أرجو التمتع بالقسم الثاني من مقال الأستاذة ناجية غافل \أضواء على الصائبة المندائيين\ فاروق عبدالجبارعبدالإمام

  

نـاجيّة غافِـل المرّاني*

مُــقَـدّمِـــة :

   {{   منذُ القديم وحتى يومِنا الحاضر ، والناسُ -عامتُهم ومفكروهم – يستفسرون ويتحدثون عن ماهيّة الصابئة ومعتقداتِهم  وأصلهِم ؛ فهناك من صنَّفهم مع المؤمنين الموحّدين ، وهناك من قال إنهم من عبدةِ الكواكبِ المُشركين ، وفئةٌ قالت إن موطنَ الصابئة هو القدس ، وفئةٌ اُخرى ذكرت إنهم سُكّان العراقِ القدماء ، هذا كلُّه والصابئةُ عامتُهم ، ومفكروهم أيضاً ، ومنذُ القديم ، وإلى يومنا هذا ، أقول إن الصابئة  لم يزيدوا على ماقاله أبو الطيّب المتنبي* حين قال :

أنامُ مـلءَ جفوني عن شواردِها          ويسهرُ الخَلقُ جرّاها ويختصمُ

     إن سببَّ هذا السكون كما يبدو لي ، لا يعودُ إلى تحللٍ ديني ؛ إذ لو صحَّ هذا لما بقيَّ الصابئةُ عِبرَ القرون يحتفظون بهويتِهم وطقوسِهم ومفاهيمِهم ، إن السببَّ في سكوتِ الصابئة وامتناعهم عن التحدّث والكتابة في اُمورِ دينِهم يعودُ إلى حرصِهم على قولِ الحقيقة، ونفورِهم من كلِّ ما عداها ، وحقيقةُ دينِ الصابئة غيرُ واضحةٍ لمثقفيهم ، وذلك ليس بسببِ قصورٍ في فَهمهم ،لكن بسبب إنصرافِهم عنها إلى غيرها مما يَرونه أجدى وأجدر باهتمامهم حسب ما تحتمه عليهم البيئة والظروف التي يعيشونها ؛ فمنهم من إنصرف الى العلمِ ومنهم من هوى الأدب .

 ويخبرنا مؤرخو الإسلام إن ثابتَ بنَ قرة بنِ زُهرون الحرّاني الصابئي* انتقل من حرّان إلى بغدادَ واشتغل بعلوم الأوائل ؛ فمهر فيها وبرع في الطبِّ ، وله تآليفٌ كثيرةٌ في فنون العلمِ ،مقدارَ عشرين تأليفاً حتى قال فيه السَّريُّ الرفّاء* الشاعر :

           هل للعليلِ سوى إبنِ قـرة شافي            بعد الإلهِ ، وهل له من كافي

           فكأنه عيسى بنُ مريمَ ناطقاً                 يَهبُ الحياةَ بأيسرِ الأوصافِ

أمّا إبنه إبراهيم فقد بلغَ رتبةَ أبيه في الفضل وكان من حذّاق الأطباء ومقدمي  أهلِ زمانهِ  في صناعة الطبَّ حتى قِيل عنـــــه

                 برز إبراهيمُ في علمـه                     فراح يُدعى وارثَ العلمِ

                 أوضح نهجَ الطِّبِّ في معشرٍ             مازال فيهم دارسُ الرسمِ

                إن غضبت روحٌ على جسمها             أصلحَ بينَ الروحِ والجسمِ

ومنهم إبراهيمُ بنُ سنان بنِ ثابت بن قُرّة الصابئ *، وكان ذكيّاً عاقلاً فهِمـاً عالماً بأنواعِ الحكمة ، والغالب عليه فن الهندسة ِ، وقد كتب مقالةً فيها إحدى وأربعون مسألةً هندسيّة من صِعاب المسائل في الدّوائر والخطوط والمثلثاتِ وغير ذلك ، سلك فيها طريقَ التحليل من غير أن يذكر تركيباً إلا في ثلاثِ مسائل احتاج إلى  تركيبها ، وكتب مقالةً ذكر فيها الوجه في استخراج المسائل الهندسيّة بالتحليلِ والتركيب  وسائرِ الأعمال الواقعة في المسائل الهندسية، ومما يعرضُ للمهندسين ويقعُ من الغلط نتيجة الطريق الذي يسلكونه في التحليل إذ اختصروه على حساب ما جرت به عادتهم ، وكتب أيضاً مقالةً في رسم القُطوع الثلاثة  ،بيّن فيها كيف تُوجِدُ نقط بأي عددٍ شئنا على أي قطع أردنا من قُطوع المخروط .

