هـيـئـة الـتوعـيـة والإرشــاد الـمـنـدائـي رمـزية عـبدالله فـندي / كراس الدكتور يوسف قوزي

  

نـص الـبـحـث الـذي قـدمـتـه الأخـت الســــــيدة رمـزيـة عبدالله فندي حول كراس الدكتور يـوسف قوزي الـذي يحاول فـيه الإســـاءة للديـن الـمـندائـي

 

بشميهون اد هيي ربي

هيئة التوعية والإرشاد المندائي

م / رد وتصويب على كراس الدكتور يوسف قوزي

ديمومة المندائية, من ثبات المندائي على أصله والحفاظ على جذره, فإن مات فـلـن يـفـنى, والـذي لا يـعـتـز بجذوره ، ولا يدافع عن أصله ، ويقدر قيمة عمق دينه وحضارته, لا ينتظر من الآخرين الإعتزاز به واحترامه .

ورد في كراس الدكتور يوسف قوزي, نفي لأي وجود تاريخي للمندائية والتشكيك في نقائها واستقلاليتها في فكرها ولغتها, رغم معرفته المؤكدة بأن المندائية هي الأولى والثاني يأخذ من الأول, وليس العكس! لكنه يصر على أنها لملوم من باقي الأقوام, ويحاول بكل صورة إقحام السريانية في المندائية وإظهار أفضالها على المندائية !!.

بـدأ الدكتور ( بحثه المـُكثّـف ,على حد قوله !! ) بهذا التمهيد الذي يحمل في طياته التشكيك وإلغاء للوجود التاريخي للصابئة المندائية وفي المثيولوجيات ! وبحسب قوله: [ مع بحثنا المُكثـَّف وتقصّينا المُعمَّق ، فنحنُ لمْ نجدْ أيَّ ذكر للصابئين المندائيّين الآراميّين لا في المُدوَّنات الأسطوريّة القديمة ، ولا في ميثولوجيّات المِسماريّات السومريّة ولا الأكـّديّة بفرعَيْها الآشوريّ والبابليّ في بلاد ما بين النهرين ، ولا الإبليّة في سوريا ببلاد الشام ، ولا في في الهيلوغريفيّات المصريّة ، ولا في التوراة العبريّة الآراميّة اليهوديّة ، ولا في الأناجيل المسيحيّة المفقود أصلها الآراميّ المَنطوق به فقط وغير المدون ] .

من هذا المنطلق, نبدأ مداخلتنا, لا نعقب على نقاط الخلل والتشويه الذي جاء في الكراس ( فإن السيدان أحمد راهي صالح والسيد أسامة قيس مغشغش , قد أبلوا بلاءا حسنا في غربلتهم للكراس بردودهم السابقة , والوقوف ناقدين مدققين ومصححين لنقاط الضعف والخلل التي وردة فيه).

في ردي هذا سأتناول بعض من صورة حقيقة التاريخ التوراتي الذي أستند عليه الدكتور في بحثه , مع نبذة عن تاريخ الوجود المندائي .

في الوقت الذي نثني ونشجع البحوث الأمـيـنـة والـرصينة التي تتناول بـمصداقية بما يخص المندائية, نشجبها وندينها بشدة إذا جاءت مغايرة للحقيقة, أو ذات نفس طائفية تحمل نوايا التشويه والتحريف أو طمس للحقائق ! .

أي باحث في المندائية, يستدل بصورة رئيسية على هدفه من خلال دراسة تاريخ فكر العقيدة, وطقوسها الدينية ولغتها, وان يصل بدراسته إلى التسلسل الزمني لأوائل أنبيائهم , (آدم ) الرجل الواعي الأول, وشيتل بن آدم , ونوح ، وسام بن نوح مباركة أسمائهم , ومدى تأثير حقيقة هؤلاء الأنبياء على الأديان الأخرى المتعاقبة؛

كقول السيدة هلينيا بتروفنا بلافسكي في كتابها مفتاح الثيوصوفيا ( أن تاريخ الدين الحقيقي هو تاريخ الشعائر والعقائد, هذا هو القانون البسيط جدا الذي تخضع له, لكن العقيدة تسبق دائما الشعيرة مثل الفكرة , فهي تسبق الشعور الذي يسبق الفعل الخارجي )

