ماذكر عن الصابئة في كتاب ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها للمؤلف الكسندر أداموف

 

 

 

 

 

 

 ماذكر عن الصابئة في كتاب ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها
للمؤلف الكسندر أداموف
 

الفصل الخامس

تعيش في المدن الواقعة على طول المجري الأدني لدجلة والفرات وعلى الأخص في العمارة وسوق الشيوخ والناصرية وکذلک في‌ البصرة والمحمرة وشوشتر طائفة صغيرة آخذة بالانقراض تثير الاهتمام تعرف في أوروبا الغربية باسم « مسيحيو يوحنا المعمدان » وعند المسلمين باسم « الصبة » من الفعل العربي « صبأ » الذي‌ يعني يغسل (١) أما هم فيطلقون على أنفسهم إسم « مندائي » أي عبدة منداهي ، رسول الحياة ، أو مندائي يحي ويعني‌ تلامذة أو أتباع يوحنا.
ولا يذکر الکتاب الاغريق أو الرومان في‌ المؤلفات التي وصلت إلينا ، شيئاً عن الصائبة ، على ما يذکر البروفسور خفولسون في کتابه :
(٢) « DIE SSABIER UND DER SSABISMUS »
ويکاد يکون ما ورد في‌ القرآن هو أول خبر عنهم ، فقد جاء في‌ الآية

__________________

(١) ( D. CHWOLSON. DIE SSAHIER UND DER SSABISMUS T. ١ ST. PETERSBURG ١٨٥٦. S. ٩ ـ ١١ )

(٢) يوجد عرض مرکز لأصل تسمية الصابئة على الصفحات ٢٥ ـ ٣٠ من کتاب الدکتور رشدي عليان الموسوم بـ « الصابئون حرانيين ومندائيين ، بغداد ١٩٧٦ » ـ المترجم.

٣٣٥

التاسعة والخمسين من السورة الثانية : (إن الذين آمنوا والذين هادواو والنصاري والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم) (١) کذلک جاء في الآية السابعة عشرة من السورة الثانية والعشرين : (إنَّ الَّذين آمَنُوا وَاَلَّذينَ هَادوا وَالصَّابِئِين وَالنَّصَارَي وَاَلْمَجُوسَ وَالَّذِينَ اَشْرَکُوا إِنَّ اللهَ يفْصِلُ بَينَهُمْ يوْمَ الْقِيامَةِ) (٢).

يظهر من هذه النصوص أن الإسلام ساوي الصابئة بـ « أهل الکتاب » أي المسيحيين واليهود الذين عندهم کتاب مقدس ولم يعتبرهم من المشرکين. وقد ذهب الخليفة عمر في‌ هذا المجال إلى أبعد من ذلک حيث سمح للمسلمين بالزواج من الصابئيات وبأکل لحوم الحيوانات التي‌ يقومون بذبحها لکن الکتاب المسلمين المتأخرين وبالأخص مفسري القرآن ليست عندهم مثل هذه النظرة المتحررة إلى الصابئة بل إن بعضهم لا يعترف بأنهم من « أهل الکتاب » وذلک على الرغم مما جاء في القرآن (٣).

__________________

(١) هذه هي الآية ٦٢ من سورة البقرة وقد أسقط منها المؤلف عبارة « ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون » ـ المترجم.

(٢) هذه هي الآية من سورة الحج وقد أسقط منها المؤلف عبارة « إن الله على کل شيء شهيد ».

والحقيقية أن ذکر الصابئيين ورد في آية أخرى من آيات القرآن الکريم هي‌ الآية ٦٩ من سورة المائدة وهي کالآتي :

(اِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَي وَالصَّابِئِيينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيوْمِ الآخِرِ وَعَمَلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبَّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يحْزَنُونَ) ـ المترجم.

(٣) ( d. chwolson : op. cit. t. ١. s. ٥٤. )

٣٣٦
أما في‌ أوروبا الغربية فالمعروف أن أقدم أخبار عن هذه الطائفة صدرت في القرن السابع عن البرتغاليين الذين هم أول من دعا الصابئة بـ « مسيحيو يوحنا المعمدان ». ومنذ ذلک الوقت أورد أغلبية الرحالة الذين زاروا العراق الجنوبي في کتاباتهم أخباراً مفصلة بدرجة کبيرة أو قليلة عن هذه االطائفة التي تثير الاهتمام.
وعلى الرغم من ذلک فأن دين الصابئة لم يجر البحث فيه إلّا قليلاً حتي إن العلماء الأوروبيين لم يتوصلوا حتى الآن إلى حل قضية أصل هذا الدين وجوهره. فالبروفسور خفولسون في کتابه المذکور يتمسک بالرأي القائل بأن دين الصابئة ماه إلّا الديانة التي کان يعتنقها الکلدان القدماء بعد أن تأثرت بشدة بالديانة اليهودية وتعاليم زرادشت (١). في حين أن بعض العلماء الآخرين يعتبرون المندائيين إحدى الطوائف الغنوصية (٢)التي تربت بأفکار الفرس والکلدان بدرجة ملحوظة. ويعتقد آخرون بأن الصابئة هم أتباع تلامذة يوحنا المعمدان الذين کونوا في زمن ما في فلسطين نفسها وخارجها طوائف دينية خاصة ارتفعت فيها منزلة المعمدان حتي کادت تقارب منزلة الإله. وهناک فريق آخر من الباحثين يميل إلى

__________________

(١) ( Ibid. S. ١٠١. )

(٢) الغنوصية هي‌ أتجاه ديني فلسفي‌ظهر في القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد في سوريا وما بين النهرين وانتقل إلى الامبراطورية الرومانية ، وهو مزيج من أديان الشرق القديمة والفلسفة اليونانية والأفلاطونية الحديثة والمعتقدات المسيحية. يعتقد الغنوصيون بالتوصل إلى المعارف العليا عن طريق الکشف وليس عن طريق الاستدلال والبرهنة العقلية. وقد انقسم الغنوصيون إلى عشرات الفرق منها المسيحية ومنها الوثنية ـ المترجم.

٣٣٧

اعتبار الصابئة أحفاداً للصدوقيين (١) على أساس أن الفريقين لا يعترفان يبعث الأموات. وأخيراً هناک فريق من الباحثين يعتبرهم مجرد عبدة نجوم انتقلوا إلى العراق الجنوبي من حران القديمة عندما دمرها المغول بقيادة هولاکو خان في القرن الثالث عشر.

لقد بدا لنا ، بسبب هذه الآراء المتضارية عن الصابئة ، أن من المفيد أن نعرف القارئ بعقائد وطقوس هذه الطائفة الصغيرة التي‌ تخفي بعناية عن الغرباء حتى أعراف وعادات حياتها اليومية. لقد استقينا جزءاً من المعلومات التي سيوردها أدناه عن طريق السؤال من الأهإلى المحليين العارفين بحياة الصابئة في حين استمددنا الجزء من الأخبار التي أوردها الرحالة الأوروبيون والتي‌ جري التحقق منها في مکانها ، وعلى

__________________

(١) الصدوقيون هم أتباع إحدى الطوائف الاجتماعية الدينية اليهودية قامت في‌ فلسطين في الفترة ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي أي بعد الاحتلال اليوناني‌ لفلسطين. جاء اسم هذه الطائفة على ما يبدو من اسم مؤسسها صدوق. کان الصدوقيون يدعون إلى الالتزام بما هو مکتوب في التوراة وإلى الامتناع عن تفسيرها لذلک فإنهم وقفوا ضد الفريسيين الذين کانوا يدعون إلى تفسير التوراة تفسيراً جديداً‌ يتفق مع الظروف الاجتماعية الجديدة. والصدوقيون لا يعترفون بالقدر وينکرون وجود الملائکة ولا يعترفون بخلود الروح وبعث الأموات. أما الصابئة المندائيون فإنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر ويؤمنون بالحساب والعقاب حيث يذهب الصالحون منهم إلى عالم النور في حين يذهب المذنبون إلى عالم الظلام ويؤمنون أيضاً بوجود الملائکة ويعتقدون بأن مقرها الکواکب وتحتم عقيدتهم وجود مخلوق يتوسط بين الروحانية والمادية ، ويبدو أنهم يشبهون في هذه النقطة الأخيرة الغنوصيين الذين يعتقدون بوجود الکثير من القوي الوسطي بين الله والطبيعة ـ المترجم.

٣٣٨

الأخص من کتاب ( etudes sur la religion des soubbs ) الصادر في باريس في ١٨٨٠. فعلى الرغم من أن هذا الکتاب ليس بحثاً علمياً فإنه يستحق مع ذلک اهتماماً خاصاً لأن مؤلفه السيد سيوفي ـ نائب القنصل الفرنسي في الموصل جمع کل المعلومات التي أوردها فيه من أحد الصابئة مباشرة وهو ابن أحد القسس (١) الصابئة. لقد کان هذا الصابئي الذي‌ قرر أن يکشف أسرار دينه لشخص يعتنق ديناً آخر ، في طريقه إلى التحول إلى الکاثوليکية بفضل الجهود التي بذلها رئيس بعثة الکرمليين في بغداد آنذاک ( pere marie joseph ) ، وکان قبل أن يتعرف على نائب القنصل المذکور قد طرده الصابئة من صفوفهم باعتباره مرتداً عن دينهم.

ولکي نوضح بجلاء العناصر الأجنبية التي‌ تکونت منها عقائد الصابئة الدينية والتشوش الذي حدث بسبب اقتباسها من الأديان الأخري ، فإننا سنبدأ حديثنا بالتعرض باختصار للمأثر الشفهية التي تتعلق بحياة الصابئة في الفترة التي‌ سبقت انتقالها إلى العراق الجنوبي وخوزستان المجاورة له ، بشکلها الذي توجد فيه عند الصابئة حالياً.
کان على رأس الصابئة قبل فترة طويلة من ظهور يوحنا المعمدان الذي يعتبره الصابئة مشرعهم الأول ، شخص اسمه دانانوک (٢) وکان يهيمن على السلطتين الدينية والزمنية. وقد تخلى دنانوخت هذا بإيحاء من

__________________

(١) يستخدم المؤلف کلمة دياکون التي‌ تعني‌ في‌ الکنيسة الأرثوذکسية مساعد القس أثناء أداء الخدمة الدينية مقابل کلمة شکندة عند الصابئة وکلمة قس مقابل ترميدة وأسقف مقابل کنزفرة. نرجو من القارئ الکريم أن يلاحظ ذلک ـ المترجم.

(٢) الصحيح دنانوخت وهو الإسم الذي سنستخدمه بدلاً من دانانوک من الآن فصاعداً ـ المترجم.

٣٣٩

الأرواح الشريرة عن عبادة الإله الحق وأخذ يعبد الشمس والقمر والنار وجذب معه إلى تلک العبادة الشعب الخاضع له ، ولهذا أرسل ملک الموت ساروييل لقبض روح هذا المرتد لکن روحه بعد أن أنبت بشدة عادت مرة أخري إلى غلافها الجسدي لکي تکفر عن ذنوبها بإعادة العبادة الحقة إلى الصابئة. وقد حاول دنانوخت الذي عاد إلى الحياة أن يؤدي هذه المهمة بدقة لکنه لم يستطع أن يعيد إلى الديانة السابقة إلّا قسماً ضئيلاً من شعبه الذي انصرفت جماهيرة الأساسية إلى الوثنية (١).

وقد انقرض رجال الدين الذين کرسهم دنانوخت بمرور الوقت فظل الصابئة الذين کانوا يعيشون آنذاک في القدس بدون کهنة فأدي ذلک إلى اندماجهم تدريجياً مع إحدى الطوائف اليهودية التي لا تعترف بالختان ( لا يوجد الختان حتى الآن عند الصابئة ). وإلى أن يفقدوا دينهم بشکل کلي تقريباً وقد دفع الخوف من أن يختفي الدين الصابئي من على وجه الأرض نهائياً أحد ملوک الجنة وهو مار أدريوثا الذي سنتحدث عنه بالتفصيل فيما بعد إلى أن ينعم على الصابئة بمشروع هو يوحنا المعمدان ، وکان ظهور المعمدان إلى العالم محاطاً بالمعجزات وقد حدث على ما تذکر مأثورات الصابئة على النحو التالي :
کان يعيش في القدس زوجان صالحان هما أبوساوا وأينشفي ، ولم يکن لهما أولاد بالرغم من إنهما کانا طاعنين في السن. وقد أرسل مار أدربوثا إلى أينفشي أحد ملوک الجنة هو منداهيي الذي جعلها تشرب ماء عجيباً فأنجبت ولداً.
وعندما عرف اليهود الذين کان الصابئة يعيشون بين ظهرانيهم ، عن

__________________

(١) ( m. n. siouffi : etudes sur la religion des soubbas. Paris ١٨٨٠. p. ٣١. )

٣٤٠

طريق حلم رآه أحدهم بأن أبن أينشغي سيتمکن من السيادة عليهم مع الوقت بل سيحولهم إلى ديانته ، قرروا أن يقتلوه بمجرد أن يولد. لکن زاربيل ليليثا الحورية التي حضرت الولادة کشفت نيتهم فأستلت الوليد من فم أينشفي وسلمته إلى الملائکة الذي نقلوه على الفور إلى الجنة حيث أرضع من حلمات شجرة مخزيون التي‌ تدر الحليب.

وهکذا ترعرع يوحنا المعمدان أو يحيى کما يسميه الصابئة في‌ ألمه أد نهورا ( الجنة ) وأطلع على العلوم کافة ثم عمد باسم مانه ربه ومار أدربوثا ومنداهيي وحصن ضد النار والسيف بواسطة الرقي ، ثم نقل إلى القدس حيث سکن في بيت والديه ، وقام يحيى في اليوم التالى لوصوله بتعميد والديه الأمر الذي أزعج اليهود بشدة فبادروا إلى الاجتماع عنده في‌ البيت وطالبوه بعلائم ومعجزات وتظاهروا بأنهم سيعترفون به مبعوثاً من الله إذا ما أظهر المعجزات. وقد وافق يحيي على طلبهم عن طيب خاطر فأعاد البصر إلى العميان الذين أتوا بهم إليه وأعاد للمشلولين قابليتهم على الحرکة وأشفي المصابين بأمراض أخري. وعندما رأي اليهود بأن هذه المعجزات هي تأکيد للحلم الذي‌ سبق ذکره بادروا في البداية إلى إحراق داره لکنه خرج منها سالماً ثم حاولوا الاعتداء على حياته عدة مرات ولکن الفشل کان نصيبهم في کل مرة. عند ذلک فقد سجد أغلبية اليهود باستثناء رئيسهم اليزار وأشياعه ، ليحيى وتعمدوا على يديه فأصبحوا صابئة.
لقد ظل يحيى زمناً طويلاً أعزب يقضي الجزء الأغلب من وقته بالصلاة ، وبما أن أتباعه کانوا يحاولون تقليده فإن توجههم نحو العزوبة أدى إلى أن يتقلص عدد الصابئة بشکل ظاهر ، ولهذا فقد اقترح على يحيى أبوه السماوي منداهيي‌أن يتزوج امرأة أسمها أنهر أرسلت له من مشوني ‌کشطة أي العالم الأرضي غير المنظور.

