السبب الرئيسي لهجرة المندائيين الى مناطق العراق الآخرى / فائز الحيدر

                                                                                                                                                                                            
فائز الحيدر
ذكرنا في حلقتنا الأولى ان السبب الرئيسي لهجرة المندائيين الى مناطق العراق الآخرى هو الأضطهاد الذي مورس ضدهم من قبل جيرانهم المسلمين ، وبهذا المجال يقول الباحث رشيد الخيون في كتابه ( الأديان والمذاهب بالعراق ) فقد سبق ذلك الأضطهاد تعرض المندائيون الى حملات أضطهاد البرتغاليين أيضا" في القرن السابع عشرالميلادي يوم ( اتخذت الوسائل لتحويلهم الى المسيحية بالقوة ) ويذكر ان البرتغاليين الذين وصلوا البصرة كانوا اول من دعا الصابئة ( بمسيحيي يوحنا المعمدان ) وهذا ما مارسه الصابئي المندائي خلال السيطرة البريطانية على العراق فأخذ الصاغة يكتبون على حوانيتهم عبارة ( مسيحي من اتباع يوحنا المعمدان ) ، وتشير الليدي دراوور في كتابها الصابئة المندائيون ، ترجمة نعيم بدوي وغضبان رومي ، بغداد 1987 الى تعرض المندائيين الى مذابح في زمن حاكم العمارة ( محسن بن مهدي ) حيث ذبح الكهان والرجال والنساء والأطفال وبقيت الطائفة بلا كهان لعدة سنين وسجلت هذه الحادثة في طلاسم وكأنها مناشير سرية حتى لا يظهر صوت احتجاج لهم . وبذلك توزع المندائيون على مدن عديدة منها الفلوجة .المندائيون في الفلوجة لم استطع الحصول على اية معلومات تأريخية دقيقة عن تواجد الصابئة المندائيين في الفلوجة ومتى سكنوها بالضبط ولكن المؤرخ العراقي عبدالرزاق الحسني يذكر بأن المدينة وبالإضافة لسكانها العرب في تاريخها في الخمسينات كان يقطنها تجمع كبير من الأكراد يشكل نسبة معتبره بخليط متجانس مع أهلها و موظفي الدولة المعينين فيها ولم يذكرشيئا" عن الصابئة المندائيين رغم ان هناك الكثير من المندائيين يؤكدون عن آبائهم ان الكثير من العوائل المندائية قد سكنت الفلوجة في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي بعد ان هاجرت من مدنها الأصلية في جنوب ووسط العراق للأسباب التي ذكرناها سابقا" .يؤكد الأستاذ رشيد الخيون في أحدى مقالاته على شبكة الأنترنيت ( أنه مَنْ يُقلب صفحات التأريخ يجد ان للفلوجة قدرة غير طبيعية على التعايش الديني والمذهبي والعشائري ، أضافة الى العطاء الأدبي والشعري بأستضافتها للشاعر معروف عبد الغني الرصافي لعشرات السنين حيث كتب فيها روائع الشعر وهو القائل فيها فثناء للرافدين وشكراً وسلاماً عليك يا فلوجة ) .ويقول ( لقد عرفت الفلوجة بأنفتاحها الأجتماعي والديني كما موضح في إحصاء السكان لعام 1947 ، وذلك بتواجد كل شرائح أديان العراق فيها وهي البلدة الصغيرة ، حيث عاش في قصبتها أربعمائة وستة وأربعون يهودياً ، لم يبرحوها حتى هجرتهم الجماعية في بداية الخمسينات في ظروف قاهرة . وعاش فيها سبعة وثمانون مسيحياً ، ومائة صابئي مندائي ، وعدد قليل من الأيزيديين . ويعد هذاالتواجد الديني غير المسلم كثيراً ، إذا علمنا أن عدد السكان الكلي للفلوجة وتوابعها كان ثمانية وأربعين ألفا" ومائة واثنين وستين فرداً. وظل الحال كما هوعليه في إحصاء 1957، ففي قصبتها عاش مائة وعشرون مسيحياً ، ومائة وسبعة وثلاثون صابئياً مندائياً ، فيما انحسر عدد يهودها إلى ثمانية عشر يهودياً بسبب الهجرة ، معوجود جماعة من الأيزيديين أيضاً. وبطبيعة الحال يتواجد بالفلوجة الشيعة إلى جانب الغالبية السنُّية . ولم تظهر شكوى لأي من هذه الأديان من مضايقة أو تعسف ، أو حتى من جفاء اجتماعي ) .
