• warning: Illegal string offset 'files' in /customers/a/a/7/mandaean.dk/httpd.www/modules/upload/upload.module on line 282.
  • warning: Illegal string offset 'files' in /customers/a/a/7/mandaean.dk/httpd.www/modules/upload/upload.module on line 282.

ظاهرة الطلاق في الديانة المندائية / فائز الحيدر

               
                                                                                                                                                                                                             
 

                                                                                

 
 

دعوة مفتوحة للحوار.......

 
ظاهرة الطلاق في الديانة المندائية
مسؤولية من ؟؟ الزوجين ، الأسرة ، أم المجتمع !!!
فائز الحيدر
تعتبر ظاهـرة الطلاق المحرمة في الديانة المندائيـة والتي تفشت بين المندائيين منـذ سنوات ولغاية اليوم ، أحدى قضايا الساعة التي تواجه الطائفة حاليا" وتهدد وجـودها ومستقبلها ، هذة القضية التي تحتـاج الى نقاش مستفيض وحل عقلاني من قبل جميع المثقفين والباحثين ورجال الدين المندائيين ومن جميع الجوانب الأجتماعية والدينية والأقتصادية وحتى السياسية للتوصل الى حلول عمليـة جذرية للوقوف على مسبباتها وعلاجها بما يخدم القضية المندائية وأبنائها وحفاظا" على مستقبل الطائفة ، ولكن مع الأسف لم تلقى هذه الظاهرة رغم خطورتها ولحد اليوم الأهتمام اللازم من قبل الجميع .
لو تصفحنا التأريخ ومن خلال الأثار المكتشفة نرى إن الطلاق ظاهرة إجتماعية تأريخية قديمة ، فقد عالجت الحضارة المصرية مسألة الطلاق وأعطت المرأة حقوقها ، كما أشارت الحضارة البابليـة ومسلة حمورابي إلى المرأة والحق في طلبها الطلاق في حالات عدة ، إما في الحضارة اليونانية القديمة فقد كان الطلاق بيد الزوج ينفذه لأي سبب ودون إجراءات ويتم بطريقة عقلانية دون أن يظلم المرأة وحقوقها .
 أما في عصرنا الحاضر فقد أصبحت ظاهرة الطلاق من الظواهر الأجتماعية الشائعة ، وشملت جميع القوميات والأديان بما فيها الدين المندائي بالرغم من تحريمه الطلاق أصلا" ، حتى أصبحت هذه الظاهرة قادرة على إحداث تحولات جذرية في نفوس الشباب المنـدائيين وعقولم وسلوكـهم ومؤثرة في القضاء شيئـا" فشيئا" على المبادئ والسلوك القويم التي تسعى الأسرة ألمندائية والمجتمع المندائي لزرعها في داخلهم . وتبـدو هذه الظاهرة اليوم أكثر وضوحاً في المجتمعات الغربيـة منها في المجتمعات الشرقية حيـث الهجرة العشوائية والحريات المتاحة وقوانين حماية المرأة ومبادئ حقوق الأنسان ، ومهما تكن هذه فهي ظاهـرة مؤلمة لأنها تؤدي بالتأكيد إلى إنهيار الأسرة ، ناهيك عن مشاعر الأحباط والأكتئاب النفسي وغير ذلك من المشاعر السلبية التي تترك آثارها في حياة الزوجين المنفصلين وما تسببه الى الأطفال من أمراض نفسية وأجتماعية ومستقبل مجهول .