٣٤١
وبعد أن وجه يحيى الصابئة إلى الدين الحق انتهت مهمته فظهر إليه أبوه السماوي منداهيي‌بهيئة صبي‌ يطلب التعميد ، غير إن يحيى أجل القيام بذلک إلى اليوم التالي. وعندما ذهب في الصباح الباکر إلى النهر لکي‌ يغطس في الماء کعادته ثم يؤدي صلاته مثل أمامه مرة أخرى الصبي‌ الذي کان قد طلب منه تعميده من قبل. فدعا يحيى الغريب إلى الدخول في النهر وتهيأ للبدء بالتعميد لکن الماء تراجع أمام الاثنين بشکل غير متوقع تارکاً المعمد والمعمد على اليابسة. وقد تکرر ذلک ثلاث مرات قبل أن تثبت بکلمة من منداهيي‌ المياه في مکانها وقبل أن تبدأ الطيور في السماء والسمک في النهر بتمجيد ملک السماء. فعرف يحيي الذي‌کان يمتلک موهبة فهم الحيوانات عند ذلک حقيقة الشخص الذي کان يقف أمامه فارتمى يقبل أيدي‌ أبيه ، وما أن أخذ هذا يحيى من يديه حتى سقط المعمد جثة هامدة وتبعت روحه منداهيي حيث سارا سوية عبر المطراثة ( جهنم ) (١) وعبرا نهره دخشاشة ووصلا أخيراً إلى الجنة حيث سکن يحيى في قصر أبيه السماوي.
وقد واصل الصابئة بعد موت يحيى الذي ترك لهم عدداً كبيراً من تلاميذه بهيئة رجال دين من مختلف المراتب ، العيش في القدس على وفاق تام مع الطائفة اليهودية ورئيسها اليزار الى أن تمكنوا من أن يجذبوا مربي ابنة اليزار الى دينهم. وقد ولد ذلك عداوة بين الصابئة واليهود تحولت بالتدريج الى صراع مكشوف وانتهت بمحق اليهود للصابئة. لم يبق

__________________

(١) المطراثة عند الصابئة هو المطهر الذي تذهب إليه الأرواح الخاطئة بعد انبعاثها حيث تتعذب فيه بدرجات متفاوتة إلى أن تتطهر من ذنوبها فتلتحق بالملأ الأعلى ـ المترجم.

٣٤٢

من أتباع يحيى أحياءً إلا حفنة قادهم من القدس إلى دمشق أنوش أثرا الذي أرسل إليهم خصيصاً من الجنة. وقد نصب هذا عليهم اثنين من الحکام الدنيويين هما الأخوان فرّوق ملکة وأردوان ملکة وأناط السلطة الدينية بالقسس والأساقفة الذين کرسهم بنفسه مجدداً. وقد نبه أنوش أثرا فروق ملکة بشدة إلى أن يتجنب الصدام مع اليهود لکن ذلک لم يثن هذا الحاکم الصابئي‌عن الانتقام من اليهود لمحقهم للصابئة في‌ القدس. وقد انتهى النزاع الجديد بأن دخل فروق ملکة إلى البحر الأحمر وهو يتعقب على رأس شعبه بأجمعه ، اليهود الذين کان يقودهم موسى الذي تذکر مآثر الصابئة إنه عاش بعد يوحنا المعمدان ، فابتلع البحر الصابئة جميعاً فيما عدا قائدهم نفسه وبضع عشرات من الرجال والنساء. وابتعد الصابئة الذين نجو بهذا الشکل المعجز إلى شوستر في‌ خوزستان حيث تکاثروا بالتدريج وتحسنت أحوالهم بشکل ملحوظ لکن دينهم أضمحل تماماً بسبب موت رجاله في البحر الأحمر. ومن أجل أن يعاد الصابئة إلى الدين الحق أرسل إلى شوستر من العالم الأرضي غير المنظور ( مشوني کشطة ) رجل صالح هو آدم أبو الفرج الذي ظن شيوخ الصابئة بسبب هيئته المتواضعة أنه جوال اعتيادي‌ فأشفقوا عليه وشغلوه راعياً لماشيتهم.

لقد ترک الحکام المسلمون المحليون الصابئة بسلام إلى أن تولى أمر المسلمين شخص يدعى محمد کلهور الذي استدعي شيوخ الصابئة واقترح عليهم اعتناق الإسلام طوعاً وإلا فإنه سيجرهم إلى ذلک بالقوة. وبعد محادثات طويلة تقرر أن يترک الصابئة بسلام إذا استطاع أحدهم أن يقوم بمعجزة أکبر مما قام به کلهور الذي حول الحبل إلى حية والحجر إلى أسد ثم بسط سجادة الصلاة علي سطح النهر وصلى عليها. فارتبک الصابئة ولم يعرفوا ماذا يفعلون إلى أن أشارت عليهم إحدى العجائز بأن يلجأوا

٣٤٣

إلى أبي الفرج المذکور الذي لم يتمکن من التفوق في المباراة مع کلهور فحسب وإنما عمد إلى معاقبة هذا الأخير على ملاحقته للصابئة ، فقد أخذ نواة تمر وزرعها في الأرض فنمت منها أمام أعين المشاهدين نخلة أعطت ثمراً في الحال ، ثم اقترح أبو الفرج على کلهور أن يتسلق النخلة ويجمع التمر ، ولم يکد يصل إلى أعلى النخلة حتى أخذت النخلة بکلمة من صاحب المعجزة الصابئي تطول إلى الأعلى ثم بدأت الرياح التي استدعاها أبو الفرج من الجنوب والشمال تطوح بها مرة إلى هذا الجانب ومرة إلى ذاک ، وظل کلهور الجالس عليها يتعذب إلى أن أقسم على أن يترک الصابئة بسلام.

وبعد أن عين أبو الفرج القسس والأساقفة وأرشد الصابئة إلى الدين الصحيح عاد مرة أخرى إلى مشوني کشطة ( العالم الأرضي‌ غير المنظور ) لکن کلهور على الرغم من القسم الذي أداه عاود اضطهاد الصابئة بمجرد أن غادر حاميهم القوي شوستر. وقد أصبح وضع أتباع يحيى في نهاية الأمر لا يطاق إلى درجة بحيث اضطروا مغادرة ممتلکات کلهور فسکن قسم منهم في دزفول واستقرت أغلبيتهم في المحمرة واستطاعوا هنا أن يتواءموا مع المسلمين لفترة طويلة إلى أن أدي نزاع وقع بين أحد الصابئة وعربي إلى صدام دامٍ بين الشعبين أفضي إلى فناء القادمين فناءً تاماً تقريباً. وقد هرب من بقي حياً منهم إلى دزفول وعاشوا بين الصابئة الموجودين هناک. ونظراً لعدم وجود رجال دين حقيقيين بسبب موتهم في‌ أثناء الاضطهادات الشديدة ، کان يقوم بالخدمة الدينية والطقوس لهؤلاء وأولئک أناس خيرون شرفاء تختارهم الرعية نفسها.
وظل الحال على هذا المنوال إلى أن حل الطاعون الکبير في ١٨٣١ الذي اجتاح ما بين النهرين وفارس المجاورة لها وذهب بالعديد من

٣٤٤

الضحايا من صابئة دزفول. وقد رجع قسم من الذين نجوا من الوباء إلى شوستر مرة أخرى في حين انضم قسمهم الآخر إلى طائفة صغيرة من الصابئة کانت موجودة آنذاک في سوق الشيوخ على الفرات ، وکانت تلک الطائفة قد فقدت أثناء الطاعون قادتها الدينيين فتوجهت إلى صابئة شوستر فأرسل لها هؤلاء اثنين من الشکندة أي دياکونين ، وقد اختار هاذان ثلاثة من العلمانيين الفضلاء وکرساهم دياکونات ثم بدأوا باختيار واحد منهم ليصبح قسيساً ويتطلب لذلک حسب قواعد الدين الصابئي وجود أربعة دياکونات على الأقل. وهکذا أعيدت لدي صابئة العراق الکهانة التي أصبحت منذ ذلک الوقت تتعاقب في عوائل هؤلاء المنتخبين.

لا يتعدد عدد الصابئة القاطنين في العراق الجنوبي وفي خوزستان المجاورة لها في الوقت الحاضر ٤٠٠٠ ـ ٥٠٠٠ نسمة والحرف الرئيسية التي يزاولونها هي الصياغة والصناعات اليدوية والتجارة. ثم تأتي‌ بعد ذلک تربية الماشية وصناعة الزوارق الخفيفة التي تصنع من القصب وتطلي بالقار وتعرف في العراق باسم ( مشحوف ) ثم تأتي‌ أخيراً الزراعة.
أما اللغة التي يتکلم بها الصابئة حالياً فهي لغة قريبة جداً من السريانية ، وهي على ما يعتقده العلماء الذين تخصصوا بدراستها لا تعدوا کونها لهجة من لهجات السريانية على الرغم من أنّ لها حروفها الخاصة ونحوها الخاص کما إنها ليست مفهومة تماماً للمسيحيين السريان المتواجدين في الموصل (١) وقد کتب بهذه اللهجة المعروفة في المؤلفات العلمية الأوروبية باسم « المندائية » جميع کتب الصابئة المقدسة التي‌ وضعت في الفترة ما بين القرنين السابع والتاسع الميلاديين. وعدد هذه

__________________

(١) S.M.Zwemer.op.cit.٢٨٨

٣٤٥

الکتب کثير إلى درجة بحيث لا يتضمن حتى أحسن مؤلفات العلماء المستشرقين قائمة کاملة لها حتى الآن.

ويتصدر کتب الصابئة المقدسة التي لا يعترف أبداً بالتوراة ولا بالإنجيل کتاب « سدره به » ( الکتاب العظيم ) الذي يسمى أيضاً بـ « کنزه » (١) ( الکنز ) والذي يحتوي‌ على طقوس الخدمة الدينية وتعاليهم بشأن خلق العالم وأساطيرهم ... الخ (٢).
ويضم کتاب « سدره ملک » ( کتاب الملک ) کل ما يتعلق بالجانب الطقوسي من الدين الصابئي وکذلک الأعياد والصلوات وقواعد الحياة الصالحة ، وغالباً ما يطلق على هذا الکتاب الثاني اسم « دراشة أديهيا » إ أنه يحتوي على الأحاديث المأثورة التي‌ بشر بها يوحنا المعمدان الذي يعتبره الصابئة کما ذکرنا مشرعهم الحقيقي.
وتأتي بعد هذين الکتابين کتب أقل أهمية مثل : « ديوان » و « سدره نمشوتو » ( کتاب الأرواح ) و « سدره آدم » ( کتاب آدم ) و « أسفر ملواشه »

__________________

(١) الصحيح « کنزه ربّه » أي الکنز العظيم. المترجم.

(٢) يتألف هذا الکتاب من قسمين يحتوي الأول منها على موضوعات کثيرة مثل نظام تکوين العالم وحساب الخليفة وصفات الخالق ووعظ وأدعية وحکايات  ... إلخ ويعالج الثاني شؤون الميت فيتحدث عن المراسم التي ينبغي اتباعها في الجنائز وتلقين الأموات وکيفية دفنهم وکيفية خروج الروح من الجسد وتنقلاتها حتي تستقر في عالم الأنوار وأسباب تحريم البکاء أو إعلان الحداد ... الخ.

انظر : الليدي دراوور ، الصابئة المندائيون ، ترجمة نعيم بدوي وغضبان رومي ، الکتاب الأول بغداد ١٩٦٩ ص ٧٠ ، رشدي عليان ، المصدر السابق ، ص ١٢٣. المترجم.

٣٤٦

( کتاب الأبراج ) وکثير غيرها (١).

ولا يفهم محتويات هذه الکتب في الوقت الحاضر إلا القليل من الصابئة فرجال الدين وحدهم هم الذين يستطعيون قراءة وفهم هذه النصوص المقدسة عندهم وهم يعملون بجد وحماس على صيانة هذا الامتياز الذي يختصون به من تطاول رعيتهم. ولذا فإن من السذاجة أن يکتفي الصابئة الحاليون بالمآثر الشفهية التي حرفت إلى حد کبير عند انتقالها من جيل إلى آخر وأصبحت شديدة الاختلاف عمّا هو مکتوب في کتب الصابئة(٢).
ونحن في الوقت الذي لا نريد فيه أن نعرض بشکل علمي دين الصابئة على أساس کتبهم المقدسة ، على الأقل بسبب من أن القسم الأغلب من هذه الکتب لم يترجم إلى اللغات الأوروبية ولم يدرس أبداً من قبل العلماء والباحثين ، فإننا سنکتفي بالاضطلاع بهمة أکثر تواضعاً هي عرض جوهر العقائد الدينية للصابئة بالشکل الذي يفهمها به أتباع هذه الطائفة القاطنون حالياً في العراق الجنوبي.
يقف على رأس الکون مانة ربه الواحد الأجل الخالد الذي يوجد

__________________

(١) يفتقر المؤلف هنا إلى الدقة فهناک الکثير من الکتب الصابئية التي تحمل أسم ديوان مثل « ديوان المة ريشايا ربه » و « ديوان اباشر » و « ديوان تفسير البغرا » ودواوين الرقي والتعاويذ وغيرها. کما إن کتاب آدم هو نفسه کتاب « سدره ربه » أو « کنزه ربه » الذي سبقت الإشارة إليه ، أما « سدره نمشوتو » فيبدو أن المقصود به کتاب « سدره أدنشماثه » أي کتاب التعميد وسر المعمودية المقدس. حول کتب الصابئة الدينية انظر : الليدي‌ داروور؛ المصدر السابق ، ص ٦٥ ـ ٧٥؛ رشدي عليان ، المصدر السابق ، ص ١٢٢ ـ ١٢٥. المترجم.

(٢) Demis de Rivoyer. Op. cit. p. ٢٨١

٣٤٧

بذاته وهو السبب الأول لکل شيء ومصدر النور والحياة. لکنه بالرغم من ذلک لم يخلق الکون مباشرة وإنما خلق ٣٦٠ مخلوقاً من المخلوقات العليا فقط وجد کل منها بذاته بکلمة من مانه ربه. وأول من خلق من هؤلاء هو مار ادربوثا الذي أصبح رئيساً للآخرين ولهذا فإن الصابئة يبدأون صلاتهم دائماً بالدعاء له.