أما عشائر الفلوجة ، التي عاشت بوئام مع الأقليات الدينية وخاصة المندائيين فهي : عشيرة زوبع ، وعشيرة البوعيسى ، وعشيرة الدليم ، وعشيرة الجميلة وعشيرة المحامدة ، وعشيرة تميم ، وعشيرة آل فياض ، يضاف لهم جماعات وردت من مدن غرب العراق الأخرى مثل عشيرة آل الكبيسي ، والعانيون ، والراويون وغيرهم . فقد كانت هناك علاقات متميزة بين العديد من روؤساء هذه العشائر ووجهاء المندائيين في المدينة وأتذكر الدعوات العديدة التي وجهت من روؤساء العشائر لبعض رجال الدين المندائي وللوالد والعمام أثناء زيارتهم مدينة الفلوجة لقضاء اوقات ممتعة في بساتينهم الجميلة وتناول الطعام معهم .
العوائل المندائية في الفلوجة منذ بداية الثلاثينات والأربعينات سكنت الفلوجة العديد من العوائل المندائية و كان غالبيتهم قد هجروا مدنهم في جنوب العراق وخاصة من ناحية الكحلاء وقلعة صالح او من مدن العمارة والناصرية والكوت وغيرها وقد تكون هجرتهم هربا" من جور الأقطاع والأضطهاد الديني والمعاناة التي كانوا يمرون بها من قبل جيرانهم المسلمين في جنوب العراق أوبحثا" للرزق وتحسين وضعهم الأقتصادي وادخال ابنائهم المدارس المتوسطة والثانوية التي لم تكن متوفرة في ذلك الوقت في مناطق سكنهم خاصة والمحافظات الجنوبية بشكل عام .ونذكر من المندائيين وعوائلهم الذين سكنوا الفلوجة هم : الوالد عبد الرزاق صكرالحيدر ( ابو مدلول ) ، العم حيدر صكر الحيدر ( ابو حميد ) ، الخال يوسف مظلوم الحيدر ( ابو خيري ) ، الخال عبد جبار مظلوم الحيدر( ابو جميل ) ، سعد رهيف مشيري ) ابو مؤيد ) ، حاتم شمخي جبر شبيب ( أبو حامد ) ، فنجان شمخي جبر شبيب ( ابو غريب ( ، صبري شمخي جبر شبيب ( ابو صباح ) ، وسمي شمخي جبر شبيب ( ابو درع ) ، كاطع شمخي جبر شبيب ( ابو فرحان ) وأولاده فرحان كاطع ( ابو فوزي ) وناصر كاطع ( ابو قيس ( وجبار كاطع ( ابو سلام ) ، مجيد عذاب ، جبار عبود ، خضير صبر ، جاني صبر ، بطوش كنيكر ذويب ( ابو حسن ) ، خزعل خنيفر ، غانم مهاوش ( أبو انيس ) ، مجيد طارش محيي ) ابو نجاح ) ، نايف غيلان ، حبيب غرباوي ، عزيز غرباوي ، مجيد جابك ، فنجان جبوري باهض ، وعدد آخر لا تسعفني الذاكرة بتذكرهم في هذا الوقت . بعض هذه العوائل لم تسكنهذه المدينة غير وقت قصير وأنتقلت الى مدن أخرى أوعادت أدراجها الى مكان سكنها السابق لأسباب عديدة . كانت العلاقات بين العوائل المندائية تسودها المودة والأحترام المتبادل والمحبة وتقديم العون للمندائيين الذين يمرون بظروف أقتصادية صعبة . يقول عنهم الأب انستاس الكرملي في كتابه ( اليزيدية ، المشرق ، كانون الثاني ( 1902 ) ( يمتازون بعدة فضائل ، منها العفة ، ولذا تراهم يفرقون عن غيرهم من سيمائهم ، فإن ملامح وجوههم تنطق بحسن آدابهم وبشاشتهم تترجم عن نقاء سرائرهم ولسانهم يفصح عما في ضمائرهم ، ومن فضائلهم ايضا" محبة بعض لبعض ، وهي فيهم على نوع لا يشاهد إلا في الرهبان  .