أمّا أبو إسحق الصابيء ؛فهو أشهرمن الذين استهواهم الأدبُ العربيُّ والثقافةُ الإسلاميّة ، وهو صاحبُ الرسائل المشهورة ، والنَّظم البديع ، كان كاتب َ[ ديوان ] الإنشاء ببغدادَ عن الخليفة وعن عز الدولة بن بختيار بن معز  الدولة بنِ بويه الديلمي ، وتقلّد ديوان الرسائل سنة تسعٍ وأربعين وثلاثمائة . كان متشدداً في دينه ، وقد جهد  عليه عزُّ الدولة أن يُسلم فلم يفعل ، وكان يصومُ شهر رمضان مع المسلمين ، ويحفظ القرآن الكريم أحسنَ حفظ ، ويستعمله في رسائله .

أمّا أبو إسحق الصابيء ؛فهو أشهرمن الذين استهواهم الأدبُ العربيُّ والثقافةُ الإسلاميّة ، وهو صاحبُ الرسائل المشهورة ، والنَّظم البديع ، كان كاتب َ[ ديوان ] الإنشاء ببغدادَ عن الخليفة وعن عز الدولة بن بختيار بن معز  الدولة بنِ بويه الديلمي ، وتقلّد ديوان الرسائل سنة تسعٍ وأربعين وثلاثمائة . كان متشدداً في دينه ، وقد جهد  عليه عزُّ الدولة أن يُسلم فلم يفعل ، وكان يصومُ شهر رمضان مع المسلمين ، ويحفظ القرآن

الكريم أحسنَ حفظ ، ويستعمله في رسائله .

وقد رثاه الشريفُ الرضيّ في فصيدته [ قصيدته ] التي  مطلعُها :

              أرأيتَ من حملوا على الأعوادِ          أعلمتَ كيف خبا ضياءُ النادي

 

قيل: وعاتبه البعضُ في ذلك لكونه شريفاً يرثي صابئـاً ، فقال لهم :      

 ))إنما ريثتُ فضـله ((.!

هذا ما كان قديماً ، أمّا في زمننا هذا ؛ فلم يختلف الأمرُعمّا كان عليه ؛ إذ إنصرف معظمُ شبابِنا إلى العلمِ واستغرقهم ذلك إستغراقاً ألهاهم عن  التفكير بأمورالدين .   

 أمّا الذين إستهواهم الأدب فلم يبتعدوا كثيراً عن الخطِّ الذي سار عليه أبو إسحاق الصابيء ؛ فهم مولعون بقراءة القرآن والتراث العربي المجيد  ولا ريب إنَّ إهتماماتهم وميولهم وإتجاهاتهم الفكريّة هي جزءٌ من الإتجاهات السائدة في البيئة التي يعيشون فيها ، لكنهم جميعاً يعانون من عقدة الدين ؛إذ على الرغمِ من التطور الفكري الذي أحرزه  الإنسان الحديث إلا أنه لايزال يجعل من الدين عقدةً وسبباً للتفرقة والتمييز . صحيحٌ إن هناك من الكثير ممن يقدرون الإنسان لفضله كما فعل الشريف الرضي قبل قرون ، لكن هناك الكثيرون أيضاً ممن يعاتبون أمثالَ الرضي حينما يفعلون ذلك .

لقد قاسينا ، ولا زلنا نقاسي الكثير ؛ لا لكوننا صابئة فحسب ،وإنّما لكوننا نجهل كلَّ شيء عن ديانتنا ؛ فنحنُ عاجزون عن إجابة أسئلةٍ مازالت تُطرحُ علينا في كلِّ زمانٍ ومكان :            

  )ما دينكم ؟ من نبيكم ؟ لمذا تتعمدون ؟ ما تعني أعيادكم ؟ ) نحنُ نعرف إننا نعبدُ الله ، لكننا لا نتجرأ  أن نتعدى ذلك إلى تفسيرٍ[ آخر]  ؛ وإلّا وقعنا في أخطاءٍ جـرّت الشك بنا ، وربما الهُزء منّـا .