 يعزي علماء النفس والأجتماع الى إن أسبـاب الطلاق عديـدة ، منها ما تتعلق بالناس أنفسهم أو بأوضاع الحيـاة العصرية وظروفهـا الأجتماعية والأقتصادية والسياسية المستجدة على الساحة ، حيث كان الزواج يعتمـد في الماضي أساسـاً على وسائل إرتبـاط متنوعة مختلفة من بينهـا أعتماد طرف على طرف آخر إقتصاديا" وإجتماعيا" . أما اليوم فقد ضعفت هذه العوامل وأصبح الزواج يعتمد على الحب والعواطف فقط . وبما أن العواطف متقلبة في كثير من الأحيان ، فعندما يموت الحب بين الزوجين لا يبقى هناك من سبب لإستمرار هذا الزواج .
ويعتبر الزواج في الشريعة المندائية مقدسا" ومن أكثر الأمور إحترما"، وقد نصت أغلب التعاليم الدينية المندائية على إحترام الرابطة الزوجية والحرص على ديمومتها والإلتزام بها ، وعلى تكوين علاقة متكافئة طويلة بين الزوجين خوفا" على الحياة الزوجية ، وإن الإخلال بهذا التكافئ سيؤدي بالتالي الى المشاكل اليومية التي عادة ما تنتهي بالطلاق .
 لم يعرف المندائيين خلال تأريخهم قوانين أو شرائع تشجع على الطلاق إلا بعد فترة الثمانينـات من القرن الماضي ، وخاصة خلال فترة الحصار الأقتصادي الذي تعرض له العراق في التسعينيات ، وأن حدثت قبـل هـذا التأريخ فهـي حالات نادرة ، ولكن بدأت هـذه الظاهـرة تـزداد سنويا" ولحد الأن وخاصة في دول المهجر ، مما يهدد ولحد كبير الأسرة المندائية والمجتمـع المندائي فيما لو تركـت بدون مناقشة علميـة لمعرفة أسبابها والعمل على حدها وتحجيمها عبر ثقافة أسرية وبرامج توعية إجتماعية يساهم فيها كل من مؤوسسات الطائفة المدنية والدينية والمثقفين المندائيين على مختلف إختصاصاتهم وأعتبار هذه القضيـة إحدى القضايا الهامة المطروحة اليوم على الساحة المندائية .
ومن المؤسف حقا" أن نجد بيننا من الأخوة المندائيين رجالا" ونساء" ومن مختلف الأعمار من يدعي بأن الطلاق أصبح أحدى سمات العصر ، ونتيجة طبيعية لحرية الرأي وحقوق الأنسان والأختيار الذي أصبح الجنسان من الشباب يتمتعان بها على السواء ، وبالتالي يحكمون على من يحاول مناقشة ظاهرة الطلاق بإعتبارها ظاهرة سلبية في المجتمع المندائي بأنه ( ذو تفكير رجعي ويعيش في زمن الديناصورات ويحاول الوقوف بوجه التيارات العصرية التي يحملها الشباب هذه الأيام ) .
وهنا يأتي السؤال : لماذا تتركز حالات الطلاق بين الشباب بالذات والغالبية في بلدان المهجر وبعد فترة قصيرة من الزواج ؟
 هل هو بسبب عدم الأنسجام والتفـاهم بين الزوجين ؟ أم بسبب الأختيار الخاطئ لشـريك الحياة أم بتدخل الأهل والضغـط على الفتاة أو الشاب للزواج بمن يختارونه لهم ظمن العائلة الواحدة ؟ أم بسبب الظـروف الأقتصادية والنفسية التي واجهتها العائلـة المندائية في الوطـن وتواصلت في بلـدان المهجر ؟ أم بسبب التفاوت في المستوى التعليمي والثقافي والعمر للزوجين ؟ أم بسبب الغيرة والشك ومتابعة شبكة الأنترنيت لساعة طويلة والتعرف على الجنس الآخـر وتكوين علاقات خارج نطاق الزوجية ؟ أم بسسب الأختلاف في رعاية وتربية الأطفال ؟ أم بسبب الأدمان على شرب المشروبات والمخدرات، أم بسبب إستعمال العنف ضد المرأة ؟ حيث الجميع يسمع بأن هناك أمثلة لا تصدق عن العنف المستعمل ضد المرأة ، ......أم كل هذه العوامل مشتركة ؟...