إذن هذه الکائنات العليا ليست آلهة ولکنها تعتبر مع ذلک أعلى من الملائکة ، وجميعهم متزوجون من کائنات مؤنثة تشبههم ولهم أطفال يولدون بشکل إعجازي. وبما أن مانه ربه أعطي کلاً منهم إحدى ممالک ألمة أد نهورا أي الجنة ليحکمها فإننا سوف نسميهم في حديثنا اللاحق ملوک الجنة وجميعهم يخضعون في تدرج دقيق لمار أدربوثا وبالإمکان تشبيه علاقتهم به بعلاقة الأمراء التابعين بسيدهم (١). فهم يتسلمون منه الهبات على شکل سطوة جديدة يمنحهم إياها وعليهم بالمقابل ان يخضعوا له خضوعاً تأماً وأن ينفذوا کل ما يکلفهم به وأن يأتوه عند أول دعوة منه وإلّا فإنه سيفرض على من يخرج عن طاعته عقاباً شديداً وذلک بأن يجعل الأنهار والنباتات تجف في مملکته ويهلک أفراد عائلته.
وقصاري القول أن الکون عند الصابئة يذکرنا بنظام الحاکم في

__________________

(١) يشير المؤلف هنا إلى مؤسسة التبعية التي کانت إحدى مکونات الإقطاع الأوروبي الأساسية في القرون الوسطي وهي عبارة عن علاقة شخصية بين سيد وتابع کان أساسها في البداية عسکرياً حيث يتعهد التابع بالدفاع عن سيده عسکرياً مقابل حماية السيد له من غوائل الدهر ... وتعتمد التبعية الاقطاعية على واجبين أساسيين يؤديهما التابع لسيده هما الولاء والإخلاص. للتفصيل حول هذه الموضوع انظر : عبد القادر أحمد اليوسف ، العصور الوسطى الأوروبية ، ٤٧٦ ـ ١٥٠٠ ، بيروت ، صيدا ، ١٩٦٧ ، ص ١٢٠ ـ ١٢٣. المترجم.

٣٤٨

الشرق القديم ، حيث لا يقوم مانه ربه بنفسه بأي أمر شأنه في ذلک شأن أي ملک کلداني ، وإنما فوض مديراً خاصاً هو مار أدربوثا بإدارة مملکته جميعها بعد أن جعله رئيساً مفوضاً من قبله على جميع الملوک الخاضعين له. ويحتل نظام التدرج بحسب الأهمية المرکز الأول بين هؤلاء الملوک کما أن کلاً منهم لا يحکم مملکته بنفسه وإنما بفعل ذلک بواسطة مساعد له أو شخص موثوق يفوضه بذلک.

ويحتل الملائکة الذين يقومون بمهمة الخدم المرتبة التالية بعد ملوک الجنة وهم ينقسمون إلى عدة طوائف تبعاً لنوع الخدمة التي يؤدونها ، فعضهم له أيدي تشبه الجاروف وهم مخصصون لشق الأنهار وحفر البحيرات وآخرون مهمتهم حراسة الريح وفريق ثالث ينفذ فقط ما يکلف به مثل ملک الموت ساوربيل الذي يرسل لقبض أرواح الأشخاص الذين انتهي أجلهم في الحياة الدنيا.
أما الملائکة الشريرون أو الشياطين فإنهم موجودن عند الصابئة أيضاً حيث يتمثلون في الملوخونات (١) الذين يقومون بتعذيب المذنبين في‌ جهنم أو الذين يحاولون غواية الناس ، أو الذي يتسببون في أي أذي أو فاجعة تصيب البشر. وهذا النوع الأخير من الشياطين يعيش على الأرض مختفياً في الخرائب والزوايا المظلمة ، وهم في ذلک مثل « الجن » لدى الشرقيين وجميع هؤلاء الملوخونات يتميزون بمظهر غير اعتيادي فبعضهم له رؤوس وأطراف حيوانات متوحشة وبعضهم الآخر تکون عيونهم طولية بينما يمتلک فريق ثالث منهم أجنحة ، ويؤلف ما يسمى بـ « کرسة سايتة »

__________________

(١) الملوخون هو رمز لقوة قاسية متعطشة لکثير من الدماء والضحايا البشرية. المترجم.

٣٤٩

المرحلة الانتقالية بين هؤلاء والبشر ، حيث يکون نصفهم بشر ونصفهم الآخر حيوان ويتميزون بالقسوة الشديدة إلى درجة بحيث ان من يتقمصونه لا يمکن أن تشفيه لا صلوات ولا تعاويذ عدد کبير من الکهنة (١).

وليس بالإمکان أن تعتبر جنة الصابئة أو ألمة أد نهورا أي عالم النور جنة بالمعنى المسيحي لهذه الکلمة لسبب بسيط هو إنها على غرار الممالک الأرضية ، فالواقع إن جميع الممالک الثلاثمائة والستين التي يتألف منها أملة أد نهورا لها نباتاتها وأنهارها ومدنها ، وفيها يمکن أن يوجد ، بإرادة ما أدربوثا الموت والحزن وذلک على الرغم من أن هذا المکان هو محل للنعيم الدائم. وسکان جنة الصابئة مخلوقات غاية في الکمال نظراً لأنه لا يذهب إلى هناک إلا الصابئة الصالحون ولکن ذلک لا يمنعهم من التعرض لنواحي الضعف عند البشر کالجزع والفضول والخوف وما أشبه. ومانه ربه لا يسکن في أملة أد نهورا وإنما يبعد مسکنه عن مقر الصالحين بمسافة طويلة جداً إلى درجة بحيث‌ إنه عندما رغب ملوک الجنة الثلاثمائة والستون في أن يذهبوا إليه تحتم على مار ادربوثا أن يصلي لکي يمنحوا قوة خاصة تمکنهم من قطع هذه المسافة. ومع ذلک فإن هذه الصلاة لم تکف لقطع الطريق کله.
ويسمى العالم السماوي الثاني المة أد هشوخة وهو يشابه الأول في تنظيمه ولکنه أقل منه أهمية فهو المکان الذي يعيش فيه بعد الموت أولئک الصابئون بعد أن يکونوا قد کفروا عن خطاياهم في جهنم ويعيش فيه کذلک کل من هو من غير الصابئة ممن عاش حياة صالحة ، هذا مع العلم بأن سکان هذا العالم يفتقدون النعيم المطلق الذي يتميز به ألمة أد نهورا.

__________________

(١) M. N. Siouffi. Op. cit. p. ٤٢ FF.

٣٥٠

وکل من هذين العالمين أزلي لا يفنى کما يحدث بالنسبة للعالمين الفانيين الآخرين.

وهذان الأخيران يوجدان على الأرض وهما متساويان من حيث السعة ولکن الأول منهما عالم غير منظور وغير معروف ويسمى مشوني‌ کشطة أي البلد العظيم وعلاقته بالثاني أي بالعالم المنظور کعلاقة اليد اليمني باليسرى. سکان الأول هم من أتباع الدين الصابئي وهم يشبهون سکان الأرض في کل شيء ولکنهم لا يأثمون ولهذا فإنهم يذهبون بعد الموت ال ألمة أد نهورا مباشرة کما أنهم لا يحلقون شعرهم أبداً کما إن جميع رغباتهم تتحقق بمجرد أن يتفوهوا بعبارة ميعنة تعلموها من السماء وهم لا يعترفون بالملکية الخاصة بل يمتلکون الأشياء على أساس مشاعي.
ويتحتم على الصابئة الذين يعيشون مثل بقية البشر في العالم الفاني الثاني المعروف باسم « اوردو ـ تيفل » أي « الأرض المکتسبة » (١) أن يمروا من خلال جهنم « مطراثة » قبل أن يدخلوا الجنة التي يفصلها عن جهنم نهر « نهره دخشاشة ».
ولا يعرف کيف خلق العالمان السماويان الأزليان. أما خلق العالمين الفانيين فقد حدث على ما تذکر مآثر الصابئة على النحو التالية :
فوض مانه ربه مار ادربوثا بخلقهما فعمد هذا وفقاً للأوامر التي تسلمها إلى إرسال أحد ملوک الجنة هو هيبل زيوا إلى العالم السماوي الثاني المة أد هشوخة لکي يأتي بروهية (٢) وهي زوجة شخص يدعى

__________________

(١) يبدوا أن المقصود هو « أره تيبل » أي العالم السفلي. المترجم.

(٢) يقصد الروهة وهي‌ نفس الحياة المادية وأبناؤها السبعة هم الکواکب السبعة. انظر : الليدي دراوور : المصدر السابق : ص ٤٦ ، ٦٢ ، ٨٨ ، ولکننا سنستمر على کتابتها بالشکل الذي أورده المؤلف. المترجم.

٣٥١

کارافيون. وبعد سفر طويل ومتعب استغرق مئات السنين وصل هيبل زيوا أخيراً إلى المکان الذي تقيم فيه روهية غير إنه تحتم عليه أن يجتاز عدداً کبيراً من المحن وأن يلجأ حتى إلى الحيلة بأن يتخذ شکل أخي روهية لکي ينتزعها من بيت والديها ويجلبها إلى ألمة أد نهورا. وبعد إثني‌ عشر يوماً من وصولها ولدت روهية مولوداً ذکراً هو أورم الذي أصبح عملاقاً حقيقياً منذ أن بلغ عمره السنتين والنصف. عند ذلک بدأ هيبل زيوا بتکوين العوالم السبعة فأخذ حفنة من تراب الجنة ورماها في المحيط اللامتناهي الذي کان قائماً في المحل الذي يوجد فيه حالياً کوکبنا الأرضي ، فتکونت من ذلک التراب أرض صلبة کالحديد وضع عليها أور (١) الذي أقيمت على ظهره العوالم الستة الأخرى التي خلقت بنفس الأسلوب من ستة حفنات أحدها من الحديد والأخرى من النحاس والثالثة من الزئبق والرابعة من الرصاص والخامسة من الفضة والسادسة من الذهب.

ثم خلقت بعد ذلک السماوات السبع وأرسيت عليها الکواکب التي ما هي في الواقع إلّا أولاد روهية ولدوا لها بعد أن سقاها هيبل زيوا « ماء الحياة ». وفي الوقت نفسه قام الملائکة بطلب من هيبل زيوا بحفر أربعة أنهار عظام هي‌ الفرات النوراني ودجلة المتألق وخاشتر العظيم وشارانک (٢) التي کانت مياهها عذبة صالحة للشرب. وکان آخر ما خلق هو « المطراثة » السبع التي لم تکن إلّا جهنم التي تقع في أقصي الأرض.
وقد خلق مشوني کشطة أي العالم الفاني‌ غير المنظور بنفس الطريقة التي خلق بها عالمنا الأرضي مع فارق واحد هو أنه من أجل إسکان الأول جلب زوجين من الجنة في‌حين سکن في الثاني في بداية الأمر آدم کاورة

__________________

(١) أور هو تنين الأرض الهائل. المترجم.

(٢) الأنهار هي دجلة والفرات والکرخة والکارون ـ المترجم.

٣٥٢

قدمايي ، أي أدم الإنسان القديم وزوجته حواء المخلوقين من التراب وذريتهما ، وفي الوقت الذي ينحدر فيه جميع البشر من آدم وحواء فإن الصابئة کانوا نتيجة مباشرة لزواج آدم کاوره من بنت آدم کسيه أي‌ آدم غير المنظور الذي يعيش في مشوني کشطة.

وبعد أن انتهى هيبل زيوا من خلق العالم وإسکانه ، استقر بأمر من مار أدربوثا للعيش على حدو المطراثة أي جهنم وفوض بثاهيل وهو أحد ملوک الجنة الثلاثماثة والستين الأشراف على هذه الأخيرة أي جهنم. وظهر أن بثاهيل کان حاکماً صارماً فهو لم يسمح لأي روح بدخول الجنة وقد أدى إلى أن تمتلىء جهنم بشکل تام لذلک بادر هيبل زيوا فأرسل ملک الموت ساوربيل إلى مشوني کشطة ( العالم الفاني غير المنظور ) لکي يقبض روح شيتهل (١) الصالح لتکون مثلاً يحتذي به لأرواح الآثمين. ولکن ذلک لم يؤدي إلى نتيجة الأمر الذي حتم على مار ادربوثا أن يستدعي‌ هيبل زيوا ويعين بدلاً منه ملکاً آخر ملوک الجنة هو أواتر(٢) الذي‌کان أکثر تساهلاً

__________________

(١) يبدو أن المقصود هنا هو شيتل الذي هو « أنقى روح بشري » والذي توضع روحه في کفة الميزان في حين توضع في الکفة الأخرى روح الشخص المتوفى بعد أن يکون قد مرت بالمطهر « فإذا خفت کفة الروح عن کفة شيتيل أرسلت لإعادة تطهيرها وإن لم يکن کذلک دخلت في سفينة نور تبحر في نهر تحيط بعالم الأنوار إلى المواطن الإلهية حيث يقيم ذووه الذين توفوا منذ أقدم الأزمان ». أنظر : الليدي دراووه ، المصدر السابق ، ص ٢٨٢. المترجم.

(٢) أباثر أو أواتر موزانيا ملاک النجم القطبي الذي يتحکم بالموازين التي توزن بها الأرواح ، وهو غير « أباثر راما » لأن هذا هو لقب هيبل زيوا. أنظر : الليدي دراووه ، المصدر السابق ، ص ٢٨٢ ، ١٥٩. المترجم.

٣٥٣

فهو مثلاً لم يکن يري بأن من الواجب فرض العقاب على الشخص ذو الأفکار الآثمة طالما إنه لم ينفذ هذه الأفکار.

