الصابئة المندائيين / عبد الرزاق شمخي

                                                                                                          

                                                                                                     

الصابئة المندائيين في العراق

يرجع تاريخ تواجدهم الى اقوام العراق القديم ويمكن تتبع إنتاجهم الإبداعي والفكري والديني ومشاركتهم في جميع مرافق المجتمع العراقي خلال جميع الحقب التاريخية التي مرت على ارض الرافدين. وهم يعتمدون في عباداتهم على الماء الجاري لذا نرى أماكن استيطانهم كان دوما قرب المياه ان كان الرافدين او ضفاف نهر الكارون. فكان العراق يوم ذاك بندر العقيدة ومهبطها ، كما كانت أرض عربستان ( ششتر ودسفول والمحمرة وغيرها ) مأوى المندايي ومنبعها¨. ولم يكن مندايي العراق بعيداً عن مشرقه , بل كان التوؤم لها واحدهما يكمل الاخر . حيث قدموا الى هذه البقاع سوياً قادمين من اورشليم ( القدس ) . إلا أنهم قد اختفوا من ايران بأستثناء بضعة الاف بسبب التطهير العرقي الديني والإبادة الجماعية التي تعرضوا اليها خلال القرون السابقة . حين فارق يهيا يهانا ( م . أ ) هذا العالم، ترك في المندايي ثلاثمائة وستّة وستّين مريدا جميعهم كنزفرة و ترميذة. وقد تابع المندايي عيشهم في مدينة القدس في وئام تامّ مع أليعازر وأتباعه اليهود الّذين كانوا يفوقونهم عددا. وقد كان مندي المندايي حذو بيعة اليهود، وكان الجميع يتكلّم لغة واحدة. وقد كانت لأليعازر بنت اسمها (مرياي) (1)، وكانت أميرة تَقِيَّة تتردّد يوميّا على البيعة وتحظى بمحبّة الجميع. وذات يوم سهت الأميرة وبدل أن تدخل البيعة دخلت مندي المندايي ، فوجدتهم يُؤدّون صلاتهم، ولم تتفطّن إلى خطئها إلاّ بعد أن وجدت نفسها داخل المندي. ومع ذلك، بقيت داخله ولم تغادره إلاّ بعد انتهاء الصّلاة. وقد رافقها الكنزبري والترمييذي إلى الباب حيث شكروها وسألوها عن سبب تشريفهم بالزّيارة، فأجابت بقولها: «لم أكن أقصد ذلك ولم أرده، لكنّه نتيجة سهو، فعوض أن ألج باب الكنيس جئت إليكم، ولم أتفطّن إلى الأمر إلاّ بعد دخولي المندي، ولكنّني لست نادمة على خطئي، لأنّ صلواتكم وأناشيدكم أثّرت فيّ . ومنذ ذلك اليوم، مالت «مرياي» إلى دين المندايي وأضحت تختلط سرًّا بزوجات الكنزفرات والتّراميذ كي تأخذ عنهنّ دينهنّ. وبعد (2) الاطّلاع على الشّرائع والأحكام الموجودة في كتبهم، تخلّت الأميرة عن ملابسها ومجوهراتها وتزيّت بلباس أبيض كما ينبغي لمندايي صالحة. وبما أنّها كانت تذهب كلّ يوم أحد إلى المعبد، فقد سألتها أمّها باستغراب عن تصرّفها، فما كان منها إلاّ أن أجابت بقولها: «لقد تخليّت عن دينكم واعتنقت دين المندايي». وحين أخبرت الأمّ زوجها أليعازر بمقال ابنتها، سارع باستدعائها وسؤالها. إلاّ أنّ الأميرة لم تنكر الأمر، بل ثبتت على موقفها رغم تهديد والدها ووعيده، وحسمت الجدل بأن طلبت من والدها إحضار جمع من كهنة وعلماء الإسرائيليّين لتناظرهم، على أن يعتنق المُفْحَم دين الآخر. وحين المناظرة، لم تصمد المعارف العبريّة الواسعة أمام ما قدّمته المؤمنة الجديدة من براهين ساطعة، وقد أنهت كلامها بأن توجّهت إلى والدها بهذه الكلمات: (إنّ قوّتك وثرواتك لا تستهويني. سأتخلّى لك عن جميع هداياك من الحليّ، فما هي سوى أشياء عابرة لا قيمة لها، من أجل أن تكون الحياة الآخرة كلّ همّي). وعند سماعه هذه العبارت، انقضّ أليعازر على ابنته كي يقتلها، لولا أن خلّصتها أمّها العطوف من بطشه. وهكذا ثبتت الفتاة على دين المندايي، ودرست تعاليمه بعمق حتّى غدت معارفها تضاهي معارف أيّ كنزفرة. وأمام العجز عن كبح جماح غضبه من جهة، والخشية من أن يحمل مثال ابنته بعضا من طائفته على اعتناق المندائية ، جمع أليعازر في أحد الأيّام أعيان اليهود وأطلعهم على مخاوفه وأنّ الوسيلة الوحيدة لتجنّب هذه الطّامة الكبرى هي قتل المندايي. وقد رحّب من في المجلس بهذا الرّأي وأجمعوا على وجوب تذبيح المندايي ، وقاموا إثر ذلك باستنفار اليهود الّذين انقضّوا على المندايي وقتّلوهم جميعا باستثناء ( مرياي ) الّتي وضعتها أمّها تحت حمايتها وعدد قليل ممّن تمكّنوا من مخاتلة خناجر القتلة. وفي تلك اللّحظة ظهر أنّش أثرا. وعلى الإثر، لحق بفلول الهاربين من المندائيين الذين انضمّوا اليه منه ويمّموا شطر مدينة حران السفلي. ثمّ ساقهم بعد ذلك نحو موضع آخر استقرّوا به وأقام لهم عددا من الكنزفرات والتراميذ. وحين أراد أن يفارقهم، طلبت منه مرياي مصاحبته إلى آلمي د نهورا (عالم النّور) معبّرة عن عدم رغبتها في البقاء في هذا العالم. وأجابها أنّش أثرا بقوله: (إنّ الوقت لم يحن بعدُ كي تفارقي هذه الحياة، لكن تأكّدي أنّك ستفارقينها يوما، وسيكون مقامك بمكان هو من الرّفعة إلى حدّ يجعلني أحسدك عليك). فسألت مرياي: وما هو ذاك المكان؟ فأجابها الملاك حالما تحًلّين في آلمي دنهورا ، ستنعمين بصُحبة سيموث حيّ (3 ) إلى أبد الآبدين، وهي تجلس بجانب مريم إيداربوثو، وإنّي لأرجو أن تذكريني حينها . ورغم إلحاح مرياي في الذّهاب معه، إلاّ أنّ توسّلاتها ذهبت أدراج الرّياح. وقد اختار أنّش أثرا قبل أن يترك المندايي ويعود إلى آلمي د نهورا (عالم النّور) أخوين من بينهم ونصّبهما ملكين يدفعان عن الطائفة صولة الأعداء، وكان اسم الأكبر فرّوخ ملكا والأصغر أردبان ملكا.

