مفهوم اللـه والملائكة في الديانة المندائية / تحســــين مهدي مكلف

                                                                                                               
 
 
 
 
 
مفهوم اللـه والملائكة في الديانة المندائية
الصابئة المندائيون يوحدون اللـه ويؤمنون باللـه الواحد الازلي {ملعون وموصوم بالعار كل من لا يعرف وكل من لا يعلم ان ربنا هو ملك النور العظيم ، ملك السماوات والأرض ، الواحد الأحد}[1] والخالق (اللـه) بحسب الديانة المندائية هو مظهر غير حسي لا يمكن ادراكه الا من خلال اثاره واعماله ، وهو بذاته العقل والقدرة المطلقة، وان الله كيان خالص سامي الوجود ومنزه ، مرتبط بالسرمدية والأبدية ارتباطا لا أنفكاك فيه . كما يُوصف اللـه بكونه النور البهي العظيم القدرة ، جاء في كتاب المندائيين المقدس- كنزا ربا- {الحي العظيم ، لا حد لبهائه ، ولا مدى لضيائه ، المنتشرة قوته ، العظيمة قدرته ، هو العظيم الذي لا يُرى ولا يُحد ، لا شريك له في سلطانه ، ولا صاحب له في صولجانه ، من يتكل عليه فلن يخيب}[2] . وفي نفس التسبيح ايضا {هو الملك منذ الازل ، ثابت عرشه ، عظيم ملكوته ، ولا يشاركه ملكه أحد ، مبارك هو في كل زمان ، ومسبح هو في كل زمان ، موجود منذ القدم ، باق الى الأبد.{ 
يؤمن المندائيون ان اللـه هو النور الازلي الخالد الذي عمّ ضياؤه وعظمته كل مكان ، وان لا قدرة على الخلق ولا كمال ولا ازلية ولا سرمدية الا للـه وحده ، كما لا توجد قداسة مطلقة الا في اللـه المتسامي المميز عن جميع الكائنات . والـله هو الحق الذي لا يتغير ، فكل شئ في هذا العالم سائر الى التغيير والى الزوال ، كل الكائنات تهرم وتموت والزمن يسير بها الى نهاياتها ، اذ لا يوجد شئ ليست له نهاية قط ، سوى اللـه الابدي الوجود ، فهو وحده الذي لا يزول {كل مَن يولد يموت، وكل ما يُصنع بالايدي يفسد ، والعالم كله يفنى ، فأين سر الالوهية التي فيه }[3]
ولا يمكن للانسان ، بحسب الديانة المندائية ، معرفة ماهية اللـه او طبيعته اللامرئية التي لا يمكن للابصار ادراكها ، فهو الذي لم يُر ولم يُسمع ، ولا يمكن لأحد قط ان يرى اللـه ولا حتى الملائكة ، فهو العظيم الذي لا يُرى ولا يُحد ، اما عرش الله ومكانه - مجازا- فهو السماء {الحي المقيم في السماء القاصية}[4] ، واسماء الله المفضلة لدى المندائيين هي - الاله الحي ، الحي العظيم ، الحي الازلي }هو النور الذي لاظلمة فيه ، الحي الذي لا موت فيه ، والخير الذي لاشر فيه{ [5] ، ومن اسمائه ايضا ، ملك النور السامي {ياملك النور السامي .. مبارك ومسبح انت الى ابد الآبدين ، بامرك كان كل شئ وبامرك خلق كل شئ}[ . [6
ان الالحاد او الشرك باللـه بحسب التعاليم المندائية يعتبر من اكبر الخطايا، وهي الخطيئة الوحيدة التي لا يمكن مغفرتها . يذكر كتاب كنزا ربا (لا مغفرة لخطيئة الشرك باللـه)، ذلك ان عدم الأيمان باللـه يعني عدم الخوف من الوقوع في الخطيئة وبالتالي عدم الخوف من السير في طريق الشر . كما ان الشرك معناه سلب مجد الله ومنحه لشئ من صنع الله ذاته ، اي عبادة المخلوق وليس الخالق. اما المؤمنين بالله ايمانا قلبيا صادقا فأنهم مطوبون مقبولون {طوبى للكاملين الذين عرفوك بقلب نقي فآمنوا بك مخلصين، وخشعوا لعظمتك صادقين، طوبى للكاملين الصادقين}(7)
