سيرة حياة الباحثة ناجية المراني

 
 
 
  
سيرة حياة الباحثة ناجية المراني
  
للعرب في الجاهلية خنساء واحدة ولدت في شبه الجزيرة العربية ، لم يجرأ التاريخ ويفصح عن ديانة الخنساء ، ولم
يجرأ التاريخ ويقول أن الخنساء كانت مشركة ،، لكن التاريخ رأف بها وقال أنها كانت على ديانة توحيدية ،لكن التاريخ
لم يعرف من هي تلك الديانة التوحيدية .ء
المسحية لم تزل بعدُ تطأ قدمها ارض الجزيرة العربية يوم ولدت الخنساء ، والدعوة الاسلامية لم تزل بعدُ تطلق دعوتها
الدينية ، اذا على اية ديانة توحيدية تلك كانت الخنساءُ عليها .
الخنساء تربت في بيت عز وشرف ومهابة فهي ابنة شاعر العرب الكبير، شاعر السلم والتآخي زهير بن ابي سلمى وأخت
لشاعرين كبيرين كعب بن زهير وبجير وأخت لها اكبر منها سُلمى والخنساء ام الشهداء الاولاد الاربعة اضافة الى استشهاد زوجها
في معارك قبلية طاحنة .
وما أشبه اليوم ُ بالامس فبعد اقل من 1500 سنة ولدت خنساء ثانية اسمها ناجية ولدت في بيت عز وشرف وفي ذات البقعة
الجغرافية وعلى تخوم شبه الجزيرة العربية وتحديدا في ميسان (العمارة الحديثة) سنة 1918للميلاد ، لقد وجدت ناجية أن هناك
قصصا وحوادث وقعت لافراد مجتمعها وطائفتها جعلت منها إمراة شكيمة تتمتع بنظرة ثاقبة وحس مرهف ، حيث أصغت لكل ما كانت
تسمع من تلك القصص فامتد نظرها بعيدا بعيدا تخطى عمرها الذي لا يزال يافعا .ء
فمن قصص عمتها فجر المولودة سنة 1870 والتي ترملت في زواجها مبكرا بعد ان ترك زوجها ابنا واحدا اسمه حنظل واخت له فقط
وكيف كانت ناجية تصغي الى قصص عمتها فجر بعد أن بدات مشوار بحثها عن ابنها الشاب الذي لم يرجع مع الجنود العائدين من الحرب
العالمية الاولى مع سريته وفصيله وكيف كانت فجر قد قابلت الملوك وقواد الجيش بحثا عن ابنها المفقود ولم تستطع العثور عليه فعادت
الام مكسورة الخاطر مهشمة القوى ضعيفة مستسلمة ، وهنا جاء دور ناجية لتصور حادثة عمتها فجر في ابيات شعرية وهي لما تزل
شابة يافعة
هرعتْ ما بين خوفٍ وحنيــــن
علّه بين الرجال العائديـــــــــــن
هرعت تسألُ كلَ الواقفيـــــــــــــن 
أسمر ،شهم ، ومقدام أصيــــــــــل
هو ذا رقم السرايا والفصيــــــــــــــل 
حنظل يعرفه كل ّالرفــــــــــــــــــــــــاق
كان يهوى الموتَ من اجل العــــــــــــــراق 
وانقضتْ كل الليالي والسنيــــــــــــــــــــــــــن
لم تزل تهتف قد عاد الجنود الغائبيـــــــــــــــــين
ابني المفقود حنظل سيعـــــــــــــــــــــــــــــــــــود 
تربت ناجية في احضان ال مران ، اصحاب التاريخ في المهابة والصنعة (الصياغة) والدرجات الكهنوتية ، لكن ناجية قررت ايضا
التعلم فاكملت الابتدائية في ميسان واكملت دار المعلمات في بغداد سنة 1935 اي بعد ان اصبح عمرها سبع عشرة سنة ،وقبلها قد
توفي والدها في العمارة وهي لم تبلغ سن الرشد .
انخرطت في سلك التعليم بين مدن وقصبات الجنوب وبغداد بين معلمة ومديرة مدرسة ولمدة سبع وعشرين سنة وخلالها كانت ايضا
طالبة في الاعدادية الجعفرية المسائية / الفرع الادبي وحازت على معدل 85 في المائة وهو معدل متميز في تلك السنوات
حققته في سنة 1949
وجاءت سنة القحط والحطام سنة 1963 فكوفئت ناجية بان احيلت على التقاعد حالها حال الكثيرين من ابناء الشعب لكنها وجدت
الفرصة في مواصلة التعلم كون ان هاجس العلم والمعرفة ظل يلازمها فحصلت على شهادة الباكالوريوس ادب انكيليزي بدرجة جيد
جدا من كلية الاداب بغداد سنة 1969وبعد ان اخذ الشيب يجد طريقه في مفرقيها فكان زملاؤها يسمونها بالعمة ناجية
ثم التحقت بالجامعة الامريكية في بيروت عام 1970 وحصلت على درجة الماجستير ادب انكيليزي مقارن بدرجة جيد
جدا متميز ، ثم استكملت مشوارها التعليمي في ذات الجامعة الامريكية للحصول على درجة الدكتوراه في قسم اللغة العربية / قسم
