الطقوس وتكرار النموذج الديني / بقلم رمزيه عبدالله فندي

   

 Um Ihab Fendi

‏15 سبتمبر‏، الساعة ‏06:26 مساءً‏

الطقوس وتكرار النموذج الديني

 

تعطينا الميثولوجيا المندائية أمثلة كثيرة حول معاني تكرار صورة الفعل الرباني , الذي يطلق عليه المندائي المثيل "الدموثا " حيث ان لكل شيء صداه إن كانت حياة أوعالم , وحدث, وفعل , وتاريخ , وسلوك, و نظام حياتي, وطقوس, واشخاص, ورموز, لكل شيء مثيل "دموثا" يكون النموذج لما سبقه من مثيل أول في العالم العلوي أو في الزمن الكوني القديم , وإن صورة هذه الحقيقة وتكرارها تأخذ من جميع هذه الاشكال , مرجعاً لها لتعيد ذاتها , حيث بالإمكان القول أن فعل الأنبثاق في المبدا الأول للتكوين, في ذات الحالة , يمثل أنبثاق للواقع الذي يحمل صورته وأسسه ومراحله , وبمعنى أخر , يمكن القول كل فعل نقوم به هو في الأصل صورة عن فعل حدث في زمن كوني أول ونحن نعيد تكرار دورته ونعيشها, وخير مثال لذلك طقوسنا وشعائرنا الدينية .

الشعيرة في الأدب المندائي :

هي فعل لأبداع إلاهي يحكي عن سفر تاريخ سماوي مفعم بمفهوم النموذج الأول, في خطواته شرح عما جرى في الزمن الكوني الخفي, وكأنها كاشفة لأسراره , ناهيك عن حالة الغبطة الذي يخلقها هذا الفعل في نفوسنا وأثره الوجداني الذي يحاكي حدث سماوي أزلي , ومن خلال ممارساتنا لتلك الشعيرة نكون قد كررنا ذلك الفعل, وفي هذا حفاظ على بقائنا ضمن مركزية الفعل السماوي ؛ مثال ذلك, المصبتا "الشعيرة السماوية" , وما تحمله من خطوات طقسية متعددة ,ولكل منها معنى يقابله في الزمن الكوني الأول , وبالطبع لكل للطقس أدواته ومستلزماته المكملة له , كـ" اليردنا " المياة الجارية , والملابس الدينية البيضاء الخاصة " الرستة " و راية النور " الدرفاش تاقنا " والطريانة وبيت البخور والزيت الطاهر " مشا دخيا " و حاجات ولوازم أخرى لأكمال خطواتها, وحتى يوم الأحد " رأس الأيام " المحبب أن تقام فيه و بقية الأيام الدينية الخاصة, جميعها ذات معاني رمزية تحاكي معاني وفعل سماوي حقيقي منه وفيه بُعث الوجود وخرجت الحياة ونمت, فهي تمثل النموذج الأصلي لحقيقة كونية وعلى هذا الأساس تكتسب شعيرة "المصبتا" حقيقتها وأهميتها وعظمة أجلالها في التطبيق والتكرار.

وما يعزز حقيقة نموذجها, هو وجوب حضور المستلزمات التي ذكرناها بكامل حلتها ومن ضمنها " الرستة " اللباس الديني المكون من خمسة قطع حيث كل قطعة تحمل في ماهيتها رموز لأسرار ربانية, سأسلط النظر هنا فقط حول رمزية تفاصيل " الثوب والسروال " ؛

أولا ـ " الرستة " بجميع اجزائها يكون لونها أبيض , ومن خام نباتي " قطن او كتان " ليحاكي المكان العلوي "عالم النور كله بياض ونقاء " ونادراً ما يصنع من الحرير الطبيعي لندرته " عدى الهميانة تصنع من الصوف الابيض " .

أما بالنسبة لكيفية خياطة القميص والسروال وما تحتوياه من مغزى ديني , بالطبع تخطيب لباس الدين لم يكن عشوائي ولا اعتباطي, بل معين ومحدد بأسلوب وغاية دينية, حيث ورد في ديوان " ترسر والف شياله " تفاصيل عن أجزاء الرستة وعن اخطاء تحضيرها وأرتدائها وعلاج هذه الأخطاء , قال الترميدا بسام فاضل في مقال ورد له بهذ الشأن : ( ملابس النور هذه احضرها الملاك المبارك هيبل زيوا إلى أبينا آدم مبارك اسمه, وعلمه "من ضمن ما علمه من الأمور الدينية والدنيوية الأخرى" طريقة خياطتها وحياكة الهميانة وتناقلتها الأجيال المندائية بأمانة إلى أن وصلتنا ونعتبر أنفسنا مسؤلون عن الحفاظ على هذه الأمانة ونقلها إلى أجيال المندائية اللاحقة ) أنتهى الأقتباس .