يتحتم على روح کل صابئي من سکنة کوکبنا الأرضي أن تمثل بعد الموت أمام أواثر بعد أن تمر قبل ذلک من خلال جهنم. ويؤدي إلى هذه الأخيرة طريقان أحدهما للصالحين والآخر للمذنبين ، يتطلب قطع کل منهما مدة مقدارها خمسة وسبعون يوماً. وتقطع أرواح الصالحين هذه المسافة دون مساعدة من أحد في حين يجر الروح المثقلة بالذنوب خادمان من خدم الجحيم. ويعمل أواثر على محاسبة کل الأرواح التي‌ تمثل أمامه بمجرد أن تصل فالصابئة لا يؤمنون بيوم الحساب. ويسمح للأرواح التي‌ تظهر نتيجة الحساب إنها نقية من الذنوب بالذهاب رأساً إلى مقر الصالحين ألمة أد نهورا بعد أن تأخذ من أواثر العلامة الخاصة الضرورية لعبور نهر « نهره دخشاشه » الذي يفصل الجنة عن النار. أما الأرواح المذنبة يحکم عليها بعقوبات مختلفة هي عبارة عن عدة أنواع من العذاب يعرضونها له تحت أشراف بثاهيل.
ويعتقد الصابئة بوجود خمسة أنواع أساسية من العذاب هي :
١ ـ يوضع الزناة في قصبة الأور الهوائية حيث يتعرضون للحرارة الشديدة أثناء زفير الأور وللبرد القارص عند شهيقه.
٢ ـ يفرض على اللصوص عقاب يعرف باسم نوره دياقده أي ‌نار جهنم ويتلخص في ربط أرواحهم في الأقسام الداخلية من مواقد جهنم.
٣ ـ يکبل شهود الزور بالقيود ويوضعون في الحبس إلى أن يکفروا عن ذنوبهم تماماً.
٤ ـ يوضع التجار الذين يخدعون زملاءهم بين صخرتين تقتربان وتبتعدان عن بعضهما بالتعاقب وبذلک تسحقان روح المذنب ثم تترکانها

٣٥٤

وهکذا.

٥ ـ النوع الخامس من العذاب مخصص للذين يکنون الضغينة للقريب وخصوصاً لأولئک الذين يصطلحون مع خصومهم في الظاهر ويبحثون في الخفاء عن وسيلة للإضرار بهم ويتلخص هذا النوع من العذاب بأن تربط أعناق المذنبين بسلاسل متدلية من الأعلى تضطرهم إلى الوقوف بشکل دائم في موضع واحد وفي موضع مشدود (١).
وهناک إلى جانب هذه الأنواع الأساسية أنواع أخرى من العقاب للذين يرتکبون آثاماً صغيرة فالجواسيس والأشخاص الذين يلفقون عمداً دعوى کاذبة وکذلک أولئک الذين يوقعون الأبرياء بدسائسهم تحت طائلة القضاء يلبسون ثياباً من الجليد ، والفضوليون وکذلک الذين يتسمعون من وراء الأبواب تثقب آذانهم بسلک متوهج ، والکذابون يفرض عليهم أن يحملوا بأيديهم جمراً يلسعهم بحرارته ولکنه لا يحرق. وهناک العديد من الذنوب الأخرى الأقل مرتبة ولکل منها أيضاً عقاب معلوم.
ولکن لکل عذاب من جهنم نهايته ، فکل روح آثمة تبقى في الجحيم مدة محددة تطول أو تقصر تبعاً لعدد وأهمية الذنوب التي‌ ارتکبتها. وهکذا لا يفرض العذاب الأبدي إلّا على أرواح القتلة وأرواح الرجال الذين يقيمون علاقات مع فتيات دون القيام بطقوس الزواج المقررة وکذلک أرواح الصابئة الذين يلاحقون شخصاً من أبناء دينهم فيجبرونه بذلک على الانتقال إلى دين آخر.
وموقع جهنم يحدده النجم القطبي الذي هو مستقر لأواثر لذلک فإن الصابئة يولون أوجههم أثناء الصلاة شطر هذا النجم متصورين أنهم يرفعون

__________________

(١) ( M.N.Siouffi : op. cit. p. ١٢٦ ff )

٣٥٥

صلاتهم لأواثر نفسه. ويرفض الصابئة الحاليون ، مع ذلک ، بغضب اتهامهم بأنهم من عبدة النجوم ويؤکدون بأن نجوم السماء تلعب في حياتهم نفس الدور الذي تلعبه تقريباً في حياة شعوب الشرق الأخرى فهي تستخدم عند قراءة طالع المواليد الجدد أو عند تحديد الأيام أو الساعات المبارکة للبدء بإنجاز أية قضية هامة کالسفر أو بناء بيت أو ما أشبه.

ويحصي الصابئة إثني عشر کوکباً منها ـ ومنها الشمس والقمر ـ تعتبر عليا والخمسة الأخرى دنيا. وجميعها تعتبر کما ذکرنا أعلاه أبناء لروهية وهي کائنات حية لا تفنى عند فناء العالم کما يحصل بالنسبة للنجوم التي هي أجسام خالية من الروح يمکن أن تتحول إلى لا شيء ، وإنما تنتقل إلى أد هشوخة. والکواکب خاضعة لمار ادربونا ، وهي‌ بدورها تسيطر على أبراج الفلک الإثني عشر وعلى النجوم وعلى ظواهر طبيعية معينة کالعواصف والأمطار والزلازل وما أشبه ، إلى جانب تأثيرها على الحوادث الأرضية کالرحروب والمجاعات والأوبئة وما شابه ذلک من الکوارث. ولهذا فإن الصابئة يعتبرون الکواکب منفذة لما تقدره العناية الألهية ورغم إنهم لا يرتفعون بهذه الاجسام السماوية إلى مصاف الألهة إلّا إنهم يکنون لها قدراً معيناً من التقديس.
وتوجد في ديانة الصابئة إلى جانب هذه المعتقدات التي تکونت بتأثير الأفکار الوثنية والمفاهيم الشرقية نتف من التعاليم المسيحية شوهها التصور الخاطئ لروح المسيح إلى درجة بحيث لم يعد بالإمکان التعرف عليها. فمثلاً يوجد لدي الصابئة ، إلى جانب الأسطورة التي‌ سبق ذکرها عن حياة وأعمال يوحنا المعمدان ، معلومات عن عيسي المسيح أيضاً. أنهم لا يقرون بأنه ابن الله ويضعونه في مرتبة أدنى من يحيى. کذلک تظهر سيرة حياة المسيح کما تذکرها الأساطير الصابئية إلى أي مدى هم شوهوا

٣٥٦

شخصية هذا المنقذ.

لقد حدثت ولادة المسيح الذي يعتبره الصابئة ابن خالة يحيى على أساس أن مريم العذراء على ما تذکر مآثرهم هي‌ أخت لا ينشفي بشکل يشبه تماماً الشکل الذي حدثت فيه ولادة يوحنا المعمدان ، الفرق الوحيد هو أن الأب السماوي ليشو مشبهة ( عيسى المسيح ) لم يکن واحداً من ملوک الجنة الثلاثمانة والستين وإنما هو حاکم لإحدى الممالک التي‌ تأتي أدنى من العالم السماوي ألمة أد هشوخة وهو شخص يدعى روهة دخشابة(١). وقد فعل هذا الأخير کما فعل والد يحيى مندادهيي فأعطى لمريم العذراء ماء عجيباً شربته فولدت ولداً هو يشو الذي بدأ بمجرد أن ظهر إلى العالم بالکلام والمحاججة کما يفعل الشخص البالغ. ونقل عيسى بعد أن بلغ عمره سنتين إلى الجنة مثل يحيى وهناک أطعمه من حلماتها شجرة مخزيون التي‌ تدر الحليب وهناک أيضاً درس کل المعارف والعلوم. وعندما بلغ عمرة عشرة سنوات أتى به أبوه السماوي إلى يحيى الذي عمده في نهر الأردن. وما أن خرج عيسى المسيح من الماء حتى هبط إليه أبوه السماوي روهة تفجة بهيئة حمامة تحولت إلى صليب بعد أن وصلت إلى الأرض وکان ذلک إشارة إلى الطريقة التي‌ سيموت بها يشو مشيهه ثم أوصى روهة تفجة ابنه أن يعمد أتباعه لا في النهر أو في مياه جارية کما يفعل يحيى والصابئة وإنما بالطريقة التي يتبعها المسيحيون منذ ذلک الوقت. وکان ذلک على ما يراه الصابئة بداية للانشقاق بينهم وبين المسيحين.

__________________

(١) اللفظ الصحيح هو « روهة تقجة » وهو ما سنستخدمه من الآن فصاعداً. المترجم.

٣٥٧
وقد صلب اليهود يشو فيما بعد لکن الصابئة يؤکدون بأن روحه کانت قد فارقت جسده قبل أن يصلب لذا فإن الذي سمر إلى الصليب لم يکن إلّا جثة خالية من الحياة. وکانت آخر الکلمات التي وجهها يشو إلى أتباعه قبل أن يموت هي الطلب منهم أن لا ينتقموا له لأنه سينتقم لنفسه من اليهود بنفسه في يوم القيامة (١).
أما عن قيامة عيسي المسيح هذه فتذکر المآثر الصابئية بأن المسيح يظهر على الأرض قبل نهاية العالم بفترة طويلة ويصبح السيد الوحيد للکون فيقضي على جميع الأديان ويستبدلها بالمسيحية. ويبقي الصابئة وحدهم مخلصين لمعتقدهم رغم أنهم يعترفون بسلطة يشو الزمنية. وسوف يسعي المسيح لأن يلتقي مع الصابئة ويحدث اللقاء أخيراً في مدينة کبيرة تحيطها أحراج القصب أي في العمارة لأن هذه المدينة ينطبق عليها هذا الوصف أکثر مما ينطبق على أية مدينة أخري. وبعد أن يصل المسيح إلى هناک يطلب من الصابئة اعتناق المسيحية لکنهم يرفضون ولا يريدون التعميد على الطريقة المسيحية ، فيهددهم بقتل جميع الصابئة لکنهم يشيرون له إلى موضع في الکتاب يذکر فيه أن أي صابئي يموت بيدي عيسي المسيح عاري‌ الرأس يتجاوز جهنم ويذهب مباشرة إلى الجنة ، لذا يکشف الصابئة جميعهم عن رؤوسهم ويمدون أعناقهم مستعدين لاستقبال الموت. وبعد أن يري المسيح قوة إيمانهم يترکهم بسلام.
بعد هذه الحوادث يختفي جميع الصابئة من على وجه الأرض ويفقد الماء لونه الطبيعي ويتلون بجميع الألوان المعروفة ويفقد الناس

__________________

(١) ( M.N. Siouffi. op. cit. ١٦٣ ff. )

٣٥٨

الذين يستعملون هذا الماء قدرتهم على التناسل فيتطلب الأمر تدخل أحد ملوک الجنة وهو باور زيوا لبعث الصابئة إلى الحياة أخرى ، حيث يهبط من أجل ذلک إلى الأحواز يرافقه جميع الصابئة العزاب الموجودين في الجنة والنار فيزوجهم من ساکنات مشوني کشطة ( العالم الأرضي غير المنظور ) فيصبح لون الماء قاتماً مرة أخرى ويفقد خاصيته المميتة حتى أن الصابئة يتکاثرون بشکل کبير خلال فترة قصيرة. غير إن هذه البحبوية من العيش لا تستمر طويلاً حيث لا يلبث الماء أن يفسد مرة أخرى فيفقد الصابئة قدرتهم على التناسل ويصل بأسهم إلى درجة بحيث يصبح الواحد منهم مستعداً لأن يتخلى دون تفکير عن زوجته للآخر على أمل أن يکون له خلف.

وتکون أيام هذا الياس علامة على حلول نهاية العالم التي تکون على النحو التالي : يأمر مار اربوثا کلاً من أواثر وبثاهيل أن يعودا إلى مملکتيهما في ألمة أد نهورا ( الجنة ) بعد أن يصطحبا معهما جميع الأرواح التي ما زالت باقية في المطراثة ( جهنم ) التي تلغي اعتباراً من تلک اللحظة. بعد ذلک يطلق هيبل زيوا الرياح الأربعة فتدمر کل شيء يعترضها وترفع الشر في الهواء حيث تغادر أرواحهم أجسادهم الفانية وتتوجه إلى ألمة نهورا مباشرة. وفي نفس الوقت الذي تجري فيه هذه الحوادث تتنقل الشمس والمقر والکواکب إلى أماکن أخرى وتسقط النجوم من مواضعها وتفنى وتطوى السماوات السبعة وتدخل في حلق الأور الذي ينتفض بأمر من هيبل زيوا فيؤدي به ذلک إلى أن ينشطر إلى اثنين. أما الأراضي السبع فتعود إلى شکلها الأول أي الماء.
بعد أن انتهينا من الأسفار الدينية الخاصة بالصابئة ومن أساطيرهم الدينية حول أصل الآلهة ونظام الکون الفريد في نوعه ننتقل إلى الناحية

٣٥٩

الطقوسية من الديانة الصابئة ، وسنبدأ ذلک بالحديث عن رجال الدين الذين يلعبون في حياة الصابئة دوراً غاية في الأهمية.

إن الأهمية التي يتمتع بها رجال الدين الصابئة يحتمها أن الصابئة لا يرون فيهم مجرد رعاة ومشردين وإنما يعتبرونهم أيضاً وسطاء بينهم وبين سکنة السماء. ولهذا يتمتع رجال الدين عند الصابئة بنفوذ واحترام کبيرين. فهذه الطائفة لا ترى أن من الواجب عليها أن تعيل رؤساءها الروحيين فحسب وإنما أن تحيطهم أيضاً بکل أسباب الراحة التي‌ تليق بمقامهم. ولهذا فکل صابئي يقوم إلى جانب ما يدفعه مقابل الطقوس التي‌ يطلبها. يمنح رجال الدين هدايا اختيارية تصل في مجملها إلى خمس دخله الصافي.
ورجال الدين الصابئة على ثلاث مراتب هي : الشکندة أي الدياکون والترميدة ، أي القس والکنزفرة أي الأسقف (١). والطريق إلى منصب القس يکاد يکون مسدوداً تماماً بالنسبة للعلمانيين فإلى جانب النفقات الکبيرة التي يتطلبها الإعداد لهذا المنصب الديني والذي يستمر لمدة اثني عشر سنة کاملة يتحتم على المرشح أن يبرهن أيضاً على نقاء وشرعية أصله إلى الجيل الثالث على الأقل ، کما إن من الشرط الحتمية الأخرى هو أن يکون الشخص خالياً من أي عيب جسماني مهما کان حتى ولو کان ذلک أصبع زائد في الرجل ، ولذا فإن من يرغب في أن يصبح رجل ديني يتعرض لفحص مسبق من جانب القساوسة. ولهذا فليس هناک ما يدهش مع وجود مثل هذه القيود ، في أن تحتکر المناصب الدينية من قبل بضعة عوائل تنتقل

__________________

(١) هناک مرتبة أعلى من مرتبة الکنزفرة هي مرتبة « ريش أمة » ، لکن أحد من رجال الدين الصابئة لم يصل إلى هذه المرتبة منذ فترة طويلة. المترجم.