إنَّ كتبَنا الدينيّة مخطوطةٌ باللغة المندائيّة وهي لهجةٌ  من الآراميّة إحدى اللغات الساميّة ، ومعظم التراتيل والأدعية والصلوات جاءت بلغة أدبيّة ملؤها الرموز وأنواع المَجاز ، وهي بذلك شبيهةٌ بلغة العهد القديم والعهد الجديد ، ورجالُ الدِّينِ عندنا لا يعوزهم الإخلاصُ والحسِّ الديني ، إنّما تنقصهم الثقافة الحديثة والتخصص في اللاهوت ؛ لكي يستطيعوا تفسير الطقوس والشعائرتفسيراً صحيحاً ،ويبتعدوا قليلاً عن تجميدها وجعلها  أشبه ما تكون بمسرحيّة رمزيّة تُعرضُ أمامَ جُمهورٍ لم يسمع بالرمزيّة قطُّ ؛ فيأخذ كلَّ حركةٍ  بمظهرها ، وتكون حصيلة ذلك فكرةً مشوهة عمّـا يُريدهُ الكاتب .

لقد قـام الكثيرون من المتخصصين باللاهوت والمستشرقين مـُنذُ أوائل هذا القـرن  [ القرن العشرين ] بترجمة الكتب المندائية إلى اللغات الأوربيّة وباجراء بحوث وكتابة تآليف حول ماهيّة المندائيين وأصلهم ومعتقداتهم ؛  فقد نُشر في اوربا بين [ الأعوام]  1930 – 1966 مئة وإثنان وأربعون تأليفاً في هذا الموضوع ، ستةٌ وستون منها في ألمانيا ، وأربعة وعشرون تأليفاً في بريطانيا ، وخمسةَ عشرَ في فرنسا ، وتسعة في إيطاليا ، وستة عشر في اسكندنافيا . وهناك مقالات صدرت في امريكا بقلم سيروس كوردن ، أمّـا أشهر المهتمين والمتخصصين في هذا الحقل فهي السيدة ( لزابيث دراوور ) ولها مايربو على العشرة مؤلفات بين تأليفٍ وترجمة . وهناك السيد لدزبارسكي  الذي ترجم الكثير من الكتب  المندائيّة والّف كُتباً في الموضوع ومن المهتمين بهذه البحوث السيد ماكوش  الذي اشترك مع دراوور في تأليف قاموس مندائي – إنجليزي ، ويجد القاريء في نهاية هذا البحث فهرست بأسماء أهم الأعلام في هذا الحقل ، وإني مَدينةٌ لكتّابها من القدامى والمحدثين ، العربُ منهم والأجانب في حصولي على معظم المعلومات الموجودة في هــــذا البحث  .

    أمّـا في محيط الطائفة نفسها ؛ فقد قام  أخيراً السيدان غضبان رومي ونعيم بدوي ببعض المحاولات في هذا الحقل ؛ فترجما كتاب السيد [ ة  ] دراوور الأول ( مندائيو العراق وإيران ) ونشرا بعض الأساطير المندائيّة ، كما نشر السيد غضبان رومي كُرّاساً صغيراً يحوي تفسيراً لبعض الطقوس وإجابةً لبعض الأسئلة.   إن الأعمال آنفة الذكر تُعتبر خطوة محمودة  في هذا المجال ، إلا أن كتابَ دراوور المشار إليه لم يكن علميّاً بالمعنى الصحيح ؛ إذاعترفت المؤلفة نفسها في كتبها اللاحقة فقالت إن معلوماتها باللغة المندائيّة كانت لا تزال بدائيّة حين كتابيتها الكتاب . وأيّد ذلك ما جاء في مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب المذكور ومن اعتماد المؤلفة المعلومات التي  استقتها شفهيّـاً من بعض أفراد الصابئة وهم جُهلاء لا تتعدى أقوالُهم الأساطير المفككة التي لا رابط لها ولا معنى .(4)

        لقد يسرّت لي معرفتي اللغة الأنجليزية قراءةَ ما كُتب حول الصابئة المندائيين وما تُرجم من مخطوطاتهم ،مع مقارنتة  بالأصل المندائي الموجود ضمن الكتب المترجمة ؛ فأحسست أني قادرة على أن اعمل شيئاً ذا فائدة .

ملعون هو الإنسان الذي يمتلك القدرة على العمل الإيجابي ولا يعمل ، لقد جاء في في إحدى تراتيلنا الدينيّة حثُّ الإنسان على العمل ، حيثُ تقول الترتيلة :  لكلِّ حسب ما قدّمت يداه ، حيثُ أن من تعب وقاسى طويلاً سينال بكلتا يديه ، أمّا  ذلك الذي لم يشقَ ولم يعمل يقف خالي اليدين ، ولسوف يطلب ولا يجد ، ويسأل ولا يلقى ؛ فلقد كان قادراً على العطاء وما أعطى ؛ لذلك سوف لايجد إن هو طلب ، أنت المُسبَّح ايها الربُّ ؛ لأنك لا تترك محبيك  .