ــ الثوب ـ الكسويا : لو تأملنا نصوص الخلق الأول في عالم النو ورموزها, نستدل ان الثوب هو نموذج حقيقي عنها, يحمل في طياته رموزه التكوين وتنظيمها ,كالتالي ( موضح في الشكل المرفق ) :

1 ـ الفتحة الدائرية التي يخرج منها الرأس هي تمثيل رمزي لعين الماء التي فيها خلق وخرج " مانا آدم كسيا " أول كائن مخلوق ومنه تكاثر الخلق ( النبتة العظيمة التي غرست من " يردنا الحياة الأولى " ) :الكنزا ربا , ويعبر عن المخلوق الذي خرج منها , بالعمامة اي " الرأس " عند الرجل والشيلة عند المرأة ؛ وفي هذا تعبير لخلق الحياة وأنبعاثها من ينبوع المياة : قال ( مارا اد ربوثا ) مُسبح هو الماء الجاري العظيم القديم، طالما ان الماء الجاري هو ابي ومنه كل العوالم العليا والوسطى والسفلى انبثقوا، لانها تأتي وتأتي ولاتتوقف ..تزدادُ وتتكاثرُ ولانهايةَ لها ..ولاتنقص . " من ديوان ترسر والف شيالة "

2 ـ الثوب يحمل صورة المياة الجارية السماوية المتدفقة من ينبوع الماء :

مسبح ذلك اليردنا العظيم , ومسبح أولئك الثلاثة مئة والستون يردنا الذين تفرعوا من ذلك اليردنا العظيم . ( بوثة مشبا زيوا ـ النياني )

3 ـ الطلاسم التي تخاط كشريط من اعلى جانبي الثوب والى أسفله, ويجب ان تكون لهما حافة , يمثلا ضفتي النهر, ويرمزان الى الحارسان " أدثان ويدثان " نواطير المياه الجارية العليا.

4 ـ الدشة : وهي قطعتان صغيرتان من نفس القماش مربعتا الشكل وكل واحدة تحوي على حافة تكون على شكل علامة ( + ) وتخاط من خارج الثوب " ثوب الرستة " في أعلى الناحية اليمنى من فتحة الصدر (والدشا على يميني ثابته ) , وهي نموذج مصغر عن راية " درافشا شيشلام ربا " ,ويدخل استعمالها في طقس أرتقاء الترميذا الى درجة الكنزبرا, حيث تستعمل كحافظة للرسالة الطاهرة " انكرتا دخيا", حيث يضع في داخلها قنينة المشا الصغيرة المعمولة بطريقة دينية خاصة :

(في اليوم الذي نصب فيه درفش شيشلام , شع ضوؤه على ثلاث مئة وستين عالماً من عوالم النور والثلاثمئة والستون عالماً من عوالم النور ....) النياني بوث الدفاش

  ممجدٌ هو شيشلام الكبير الجالسُ عند ضَفتيّ العينِ (الينبوع) والنخلةِ ) . من ديوان ترسر والف شيالة .

ثانياً ــ السروال ويسمى الشروال : ( شروالي اترص , همياني اترص بترين طابي بترين كطري , دشة بيميني قام قمي رغزي نصيفي ) ترجمة النص ( سروالي ثابت , وحزامي الصوفي ثابت في طيتين وعقدتين , والدشا على يميني ) ... يحتوي على :

1 ـ التكة : شريط يخاط بطريقة مجوفه أحد طرفيه يقفل " يُخاط " ويمثل العروة " ينبوع الماء " في الهميانة ,والآخر يترك مفتوح ويمثل طرف شراشيف الهميانة " الأنهار و روافدها " , وبهذا يكون نموذج ضمني لصورة الهمنيانة , ويعقد كعقدة الهميانة ( الهميانة : هو رباط الإتحاد" يربط " اسرار " رموز الرستة ).

2 ـ الشريط الذي يخاط من حول وسط السروال , يكون ذا حافتين تمثلا " حافتي النهر " أدثان ويدثان " ويكون غير متصله من الآعلى مع السروال , بل يخاط بطريقة يعطيه خصوصية وأستقلال (لانه مقطع تابع من ضمن النهر).