٣٦٠

فيها من الأب إلى الإبن ولا ترغب هذه العوائل في التخلي عن الفوائد العديدة التي يوفرها لها وضعها الحافل بالامتيازات. أما عن منصب الدياکون أي الشکندة فيختارون له عادة اولاد رجال الدين وهم في‌ سن السابعة حيث يسلمونهم للقسس لکي يعلموهم ويظلّوا عندهم إلى أن يبلغوا التاسعة عشر من العمر يمنح بعدها المرشح رتبة دياکون حيث يساعد القس أو الأسقف في أداء الخدمة الدينية ويبقى في هذه المرتبة إلى أن يکرس قساً أي ترميدة وعليه لکي يصل إلى ذلک أن يحصل على موافقة الرعية التي يمکن أن تعترض على ترشيحه فيفقد بذلک الحق في‌ الترقية.

والتکريس نفسه له طابع خاص وهو يستمر عادة من شهرين إلى بضعة أشهر يجري خلالها القضاء على نوازع الجسد. عند البدء بالتکريس يأمر القس ببناء کوخين متقاربين من القصب يقضي الشخص الذي يراد تکريسه في أحدهما ليلة کاملة وهو يصلي حيث يمنعه الأشخاص الذين يعينون لحراسته من النوم. وفي اليوم التالى ينقل الممتحن إلى الکوخ الثاني في حين يحرق الکوخ الأول إشارة إلى أن القس الذي تخلي عن الدنيا لن يستطيع بعد الآن العودة إليها. ويقضي الترميدة ( القس ) المقبل ستة أيام وستّ ليالٍ متوالية دون نوم حيث يقوم القسس الذين يرافقونه بمراقبة سيئ الحظ هذا ووخزه بالدبابيس أو بالمسامير کلما يبدأ النعاس بالتغلب عليه. ويتحتم على الشخص الذي يجري تکريسه في خلال هذا الأسبوع أن يتبرع لشؤون الخير بالقدر الذي تسمح به حالته.
وتجري للشخص المراد تکريسه في اليوم السابع الذي رتب الأمر بحيث يکون يوم أحد ، مراسيم الدفن ليکون ذلک دليلاً على موته الحقيقي بالنسبة للدنيا ثم يجري له أربعة قسس مراسيم التعميد في النهر ، وعليه في

٣٦١

خلال الستين يوماً التي تلي ذلک أن يغطس في النهر ثلاث مرات في اليوم وأن لا يخلع ملابسه المبتلة قبل أن يؤدي الصلاة المقررة وذلک بغض النظر عن حالة الجو ومهما کان الفصل السنوي. ويتألف طعامه أثناء فترة التکريس من لحم الخروف والطيور والخبز الذي عليه أن يعدّه بنفسه وأن يغطسه في الماء سبع مرات قبل تناوله وتزداد التجربة صعوبة بسبب من أن هذه الأيام الستين يمکن أن تمدد فتصبح ثلاث أو أربعة أو حتى خمسة أشهر وذلک لأنهم لا يحسبون إلّا الأيام التي لم يدنسها شيء حتى لو لم يکن الخاضع للتجربة نفسه السبب في هذا التدنيس إذ يکفي أن يکون الفاعل زوجته أو أمه ، کذلک تحذف أيام الإصابة بالأمراض من الحساب. وبعد مرور ستين يوماً خالية من الدنس يعمد الشخص المراد تکريسه في النهر مع زوجته وأمه إذا کان له زوجة وأم. ويقوم في اليوم التالى بتوزيع صدقة جديدة فيصبح اعتباراً من تلک اللحظة ترميدة أي قساً حقيقياً بإمکانه أن يقوم للآخرين بطقس التعميد وهو من واحد من أهم الطقوس في ديانة الصابئة.

أما الصعوبات والمحن التي يصادفها الشخص المراد تکريسه أسقفاً وهو شخص يختاره القسس من بين صفوفهم فتکاد تکون أکثر من ذلک. على المنتخب قبل کل شيء أن يقرأ المسخثة فهو قداس على روح الميت سنفصّل الحديث عنه فيما بعد. ثم يجري تعميده في النهر طيلة أيام الأحد الثلاثة التالية. وعلى المنتخب في أثناء ذلک أن يظهر مدي علمه ومن أجل ذلک يجبرونه بعدد من الوسائل على أن يقرأ أمام مجمع القسس وبصوت عالٍ الکتب الرئيسية الثلاث المقدسة عند الصابئة وأن يفسر المواضع الصعبة والغامضة فيها.
بعد هذا الامتحان الأولى يحل الجزء الأصعب من التجربة وهو إلزام

٣٦٢

القس الذي تقرر أن يکون أسقفاً قبل أن يتسلم الرتبة التي يريدها أن يکون حاضراً عند وفاة أحد الصابئة رجلاً کان أم أمرأة على أن يکون صالحاً عاش حياة لا غبار عليها باعتراف الجميع. لکن إيجاد مثل هذا الشخص الصالح ليس أمراً ممکناً على الدوام في حين أن تکريس الأسقف لا يمکن أن يجري‌ بدون ذلک لأن على الشخص الذي يجري تکريسه أن يهمس في أُذن المحتضر بکلمات معينة لينقلها عنه إلى أواثر ، هذا فضلاً عن أنه ينبغي عليه قبل أن تجري المصادقة نهائياً على الرتبة أن يبارک زواج قسٍ يقوم هو بدفع نصف الصداق لزوجته. وينتهي التکريس يقوم بامتحان الأسقف الجديد خلاله بتعميد جميع القسس في النهر فيصبح من حقه بعد ذلک عقد الزواج الذي يعتبر من امتيازات الکنزفرة. ورجال الدين الصابئة لا تشترط فيهم العزوبة فکل رجل دين بإمکانه أن يتزوج مرات تصل إلى الثلاث فيما إذا کانت زوجتاه الأولى والثانية قد توفيتا قبل الأوان (١). ومما يميّز رجال الدين الصابئة أيضاً امتناع الأساقفة والقسس عن تناول الطعام مع الغير حتى لو کانوا من أقربائهم لأن لمس الشخص العلماني لطعامهم يدنسه. ولا ينطبق ذلک على الدياکون. وينطبق ذلک أيضاً على مياه الشرب التي يجلبها القسس والأساقفة من النهر بأنفسهم بعد أن يغسلوا فيه الجرة ما لا يقل عن سبع مرات. وعلى العموم فإن کل شيء يعود إليهم يتدنس عندما يمسه الغير ولذا يجب أن يغسل في النهر أو في مياه جارية على الأقل (٢).

__________________

(١) الواقع أن الجمع بين أمرأتين فأکثر ليس محرماً عند الصابئة وإنما لم يکن مستحباً فحسب ، فکثير منهم بما في ذلک رجال الدين يجمعون بين أکثر من امرأة : انظر : الليدي ادراوور ، المصدر السابق : ص ١١٧. المترجم.

(٢) ( T.M. lycklama a nijeholt : op. cit. p. ٢٣١ ff )

٣٦٣
تتضح مما ذکرنا الأهمية الکبرى التي يرتديها التعميد والغسل في حياة الصابئة لذا يفضل اتباع هذه الطائفة السکن على ضفاف الأنهر أو بالقرب من المياه الجارية.
لکن التعميد لدي الصابئة لا يطابق المفهوم المسيحي القائل : « تعميد واحد يمحو الذنوب » فهو يجري عندهم مرات لا تحصى ولأي سبب کان فيجري مثلاً في کل يوم أحد أو يوم عيد وعند العودة من سفر إلى بلد إسلامي أو مسيحي وبعد لمس الميت ، وعندما يتعرض الشخص لعضة کلب أو حية أو حيوان متوحش أو عندما يتذوق لحم حيوان لم يذبحه الصابئة أو يحرم أکله عندهم وهکذا لکن الحالات الأساسية التي يجري‌ فيها التعميد هي :
١ ) التعميد الذي يجري للوليد عندما يبلغ السنة الأولى من العمر لأنه يمکن للوليد الجديد من الانضمام إلى الصابئة المؤمنين.
٢ ) التعميد الذي يجري للعريس والعروسة عند زواجهما. وليس بمقدور أي صابئي أن يتجنب هذين العمادين في حين يسمح باستبدال الأنواع الأخرى من التعميد بمجرد الاغتسال.
ويجري تعميد المواليد على النحو التالي : يذهب القس في‌ يوم الأحد أو في يوم أحد أيام الأعياد إلى ضفة النهر وهو في کامل حلّته التي تسمّى رسته ومعه الوالد الذي يراد تعميده وهناک تقرأ الصلاة ويلبس رسته أيضاً. ثم يسأل القس أم الولد عن اسم وليدها فتسلمه ورقة صغيرة کان القس نفسه قد کتب عليها مسبقاً الاسم الذي أظهرت الحسابات التنجيمية بأنه أسعد الأسماء. وبعد أن يقرأ الترميدة « القس » صلاة قصيرة يضع في‌ اصبع الطفل الذي يحمله الدياکون على يديه ـ فالدياکون يکون أثناء التعميد بمثابة الإشبين ـ حلقة من أغصان الأس. بعد ذلک يدخل القس
٣٦٤

والدياکون والطفل ثلاثتهم إلى النهر ويخوضون في الماء حتى الرکب دون أن يرفعوا أذيال ملابسهم ثم يقوم القس برش الطفل ثلاث مرات بماء يغترفه من النهر يحفناته مردداً عبارة « أنت تتعمد عماد الثلاثة ( ثم يهمس مع نفسه ) مانه ربه ، منداهي ، يحي يوحنا » وعند خروجهما من الماء ينزع القس حلقة الأس من أصبع الطفل ويضعه على رأسه ثم يبدا بعملية دهنه بالزيت المعطر.

يرکع القس في البداية على رکبتيه ويرمي يعض البخور في نار جرى إشعالها في موقد صغير متنقل ويمسک الدياکون الطفل فوق النار بحيث يصيبه دخان البخور. ثم يسکب الترميدة بعد ذلک في راحة يده اليسرى بضع قطرات من زيت السمسم المعد خصيصاً لطقس التعميد يغمس فيها أطراف يده اليمنى ثم يمررها على جبين الطفل من أحد الصدغين إلى الأخر مردداً عبارة : « ختم الحي » ثم يمررها على رقبته ويقول : « اسم الحي واسم منداد هيي منطوقان عليک ». بعد ذلک يدهن بالطريقة نفسها بطن الوليد ثم يمسح يديه في الختام بأيدي الطفل ويقرأ صلاة الختام التي يغطي الدياکون في أثنائها وجه الطفل بيديه أو بيدي الطفل نفسه. وبعد هذا کله يقّبِل القس قلنسوته ستين مرة ، أما إذا کان من يقوم بالتعميد أسقفاً فإنه يقبل عصاه ويرفع الدياکون طوق الأس الموضوع على رأس الطفل ويمس به شفتي‌ وجبين الطفل ثم يرميه في النهر ، وهنا تنزع عن الطفل الحلة المقدسة « رسته » وينتهي الطقس.
أما الاغتسال فإن الصابئة يمارسون في کل مرة يريدون فيها تجنب التعميد لسبب ما. ويعتبر الاغتسال إلزامياً عند نزف الدم سواء حدث ذلک عرضاً أم بشکل مقصود کالحجامة مثلاً وکذلک بعد المشاجرة والمرض وفي حالة تناول الدواء وبعد الأکل عند شخص غير صابئي ... الخ.

٣٦٥

والاغتسال کالتعميد يتوجب أن يجري في‌ النهر والصابئي عندما يزاوله ينزع ملابسه کلها ويبدأ بغسل شعره علماً بأن الأشخاص الصالحين لا يقصون شعرهم أبداً ثم ينزل بعد ذلک إلى الماء ويجعل وجهه ضد التيار ثم يغطس بالماء ثلاث مرات مردداً صيغة التعميد وقارئاً ‌بعدکل غطسة الصلاة المقررة. وعندما يخرج إلى الشاطئ يغسل وجهه ويمرر يده الرطبة على جبينه ثلاث مرات ثم يدخل أصابعه المبللة في أذنيه ومنخريه ثلاث مرات ويتمضمض ثلاث مرات وأخيراً يغسل رجليه في‌ الماء ثلاث مرات ويدفع الماء عن نفسه إلى النهر ثلاث مرات. وبعد ذلک يلبس الصابئي ثوباً نظيفاً ابيض فيعتبر طقس الاغتسال منتهياً. وتقوم النساء بهذا الطقس بکل تفصيلاته مع فارق واحد فقط هو أنهن ينزلن إلى النهر بملابسهن.

ويشبه الصابئة في‌ مراعاتهم الدقيقة للنظافة والاغتسال بعد کل دنس اليهود الذين أخذوا عنهم أيضاً على ما يبدو عادة الاقتصار في أکلهم على لحوم حيوانات معينة يشترط أن يذبحها القسس أو جزارين خاصين (١) ، يسمح لهم رجال الدين بمزاولة هذه الحرفة التي يبجلها الصابئة بعد التأکد من أن أصلهم وحياتهم لا تشوبها شائبة وأنهم خالون من أي نقص بدني.
أما اللحوم التي يسمح بتناولها عند الصابئة فهي لحم الخروف ( وليس النعجة ) والدجاج وبيض الطيور وبعض الأسماک. أما لحم البقر والثيران والجاموس فهي محرمة کلياً (٢).
وهناک قواعد معينة ينبغي الالتزام بها عند ذبح الخروف سواء قام

__________________

(١) يطلق الصابئة على هؤلاء اسم « الحلالية » ومفردها « حلالي ». وهي التسمية التي سنستخدمها من الآن فصاعداً. المترجم.

(٢) ( T.M. lycklama a nijeholt : op. cit. p. ٢٣٤ ff )

٣٦٦

بذلک القس أو الحلالي ، وإذا لم تراع فإن الحلإلى وکل من يأکل اللحم يعتبرون نجسين وملزمين بأن يتطهروا بالتعميد ، وهذه القواعد هي على النحو التالي : يوضع الخروف بعد أن تربط أرجله على حصران مفروشة على الأرض بحيث يکون رأسه متجهاً نحو الشرق وهذا الوضع يتيح للحلالي أن يتجه بوجهه نحو الوجه القطبي‌ وأن يمسک برأس الحيوان بيده اليمني. وينبغي أن يحضر الذبح شاهد يتحتم أن يکون دياکون إذا کان الذي يقوم بالذبح قساً وشخصاً عادياً إذا کان من يذبح الخروف حلالياً اعتيادياً. ويقرأ من يقوم بالذبح في اللحظة التي‌ يذبح فيها الخروف الصيغة الموضوعة لهذه المناسبة ، ثم يقرأ بعد ذلک عندما يقوم بغسل يديه والسکين بالماء صلاة جديدة يشهد فيها على أن الذي‌ قام بذبح الحيوان هو فلان ( يذکر اسم الشخص ) ويطلب الصفح من مانه ربه ومندادهيي وتراعي القواعد نفسها عند ذبح الدجاج وکل ما ينتمي إلى عالم الطيور بوجه عام وذلک بأن يغسلوا بالبداية أرجلها ومناقيرها ثم يمسکوها من الجناحين والرقبة ويذبحوها مولين أوجههم شطر النجم القطبي ، ولا يسمحون للطير المذبوح بأن ينتفض على الأرض وإنما يضمون رأسه تحت الجناح ويمسکون به بأيديهم إلى أن يموت.