 1-    تسمية الصابئة المندائيين  :

إن الذي دعاني إلى إتخاذ { الصابئة المندائيون } موضوعاً لبحثي هذا ؛ هو كون الأسمين أُطلقا ولا زالا يُطلقان على مسمّى واحدٍ ؛ فكلُّ فردٍ من أفراد طائفتنا يُعرف أنه صابئي مندائي .  أمّـا كلمة مندائي فمأخوذة من  ماندا الآراميّة وتعني المعرفة ، وكل فرد  من أفراد الطائفة هو مندائي أي عارف بالدين الحق ، وقد وردت في كتبنا الدينيّة كلمة الناصوري بالإضافة إلى المندائي . والناصوري هو رجل الدين المُحنّك بتعاليمه . وكلمة ( نصروئة ) تعني معرفة الرب والإيمان الصحيح ، وهي كلمة عُرفت بهذا المعنى قبل  زمن المسيحية  ؛ إذ تخبرنا دائرةُ المعارف البريطانيّة إن الناصوراي كان معروفاً قبل المسيحية كشخصٍ عرف الرب وأخذ على عاتقه واجباً دينياً مقدّسا ، وهو يتميّز بعدمِ حلاقةِ شعرهِ وامتناعه عن شرب الخمر . وتفسير دراوور - ماكوش لكلتا الكلمتين مندائي وناصوري مُطباقاً لِما ذكرنا أعلاه .

ويُعرِّفُ المندائيون أنفسَهم باسم الصابئة ، كما يُعرّفهم العربُ بهذا الإسم أيضاً ؛كفئةٍ دينيّةٍ متميزة .  وقد وردت في كتبنا المقدسة كلمةٌ مشابهة لفظاً ومعنى ، صبَّ يصبُّ الماء ، وتلك الكلمة هي ( صبا ) الآراميّة ومعناها غطس أو اصطبغ ، أو تعمّد بالماء ومنها  (مصبوته ) وتعني التعميد  . إلا أن المعاجم العربيّة عمدت إلى إشتقاق كلمة الصابئة من الفعل المهموز صبأ صبوءاً  ؛ إذ أن الجوهري يذكر في تاج اللغة وصحاح العربيّة مايلي : صبـأ صبوءاً أي خرج من دين إلى دينٍ ، وصبأ أيضـاً إذا صار صابئاً ، والصابئون جنسٌ  من أهل الكتاب السلام  ، ويذكر الفيروز بادي [ أبادي]*   في قاموسه المحيط مايلي : صبأ  صبوءاً  أي خرج من دينٍ إلى دينٍ  ، وصبأ أيضاً إذا صار صابئاً  ،والصابئون  جنس السَّلام ، وقبلهم  [ قبلتهم ] من مهبِّ الشمال .  ويرى إبنُ منظور في لسان العرب نفس الرأي السابق . امّـا إبنُ خلكان فيقول في ترجمته حياة ابي اسحق الصابئ ، أن الناس إختلفوا في نسبة الصابئ ؛ فقيل  إنها إلى صابئ بن متشولح بن ادريس عليه السلام ، وكان على دين  الحنفيّة الأولى ، وقيل صابئ بن ماري ، وكان بمصر الخليل عليه السلام ، ويتحدّث الشهرستاني عن وجود صنفين من الموحدين في أيام الخليل ، هما الأحناف والصابئة ، وقد ورد ذكر الصابئة مقروناً بذكرِ مدنٍ معينة كانت مراكز لعبادات صحيحة كحران والطيب ، في منطقة واسط ، وميسان وغيرها ، وسوف نأتي على تفصيل ذلك قريباً .     

مما رأينا يتضحُ إن اسم الصابئة كان قد اُطلق على أتباع الدين المندائي من قبل العرب ، وبقي ملازماً لهم نتيجة وجودهم في البلاد العربيّة منذُ نشأتهم الأولى وحتى يومنا هذا ، وأن الصابئة كانوا في مستهل الرسالة النبويّة يُشكلون فئة دينيّة متميّزة واضحة العقيدة الأمر الذي إستدعى تصنيفهم مع المؤمنين وذوي الديانات السماويّة ، وذلك في ثلاثِ سور من القرآن الكريم كما سنرى .