كان غالبيتهم يجتمعون في ليالي الجمع في صالة كبيرة ) ديوان ) في دارنا أو بيت العم وسمي شمخي ( ابو درع ) أو بيت العم فنجان شمخي جبر ) أبو غريب ) مخصصة لغرض اللقاءات ، يتبادلون فيها الأحاديث الشيقة والشعر وآخر أخبار مهنة الصياغة وصياغة الحجول وغزل النساء الجميلات وقصص ابو زيد الهلالي وعنترة بن شداد الذي كان الوالد عبد الرزاق صكر يجيدها بشكل يجعل الجميع صاغرين لما يسمعونه من شعر والغريب في الأمر ان معظم المندائيين المتواجدين هم من الأميين ولا يجيدون القراءة والكتابة ولكنهم أصحاب ذاكرة قوية وقدرة كبيرة على تنظيم وحفظ الشعر وألقاءه ، كنت ارافق والدي لبعض هذه اللقاءات واستمتع بما اسمعه من قصص البادية من قبل والدي الذي يحدث العمام بحضورهم بما يحفظه من شعر المعلقات وهي بمئات الأبيات على ظهر قلب . مضايف المندائيين وأعداد القهوة
كان القاسم المشترك للقاء المندائيين في الفلوجة وخاصة بيوت العمام هو شرب القهوة العربية وكيفية صنعها ويتبارى كل الموجودين بالقهوة اللذيذة ومن هو المعد الأفضل لها أسبوعيا" أو شهريا" والويل لمن يخطأ في تحميص البن أو لمن ينسى وضع الهيل بالكمية المناسبة فيبقى طيلة أشهر مضرب التعليق والأمثال على رداءة قهوته هذا اضافة الى ما يقدم في نفس الأمسية من الشرابت المصنعة في البيوت والباسورك ونوى المشمش المملح المطبوخ والكرزات والرقي والرمان في فصل الشتاء ولسان حال الجميع يقول : مرّينه بيكم حمد , واحنه ابقطار الليل واسمعنه , دك اكهوهوشمينة ريحة هيل..... يا ريل ...
لقد اعتبرت القهوة في المضايف رمزا" لكرم وضيافة صاحب الدار ، فهي تراث عميق ارتبط بالإنسان فيكل مكان ، وهي بطقوسها الجميلة تعتبر عادة لها احترامها ، وقد اتخذ المندائيون في مجالسهم ودواوينهم من شرب القهوة وسيلة للقاء والتباحث في امورهم الدينية والحياتية اليومية ولا اتذكر يوما" قد تمت في هذه الأمسيات قراءة شئ من الكتاب المقدس ) الكنزا ربا ) أو بعض البوث لأن غالبية الحاضرين لا يجيدون اللغة المندائية سوى بعض الكلمات التي تعودنا على سماعها وتناقلتها الألسن ولعدم تواجد رجل دين بينهم سوى الحلالي والأنسان الطيب المتواضع ( حبيب غرباوي ) وكانت مهمته نحر الدجاج والخرفان في المناسبات الدينية وغير الدينية وسنتحدث عن ذلك لاحقا" . ليس هناك ما يشير الى ان المندائيين قد نقلو عادات أعداد القهوة وتقديمها في مضايفهم من المضايف العربية أو كانت لهم الأسبيقية في ذلك ، وكما هو معروف تعتمد القهوة بشكل رئيس على حبوب «البنّ»، وهي بذور شجرة استوائية دائمة الخضرة وهناك العشرات من اصناف البن إلا ان أشهرها هو البن العربي والبن البرازيلي ، وتشير بعض المصادر الى أن معنى القهوة ) هو نقيع البن الصافي ) ، ويقال انها سميت بذلك ( لأنها تغني شاربها عن الطعام  .( ونتيجة استيطان المندائيين جوار العرب أصبح البيت المندائي والدواوين المندائية في ذلك الوقت ولحد الأن في كثير من المناطق والبيوت أسوة بالبيت العربي والبدوي لايخلوا من دلة نحاسية مملوء بالقهوة الساخنة التي يضيفها للداخل والخارج من بيته وقد اشتهرت العديد من العوائل المندائية بمضايفها وكرمها ويضرب بها المثل .