مع الأسف ومن خلال متابعتنا للكثير من حالات الطلاق التي نظرت بها المحكمة الشرعية المندائية في الوطن في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي والتي نشرت ، لاحظنا إن العنف ضد المرأة بأشكاله المختلفة والظروف الأجتماعية والأقتصادية الصعبة وغيرها التي مرت بها العائلة المندائية في العراق في ذلك الوقت كانت أكثر العوامل التي أدت الى العشرات من حالات الطلاق ، أما اليوم ومن خلال متابعتنا أيضا" لكثير من حالات الطلاق التي تحدث بين الشباب المندائي في غالبية بلدان المهجر ، نرى إنها ظاهرة متفشية وأصبحت شائعة ومن الصعب التدخل بها لأنها تعتبر جزء من حرية الأنسان وحقوقه وتكفلها القوانين في بلدان المهجر . وأكيد هناك أمثلة كثيرة مؤسفة يحتفظ بها الكثير من الأخوة المندائيين في المهجر عن حالات غريبة من الطلاق بين الشباب المتزوجين حديثا" تحدث بعد شهور أو أسابيع أو لربما أيام قليلة من الزواج أو حتى في الساعات الأولى لوصول الفتاة المطار للألتحاق بزوجها لتعلن رفضها لزوجها وتطالبه بالطلاق وبموافقة أهلها طبعا" . ومن خلال متابعتنا لبعض حالات الطلاق المؤسفة عن قرب لوحظ إنه كان من السهولة بمكان التدخل لحل تلك الخلافات التي أدت الى الطلاق لو تدخل الأهل من الطرفين وبحكمة للحفاظ على مستقبل هذه الأسر، ولكن مع الأسف نلاحظ العكس حيث التدخل السلبي للكثير من العوائل . إن هذه الحالات المؤسفة التي تحدث اليوم في المجتمع المندائي الصغير تهدد مستقبله وتحتاج الى حلول سريعة يساهم بها الجميع خوفا" من توسعها .
إننا نعتقد إن المشكلة ليس بالطلاق بحد ذاته وأنما ما يحدث للطرفين بعد الطلاق ، حيث تعاني المرأة المندائية المطلقة أكثر من الرجل من النظرة الدونية في مجتمعنا المندائي وترسباته وما ورثه من المجتمع العربي والأسلامي المتخلف الذي عشنا فيه لمئات السنين ، أضافة لنظرة البعض المتخلفة ، ولربما يكون الطلاق رحمة بالمرأة في بعض الأحيان يخلصها من العنف والعذاب اليومي مع زوجها ، ولكن يبقى السؤال هل تستعيد الزوجة حريتها ومكانتها في بيت أهلها وهي لا تحظى بالقبول الاجتماعي ؟ وكيف ينظر المجتمع المندائي وهو كأي مجتمع شرقي الجذور الى المرأة المطلقة ؟ وهل يراعي الأهل ومهما كانت ثقافتهم وتعليمهم مشاعر إبنتهم المطلقة التي ( جلبت لهم وصمة العار ؟؟؟؟؟ كما يصفها البعض ) .
وهنا تبدأ رحلة العذاب الثانية للفتاة مع الأهل والأقارب ، فتواجه الفتاة بقائمة الممنوعات الطويلة ، ممنوع الخروج من البيت إلا بصحبة أحدهم ، وممنوع التحدث على الهاتف ، وممنوع العمل أوالدراسة ، المعاملة القاسية وعدم الإحترام ، فتضطر الفتاة المطلقة لتعيش في حالة من العزلة الأجتماعية ، وإن كانت شجاعة وتتحمل الصدمة فالمجتمع سيعزلها تدريجيا" ، كما وتمتد الاثار السلبية لهذه الوصمة الى حد تقليل الفرص التي تتاح للفتاة المطلقة من إختيار زواج آخر مناسب لها ... فالإشاعات تطاردها حيثما تذهب وتصبح تصرفاتها تحت مجهر مجتمع قاس متخلف .