ويلتزم الصابئة المتدينون بقواعد الاقتصار على تناول اللحم الحلال (١) بدقة وصرامة إلى درجة بحيث أنهم لا يأکلون أثناء السفر في بلاد لا تدين بدينهم وکذلک عند وجودهم في بيت شخص غير صابئي ، إلّا لحم الحيوانات التي‌ يذبحونها بأنفسهم بل حتى الخبز يحاولون أن يصنعوه

__________________

(١) أي لحم الحيوانات المسموح بأکل لحومها والمذبوحة على الطريقة الصابئية ـ المترجم.

٣٦٧

بأنفسهم.

إن نموذج الشخص الصالح لدى الصابئة هو من ينفذ بدقة الطقوس والقواعد الدينية والذي‌ يتميز بالإضافة إلى ذلک بالبر وحسن الخلق والتواضع وأحترام الوالدين والاستقامة. ومن الاعمال التي يحمد عليها کل صابئي موسر تکلفه بنفقات استنساخ الکتب المقدسة حيث يقدم لهذا الغرض مبلغاً معيناً من النقود إلى واحد أو أکثر من القسس تبعاً لعدد الکتب التي‌ يرغب في استنساخها.
ويستحق الصابئي الذي يفي بکل هذه الالتزامات أن يقام له إذا رغب طقس خاص يسمى « مسخثه » (١) ومفاده أن يقام عليه قداس الميت وهو حي ويحبذ الصابئة المتدينون أن يقام لهم هذا الطقس تحسباً للموت المفاجئ أو الوفاة في الصحراء أثناء السفر أو في أية ظروف مشابهة يکون فيها المتوفي قد تعذر عليه الاغتسال أو ارتداء الحلة المقدسة « رسته » مما يؤدي إلى أن يحکم على روح هذا الصابئي أن تبقي مدة طويلة في الجحيم.
والصابئي الذي يجري‌ له طقس « المسخثه » يسمى بعد إجراء الطقس « شالمونة توبة » (٢) أي « المؤمن الطاهر » ويعتبر بمثابة الميت لذا فليس من حقه أن يصدر أي أمر مهما کان بسيطاً إلى أي کان حتى زوجته وأولاده ، إنه لا يستطيع حتى أن يطلب منهم أن يعطوه قدحاً من الماء وإنما يتحتم

__________________

(١) المسخثه عند الصابئة قداس يقام على الميت أو من هو حکم الميت. المترجم.

(٢) التسمية هي « شالمانه متهمين » وهي التي‌ سنستعملها من الآن فصاعداً. المترجم.

٣٦٨

عليه أن يأتي به بنفسه وطبيعي أنه ينبغي على الشالمانه متهيمن بشکل خاص أن يکون صارماً في تجنب أية رذيلة وأن يمتنع عن ارتکاب أي إثم أو دنس ، وهو ملزم بنفس الدرجة من الصرامة بأن يتحمل دون تذمر الهموم البسيطة والأحزان العميقة على السواء وأن يکون راضياً بکل شيء وسعيداً على الدوام (١). وإذا لم تکن زوجة هذا الشخص الذي انقطع عن العالم راغبة في‌ التوائم مع النمط الجديد لحياة زوجها يعطونها الطلاق ، لکن النساء الصابئيات نادراً ما يلجأن إلى الطلاق لأن الصابئة يحتقرون المطلقات احتقاراً‌ شديداً حتى أن الصابئي الذي يتزوج مطلقة يفقد إلى الأبد حقه في‌ أي منصب ديني أو في أن يختار حلالياً وعلى العموم يتخلى الناس عن اعتباره شخصاً صالحاً.

ولا يجري طقس « المسخثه » إلّا الأسقف الذي يقوم بمصاحبة أربعة أو خمسة قسس باقتياد الشالمانه متهيمن المقبل إلى المعبد أو إلى المکان الذي يقوم مقامه حيث يقضي الأخير سبعة أيام بلياليها في تهجد وصلاة دائمين. ويجلب القسس المشارکون في إقامة الطقس معهم في اليوم الأول مقداراً‌ معيناً من الحنطة والسمسم ويذبحون الحمامة ويجمعون دمها في إناء خاص ثم يطحنون الحنطة برحي يدوية ويصنعون من الطحين ستين قرصاً من الفطائر حجم الواحدة بحجم ثمرة التين تخبز في موقد متنقل ثم توزع بعد ذلک بين الأسقف والقسس الذين يقرأون على کل قرص منها صلاة خاصة يکررونها ستين مرة. وعند انتهاء الصلاة يضعون على کل قرص نقطة من کل من زيت السمسم ودم الحمامة ويقدمون ثلاثة منها إلى « الشالمانه متهيمن » الذي يأکل واحداً منها في الصباح والآخر عند الظهر

__________________

(١) ( M.N siouffi : op. cit. p. ٩٥ FF )

٣٦٩

والثالث في المساء بعد أن تضاف إليها کمية قليلة من اللوز والجوز والکشمش. أما السبعة والخمسون قرصاً الباقية فإنها تدفن في الأرض في سورة المعبد إشارة إلى أن « الشالمانه متهيمن » قد دفن بالنسبة للعالم. وتتکرر هذه العملية طيلة الأيام السبعة. وفي اليوم الثامن تقام وليمة عند الأسقف يشارک فيها « الشالمانه متهيمن » حيث تقرأ عليه قبل انتهاء الأکل صلاة الميت يقرأها جميع الحاضرين وهم وقوف يمسک کل منهم بيده بآخر لقمة من الطعام لا يضعها في فمه إلّا بعد انتهاء الصلاة. وهکذا ينتهي « المسخثه » ويتمتع الصابئي الذي أجري له باحترام لا يقل عن الاحترام الواجب لرجل الدين بحيث أن من يلتقي به من أبناء دينه ينحني له انحناءة کبيرة.

ويجري طقس « المسخثه » للأموات أيضاً ولکنه يقتصر على الذين ينتمون إلى الطبقات الموسرة منهم لأن حتمية اشتراک أسقف وعدد من القسس لا يقل عن أربعة تتطلب من الورثة مصاريف باهضة تدفع کمکافأة للذين يقومون بهذه الخدمة الدينية. أما مراسيم الدفن فتکون في العادة على النحو التالي : يقوم الدياکون الذي‌ يجب أن يتواجد عند فراش کل مريض شديد المرض بأجلاس المريض بمساعدة أقاربه وذلک بمجرد أن يلاحظ حلول ساعة احتضاره ثم يصب عليه في البداية ماءً دافئاً بارداً ويبدأ بذلک من الرأس ويقوم بقراءة الصلاة المقررة نيابة عن المحتضر إذا کان هذا في حالة لا تمکنه من أن يقرأها بنفسه.
وبعد أن يغسل المتوفي يوضع بحيث يکون وجهه باتجاه النجم القطبي ويلبسونه « الرسته » أي الحلة المقدسة عند الصابئة وهي حلة من القماش الأبيض تتألف من القطع التالية :
١ ) السروال.

٣٧٠
٢ ) القميص.
٣ ) « کنزاله » أي العمامة التي يلفون بها الرأس بحيث تترک إحدى نهاياتها مدلاة فوق الکتف الأيسر.
٤ ) « النصيفة » وهي نوع من الطبرشيل يلقي على الکتف إلى جانب العنق ويتدلى من الأمام حتى الرکب.
٥ ) « الهميانة » وهو حزام من الصوف يصنعه القسس بأنفسهم.
٦ ) « القبوعة » وهي قطعة القماش لها أربع زوايا ، ترمى على الرأس بطريقة بحيث تلفه من الجانبين (١).
ويقوم مقام التابوت قفص من الصفصاف يقوم أربعة دياکونات بوضع المتوفى فيه ثم يحملون الجثة يتقدمهم أکبرهم على نقالة إلى المقبرة حيث يباشر الدياکونات بعد وصول الموکب الحزين بحفر القبر بأنفسهم ، ثم يسجى المتوفى في القبر بحيث يکون وجهه متجهاً نحو النجم القطبي. وبعد ذلک يقوم الدياکون الأقدم ، الذي کان قد ضرب الضربات الثلاث الأولى بالمعول عند حفر القبر ، برمي ثلاث حفنات من التراب على الجثة المسجاة في القبر ثم يحذو حذوه الحاضرون جميعهم.
وعند العودة من المقبرة يقيمون وليمة جنائزية يقرأ القسس في نهايتها صلاة الأموات بحيث يسمعها الجميع وهم وقوف ممسکين بأيديهم بآخر لقمة من الطعام يضعونها في أفواههم بعد انتهاء الصلاة. وتعتبر

__________________

(١) يبدو أن الأمر التبس على المؤلف فالرسته الکاملة للفرد العادي تتألف من خمس قطع في‌حين تحتوي رسته الکاهن على سبع قطع ، والقبوعة هي نفسها النصيفة ، أما الکنزاله فهي النصيفة أيضاً عندما توضع على الرأس بهيئة خاصة أثناء إجراء « الرهمي » والتي‌ هي عبارة عن أدعية تمهيدية للتکريس. انظر : وصفاً کاملاً للرسته في : الليدي دراوور ، المصدر السابق : ص ٧٧ ـ ٨٠. المترجم.

٣٧١

الوليمة الجنائزية أمراً حتمياً حتى بالنسبة للفقراء ولو کان کل ما يقدمه هؤلاء من الطعام يتألف من الخضراوات وحدها. أما الأغنياء فإنهم يقيمون ولائم جنائزية في يوم الدفن وکذلک في کل من اليوم الثالث والسابع والخامس عشر والأربعين والستين بعد الوفاة.

ومن بين الطقوس الأخرى التي ترافق الأحداث الأکثر أهمية في حياة الصابئة والتي ينبغي أن نشير إليها الزواج الذي يحمل طابعاً خاصاً تماماً :
يحاول الشاب في البداية أن يحصل على موافقة من يختارها فيرسل لهذا الغرض الخاطبات إلى الفتاة التي راقت له. وبعد أن توافق يفوض الشاب الأسقف أو القس بطلب يدها من أبيها ويقوم هذا بعد أن يصغي للمبعوثين بالانفراد ، کما يقضي العرف ، في غرفة منفصلة للتشاور مع زوجته وابنته. ويحدد الخاطبون في حالة الموافقة بالاتفاق مع أب العروس رأساً المبلغ الذي يتوجب على العريس أن يهديه إلى الفتاة ، کمهر ذلک أن الصداق (١) لا يدفع عند الصابئة حتى لو کانت المتزوجة من بنات الأغنياء. وفي الصباح التالى تجلب قريبات العريس للعروس نيابة عنه خاتمين أحدهما من الذهب والآخر من الفضة ويضعنها في أصابعها ثم يشبکن شعرها بثلاث قطع من الذهب ويضمخن يديها ورجليها بالحناء (٢).

__________________

(١) يقصد المؤلف هنا الأموال والأمتعة التي يدفعها والدا الفتاة عند زواجها. المترجم.

(٢) تعطي أوراق نبات Law sonia inerms بعد أن تجفف وتطحن لوناً أحمر. إن عادة صبغ الأيدي والأرجل بالحناء منتشرة لدى المسلمين ـ الشيعة. [ الواقع إن استعمال الحناء لا يقتصر على الشيعة فقط ، بل تستعمله نساء الشرق بوجه عام ] المترجم.

٣٧٢
ويستمر طقس الزواج الذي لا يجريه إلا الأساقفة ثمانية أيام ويتحتم أن يبدأ في يوم أحد فتتوجه الفتاة يرافقها إثنان من القسس ( ترميدة ) إلى النهر حيث يعمدها الاثنان بالتعاقب ، ثم يعمد العريس مرتين بنفس الطريقة أيضاً ، وبعد ذلک يستبدل الشابان المقبلان على الزواج حلتهما المقدسة ( رسته ) بملابس العيد ويذهبان إلى بيت الأسقف ويظلان فيه طيلة أسبوع العرس ، حيث يکون مکان العروس قد أعد في غرفة خاصة تحجبه ستارة من القماش ، أما العريس فيقيم مع المدعوين في‌ فناء الدار في کوخ مصنوع من أغصان الصفصاف.
وبعد أن يسکن الأسقف العروسين في بيته يفوض ثلاث نساء معروفات بالاستقامة ولا تربطهن ببعض علاقات القربي بالتأکد من عذرية العروس فيفعلن ويعلن عن ذلک بصرخة معينة (١) يکررنها ثلاث مرات في حالة تأکدهن من عذرية العروس ، ومرة واحدة في حالة العکس ، ويکون من حق العريس إذا ما کانت نتيجة الفحص سلبية‌ أن يتخلي عن الفتاة التي اختارها وعن الاستمرار في إجراء الطقوس.
وبعد أن ينتهي الأسقف من هذه الشکليات يقوم بتعيين وکيل عن

__________________

(١) يکون إعلان ذلک بإطلاق الزغاريد ، وتصف الليدي دراوور التي شاهدت عدة أعراس صابئية بشکل يختلف بعض الشيء حيث تقول : « دخلت الفتاة ومعها الجميع إلى بيت ( الکنزفرة ) لتجتاز اختباراً يجب أن يسبق عمادة الأعراس ، وهو أن تقوم امرأتان ( زوج الکنزفرة وأمه عادة ) [ أو أية امرأة صابئية صالحة يعتمد على خبرتها وخلقها کما يذکر مترجما کتاب الليدي دراوور السيدان نعمي بدوي وغضبان رومي ] بالتأکد من عذرية الفتاة فإن لم تکن عذراء صمتت المرأتان وإذا کان العکس أطلقتا الزغاريد ». الليدي دراوور. المصدر السابق ، ص ١٢٠. المترجم.

٣٧٣

الفتاة يکون في العادة أبوها ويمسک بيده ويضعها في‌ يد العريس ثم يتوجه إلى الوکيل سائلاً أباه : « هل تعطي ابنتک ( اسم الفتاة ) لفلان؟ » وبعد أن يأتي الجواب بالإيجاب يسأل العريس : « هل تأخذ فلانة زوجة لک »؟ وبعد أن يؤکد العريس ذلک يسأل الأسقف الوکيل مرة أخرى : « بکم أعطيت ابنتک؟ » وعلى الوکيل أن يعطي دائماً جواباً واحداً لا يتغير هو : « بألف دينار » رغم أن هذا المبلغ لا يطابق الواقع أبداً ، ثم يوجه الأسقف للعريس السؤال التالي وهو : « وأنت ماذا تعطيها » فيذکر العريس جواباً على هذا السؤال صيغة مقررة هي « لقد أعطيتها حمولة جمل من الملابس الحريرية ومثلها من الملابس الکتانية ». وبعد أن يوثق الأسقف عقد الزواج بهذا الشکل يسمح للأب أو وکيل العروس بالانصراف إلى بيته ذلک أن الصابئة يعتقدون بأن من المعيب على الأب (١) أن يحضر زواج ابنته.