في طفولتنا كنا نشارك الأهل بأعداد القهوة للضيوف ومهمتنا كبقية الأطفال تنحصر أما بتنظيف الدلال والفناجين وتهيئة المنقلة بجمرها المتوهج وبتحميص القهوة بالتاوة أو طحنها بالهاون وهذا يأخذ منا الوقت الطويل ويحتاج الى عضلات قوية لم نكن نمتلكها نحن الأطفال في ذلك الوقت ولكني كنت أجيد طحن البن بشكل جيد لكثرة ما كنت اقوم به بتكليف الوالد قبل حضور الضيوف .اعداد القهوة.القهوة بعد ان نبدأ بإشعال النار التي يصاحبها تساقط الدموع لكثافة الدخان يعقبها وضع المحمصة المليئة بالبن الأخضر ، ثم نبدأ بتحريكها وتقليبها جيدا" بحيث لا تبقى في مكان واحد حتى لا تحترق بواسطة الملعقة الحديدية الطويلة وتحت اشراف الوالد المستمر ، ونستمر في التحريك حتى تصبح القهوة سمراء غامقة ، ثم نضعها جانبا" لبضع دقائق حتى تبرد ، بعد ذلك نضعها في الهاون البرنزي ونبدأ بطحنها جيدا" واحيانا" نشذ عن القاعدة كأطفال نقوم بطحن القهوة بالهاون بضربات معينة لتصدر بعض الأصوات الموسيقية المزعجة وسط احتجاج القريبين منا ، ثم يقوم الوالد بأضافتها الى الماء المغلي في الدلة الكبيرة التيتسمى عادة ( اللقمة ) أو الطباخة وتترك حتى تغلي بهدوء ، وفي هذه الأثناء كنا نقوم بطحن الهيل في الهاون ويضعه الوالد في الدلة الفارغة ويبعد الدلة ( اللقمة ) عن النار ويتركها تهدأ قليلا" ، ثم يصب القهوة في الدلة المحتوية على الهيل فقط ،ويضعها على النار ويتركها حتى تغلي قليلا" وينزلها عن النار ، ويضع الليف في فمها لكي يحجب الهيل من النزول ، ثم نبدأ بصبها .وتسمى الدلال تبعا" لاستخداماتها المختلفة وحسب المناطق والمضايف ولكن اشهر هذه التسميات يقسم إلى ثلاثة أنواع : ــالخمرة : وهي أكبر حجما" من دلال القهوة العادية ، وتوضع دائما" فوق الجمرعلى المنقلة وهي مملوءة بالماء الساخن وما تبقّى من بقايا الهيل والبن . ـ واللكمة : وهي الدلة المتوسطة الحجم ، والتي يتم فيها تلقيم القهوة وتجيهزها تمهيدا" لصنعها . بعد نقل جزء من الماء الساخن من الدلة الكبيرة ( الخمرة ) فيرفع البن من قاعها . ـوالمزلة: هي أصغر الدلال المستخدمة في عمل القهوة ، وتستخدم بعد طبخ القهوة في الدلة المتوسطة ، حيث يصبّ فيها صافي القهوة ، ثم يوضع بها الهيل ، وتستخدم لتقديم القهوة حيث تصبّ في الفناجين ، ويمكن ترك قليل من القهوة القديمة واستعمالها كخميرة للقهوة الجديدة ، وهناك قناعة تامّة لدى معديها وشاربيها على حدّ سواء أن الجراثيم لا تعيش في القهوة لكثافتها العالية ومرارتها واستمرار غليانها فهي تسخن إلى درجة عالية وعادة ما تقدم القهوة للضيوف في المجالس المندائية وفق الطقوس العربية المعروفة فبعد جلوس الضيف وتحيته يصب له فنجان القهوة وعادة ما تكون ربع الفنجان فقط ، وعلى الضيف أن يشرب القهوة ، فإذا انتهى منها يهز الفنجان ويسلمه لصاحب الدار ولا يضعه على الأرض حيث يتحتم عليه الاحتفاظ بالفنجان في يده حتى يعود إليه ليأخذه منه إن كان قد انشغل عنه بتقديم القهوة للآخرين.
يتبع في الحلقة الثالثة
كندا / آيار / 2008