, كما أكدها الكاتب المؤلف إميل يوزونوف في علم الأديان / وجاء في الفصل الأول : ( لا يمكننا أن نأمل في العثور على الأصل الأول للأديان في الأناجيل ، ففي الوقت الذي مسك فيه موسى بالسلطة الروحية لشعبه وأسّـس المؤسّسة الدّينية التي مازالت قائمة إلى اليوم ، فإن هذا الشعب لم يكن من غير إلاه ، ولا من غير عبادة . وتشير النصوص التكوينيّة إلى أزمنة تسبق بكثير موسى وحتى إبراهيم ، ويمكننا أن نتصور أنه لمـّا تـّم جمع هذه المذكرات التي كوّنت سفر التكوين ، فإنها لم تكن إلا صدى موهنا للأفعال وربما لنظريات عصور قديمة أكثر علـوّا ) . ومثل هذا الرأي جاء في كتاب د. أحمد سوسة " العرب واليهود في التاريخ " فقال, لا يمكن بأي حال القبول بأن الديانة اليهودية تمتد بعمرها إلى الزمن المفترض لعصر إبراهيم الخليل الذي ربطهُ المؤرخين بالعصر البابلي القديم أوائل الألف الثاني قبل الميلاد, كما لا يمكننا بأي حال القبول بصلةٍ ما تربط إبراهيم بموسى .. ويضيف قائلا : لأن هذا مما أضيف أثناء تدوين التوراة في بابل, إذ من المرجح, وفق آراء المؤرخين, أن التوراة الأخيرة كتبت في بابل وأن كاتبها هو عزرا مستشار الملك الأخمينشي للشؤون اليهودية .

نرى أن المسيحية قد ربطت نشأتها باليهودية, والأخيرة رغم الدراسات العديدة إلا أن الغموض مازال يكتنف الكثير من جوانبها, ولم يتوصل الباحثين في أعطاء رأي واحد وقطعي عن منبع الديانة اليهودية وحقيقتها, فجاءت احدى هذه الشهادات في كتاب " اختلاف إسرائيل القديمة لمؤلفه كيث وايتلام " : والذي ركز على ادعاء الباحثين التوراتيين التقليدين , أن التوراة مصدر أساسي للتاريخ , فيقول بما أن التوراة كتاب مقدس لليهود فإن الوقائع التاريخية المستخلص منها لابد أن تكون "منحازة لليهود ", ويؤكد المؤلف أنه لم يتمم التسليم بأن " إمبراطورية داوود " هي ضرب من الخيال , إلا بعد بحث وتحقيق وفهم تاريخ فلسطين في أواخر العصر البرونزي وأوائل العصر الحديدي , وهي الفترة التي شهدت نشوء مملكة داود حسب تلك الروايات التوراتية التقليدية , وفي موضع آخر من نفس الكتاب يقول الكاتب, ان موضوع نشوء إسرائيل وجذورها التاريخية بحاجة إلى مثل هذا التحول في النموذج , أما النموذج السائد حتى الآن نتيجة لتزييف حقائق التاريخ القديم على يد الباحثين التوراتيين , فهو أنه كانت هناك " مملكة إسرائيلية عظمى " حكمها داود ثم سليمان في فلسطين حوالي 1200 ق.م وهي فترة الانتقال بين البرونزي المتأخر وأوائل العصر الحديدي , والمؤلف يبين أن هذا مجرد وهم زائف.

كما يلاحظ زيف وكذب رواية قتل النبي يهيا المزعومة على يد " هيرودس أنتباس " , والتي لا تخرج عن كونها من أساطير الأناجيل التي اختلفت الآراء والتفاسير حولها !, مؤلفها المؤرخ المزعوم " يوسيفوس فلافيوس ": وهو قائد عسكري على مقاطعة يهودا الرومانية ومن أسرة كهنوتية أرستقراطية , أي أنه كان من الطبقة الحاكمة والنخبة المتأغرقة القريبة من روما المرتبطة بها والمتعاونة معها , درس الشريعة اليهودية " حسبما قال " و تنقل بين عدة مذاهب الفريسيين والصدوقين والأسينيين و أخيرا أستقر على مذهب الفريسيين , ولما بلغ السادسة والعشرين رحل إلى روما , وما عاد من روما حتى اندلعت الثورة اليهودية الكبرى , اتهم بالخيانة فثار علية الشعب فأرسلوا شكوى لإزاحته , هزم الجيش اليهودي بعد حصار دام 47 يوما , ومن ذلك اليوم ويوسفوس المؤرخ يشير إليه بخائن وعميل للرومان ووصف بأنه كان شخصا شديد الطموح لا ضمير له ! .