ويبدأ الکنزفرة أي الأسقف بعد ذلک بقراءة صلاة خاصة يقود العريس بعد انتهائها إلى غرقة العروس ويجعلهما يقفان بحيث يکون ظهر أحدهما نحو الآخر وبحيث يبقى العريس خارج الستارة في حين تکون العروس خلفها وتکون الستارة بمثابة الحائظ الذي يفصل بينهما ، ثم يقرأ للعروسين مرة أخرى صلوات يقوم الأسقف في‌ أثنائها بين الحين والآخر بضرب رأس أحدهما برأس الآخر. وعند انتهاء هذا الجزء من الطقس يخرج الأسقف مع العريس إلى الفناء فيجلس جميع المدعوين فوراً إلى مائدة الطعام باستثناء العريس الذي لا يستطيع في هذا اليوم تناول الطعام نظراً لأنه يرتدي الرسته. وعندما يحل الظلام يحدد الأسقف بواسطة النجوم اللحظة المناسبة فيقود العريس ويدخله على العروس تحت الستارة مردداً :

__________________

(١) عدم حضور الاب زواج ابنته عرف اجتماعي عراقي. حميد الدراجي

٣٧٤

« هذا هو زوجک أحبيه وأطيعيه ». ثم يقول للعريس : « هذه هي عروسک يجب أن تطعمها قبل أن تبدأ أنت بالأکل وتکسوها قبل أن تکتسي أنت يجب أن تجعلها راضية على الدوام » وبهذا يکون الزواج قد انتهى. يعتبر الزوجان طيلة الأيام الثمانية التي تستمر خلالها احتفالات الزواج غير نظيفين وکذلک الأشياء التي يلمسانها تکون بحاجة إلى تطهير. ولا يعود الزوجان إلى نظافتهما السابقة إلا بعد أن يتطهرا بواسطة التعميد في النهر.

وتکون النفساء في أعلى درجات النجاسة فلا أحد يستطيع طيلة شهر کامل أن يمسها دون أن ينجس نفسه ولهذا السبب تعزل جميع الأدوات المنزلية التي تستخدمها بعناية عن بقية الأدوات ويمنع زوج النفساء طيلة هذا الشهر من إقامة الطقوس أو ذبح الحيوانات إذا کان رجل دين أو حلالى کذلک لا تستطيع النفساء ذاتها طيلة فترة ما بعد الولادة أن تصلي أو تحضر عند اداء الخدمة الدينية ولذا فأنها تکون معرضة لهجوم الأرواح الشريرة وأخطرها اليول الذي يأتي إلى النفساء ليلاً ويستل منها قلبها. لذا فإنهم لا يترکون المرأة بعد الولادة وحدها في الليل أبداً تلافياً لوقوع مثل هذه المصيبة ، وحتى في النهار عندما تخرج من البيت يعطونها سکيناً أو خنجراً لکي تحمي نفسها من الشياطين.
وهنا لا يسعنا إلا أن نشير إلى أن الاعتقاد نفسه يسود بين النساء الفارسيات ، فالجني ( الشيطان ) الذي يسرق قلب النفساء وکبدها هو آل ووسيلة التخلص منه هي الخنجر الذي يوضع وهو نصف مسلول من غمده تحت رأس النفساء بعد أن تکون القابلة قد رسمت بواسطته خطوطاً في الهواء في کل جهة من الجهات الأربع.
وقبل أن ننتقل إلى تکوين المعبد وإلى الخدمة الدينية عند الصابئة نرى أن من الضروري أن نتحدث باختصار عن الصلاة.

٣٧٥
الصلاة عند الصابئة مرهونة کما هي عند المسيحين بأوقات وحالات معينة هي : قبل الأکل وقبل النوم وقبل السفر وقبل الشروع بأي عمل. حيث ينبغي للصابئي أن يتلو في کل حالة من هذه الحالات الصلاة الخاصة بها. ويتوجه الصابئة في صلاتهم إلى مانه ربه وإلى ما أدربوثا وملوک الجنة الآخرين وإلى يحيى وآدم وسام بن نوح وإلى شهداء الصابئة الذين قتلهم في‌ القدس الطاغية اليهوي اليزار. لقد کانت هناک في البداية ثلاث صلوات إجبارية في اليوم تقام الأولى في الفجر والثانية في منتصف النهار والثالثة عند غروب الشمس ، وقد ألغي علماء الصابئة فيما بعد صلاة منتصف النهار ذلک لأن کلاً من الصلوات تستغرق ما لا يقل عن ساعتين لذا فإن الجزء الأغلب من النهار يذهب في الصلاة ولا يبقى وقت تقريباً للاهتمام بالشؤون المختلفة.
أما عن المعبد أو المشکنة (١) باللغة الصابئية فإن عدد المعابد الدائمة عند الصابئة العراقيين لا يتعدى الاثنين أولهما في شطرة العمارة والآخر في سوق الشيوخ التي هي‌ في الوقت نفسه مقراً لأسقفهم.
إن السبب في عدم وجود معابد دائمة للصابئة في مدن العراق الجنوبي الأخرى يکمن حسب رأي السيد سيوفي في افتقارهم للأموال الکافية (٢) ولکن طالما أن تکوين معابد الصابئة کما سنرى فيما بعد بدائي جداً ولا يتطلب أي مصاريف تقريباً فإن من الصعب الموافقة على هذا

__________________

(١) أفردت الليدي دراوور فصلاً خاصاً في کتابها السابق الذکر هو الفصل الثامن للحديث عن بيت العبادة الصابئي يمکن للقارئ الراغب بالتفاصيل الرجوع إليه. المترجم.

(٢) ( m.n sionffi op cit. P. ١١٨ )

٣٧٦

الرأي. الأصح أنّه ينبغي الاعتقاد بأن الصابئة المنغلقين جداً فيما يتعلق بدينهم وطقوسهم متقصدون في عدم بناء معابد دائمية وذلک کي لا يثيروا فضولاً هم في غني عنه من جانب من يغايرهم في الدين ولکي يتجنبوا على الأخص مضايقات صغار موظفي الدولة العثمانية. ويشير إلى ذلک أيضاً السيد ( cuinet ) في کتابه (١) « admin La Turquie d asiw Geographie istrativw ١١ »

ولهذا ينتشر بين الصابئة على نطاق واسع المشکنة أي المعبد المؤقت ، وهو عبارة عن کوخ من القصب طوله خمسة أمتار وعرضه أربعة أمتار يطلي من الخارج بالطين ، تکون فيه السماء سقفاً له (٢) ، وفي المعبد من هذا النوع فتحتان بدلاً من النوافذ تقع أحداهما في الشرق والأخرى في‌ الغرب إضافة إلى باب واحد يتجه نحو الجنوب لذا فإن الداخل منه يجد أمامه النجم القطبي بدون أن يتقصد ذلک. ويقام في وسط المعبد مرتفع صغير من الطين يشبه المذبح في حين يقوم في أحد جانبي‌ البناء حوض للماء يملأ عند الحاجة بماء النهر بواسطة ساقية صغيرة.
ويوقت بناء مثل هذه المعابد المؤقتة عادة مع عيد « البانشو » (٣) الذي يحتفل به طيلة الأيام الخمسة التي تضاف إلى نهاية الشهر الثامن من التقويم الصابئي لکي يکمل عدد أيام السنة الثلاثمائة والخمسة والستين لأن

__________________

(١) ( t١١١ p ٢٢٢ )

(٢) يقصد المؤلف أن هذا المعبد يکون بدون سقف علماً بأن المعبد الصابئي يکون له سقف عادة إلا عند إجراء طقوس معينة فيکون المعبد عند إجراء تلک الطقوس بلا سقف. المترجم.

(٣) الصحيح « البنجة » وهو عيد الخليقة. راجع حول أعياد الصابئة المندائيين : رشدي عليان ، المصدر السابق ، ص ١١٧ ـ ١٢٢. المترجم.

٣٧٧

کل واحد من الاثني عشر شهراً يحتوي على ثلاثين يوماً. وهذا العيد هو واحد من أکبر الأعياد فکل يوم من أيامه الخمسة مکرس لواحد من ملوک الجنة ويتحتم على الصابئة جميعهم في هذا العيد ذکوراً وإناثاً أن يغتسلوا في‌ النهر ثلاث مرات في اليوم وأن يرتدوا ملابس بيضاء. وتزداد أهمية عيد البانشو نظراً لأنه يجري في أثنائه تکريس المعبد الموقت الجديد الذي تصاحبه طقوس دينية مهيبة ولأن فيه يجري إعداد فطائر خاصة مخصصة لطقس التناول.

ونورد لوصف هذا الاحتفال المقطع الذي أورده المبشر الأمريکي ( Zwemer ) في کتابه (١) نقلاً عن عدد ١٩ تشرين الأول ١٨٩٤ من جريدة ( Standard ) ، والذي يشرح فيه مؤلف مجهول هذا الاحتفال بشکل شاعري على النحو التالي :
« يسير عبدة النجوم رجالاً ونساء قبيل منتصف الليل ببطء بمحاذاة النهر متجهين إلى المشکنة الذي کان قد بُني قبل قليل. وهناک يدخل کل منهم بالتعاقب في عشة صغيرة جداً مضفورة أقيمت في الجانب الجنوبي من المعبد فوق برکة من الماء ثم يخلع ملابسه ويسبح في‌ البرکة وفي‌ أثناء ذلک يردد الترميذة أي القس الذي يکون واقفاً خارج العشة لکل واحد منهم عبارة « اسم الحي ، السم الکلمة الحية منطوقان عليک » وعند الخروج من الماء يلبس الرجال والنساء الرستة ويذهبون إلى مکان مکشوف أمام المعبد حيث يجلسون على الأرض محيين الحضور بعبارة « سود هويلخ » أي کن موفقاً ويجيبهم الحضور على ذلک بعبارة « اسواثه الهيي هويلخ » أي برکة الحي عليکم.

__________________

(١) s.m.zwemer. Op. cit. p. ٢٩٩. ff.

٣٧٨
« وکان عدد الحضور يزداد مع اقتراب ساعة الاحتفال ، وعند منتصف الليل تماماً کان هناک عشرون صفاً من الأشخاص يلبسون البياض ويجلسون بوقار متجهين بوجوههم نحو المشکنة ينتظرون بصمت وصول الکهنة. وهناک قسمان يمسک کل منهما مصباحاً يحرسان مدخل المعبد ولا يحولان بصرهما عن الدب الأکبر. وبمجرد أن تأخذ هذه النجمة وصفاً يشير إلى حلول منتصف الليل يعطي القسان إشارة بذلک بأن يرفعا قنديليهما فيتحرک بقية الکهنة بعد بضع دقائق في موکب مهيب. »
« يسير في المقدمة أربعة من الشکندة أي أربعة دياکونات يليهم أربعة قسس ( ترميده ) يضع کل منهم في خنصره خاتماً من الذهب ويمسک بيده عکازاً من أغصان شجرة الزيتون على شکل صليب. ويسير بعد القس الرئيس الروحي للطائفة الکنزفرة وهو کاهن ينتخبه زملاؤه ويکون منصرفاً عن العالم حتى أنهم ينظرون إليه کما لو أنه متوفياً يحل في مستقر الصالحين ، ثم يأتي بعده أربعة دياکونات آخرين يمسک أحدهم بعصا الکنزفرة الکبيرة التي تعرف باسم « در افشيد زيوا » (١) وهي رمز لمنصبه الديني. أما الثاني فيحمل کتاب عبدة النجوم المقدس « سدره ربه » أي الکتاب العظيم ، في حين يحمل الثالث قفصاً فيه حمامتان حيتان ويحمل الرابع قدراً من الحنطة وحبات السمسم ».
يسير الموکب بين صفوف المصلين الذين يقبلون ثياب الکنزفرة عندما يمر بالقرب منهم ويرفع القسان اللذان يقفان على باب المعبد ستارة الباب فيدخل الموکب إلى الداخل ويأخذ الدياکونات مواقفهم إلى يمين

__________________

(١) الصحيح درافشه زيوا وهي ليست عصا الکنزفرة وإنما هي علم النبي يحيى ، أما عصا الکنزفرة فإسمها « المرکلة ». المترجم.

٣٧٩

المذبح ويساره في حين يقف الکنزفرة في الوسط مباشرة قبالة المرتفع الطيني الذي يقوم مقام المذبح والذي يوضع عليه الکتاب المقدس « سدره ربه » بعد ذلک يأخذ القس الأکبر حمامة حية وينظر إلى النجمة القطبية ويمد يده إليه ثم ينزل الحمامة ويقول : « باسم الحي ليشارک النور الأول ، النور القديم ، الآله الخالق نفسه » وتلفظ هذه الکلمات بشکل واضح ويسمعها جميع المصلين خارج سياج المعبد فيقف الجميع في‌ لباسهم الأبيض في وقت واحد ، ويخرون سجداً أمام نجمة الشمال التي کانوا يتأملونها قبل ذلک وهم صامتون ثم يجلسون مرةأخرى وهم يتلون الصلاة دون ضجيج.

وفي‌ هذه الأثناء يتنحى الکنزفرة في‌ المشکنة جانباً ويحل محله قس کبير يعمد إلى فتح الکتاب الموضوع فوق المذبح ويبدأ بالقراءة فيه مترنماً يرفع صوته مرة ويخفضه مرة أخرى ، وبين الحين والآخر يقطع القراءة ويهتف « ليتمجد اسمک يا واهب الحياة » ويتلقف المصلون هذا الهتاف ويرددونه وهم مطأطأ والرؤوس يخفون وجوههم بأيديهم. في الوقت نفسه يقوم اثنان من الترميدة أي قسان آخران بإعداد القربان الذي يطلقون عليه اسم بهثة (١) ايلويو أي « السر الأعظم » فيقوم واحد منهم باستخدام الفحم لإشعال نار في موقد من الطين يوجد في أحد جانبي المذبح في حين يقوم الآخر بطحن الحنطة بواسطة رحي يدوية ثم يعصر حبوب السمسم ويستخرج منها الزيت ويخلطه بطحين الحنطة فيصنع بذلک عجيناً يعمل منه أقراص حجم الواحدة منها بحجم قطعة النقد التي تساوي شلنين. تلصق الأقراص إلى جدران الموقد المحمي فتنضج بسرعة ، ويکون

__________________

(١) البهثة هي الخبز المقدس. المترجم.