 

2-  تاريخُ الصابئـة المندائيين  :

الأردن ، القُدس ، حـران ، طيب ، ميسان  تلك أسماءٌ ترددت على مسمعي مذ كنتُ طفلة اُصغي إلى والدي يشرحُ فقرات من كتاب ديني كان يقوم بنسخه آنذاك ؛ لذلك لم يكن غريباً عليَّ وجود مثل هذه الأسماء خلال بحثي تاريخ الصابئة المندائيين ومعتقدلتهم ، سواء أكان ذلك في كتبهم الخاصة أم في الكتب التي تحدث مؤلفوها عنهم .ومما لاشك فيه إن الصابئة كانوا في أحدِ تلك الأماكن ،أو في الآخر خلال فتية من فترات الزمان . وقد أجمع كتّاب التراث العربي على وجود الصابئة في بلاد مابين النهرين قبل الفتح الإسلامي؛ فقد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان إن الصابئة كانوا في بلدة الطيب الواقعة بمنطقة واسط إلى أن جاء الإسلام.

 يقول ياقوت الحموي  :

( طيب بُليدةٌ بينَ واسط وخوزستان، وقد حدّثني داوود بن أحمد سعيد الطيبي التاجر رحمه الله فقال : المتعارف عندنا إن الطيب من عمارة شيت بن آدم عليه السلام ، وما زال أهلُها على ملّـة شيت وهو مذهب الصابئة إلى أن جاء الإسلام فأسلموا )

وذكر زكريّا بنُ محمّدٍ القزويني في كتابه آثار البلاد وأخبار العباد الخبرَ نفسهَ عن بلدةِ الطيب وورد في كتب الصابئة المندائيين ما يؤيد ذلك ؛ إذ إن معظم ناسخي تلك الكتب يذكرون إنها نُقلت عن نسخةٍ مخطوطةٍ ببلدة طيب

3  - هذا من جهة ، ومن جهة اُخرى فأن الصابئة المندائيين يقدّسون شيت بن آدم ، ويعتقدون بأنه يُمثّل الكمال في الجنس البشري ؛ لذلك فأن نفوس البشر تُقارن بنفسه يومَ الدينونة ؛ فمن شابهت نفسُه نفسَ شيت عُـدَّ من الصالحين ، وكُتبَ له الخلود معهم . ونجد في تراتيل العماد إن الأب شيت يُعلّم طالبي التعميد من المندائيين ألا يتخذوا من الشمس والقمر والنار شهوداً لتعميدهم ؛ لأنها زائلةٌ باطلة ، وهو ينصحهم بالإيمان الحق فقط . وسوف نكتب الترجمة الكاملة لتلك الترتيلة في فصلٍ قادم .

4  -  هذا عن بلدة الطيب ، أمّـا عن وجودهم في ميسان وتأييد عبادتهم الله ؛ فقد كتب إبنُ النديم في مَعرِض حديثه عن تأسيس المذهب الماني أو المانوي فقال : إن مؤسس هذا المذهب حين أتاه هاتفٌ يأمره بهجر عبادة الأصنام ، ترك قومه في طيسفون والتحق بالمغتسلة الذين كانوا يُقيمون في ميسان .

يقول إبنُ النديم : ماني بن فتق أو فاتك مؤسس المانويّة ، كان في طيسفون وهناك بيتٌ لعبادة الأصنام ، فأتاه هاتفٌ : لاتأكل لحمـاً ،ولا تشرب خمــرا ، ولا تنكح بشرا ، تكرر عليه ذلك ثلاث مرّات ؛ فترك الاصنام والتحق بقومٍ كانوا بنواحي دست ميسان ،يُعرفون بالمغتسلة ، ولا يزالون إلى يومنا هـــذا ) .

5 - ويؤيد الباحثون المعاصرون في الغرب هذا الرأي ؛ فيؤكدون إن التراتيل المانيّة    [ أو المانويّة] مُستمدة بل مترجمةٌ عن التراتيل المندائيّة التي كُتبت في وقتٍ أسبق منها بكثير .

6 -  ويتحدّث إبنُ النديم عن المغتسلة ويسميهم صابئة البطائح ؛ فينوه باحتمال انتسابهم إلى صابئة حرّان ولكنه لا يجزم بذلك . أمّـا الصابئة الحرانيون فيتحدّث عنهم حديثاً مُستفيضاً في مستهل بحثه أنواع الملل والمذاهب التي عرفها ويذكر عنهم رواية الفيلسوف المشهور الكندي وتقييمـه معتقداتهم .