ويحتوي الشريط على جيبتان , وهما يمثلا النموذج الأصلي عن " الوعاء أو المخبيء السري " لمجمع الانفس والنطفا , " كنا اد نشمثا او" التنا " , و كنا اد نطفتا , اللتان موطنهما المياه السماوية . حينما نمد حافتي الشريط باتجاه ضفتي النهر " حافتي الثوب " يبين لنا ان الجيبتين " المكانين " فوق النهر بوضعية أفقية وبمستوى واحد :

" التنّات والنُطفات تحتضن بعضها بعضا في ظل اكليلة " و

" مباركة " تنا " الخفية , التي تسكن في الينبوع الخفي الأول العظيم

لأنه من سِر النُطفتا , التي تسكن في الماء الجاري " يردنا "

جاءت جميع العوالم والعهود " ... (مقتبسة من كتاب النشوء والخلق: اعداد وترجمة الدكتور صبيح مدلول السهيري )

وكما ورد في كتاب ( الالف وأثنا عشر سؤال )

مباركة " تنا " الخفية التي تسكن في الينبوع الخفي الاول العظيم

لانه من سر النطفا, التي تسكن في الماء الجاري " يردنا "

انبثق ينبوع الحياة داخل تنا .

وهناك طقوس يغلب عليها الطابع المثالي الذي يسعى وراءه توجيه رسالة معينة, مثلا : طقس غسل قدمي رجل الدين الذي نال منزلة الترميذا بعد تكريسه , ففي نهاية المراسيم , حيث تتقدم امرأة ذات وقار وإيمان , بغسل قدمي الترميذا بالماء ووضعها فوق رأسها ,وهذا الفعل هو بحد ذاته حركة نموذجية تعيد تكرار فعل قد جرى في العالم العلوي , لأم الملائكة والعوالم , والمرأة هنا تمثل صورة نموذجية عن تلك الأم الكونية " سيمات هيي " مبارك اسمها , والتي تمثل الجانب الأنثوي , ورجل الدين بعد ان استلم أسرار الكهنوت اصبح يمثل نموذج لمثيل الملاك .

نشاط الام هو أولا : تعبير لتبيان رعاية واهتمام الأم لأبنها " الملاك" .

وثانيا : الأم هي التي تربي أبنها وفي هذا نشاط تربوي وأخلاقي يعظ على التواضع والمسامحة والتي منها تنيع المحبة . وثالثاً : رسالة مفادها ان يكرر هذا الفعل مع الاخرين مثلما هيي فعلت ليكون قدوة حسنة لتهذيب للأنفس .

أما الخطوة الثانية ,وهيي وضع قدم " الترميذا " فوق رأسها , فهذا تكرار لتمثيل نظرية المرأة هي الأرض , والرجل هو السماء .

وعلى الرغم من ان هذا النشاط الطقسي الجميل يحاكي سلوك وفعل سماوي , وله اثر تربوي و وجداني, لكن مع الاسف هذا الجزء من الطقس قد خضع الى سياق فهمي نزع معانيه الجميلة الراقية, بسبب الجهل فيه أخذ يفهم وينظر له بسياق دنيوي ضيق بعيد عن مقصده الروحي , ونلاحظ لأهميته اقتبسه اليسوع المسيح من تعاليم معلمه النبي يهيا مبارك اسمه , " كما اقتبس غيرها " وصاغ عليه محبته وتواضعه اليسوعية التي طوبها باسمه المخلص والقدوة وغايته إحياء لذكرى حياته في تكرارها !!

قام عن العشاء وخلع ثيابه، وأخذ منشفة واتزر بها. ثم صب ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرًا بها : (يوحنا 13: 1ـ5 )

وبعد ان غسل اقدام تلاميذه , قال يسوع لهم , ( لأني أعطيتكم قدوة حتى انكم كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً ) يوحنا 3 :15 . ( وأن يكون حبكم بعظكم لبعض كما احببتكم أنا ) 13:24,15 يوحنا .

وفي كلمة أخيرة, اقول ان طقوسنا ورموزنا الدينية هي تجسيد لحقيقة سماوية كونية , وهي افعال مباركة تتجاوز بركتها كل شيء, يجب ان تدرس جميع خطواتها وتفاصيلها, وتطبق بدقة لكونها تمنح لنا الدخول في تماثل وأندماج روحي تام مع فعل رباني أزلي يقوم بالكشف عن أسرار الحياة لنحيا فيها, وبها نكرر ذواتنا ونتجدد.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

*الشكر لأبنتنا أواثر لرسمها المخطط

بقلم رمزيه عبدالله فندي

السويد / 2016 ـ9 ـ15