٣٨٠

الطقس في‌ أثناء ذلک ماضياً في‌ سيره حيث الترنيم الرتيب وجواب المصلين. عندما تصبح الأقراص کلها جاهزة يأخذ أحد القسس من الشکندة أي الدياکون الواقف بجانبه الحمامة الباقية في‌ القفص ويقطع عنقها بسرعة بواسطة سکين حادة ويأخذ دمها بحرص شديد ، ثم يقوم القسان اللذان صنعا الأقراص بجلب هذه الأقراص بحيث تقع أربع قطرات من الدم بشکل صليب على کل منها. وبعد ذلک يقوم القسان اللذان أعدا الأقراص بتوزيعها على المصلين وذلک بأن توضع لهم في أفواههم مباشرة مع تلفظ عبارة « لينطبع ختم الحي عليک ».

« وفي أثناء ذلک يقوم الدياکونات الأربعة بحفر حفرة صغيرة في المعبد نفسه خلف المذبح ويدفنون فيها الحمامة الذبيحة وينهي القس الأکبر قراءته ويتنحي فيحل محله أمام الکتاب المقدس الرئيس الديني ويبدأ بتلاوة المسخثه متوجهاً طيلة الوقت نحو النجم القطبي‌ الذي لا يحيد المصلون أيضاً عنه بأبصارهم طيلة استمرار الطقس. ويستمر الرئيس الديني بتلاوة المسخثه حتى يحل الفجر فيصيح عند ذلک بصوت عال : « أتذکرک يا اواتر فتذکرني أنت أيضاً » وبهذا ينتهي الطقس ».
وعند الانتهاء يقاد إلى الکوخ القصبي الذي يقام مقام المعبد خروف کان قد أحضر مسبقاً فيقوم الکنزفرة بذبحه هناک ويراعي في ذلک القواعد المعتادة في مثل هذه الحالات. إن هذا الخروف هو أضحية تقدم لاواتر وبثاهيل ولهذا فإن لحمه يقسم بعد أن يسيل منه الدم إلى قطع بعدد الموجودين وتوزع عليهم ، وينتهي الاحتفال بأجمعه قبل حلول الفجر ويعود الصابئة إلى بيوتهم قبل أن تشرق الشمس في‌ الأفق.
أما فيما يتعلق بـ « البهثه ايلويو » أي القرابين فينبغي أن نلاحظ بأن

٣٨١

کاتب المقطع الذي أوردناه أعلاه يختلف مع السيد سيوفي (١) الذي يذکر في الفصل السادس عشر من کتابه بأن « البهثة ايلويو » لا يقدم إلا للأساقفة والقسس وللذين يتميزون بحياتهم الصالحة مع العلمانيين فقط. أما الأشخاص العاديون البسطاء فإن لهم عند الصابئة شکل آخر من أشکال القربان يسمى « بهثه » فقط ويجري على النحو التالي :

يقوم قسان بتعميد أحدهما الآخر بالتعاقب ويجلبان معهما إلى النهر کمية معينة من الحنطة يقومان بغسلها فيه ثم يجففانها بنشرها على قطعة من القماش الأبيض ، ثم يقومان بطحن هذه الحبوب برحي يدوية ويصنعان من الطحين عجيناً غير مختمر يعملون منه أقراصاً خفيفة کالورق. ويرافق هذه العمليات کافة قراءة الصلوات المقررة لهذه المناسبة. فهذه الصلوات على ما يعتقد الصابئة تحول تلک الأقراص إلى نفس الخبز الذي يأکله سکان ألمه اد نهورا أي الجنة. وتحفظ « البهثه » في‌ أواني خاصة مغلقة بإحکام في بيوت القسس ويقوم هؤلاء بتوزيع هذه الأقراص على الصابئة في أيام الأعياد بأن يضعوها في أفواههم مباشرة لأنها تتحول إلى خبز عادي عندما يلمسها أحد العلمانيين.
ولکي يجري « البهثه » بالصورة الصحيحة ينبغي على الشخص أن يکون قد عمد على الطريقة الصابئية ، وأن يتمتع بسمعة طيبة وسلوک لا غبار عليه ، ويفقد الصابئي الذي يتخلي عن دينه طوعاً الحق في تذوق « البهثه » والذين لا يتعرضون لهذا العقاب هم فقط أولئک الذين أکرهوا على التخلي عن دينهم بالإکراه ثم عادوا إليه بمجرد أن سنحت لهم الفرصة لذلک. ومن يتذوق « البهثه » يحصل على قوة جديدة من الإيمان تطهره من

__________________

(١) ( m.n.siouffi op.cit.p. q ٢ff )

٣٨٢

الذنوب ويصبح بإمکانه أن يرى مستقر النعيم ألمه اد نهورا بعين الروح إذا ما رکز على ذلک أفکاره کما يجب. والقس الذي يشرک في « البهثه » من لا يستحق يکون قد ارتکب ضلالاً أما الشخص الذي يشارک فيه ثم يقع في‌ الاثم مرة أخرى فإن عقابه يتضاعف بسبب ذلک عشرة مرات.

ويوجد لدي الصابئة إلى جانب القرابين الاعتراف أيضاً ويعرف عندهم باسم « شومخوته » (١) ون کان لا يشبه ، من حيث جوهره السر المقدس المسيحي ، وبالمقابل فکما أن الکنيسة عند المسيحيين لا تنکر على الآثم النادم أبداً الأمل في أن يحصل على الغفران المنشود فإن الاعتراف عند الصابئة لا يؤدي إلى الغفران إلا في حالة ما إذا لم يرتکب النادم الاثم السابق مرة أخرى ، وتعطى للصابئي من باب التساهل فرصة الاعتراف بالذنب الواحد ثلاث مرات لا أکثر حيث لا يعود الاعتراف في المرة الرابعة نافعاً ولا ينقذ الآثم من أهوال الجحيم. والوسيلة الوحيدة أمام الآثم لتجنب هذه الأهوال في مثل هذا الاثم المستعصي هي توزيع الحسنات ومساعدة البائسين وتحرير المحبوسين من السجون أما بدفع ديونهم أو عن طريق التوسط لهم عند السلطات ، وکذلک استنساخ أکثر ما يمکن من الکتب المقدسة على حسابه الخاص.
ويجري الاعتراف أو « شومخوته » عند القس في بيته حيث يلبس القس « الرسته » ويصغي‌ للنادم على انفراد لأن سر الاعتراف يجب أن يصان بحرص شديد. وبعد أن يسمع « الترميدة » اعتراف المعترف يفتح الکتاب المقدس ويقرأ منه الموضع الذي يجري فيه الحديث عن العذاب المعد في جهنم لعقاب من يرتکب الذنب الذي اعترف به النادم ، ثم ينصح هذا

__________________

(١) الاعتراف عند الصابئة هو « أياسه وتيابه » أي الغفران والتوبة. المترجم.

٣٨٣

الأخير بأن يمتنع في المستقبل عن ارتکاب هذا الذنب. فيعبر المعترف عن تصميمه على التوبة ويقبِّل الکتاب المقدس ويد الکاهن.

لم يبقَ في الختام إلا أن نتحدث باختصار عن الأعياد وعن الصيام عند الصابئة. يوم العيد في الأسبوع هو الأحد الذي يسمى « هبشبه » وهو اسم لأحد لملوک الجنة الذي يخرج في هذا اليوم من الجنة إلى العالم الأرضي غير المنظور ( مشوني کشطه ) ليعمد سکان ذلک العالم. ويقوم رجال الدين الصابئة محاکاة له بتعميد الصابئة وتزويجهم في يوم الأحد عادة. ويقضي الصابئة المؤمنون هذا اليوم في الراحة حيث يترکون العمل ويجتمعون عند القسس لسماع قراءة الکتب الدينية أو يتحدثون في قضايا الوعظ والإرشاد.
ويحتفل الصابئة بالإضافة إلى يوم الأحد وعيد « البانشو » أي عيد الأيام الخمسة الذي‌ مر ذکره ، بالأعياد التالية :
١ ـ يوم رأس السنة الجديدة. ويقع في اليوم الأول من أول شهر من أشهر الشتاء. حيث تعمل کان عائلة على أن تحضر قبيل حلول هذا العيد أباريق من الفخار بعدد أفرادها إضافة إلى کمية من اللوز والجوز والتفاح وما أشبه ذلک لکنهم لا يتناولون هذه المآکولات إلا بعد إنصرام أسبوع رأس السنة الجديدة ، وفي الوقت نفسه يتزود کل واحد بکمية من اللحم والماء تکفي‌ لهذا الوقت لأن ذبح الحيوانات وجلب الماء من النهر محرم في أثناء احتفالات السنة الجديدة. وفي اليوم الذي يسبق السنة الجديدة والذي‌ يعتبر هو الآخر عيداً يتعمد الصابئة ومن أجل أن لا يتدنسوا فإنهم يقضون ليلة رأس السنة الجديدة ساهرين ولا يخرجون من بيوتهم طيلة اليوم التالي. وأول عمل يقومون به بعد أن يغادروا بيوتهم في اليوم التالي هو زيارة کهنتهم الذين يبدأون بعد ذلک بالطواف برعيتهم حيث يتسلمون

٣٨٤

من کل عائلة هدايا نقدية.

٢ ـ العيد الثاني من حيث الأهمية هو « دهقه حنينه » الذي يحتفل به في الثامن عشر من أول شهر من أشهر الربيع احتفاء بذکري عودة هبيل زيوا الميمونة إلى الجنة من سفرته الطويلة والصعبة بحثاً عن روهية أم أور. ويستمر هذا العيد خمسة أيام يتناول الصابئة خلالها طعاماً مجهزاً بشکل خاص من الخبز والرز والتمر وذلک بالرغم من أن ذبح الحيوانات والطيور وأکل لحمها غير محرم في هذه الأيام.
٣ ـ ولدي الصابئة أيضاً يوم خاص مکرس لذکري الأموات وهو اليوم الأول من الشهر الثاني من أشهر الربيع وهو اليوم الذي تذکر مآثر الصابئة بأن الصابئة الذين قادهم ملکهم الأسطوري فروّق ملکة ماتوا فيه في البحر الأحمر. وتقوم کل عائلة هذا اليوم بإرسال کمية من الطعام إلى القسس لکي يصلوا ويذکروا الأموات من أفرادها.
أما عن الصيام فإنه في نظر الصابئة إمساک عن أي قضية سيئة ولهذا فإنهم يحجمون في أيام الصيام التي تسمي « مُبَطّلْ » (١) عن القضاء على حياة أي مخلوق فيمتنعون عن ذبح الحيوانات والطيور ، ولذلک فإنهم يتجنبون بدون قصد أکل اللحوم مثل المسيحيين ، وعدد أيام الصيام إثنان وثلاثون يوماً لکنها غير متصلة بمعني أنها لا تتعاقب الواحد بعد الآخر وأنما هي‌ موزعة على الأشهر المختلفة فيما عدا الأربعة عشر يوماً الأول من أول شهر من أشهر الشتاء التي تعتبر جميعها أيام صيام.

__________________

(١) المبطل عند الصابئة هو اليوم غير المبارک أي‌ اليوم النحس الذي يجب عدم التعامل أثناءه کما يجب عدم إجراء أية مراسيم دينية. انظر : الليدي دراوور ، المصدر السابق ، ص ١٥٠. المترجم.

٣٨٥
وإذا عمدنا إلى إجمال النتائج التي نستخلصها من جميع ما ذکرناه عن الصابئة ليس بإمکاننا اعتبارهم مسيحيين على الرغم من آثار المسيحية المعروفة البادية في‌ عقائدهم الدينية. فالواقع أنهم يعبدون ويتوجهون في صلواتهم بالإضافة إلى الکائن الأعلى إلى ثلاثمائة وستين ملکاً من ملوک الجنة ويبجلون الکواکب ولا يعترفون بعيسي المسيح وينکرون التوراة والإنجيل. کما أن عندهم ما يشبه أسرار التعميد والقربان والاعتراف ويستعملون في بعض الأحيان علامة الصليب. کذلک لا يمکن قرن الصابئة باليهود بسبب عدم ممارستهم للختان على الرغم من أنهم لا يأکلون إلا اللحم الحلال ويفرقون بين الحيوانات التي يسمح بأکل لحمها وتلک التي يحرم أکلها کما أنهم ينظفون أنفسهم ويغتسلون بنفس الدقة التي يفعل بها ذلک اليهود.
وإننا في الواقع نمسک عن أن نقرر من هم الصابئة على أساس عقائدهم الدينية وذلک لأن العلماء الأوروبيين ما زالوا لم يصلوا إلى استنتاج نهائي بهذا الخصوص من جهة ، ومن الجهة الأخرى يتعذر إعطاء رأي علمي دقيق دون دراسة جدية مسبقة لعلم اللاهوت المقارن ودون اطلاع مفصل وعميق على جوهر عقائد الصابئة الدينية وعلى محتويات کتبهم المقدسة ، بل وحتى على حياتهم وعاداتهم وأعرافهم.

انتهي الجزء الأول ويليه الجزء الثاني

٣٨٦

فهرس الكتاب

مقدمة الناشر البصرةُ علوية المنشأ والهوى........................................... ٣

البصرة في اللغة............................................................. ٤

فضل البصرة............................................................... ٥

أوّلا : جذور التشيع في البصرة............................................ ٧

الفرق الشيعية الإمامية في البصرة.......................................... ٨

وصايا الإمام عليّ عليه السلام ببني تميم..................................... ٩

دور أهل البصرة في نصرة الإمام عليّ عليه السلام في صفين................. ١١

شيعة البصرة والإمام الحسن بن عليّ...................................... ١٣

ثانياً : دور شيعة البصرة في نصرة الإمام الحسين بن علي.................... ١٥

ثالثا : دور شيعة البصرة في الأخذ بثارات الإمام الحسين.................... ١٨

شهداء الطف من شيعة البصرة............................................. ٢٠

الفصل الأوّل.............................................................. ٢٩

الفصل الثاني............................................................. ١١٧

الفصل الثالث............................................................ ١٨٩

الفصل الرّابع............................................................. ٢٦٣

الفصل الخامس........................................................... ٣٣٥

فهرس الكتاب............................................................ ٣٨٧


 

 

__._,_.___
 

Posted by: Hamid Dakhil <hamid.dakheel@hotmail.com>

 
Reply via web post Reply to sender Reply to group Start a New Topic Messages in this topic (1)
please Join The union  on FACEBOOK
https://www.facebook.com/groups/mandaeanunion/?fref=ts

and visit  

www.mandaeanunion.org  to read more issues about the mandaeans
Yahoo! Groups


 
.

 

__,_._,___