نقاط كثيرة تشوب مصداقية هذه الرواية المزعومة وبفترتها التاريخية , وبكاتبها وغاياته الشخصية ولمصلحة مَـنْ ؟!! كيف يعقل تصديق كتابات هذه الشخصية المشكوك في أمرها ؟!! ؛

( خاطب الكهنة يهيا بأورشليم قائلين له : النار لن تأكلك يحيى , لأن أسم الحياة منطوق عليك , السـيف لن يقطعك يحيى , لأن أبن الحياة هنا يحل عليك ) . ومن حواشي كتاب يحيى ترجمة الدكتور صباح مال الله ,جاء في رواية سيوفي ص9 ( جاء اليهود وأحاطوا بيت الأب الشيخ بالحطب وأضرموا فيه النيران, ولكن اللهب خمد حين رأى يوحنا , ثم جاءوا بأسلحتهم كي يضربوه بها ولكن ضرباتهم لم تؤثر به ) .

يُعزى الباحثين أهمية مؤلفات يوسفوس فلافيوس عند المسحيين عبر القرون, لأنه جاء على ذكر اليسوع ,من شخص غير مسيحي ب " الشهادة الفلافية " ( شهادة يوسفوس فلافيوس على وجود يسوع ) , ويعتبر هذا الذكر الوحيد من شخص غير مسيحي, وبرغم المصداقية التي يعدها بعض المؤرخين المعاصرين لكلام يوسيفوس ,إلا ان الكثير منهم يعتبر "الشهادة الفلافية " مشكوكا فيها , وما زال الخلاف قائما حول مصداقيتها , في نسخة "عاديات يهودا" الباقية يقول يوسفوس إن يسوع كان المسيح، ويشير بعض الباحثين إلى أنه ليس من المنطقي أن يكون يوسفوس قد اعتبر يسوع مسيحا لأنه لا توجد أية دلالة على كونه من أنصار المسيحيين الأولين ! .

كذلك يوجد اقتباس من كتاب "تاريخ اليهود" في "كتاب العنوان" للأديب الذي عاش

في القرن ال10 للميلاد، وهذا الاقتباس يختلف عن النسخة الموجودة حاليا حيث لا تذكر فيه كلمة "المسيح " , وتنقسم آراء الباحثين المعاصرين إلى ثلاثة افتراضات

الأول / يرفض "الشهادة الفلافية" ويعتبرها تزويرا أضيف إلى النص الأصلي من أجل ترويج المسيحية،

الثاني / يقبل مصداقية "الشهادة الفلافية" ويعتبرها جزءا لا يتجزأ من كلام يوسفوس،

أن الأدباء المسيحيين أضافوا إليه التعابير والمصطلحات لتفخيم يسوع .

الثالث / الأشيع من بين هذه الافتراضات، فيعتبر ذكر يسوع في الكتاب موثوق به، غير أن الأدباء المسيحيين أضافوا إليه التعابير والمصطلحات لتفخيم يسوع

المندائيون لم يولوا اهتمام كبير لتدوين التاريخ لأن التاريخ عندهم زائل, متغير ومتقلب, فالتاريخ الحقيقي عندهم هو تاريخ العقيدة والفكر, وليس تاريخ التجارب والحركات التاريخية , التاريخ الفعلي يتناقض أحيانا مع تاريخ العقيدة ويكون مصدر الفرضيات والروايات, لهذا لم يهتموا به كثيرا, لكن فكر عقيدتهم أنتشر كأشعة الشمس في المعمورة ولأنه حق وحقيقة تأثرت به الأقوام واخذوا ينهلوا منه لصياغة معتقداتهم وأفكارهم الدينية.