7 - ولا شك بأن تردد الكاتبِ العربي بنسبة صابئة  البطائح  إلى صابئة حران ،  ناتجٌ عن الإختلافِ بينهما إختلافاً سببه التباين في المستوى المعيشي والثقافي لكلٍّ منهما ، ومثل هذا الإختلاف لا يزالُ قائمـاً حتى اليوم بين صابئة أهوار الناصريّة وميسان وعربستان وبين الطبقة المثقّفـة من صابئة بغداد ؛ حت يُخيّل إلى الباحث أو المشاهد إنهما فئتان مختلفتانِ إختلافـاً كليّاً .أن المعلومات الواردة في كتب الصابئة المندائيين تؤيّد كون صابئة حران وصابئة الأماكن الأخرى في بلاد ما بين النهرين هـم فِئة واحدة ؛إذ أن تلك الكُتب تُشير إلى هجرة ستين ألف مندائي ناصوري من القدس إلى حران وتفرّق جماعاتٌ منهم إلى جهاتٍ مختلفةٍ على شواطيء الفرات ودجلة وكارون .وتقول المصادر المندائيّة إن حران إستقبلتهم وكان فيها جماعةٌ منهم ؛ فسكنوها وبنوا  فيها معابد لهم وقد أنحدر  [ ت] جماعات منهم؛فسكنوا أماكن مختلفة من وادي ما بين النهرين .

8 -  ولا يزال الصابئة حتى اليوم يذكرونفي صلواتهم على على نفوس [ أرواح ] موتاهم          ( ذخرنان ) وأثناء تناول الطعام المشترك ، اؤلئك الآباء القدامى كآدم وسام وهابيل وشيت ويوحنا ، ثم الثلاثمائمة وستين أباً الذين قدِموا من  مدينة القدس إلى حران .

 9 -   أمّا ما أورده المؤرخون عن حران فيؤيد إن تلك المدينة كانت مركزاً لعبادة الرب منذ أقدمِ الأزمنة ؛ فقد ذكر الطَّبري الرواية القائلة إن حران هي المكان الذي ولد فيه ابراهيمُ الخليل  وإن هاران أخاه هو الذي بنى المدينة .

10-   وكتب صاحبُ معجم البلدان عن المدينة :  قيل سميّت بهاران أخي إبراهيم الخليل عليه السلام لأنه أول من بناها ؛ فعرّبت فقيل حران ، وذكر قومٌ إنها أول مدينة بُنيت بعد الطّوُفان وكانت منازل الصابئة وهم الحرانيون الذين يذكرهم أصحاب كتب  الملل والنحل ، وقال المفسرون في قوله تعالى ( إني مهاجرٌ إلى ربّي ) [ سورة العنكبوت] إنه أراد حران ، وقالوا في قوله تعالى ( ونجيّاه ولوطاً الى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) وهي حران    .

 11. { 71 الأنبياء  }

ويذكر الشهرستاني في كتابه الملل والنحل إن صنفين من الموحدين كانا في زمن الخليل في حران وهما الأحناف والصابئة مع فارقٍ واحدٍ بينهما ، كون الصابئة لا يضعون وسيطاً بشراً بينهم وبين الله .

12  -  وقد ذكرنا في قول ابن خلكان في نسبة أبي اسحاق الصابيء إلى صابيء بن متوشلح بن إدريس الذي كان على دين الحنفيّة الأولى ، او إلى صابيء بن ماري وكان في عصر الخليل عليه السلام .

13 - إن هذه الترجمة البسيطة لتُشير إلى أن الرجل ينتمي إلى فئة مؤمنة موحدة وقد   توجه الأفذاذ من أبنائها إلى بغداد ؛فساهموا في النهضة العلميّة والأدبيّة في القرنين الرابع والخامس للهجرة . وتخبرنا دائرة المعارفُ الإسلاميّة إن جـدهم الأعلى هو زهرون وأن أبناءه وأحفاده كانوا أطباء ومهندسين وكيمائين وفلكيين وفلاسفة ومؤرخين .ومن الملاحظ إن ( زهرون ) هو علمٌ [اسم ] خاصٌ بالصابئة وموجود في مخطوطاتهم ومعناه مقارب إلى نوري في اللغة العربيّة وما زال اسم زهرون متداولاً بين الصابئة حتى اليوم .

 <<<<<<< البقيّة تأتي لاحقاً

__._,_.___