يذكر كتاب - كنزا ربا - ان اللـه خلق عددا غير محدود من الملائكة (اُثري- ومفردها أُثرا) {فكان الأثريون الذين لا عدد لهم ولا حدود}[8] ، وكل ملاك خُلق بكلمة من اللـه {قال للملائكة كوني فكانت ، بقوله ملائكة النور كانت، ومن ضيائه النقي انبثق ملائكة التسبيح الذين لا حد لهم ولا عدّ ولا بطلان[9] ، {وهؤلاء الملائكه يقدسون الله ويطيعونه ويسبحون اسمه وهم يرفلون بالنور السماوي البهي }من نوره العظيم انبثقوا ممتلئين بالتسبيح ... ملائكة الضياء تسبح لملك النور باردية النور التي وهبها لهم، ملائكة الضياء تسبح لملك النور باكاليل الضياء التي وهبها اياهم وضفرها لهم}[10] . والملائكة هم مخلوقات روحانية طاهرة لها اكاليل وأردية (جمع رداء) من نور ، ولهم منزلة خاصة عند الله .
كما خلق اللـه عددا آخر من الملائكة من نوع اخر أعلى مرتبة واهمية من الملائكة العاديين ، وهؤلاء لهم طبيعة مغايرة فهم (اشخاص نورانيين) ، يقول عنهم الكتاب المقدس }هو ملك النور السامي ، هو الله ، منه كان الملائكة والأثريون ، بضيائه ونوره يرفلون ، اسنى من الشمس والقمر{[11] ، وخلقهم الله ليكون لهم دور في ادارة شؤون الخلق والعالم ، ولكل ملاك منهم اسم خاص نطق به اللـه { أبي الذي سماني بأسمه وضع يده عليّ وكون لي عالما لا مثيل له في الوجود ، ليس لسعته حدود }[     [ 12
 ومن هؤلاء الملائكه : (هيبل زيوا) وهو بمثابة جبرائيل الرسول ويسمى الأُثري البكر {خلق الله مندا آد هيي ومندا آد هيي نادى هيبل زيوا : بقوة ملك النور السامي وبقوتنا نحن مندا آد هيي وبالحياة .. وبالاثريين ، نفرح بالأثري البكر الذي ناديناه ومن ضيائنا الخاص البسناه}[13] ، اما الملاك (مندا آد هيي) فهو كبير ملائكة النور ، منحه الله مكانة عظيمة جدا وملّكه على اكوان النور {يا مندا آد هيي ، انت ملك الأثريين ، رب الصدق انت ، مُعد الكنوز انت ، اعطيناك اكوان النور جميعا .. اكوان النور جميعا اعطيناك}[14] ، وهذا الملاك هو أول من قال -أكا هيي .. أكا ماري- ، ومعناها الحي موجود .. الله موجود ، فهو بحسب كتب هذه الديانة أول من عرف بوجود الله واخبرَ به ، كما ان (مندا اد هيي) هو الذي علّم آدم اصول الدين المندائي . كما يوجد ملائكة اخرين لهم اهمية خاصة منهم (انوش اثرا) ، (ششلام ربا) ، (اباثر) وغيرهم .
وهؤلاء الملائكة يعلمون كل شئ ، ولكل منهم مملكه في عالم الانوار (الفردوس) ، يصف كتاب كنزا ربا هؤلاء الملائكة بأنهم {يُنير بعضهم بعضا .. لا زوال لهم ولا يشيخون ... لا يجوعون ولا يعطشون ... لا خبث في اشجارهم، ولا مرارة في اثمارهم، ولا ذبول في ازهارهم، مواقعهم سامية ... وجوههم من نور، شفّافون كالبلور ...}[15] وهؤلاء الأُثري لهم مكانة عليا ومنزلة خاصة لدى المندائيين ، اذ تُذكر اسماؤهم في الصلاة ويُقدم لهم السلام والاحترام . كما يتم الدعاء والتضرع اليهم وطلب البركة منهم .
      تحســــين مهدي مكلف
المصادر :  
[1]        كتاب دراشا آد يهيا ، ص62
[2]        كنزا ربا ، يمين ، ص2
[3]        كنزا ربا ، يمين ، ص21
[4]        المصدر السابق ، يمين ، ص38
[5]        المصدر السابق ، يمين ، ص2
[6]        المصدر السابق ، يمين ، ص8
[7]        المصدر السابق ، يمين ، ص3
[8]        المصدر السابق ، يمين ، ص42
[9]        المصدر السابق ، يمين ، ص3
[10]       كنزا ربا ، يمين ، ص4
[11]       المصدر السابق ، يمين ، ص7
[12]       المصدر السابق ، يمين ، ص92
[13]       المصدر السابق ، يمين ، ص83
[14]       المصدر السابق ، يمين ، ص45
[15]       المصدر السابق ، يمين ، ص6