نادى هرمس ( المعروف بـ دنا نوخت في الكنزا ربا ) منذ زمن سحيق بفكرة الإله الواحد " هي ان الإله هو القوة والعقل المطلق العظيم ، الذي منه انبعثت كل الموجودات وهو يعي بهذه الموجودات في كل الأزمان والأماكن ، وهو العارف بما كان ، وما سيكون وما هو كائن ، الخالق واحد وقانونه الذي انطلق من أرقى المراتب إلى أدناها هو قانون واحد لخلق واحد " ، وأما كثرت الأديان والمعتقدات والأفكار التي ظهرت بمرور الزمن ما هي إلا انشطارا من صياغة الإنسان ، استقى الحكيم تعاليمه ومعرفته وحكمته من الكتب السماوية التي ورثها من أنبيائه ( آدم وابنه شيتل وسام بن نوح) مباركة أسمائهم ، ثم دخلت هذه الفكرة في جميع العلوم الحياتيه والعلمية ، وانتشرت في كل مكان وأثرت في الفكر الغربي الإغريقي ، وانتقلت إلى بلاد الهند وحفظها التراث التنسكي اليهودي ، والتراث المسيحي ، حتى صار اثر دراسات المعلم الحكيم دنا نوخت هرمس عظيمتاً في الشرق والغرب , ولكثر ما أخذت المسيحية من أفكار هرمس, حتى جاء القديس اوغسطينوس لاهوتي القرن الرابع وكان يعرف الهرمسيات قال: أن ما يدعي الدين المسيحي كان موجودا بين القدماء ، ولم يحدث أن انعدم وجوده قط فالمسيحية اسم أطلق على ديانة سبقتها في الوجود تلك كانت الهرمسية التي امتلك المسيحيون الأوائل كثيرا من نسخها لان الفلسفة الهرمسية نفذت إلى أعظم عقول العالم على مر التاريخ .

ودخلت التعاليم الهرمسية على المتصوفة الإسلامية حيث اخذ أفلوطين الاسكندراني بحكمة هرمس ، وقال بدوام الفيض الإلهي ، وعن أفلوطين ردد الفارابي وابن سينا تفسير نشأة العالم بالفيض ، والنظرية التي اتخذها المتصوف محي الدين بن عربي هي ( وحدة الوجود ) ، وهي الحكمة الأولى التي ارتكز عليها الفكر الإيماني للديانة المندائية ، والتي تؤكد أن الخلق واحد تجلى من فيض الخالق وسره العظيم في نوره, درسها وسبر غور عمقها الحكيم دنانوخت .

لم يكن للصابئة المندائيين اسم معين عبر التاريخ ليستدل عنهم, بل عرفوا بعدت أسماء, بالإضافة إلى أسمائهم الخاصة التي خاطبتهم بها نصوصهم الدينية , كالناصورائيين , والكشيطيين , والمندائيين والمصبوتين ؛

أطلقت عليهم الأقوام التي تعايشوا معها أسماء , بحسب الصفة التي امتازوا بها أو المكان الجغرافي, فمثلا ,عرفوا بالموحدين, لأن عقيدتهم تحمل فكر توحيدي خالص للخالق العظيم , وأطلق عليهم الغنوصيون لكون الغنوصية تشبهت بفكرهم وفلسفتهم بما يخص الأصل والوقوف على الجوهر المكنون , وأسماء أخرى, كما في رسائل إخوان الصفا قالت " نقلت إلينا أخبارهم وبلغنا آثارهم اليونانيون وهؤلاء لهم عند الناس أسماء مختلفة فمنها , الصابئون والحرانيون والحنوفون " الأحناف " وقالوا : كان رؤسائهم الأوائل أولهم ( عاذيمون وهرمس ) ثم تفرقت جيوشهم إلى الفيثاغورية والأفلاطونية والأرسطوية والأبيقورية , وهم يزعمون : أن الكون إنما هو متعلق بالباري تعالى المعلول بعلته , وإن العالم الأرضي تتم أموره بأشياء :

إحداها : المادة القابلة للمزاج والتأليف وهي العناصر الأربعة .

والثانية : النفوس المحركة والساكنة في الأشخاص

والثالثة : تحريك العالم السماوي ( عالم الأفلاك ) للعناصر الأربعة المتولدات منها حتى تهيأ لقبول تأثيرات الأنفس , من التحريك والتسكين والجمع والتفريق, والحر والبرد والرطوبة واليبس , التي تمكن الصانع من تأثيرات الصفة في المادة لكل مصنوع .

والرابع : حفظ الإله الأعظم سبحانه وتعالى لقوى جميع الموجودات وإمدادها بالعون لها وتتميمه لأغراضها ومقاصدها وقسمة الأمور الموجودات على الكواكب السبعة .

وعرفوا بالصابئة , من الجذر الأرامي ( صبا ) وتعني الصبغة أو التعميد , وهي على رأس شعائرهم الدينية , ولا زالوا يسمون بهذا الاسم, وورد أسم (الصابئة ) في كتاب الإسلام القرآن, ونجزم أنه جاء قاصد المعنى الآرامي وليس المعنى العربي المقصود به ( الصابئون الخارجون من دين إلى دين !! ) , لأن الآيات ذكرتهم مع أهل الكتاب و وصفتهم مع الطوائف المؤمنة بالله تعالى أسمه , فإذا فرضنا جدلاً أن القرآن يقصد المعنى العربي لأسم الصابئة, فأنه يقع متناقض ما بين المعنى والقول !؟.