الدراسات الشرقية وفي موضوع الادب العربي المقارن وانجزت شوطا مهما من دراستها ، لكن الحرب الاهلية اللبنانية الطاحنة
دمرت كل شيئ وحتى احلام هذه المراة المندائية القادمة من العراق فتركت اوراقها واحبارها واملها في استكمال درجتها وعادت هي الاخرى
الى العراق سنة 1975 ، وفي هذه السنة بدأت ناجية مراني بمشوار التاليف والترجمة فنشرت اول كتاب لها (مقارنة بين العربية
والانكليزية كلمات متناظرة ) 1978 ، ثم كتاب (الحب بين تراثين) ثم كتاب ( الشعراء العذريون) 1980 وكتاب هنا بدأ التاريخ
ثم كتاب (آثار عربية في حكايات
كانتربيري )1981، ومؤلف مهم وهو مصدر عند الصابئة المندائيين هو كتاب (مفاهيم صابئية مندائية ) 1982لا تخلو مكتبة مندائية
الا واحتوت على هذا المصدر ثم كتاب (كلمات عربية انكيليزية دخيلة) 1990
وكثيرة هي البحوث والمقالات والمحاضرات التي نشرت في المطبوعات العراقية والعربية وحتى الاجنبية 
وهنا وجه التشابه بين الخنساء الاولى والخنساء الثانية امراتان الاولى في نبوغ الشعر والادب والمهابة والثانية في العلم
والمعرفة والبحث والمهابة وقليل من الشعر ، الاولى زهدت في حياتها وتركت ملذات الدنيا والثانية هي الاخرى كانت سيرة حياتها كذلك
الثانية عرفت بديانتها التوحيدية المعروفة لكن الاولى لا يزال الحكم في ديانتها مخفي في بطون التاريخ وربما ياتي اليوم ليفصح عنها
وكثيرة غيرها هي المتشابهات 
وبعد ان سافر الصحب ُوالاهل والخلان صمدت ناجية بين جدران مكتبتها وفي مسكنها المتواضع في بغداد وظلت وحيدة الا القليل
من البعض لكن السنين اناخت عليها فوجدت نفسها وحيدة فارتحلت مولية وجهها نحو سوريا الجارة الكريمة ولم تدم اقامتها طويلا
حيث لم تتعد اربع سنين من وجودها في سوريا فاغمضت عينيها في غربتها ووحدتها لا الاهل ، لا الخلان ، لا العراق الكبير ، ذهبت
بعيدا لا رجعة اخرى
لكن الماساة كل الماساة انه لم يجر خلف نعشها الا القليل بعد ان ضيع وشتت الزمن الجميع في كل مناطق ارض الله الواسعة
ومن خلال بحثنا عن سيرة حياتها في الاستعداد لاحتفاليتها التابينية ساعدنا الاخ الاستاذ أمير حسن مشكورا بتزويدنا لآخر مقطوعة
شعرية قد كتبتها الراحلة وقبل اشهر معدودة من رحيلها اعطتها الى الاستاذ امير حيث كان في زيارة اليها لسوريا تصور حال
غربتها ومأساتها ، تحاكي سائلها وتجيبه ، أنا هنا كل شيئ مطبق ، راقدة ساكنة ، كتابي مركون في زوايا الغرفة ، والقلم قد جف
وتاه معها في بلاد الغربة ، وتقول أما صحبي ورفاق طفولتي ومن وجدتُ فيهم النخوة والعز والدفئ فهم قد ذهبوا بعيدا عَبرَ الحدود
البعيدة ، باقية أنا أناشد طيفهم بلهفة وشوق وتحسر أعدد تلك السنين الخوالي وتلك العهود الامينة وما أجملها لدى من يحفظ العهد
أقرأ على حضراتكم مقطوعتها الاخيرة والتي اسميتها 
(المأساة) 
أيها السائلَ عنــــــــــي      أنا أحيا في ركــــــــــــــــــودِ
( فكتابي في ســـــــــــكون ٍ        ويراعي في جمـــــــــــــود
وصحابي ، أهـــــــــل ودي        سكنوا عَبر الــــــــــــــــحدود
وأنا أحيا بشـــــــــــــــوق ٍ       ذاكرا طيب العهــــــــــــــــــــــود 
يرحمك الخالق الازلي ايتها الكريمة الشكيمة الخنساء الثانية ولا ندري ان كانت سوف تأتي خنساء ثالثة ، ربما 
ملاحظة : تذكرْ بعض المصادر غير الموثقة أن الخنساء إبنة الشاعر زهير بن ابي سلمى قد غيرت ديانتها
في آخر عمرها ، لكن المؤكد أن كعب بن زهير قد غير ديانته بعد أن أُهدرَ دمه وهو صاحب قصيدة البردة
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول       متيم إثرها لم يفدَ مكبــــول 
تحيتي اليكم ايها الحضور الكريم
 
فوزي صبار طلاب
آب /2011
ستوكهولم