• warning: Illegal string offset 'files' in /customers/a/a/7/mandaean.dk/httpd.www/modules/upload/upload.module on line 282.
  • warning: Illegal string offset 'files' in /customers/a/a/7/mandaean.dk/httpd.www/modules/upload/upload.module on line 282.

الى من يهمه الامر / تحســــين مهدي مكلف

                                                                                                                                                                                       

 

 

 

 

الى من يهمه الامر
هنالك فرق فيما اذا كنت تريد ان تثبت ان تسمية الصابئة اطلقت علينا خطأ وتريد ان تصحح فتثبت اننا مندائيون وبين ان تلغي كل تاريخنا ووجودنا لمجرد اننا تسمينا سابقا بالصابئة معظم المندائيون يتفقون على ان التسمية الصحيحة هي المندائية ، ولكن ليس من الحكمة التعصب والغاء تاريخ بكامله لديانة وطائفة لازالت حية ، بسبب انها اتخذت في زمن سابق ولسبب ما ، تسمية صابئة ألم يُطلق علينا حتى اليوم تسمية صابئة ؟
فهل نتبرأ من هذه الكلمة ونمحي كل تاريخنا ؟
ان هذا لاينبغي ان يقودنا الى مسخ تاريخنا القديم او التبرؤ منه او الغاؤه لمجرد ان طائفتنا كانت تسمى خطأ - صابئة - او ان طوائف اخرى وثنية اتخذت نفس التسمية وهنالك مسألة مهمة للغاية ، هي ان العالم يعرفنا اليوم من خلال ورود ذكر للصابئة في القرآن الذي اعتبر الصابئة من اهل الذمة اي من اهل الكتاب – اتباع الاديان المنزلة – فاعطاهم الامان الذي شمل ايضا الذمة اي من اهل الكتاب – اتباع الاديان المنزلة – فاعطاهم الامان الذي شمل ايضا المسيحيين واليهود ، ولقد ورد ذكر الصابئة ثلاث مرات في القرآن (سورة البقرة :62 ، المائدة : 73 ، الحج 17 ) ، فاذا نحن انكرنا امام العالم كوننا صابئة فاننا بهذا نقضي بأنفسنا على اهم دليل (من غير كتبنا) يثبت وجودنا كديانة ، كما ُنلغي اعتراف الاخرين وكتبهم السماوية بنا بأعتبارنا من اهل الكتاب .. وهذه مسألة خطيرة جدا .
سألني يوما صديق عربي عن ماهية ديانتنا وعن تسمية الصابئة التي لم يسمع بها قط من قبل ، وحين ذكّرته بالايات القرآنية الثلاث اعلاه وورود اسم الصابئة فيها .. حينذاك ادرك للفور من نحن . والحقيقة ان كلمة (المندائيون) لم تطلق كتسمية على طائفتنا منذ نشأتها وطوال فترة وجودها في هذا العالم ، رغم انها التسمية الاصح ، ويغلب الظن ان اول من اطلق هذه التسمية ، هي الباحثة البريطانية (الليدي دراور) مطلع القرن العشرين
وكانت السيدة دراور بأعتبارها باحثة متخصصة (وليست كباحثي اليوم الذين يخرجون عن منهج واصول البحث وكما يحلو لهم) ، تسعى للبحث عن مرتكز يميز طائفتنا ويفصلها عن غيرها من الطوائف التي اتخذت تسمية - صابئة - ، وكانت على درجة من الحذاقة والذكاء ما جعلها تكتشف تلك الناحية المهمة التي تميز ديانتنا عن غيرها ، فهذه الديانة تتميز بالكشف عن الحقائق الالهية عن طريق البحث والمعرفة ، وان المعرفة هي التي تقود الى الخلاص وتحرير النفس من العالم المادي .
ولقد وردت في نصوصنا الدينية مفردات من قبيل - مندا (المعرفة) ، ومندا آد هيي (العارف بوجود الحي او العارف بسر الحياة) والكلمة كما هو معلوم أسم لكبير ملائكة النور ، كما ان بيت العبادة يسمى (مندا ) .
فكان للسيدة دراور ان تُطلق تسمية المندائية بدلا من الصابئية على ديانتنا للتفريق بينها وبين الفرق الدينية الاخرى التي اتخذت تسمية مشابهة (والتي يلغيها البعض من الوجود اصلا ، لكي تتماشى النتائج مع آرائه ) .