ويطلق عليهم بالآراميين وعلى لغتهم اللغة الآرامية ,والذي استقروا في منطقة الهلال الخصيب مع ضعف إمبراطورية آشور , وأسسوا عدة ممالك إلى الشرق من الفرات, ثم في بلاد الشام حول حوران في التاريخ القديم قد يكون القرن السادس عشر قبل الميلاد , وقد ورد أول ذكر لهم في أيام تيجلات بلاسر الأول في عام 1100 قبل الميلاد . وهم ينتسبون الى آرام بن سام بن نوح عليهم السلام , والآراميون من سلالة مندائية , وإن تفرقوا مع مرور الزمن إلى فرق تنوعت في عباداتها , بقيت منهم فئة محافظة على عقيدتها التوحيد وهم المندائيين , ومن هنا جاء والوجود المندائي في بلاد الشام وفلسطين, وتربطهم مع الأقوام الآرامية الأخرى اللغة الآرامية السامية التي كانت منتشرة حتى لوقت ليس ببعيد .

وعرفوا بزهدهم وحكمتهم وتقواهم , وعلاجهم للروح والأبدان , فأطلق عليهم الأسينيين ـ الشافين نسبة لتلاقيهم مع الأسينية الفرقة اليهودية المتشددة دينياً, في علاج الروح والأبدان وأسلوب العيش والتقشف والزهد في الحياة الدنيا ,مع تشابههم في نوع ولون الملبس ونظام الاغتسال "التطهر", وهذا التقارب منح للمندائيين فرصة الخفاء والحفاظ على أرواحهم من اليهود الذي حاربوا كل من يخالفهم المعتقد, لكن أسمهم كان الأكشيطيين " الحقانيين, المعاهدين " ومنهم كانت زوجة النبي يهيا ( دراشا أد يهيا ).

وعرفوا في مكان آخر وفي فترة زمنية أخرى , بالمغتسلة , كما جاء في أبن النديم في كتابة , قال : " وكان بنواحي دست ميسان قوم يعرفون بالمغتسلة وبتلك النواحي والبطائح وبقاياهم والى وقتنا هذا ( أي عام 380 هـ / 991 م ) وهم يطلقون على أنفسهم أسم المندائية , لأن كلمة (مندا ) الآرامية تعني العارف من الفعل ( مدعا ) عرف .

وسموا بالحرانيين لأنهم كانوا من سكان حران "جنوب تركيا " الأصليين سكنوها بعد أن رست سفينة سيدنا نوح عليه السلام منقذهم من الطوفان , قال عنها الطبري " تاريخ الطبري ج1 , ياقوت الحموي إصدار بيروت ", ( إن نوحاً خطها عند انقضاء الطوفان , وخط سورها بنفسه ) .

ومن هذا المنطلق أرتبط أسم الصابئة بحران وعرفوا بمرور التاريخ بالحرانية نسبتا للمنطقة, وكانت تتمتع بمناخ طيب يناسب حياتهم وطقوسهم الدينية , وفيها مياه وفيرة و تحيطها الجبال من بعض اتجاهاتها , كما ورد في كتاب الصابئة المندائيين ( هران كويثا ) حران السفلى , أنهم كانوا يعيشون في جبل " الماداي " حيث المياه العذبة والينابيع الساخنة في الشتاء والباردة في الصيف ,والذي يمتد إلى حران .

قال عنها الهمذاني " في صفة جزيرة العرب " قـال : ( أنها ملتقى النهرين والجزيرة والشام , وأهلها أصحاب أدب, وعلم , وحكمة , علم في النجوم , وخبرة بالعلوم التعليمية , وأصحاب رصد وقياس للكواكب ولهم ذكاء وفطنة ) , وعن نسائهم جاء وصفه : ( أشتدت نصيحة نسائهم لأزواجهن ومحبتهــن لهـم , فأحسنّ تدبـير بيوتــهن, وبذلن نفوسهن لهم في الأعمال ) .