 عبدالرزاق شمخي الهومش:-

(1) هي "موريو" في النّطق المندائي، وهي أيضا "مرياي" حسب ما جاء في كتاب "مواعظ و تعاليم يحيى"، ط 1، بغداد، 2001 ، ترجمة أمين فعيل حطاب، وهو عمل مصادق عليه من مجلس عموم الطائفة المندائيّة: "ويل لليهود الذين يضطهدون مرياي. ويل لأليزار كاهن المعبد الذي ثبّت بيت المقدس. ويل لزاتان الكاهن الذي شهد زورا ضدّ مرياي" (ص 102). وقد اخترنا إيراد الإسم "مريم" كما رسخ في النّطق العربي.

(2) ألم يكن الصّابئة واليهود يتكلّمون نفس اللّغة كما ورد في أوّل النصّ: «وكان الجميع يتكلّم لغة واحدة» ؟ وكيف تحدّثت مريم مع أحبار اليهود إذن ؟ نظنّ أنّ في هذه الأسطورة إشارة إلى الأصل الواحد للّغة المندائيّة واللّغة التي كتب بها اليهود أوّل نسخ توراتهم وهي الآراميّة.

(3) «سيموث حيّ» هي سيّدة نساء الما اد نهورا (والمقصود هنا هو جنّة الصّابئة المندائيّة - المترجمان).