“ الخ، وهو تصريف مندائي ”شيليت“ أي سألتُ.
خاتمة :
ركزت هذه الكلمة على لهجات جنوب العراق العربية وتأثرها باللهجات الآرامية ومنها المندائية التي كانت لهجة جنوب بلاد الرافدين السائدة قبل مجيء الإسلام بالدرجة الأساسية، وتجنبت الخوض في خصوصية التأثير المتبادل مع اللغة الكردية، كذلك التأثر الواضح بالفارسية والتركية.
واستفاد الكاتب من المصادر التالية:
- Drower, E.S.; Macuch, R: Mandaic Dictionary. Oxford 1963.
- Macuch, R: Handbook of Modern and Classical Mandaic. Berlin 1965.
- GeseniusHebrew and Chaldee Lexicon. London 1958.
- Rosenthal, F: An Aramaic Handbook.Wiesbaden, Harrassowitz, 1967.
- Jastrow, M.: A Dictionary of theTargumim, the Talmud Babli and Yerushalmi and the MidrashicLiterature
 
الهوامش:
1.   الموسوعة البريطانية، طبعة 1984.
2.   د. علي أبو عساف: الآراميون. تأريخاً ولغة وفنا. دار أماني – سورية 1988.
3.    Magnusson, M: BC the Archeology of the Bible Lands. The Bodley Head and BBC, 1977
4.    Komorَczy Géza: Sumérok. (in Mitolَgiai ABC, Budapest 1985)
(غيزا كوموروتسي: السومريون، فصل من كتاب ألفباء الميثولوجيا. باللغة المجرية)
5.    Komorَczy Géza: A Sumér irodalom kistükre. Budapest, 1970.
(غيزا كوموروتسي: مرآة الأدب السومري. باللغة المجرية)
6.    Magnusson, M. هامش رقم 3
7.    Komorَczy Géza: A Sumér irodalom kistükre.
8.   لم يبدل سكان البلاد المفتوحة لغاتهم باللغة العربية بشكل فوري وتلقائي، خاصة بالنسبة لسكان الأرياف الذين جهلوا العربية جهل الأكراد بها إلا بقدر ما يتعلق بتعاليم الإسلام إن كانوا مسلمين. وينطبق هذا الحال كذلك على مصر التي تمسكت باللغة القبطية لغاية فترات متأخرة. ويبدو أن هجرة قبائل البدو إلى بلاد الرافدين واستقرارها هناك منذ نهاية القرن الثامن عشر (شمّر طوقة إلى الجنوب، وشمر الجربا إلى الجزيرة والموصل في الشمال، في الأراضي الغنية بالمرعى بين دجلة والفرات، وكذلك عنزة التي حلت على الضفة اليمنى للفرات) أسهمت في تراجع اللهجات الآرامية وفي تكون اللهجات العراقية المعروفة اليوم.
9.  العلوي، هادي: الساميون وحضارتهم. الثقافة الجديدة عدد أيلول 1988 (201) ص 46-57.