رغم الاضطهاد الكبير الذي وقع على الصابئة المندائيين ومنذ عصور قديمة, لكنهم لا زالوا متمسكين ثابتين على عقيدتهم وتعاليمهم النورانية ؛ قال الفيلسوف الصابئي الحراني ثابت بن قرة في كتابة عن " مشاهير أسرته وسلسلة آبائه " :

" لقد أضطر الكثيرون أن ينقادوا للضلال خوفاً من العذاب ( ويشير بهذا ألي اضطهاد المسلمين لهم وإرغامهم لاعتناق الإسلامية بقوة السلاح ) , أما آبائهم فقد احتملوا ما احتملوا بعونه تعالى ونجوا ببسالة , ولم تدنس مدينة حران هذه المباركة بضلال الناصرة قطعاً ( وهذه أشارة على ظلم ومطاردة المسيحية لهم ), فنحن الوارثون والموروثون للصابئة المنتشرة في الدنيا, فالذي يحتمل برجاء وثيق أثقال الصابئة ( مُعاناة الصابئة ) يعد ذا حظ سعيد .

ليت شعري من عمر المسكونة , وابتنى المدن, أليس خيرة الصابئة وملوكهم ؟ من أسس المرفىء والأنهار والقنوات , ومن شرح العلوم الغامضة ؟ لِمن تجلّت الإلوهية الملقنة للكهانة والمعلمة المستقبلات , إلا لمشاهير الصابئة ...! فهم الذين أوضحوا ذلك كله وكتبوا عن طب النفوس وخلاصها , ولقنوا كذلك طب الأجساد, وأفعموا الدنيا أعمالاً صالحـة وحـكيمة هي دعـامة الفضـيلة , فلولا علوم الصابئة, لأمسـت الدنـيا قـفراء فارغـة ومتـقلبة في العـوز ".... يشير هذا النص التاريخي للصابئي ثابت بن قرة لكثير من النقاط , منها اعتزاز الصابئة الحرانيين بعقيدتهم وانتمائهم الديني و بأصول سلالتهم , في زمن بدأ يتداعى ذلك الصرح من المجد بعد الاضطهاد والظلم الذي لحق بهم . ثم يشير إلى أن الصابئة المندائيين في كل مكان هم متوحدين بدين وعقيدة واحدة , ويشير إلى أن تاريخ الصابئة من ( عمر المسكونة , وأبتنى المدن ) أي من عمر بداية الحياة الواعية المتفتحة التي جابت وعمرت المسكونة " ألأرض المعمورة " , ( لأمست الدنيا قفراء فارغة ومتقلبة في العوز ) هذا الوصف يذكرنا بأسلوب الكنزا ربا في وصفها لهذا العالم, أسلوب إيماني خالص. والى مثل هذا الرأي ذهب الكندي في " الفهرست لأبن النديم ص 386 " حيث قال : دعوة هؤلاء القوم واحدة وسنتهم وشرائعهم غير مختلفة جعلوا قبلتهم واحدة بأن صيروها نحو القطب الشمالي , في سفرة العقلاء قصدوا بذلك البحث عن الحكمة ولزموا فضائل النفس الأربعة .

وأيضا عرفوا بصابئة البطائح نسبتا لمنطقة سكنوها جنوب العراق, واختلف الباحثون على علاقة صابئة حران بصابئة البطاح , قال " خولسوف " المختص بدراسة صابئة حران : إن الحرانيين لم تكن لهم وحدة مع المندائيين لأن الحرانيين عبدة كواكب بينما يبغض المندائيون عبدة الكواكب , ووافقه على رأيه " أوليري " والذي اعتبر أن الصابئة الحقيقيين كانوا في جنوب العراق ولا علاقة لهم بحران , بينما الليدي دراور الباحثة التي درست عقيدة الصابئة المندائيين وعاشت معهم وأتقنت لغتهم من رجال دينهم المعلمين, قالت بجملة ما أورده المؤلفون العرب والباحثون ومن روايات فيها قدر لا بأس به من الحقيقة تشير إلى أن لدى الحرانيين ما يشتركون به مع الصابئة المندائية الذين يسكنون القسم الجنوبي من العراق . هناك توكيد من الباحثين والمؤرخين على أن حران تسكنها جماعات تدين بعبادات وثنية مختلفة الكل يطلق عليهم أسم الحرانيين نسبة لمكان تواجدهم , ولكن هذا لا يعني كل حراني صابئي هو مندائي , الفكر الديني هو الفيصل للتعرف على المندائية في كل مكان وزمان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هـيـئـة الـتوعـيـة والإرشــاد الـمـنـدائـي

رمـزية عـبدالله فـندي