 ان اختلاط المسميات على الباحثين القدماء اوقعهم في حال من التشويش والضبابية انعدمت معها رؤية صورة الحقيقة كاملة ، اذ لم يُطلق على الصابئة المندائيين وحدهم تسمية (صابئة)، فهنالك طوائف عديدة اتخذت نفس التسمية ، منها ، صابئة حرّان وصابئة الأنباط وصابئة الجزيرة (الأحناف) وربما طوائف اخرى ، وقد انقرضت هذه الطوائف جميعها (دخلت افرادا وجماعات في المسيحية والاسلام) .. لقد ادى ذلك التشابه في التسمية الى الخلط ، والقصور في التحليل وادى الى ان تذهب الأبحاث بعيدا عن المندائيين بدلا من الاقتراب منهم والخلط الذي اصاب الاخرين قديما وحديثا في التفريق والتمييز بين هذه الطوائف لازال يصيب اليوم بعض اخوتنا المندائيين ، فراحوا يخلطون الحقائق وضاعوا بين ماكتب عنا وما كتب عن غيرنا ، وتوهموا ان ماكتب عن غيرنا يشملنا في كل الاحوال ، من غير تدقيق ومن غير الاخذ بعين الاعتبار جهل بعض المؤرخين بحقائق الامور ، فمثلا ، لقد شاع عن المندائيين ومنذ امد بعيد ، على انهم عبدة أوثان ، وان ديانتهم تمجد الكواكب والنجوم ، ان بعض تلك الأدعاءات قُصد منه النيل من هذه الديانة والتشكيك بها ، والبعض الآخر كان ينطلق من الجهل بحقيقتها وسوء فهم لطقوسها وبعض اجراءاتها الدينية ، فمثلا حين يمارس ابناء هذه الديانة طقوسهم فأنهم -سابقا- كانوا يتجهون صوب النجم القطبي الذي يستدلون به الى ناحية الشمال ، في زمن كانت تُفتقد فيه وسائل الاستدلال للجهات الاربع ، ولقد فهم الآخرون خطأ ان المندائيين انما يتوجهون ناحية النجم القطبي من اجل النجم ذاته ، أي لعبادته وليس للأستدلال به ، وسوء الفهم هذا دفع المندائيون ثمنه غاليا طوال العصور الماضية وحتى اليوم .  
من ناحية اخرى كان لأختلاطهم ومعايشتهم لصابئة حران الذين عُرف عنهم تقديسهم للكواكب وعبادتهم اِله القمر كغالبية اهالي مدينة حرّان التي عرفت عبر التأريخ بأنها المركز الرئيس لعبادة اله القمر (سين) * ، ان ذلك التعايش المشترك الذي استمر ربما لعقود طويلة ، دفع البعض الى الخلط بين الصابئة المندائيين الموحدين وبين صابئة حاران الذين تلاشى وجودهم واندثرت ديانتهم . ولعل من اسباب ذلك الخلط ان كلا الديانتين تشتركان في طقس التعميد (مع اختلاف المغزى) وارتداء الملابس الدينية البيضاء (مع اختلاف الشكل وعدد القطع)، وفي اطلاق اللحى (وهو امر شائع في ذلك الزمن ) .
ويبدو ان التاريخ القديم لطائفتنا وديانتنا سيبقى امرا يشوبه الغموض
 فقد اختلف فيه الباحثون في التاريخ والمختصون في الاديان ولازالوا ، اذ لم يكن لديهم ما يعينهم على معرفة اسرار هذه الديانة بسبب تكتم ابناؤها وعدم نشر افكارها وتعاليمها سابقا ، وقلة المصادر التي تتحدث عنها ، ولصعوبة اللغة المندائية واندثارها .. هذه العوامل تعتبر من الاسباب الرئيسية التي ادت الى ذلك الغموض وعدم الفهم .
 اضافة الى اسباب مهمة اخرى منها ، التقارب والتشابه (من ناحية بعض تعاليمها وطقوسها) بينها وبين ديانات اخرى كالمسيحية واليهودية ، كما ان اِلتقاءها الفكري وبعض مظاهر طقوسها مع تيارات دينية غنوصية كانت معاصرة لها كالاسينيين والمانويين والحسح والمعمدانيين والقمرانيين والكسائيين والنوصيرم وغيرهم ، ادى الى عدم الفصل بينهم وبين هذه الطوائف ، سيما وان معظم هذه الطوائف سكنت في ما بين النهرين وبلاد الشام ايضا .
عموما فأن كل فرضية وكل رأي في هذا المجال قابل للبحث والنقاش ، الا انه في غياب الدلائل الاركيولوجية والوثائق التاريخية والادلة المادية من مخلفات الانسان السابق ، لا يمكن البت في صحة نظرية من النظريات او تبني احداها دون الاخرى ، وتبقى جميعها في حدود الفروض ليس الا ، وان كان من حق المهتم او المتتبع الحاذق المنصف ان يميل الى احدى الفرضيات او الاراء وفقا لما يراه من معطيات متوافرة على الارض قد تكون مقنعة بالنسبة له . الا ان هشاشة بعض الافكار وتطرفها لم تترك لنا مجالا حتى لمناقشتها
      تحســــين مهدي مكلف
         ديترويت
الهوامش : 
*هذه حقيقة ذكرتها معظم الكتب التي تناولت تاريخ هذه المدينة ، ولايمكننا ان نلغي كل التاريخ بسب كون ما يتضمنه لا يتوافق مع ارادتنا , او مع ما نرجزه ونتمناه .