كما إن الطلاق لا ينتهي عند حد إستـلام المرأة ورقة طلاقها ، ولكن تداعيات الطلاق تمتد لما هو أبعد من ذلك، فالمجتمع المندائي يلقي بظلمه على المرأة لأنها فشلت في زواجها ، والتركيز الأساسي في المسؤولية يقع على عاتق المرأة وحـدها دون غيرها ، وكأنه ُكتـبَ على المطلقة أن تعيش أسيرة زواج فاشل تتحمل أبعاده وحدها ولا يمكنها أن تستمر فيه ، وفي الأغلـب تنهار مقاومتها وتسقط أسيرة الأمراض النفسية .. فإذا كانت الفتاة فوق سن الأربعين مثلا" يصعب زواجهـا مرة أخرى ، خاصة وإن أغلب الشباب المندائيين الذين عاشوا في المجتمعات الشرقية وحتى الغربية لا يفضلون الزواج من أمراة مطلقة حتى بدون معرفـة أسباب طلاقها ، وقد يشجعها هذا الحال المؤسف على ترك دينهـا وإرتباطها بشاب ينقذ حالتها المأساوية مهما كان دينه وهناك أمثلة عديدة ، وبذلك خسر المجتمع المندائي أسرة كان من الممكن أن تكون فعالة في المجتمع .
 إن المرأة المطلقة في مجتمعنا المنـدائي تعاني من أمور عديدة ، وخصوصاً في أسباب الطلاق وقصـور المجتمع المندائي في تقصي وتشخيص الحقائق عن أسباب الطلاق والتي في بعض حالاتها يكون الزوج هو المسؤول الأول عنها ، وهذا لا يعني عدم تحميل الزوجة المسؤولية أيضا" ، فهناك الكثير من الحالات تكون فيها الزوجة هي المسببة لحالات الطلاق . ولكن مع الأسف إن المجتمع المندائي يركز على الفشل بحد ذاته كنتيجة يعتبر المسؤول عنها المرأة فقط رغم إن الرجل هو الذي يدفع بزوجته لمرحلة اللاعودة .
وبدون شك إن الأثار السلبية للطلاق لا تقتصر على المرأة فقط وإنما تشمل الرجل أيضا" ، فبعد الطلاق والأنفصال يشعر الرجل بفقدان الثقة بنفسه لفقدان زوجته وأولاده ، إضافة الى عدم السماح له قانونا" بحضانة الأولاد في معظم الأوقات وحسب القوانين في بلدان المهجر . ومن الصعوبة بمكان أن يجد الفتاة المناسبة له للزواج مرة أخرى بسبب فشله في الحفاظ على حياته الزوجية السابقة وتقدمه بالعمر   . 
فكلما زادت حالات الطلاق بين المندائيين ، زاد عدد الأبناء الذين تخسرهم الطائفة مستقبلا" ، ونعتقد إن حالات الطلاق اليوم توازي حالات الزواج من الأديان الأخرى . إن الطلاق بحد ذاته يشكل اليوم صدمة كبيرة للأطفال ، حيث لا يجد الأطفال إهتماما" متكافئا" أو رعاية إجتماعية أو عونا" ماليا" من الوالدين مما يؤثر على صحتهم ومعنوياتهم ودراستهم ، وكلما زادت أعمارهم وتفهمهم لمشاكل أبويهم يشعرون بعدمالسعادة ونراهم يتمردون أكثر ويلجأوا الى إستخدام المخدرات والمشروبات والتدخين كملاذ للأبتعاد عن المشكلة التي أصابت أسرهم..
وأخيرا" إننا نرى إن ظاهرة الطلاق تعتبر اليوم إحدى القضايا الحساسة التي تواجه المجتمع المندائي وتحتاج الى جانب القضايا الأخرى تعاون الجميع لأيجاد صيغ علمية وعملية للحد منها .
 
كندا / لندن
في 9 حزيران / 2011