الصابئة المندائيون واثرهم في أصول الفلسفة العربية / ديمتري أڤييرينوس / أصول الفلسفة العربية* فيليپ ڤالا

 

 

 الصابئة المندائيون واثرهم في  أصول الفلسفة العربية

لقد اثبتت الدراسات والبحوث العلمية ان دور الصابئة في اصول الفلسفة العربية على محورين اساسيين :-

الأول - هو دورهم في ترجمة الفلسفة والآداب اليونانية الى العربية .

ثانياً – مساهمتهم قي ارساء اساسيات الفلسفة التي كانوا ملمين فيها من خلال المؤلفات والكتابات الهمة في هذا المجال الذي انطلقت منه كافة الدراسات والبحوث والمؤلفات للفلاسفة العرب مستفادين من هذا التراث الغزير الذي تركوه للعالم .

إلا ان التأريخ يكتبه الأقوياء وهذا معروف للجميع , لذلك عملت الحكومات الأسلامية المتعاقبة على الترويج الى الفلاسفة العرب الذين استفادوا من هذا الكم الهائل من ما تركوه الصابئة المندائيون , والكثير من ما اعيد كتابته من قبلهم وجير بأسمهم , والسبب معروف ان الصابئة المندائيون لا يوجد من يدافع عن ارثهم وتأريخهم للأسباب العروفة لكم .

وهنا يتطلب منا اعادة كتابة التأريخ فيما يخص الصابئة ودورهم في الفلسفة العربية . وكما  يجب علينا ان نثني بالدور المتميز والكبير للدكتور قيس مغشغش السعدي في انجازه  في كتابه الجديد عن فيلسوف عصره

وعصر الأجيال أبو إسحاق الصابي .

انها الخطوة الأولى والصحيحة في السير في هذا العمل .

وهنا نستعرض اعلام الذين ساهموا في هذا العمل خلال تلك الفترة :-

وبين هؤلاء الأعلام الكبار الذين وسموا بسِمَتهم نقل الآداب العلمية اليونانية إلى السريانية، وبالأخص ترجمة أرسطو وتأويله، لا بدَّ من ذكر الأسماء التالية: پروبا (القرن السادس)، بولس الفارسي (القرن السادس)، ثاودوروس من كرخ جُدَّان، الذي كان صديقًا وزميلاً لسركيس الراشعيني، سويرس النصيبيني (السبختي، ت 667 م)، أطناس (أثناسيوس) البلذي (ت 686 م)، جرجيس العرب أو أمة العرب (القرن السابع)، يعقوب الرهاوي (ت 709 م)، ثاوفيلس الرهاوي (ت 791 م).

ويبدو أن هؤلاء المصنِّفين اطلعوا من الشروح الإسكندرانية الكبرى على منطق أرسطو، وخصوصًا الشروح على كتب المقولات والعبارة De interpretatione والتحاليل الأولى، غير أنهم لم ينهضوا لترجمتها، بل اكتفوا بالاستفادة منها. كما يبدو أنهم كانوا مطلعين أيضًا على كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، غير أنهم، في المقابل، لم يطلعوا على ما يبدو على مقالات أرسطو في الطبيعيات والأخلاق.

خلاصة القول إن في إمكاننا أن نميز في عملهم جميعًا سمة بارزة ، ألا وهي الأهمية التي أوْلوها للمنهجية وللقواعد الأرسطية في التعقل، حيث أجمعوا على الاعتراف بمكانة أرسطو أستاذًا بلا منازع للمعرفة العلمية والمنطق، كما ولمنهجية هذه المعرفة، أيًّا كان العلم المعتبَر.

بذا فإن هذا الرأي وخيارات القراءة المتفرعة عنه كانت إرهاصات لحركة الترجمة الكبرى إلى العربية التي بدأت في القرن الثامن. وإذن فإن الفلسفة العربية ليست مدينة للسريان وحدهم بالمحاولة الأولى لتطويع مصطلحات الفلسفة اليونانية للغات الساميَّة، بل هي مدينة أيضًا لخيار حاسم يتعلق بأساس الاجتهاد الفلسفي، وهو خيار عاد العرب وأخذوا به، فجددوه وأضفوا عليه بُعدًا لا يقارَن بكل ما عُمِل قبلئذٍ. وبعبارة واحدة، صار أرسطو حقيقةً "المعلم الأول" للفلاسفة العرب، مثلما بدأ بإصابة هذه المكانة عند السريان.

قبل أن أتناول ما سُمي عن حق بـ"النقل التحصيلي" translatio studiorum (وهو مصطلح لاتيني المقصود منه أن النصوص ليست وحدها ما يُنقَل، بل منهج قراءتها وتأويلها أيضًا)؛ قبل أن أتطرق إلى ذلك، أقول، لا بدَّ لي أيضًا من قول كلمة في الطريق الثاني التي وصل العلم اليوناني بواسطته إلى العالم العربي.

في العام 529 أو 530 للميلاد - مازال أهل الاختصاص مختلفين على التاريخ -، أغلِقَتْ مدرسةُ أثينا الأفلاطونية المُحدَثة على أثر إبرام فرمان إمبراطوري يحرِّم على جميع سكان أثينا - وثنيين ومسيحيين - تعليم الفلسفة في هذه المدينة؛ الأمر الذي اضطر أساتذة المدرسة - وجميعهم من الوثنيين المناضلين، ونصفهم سوري الأصل - إلى اتخاذ طريق المنفى. ونحن نعلم أنهم لجأوا إذ ذاك إلى طيسفون، حيث بلاط كسرى الأول أنوشروان الذي حكم بين العامين 531 و578 بعد الميلاد. غير أنهم لم يلبثوا هناك إلا سنة أو سنتين على الأكثر وعادوا إلى ديار الروم، من غير أن نستطيع البت في المكان الذي استقروا فيه يومذاك. وإني لأعفيكم من سماع تفصيل الأسباب، الممل بعض الشيء، التي تحملني على الظن بأن واحدًا منهم على الأقل ألقى عصا الترحال في ديار مضر، في حرَّان تحديدًا، وهي مدينة كانت تجتمع فيها ميزتان على الأقل: كانت داخلة ضمن حدود الدولة الساسانية وغير بعيدة عن حدود الدولة البيزنطية. حسبي أن ألحظ أن تلك المدينة شهدت قطعًا ازدهار معرفة نقلية وثنية حتى القرن الرابع للهجرة (القرن العاشر للميلاد). بذا فإن عوامل بعينها، وبالأخص الأهمية التي يبدو أن دراسة الرياضيات احتفظت بها، ترجِّح أن الفلسفة اليونانية الأثينية الأخيرة قد خلَّفتْ ذرية في حرَّان[1]. أيًّا ما كان الأمر، فقد كان في مقدور الفيلسوف والرياضي ثابت بن قرة، الصابئي الحرَّاني الأصل والعالم الذي لا يضارع باليونانية وآدابها، أن يظل، في عزِّ القرن العاشر، على ثنائه للفكر الوثني، العلمي منه والديني، الذي كان في نظره منبع جميع الخيرات التي أنعِمَ بها على البشر منذ فجر الأزمان؛ ثناء كان - ويجدر التنويه بذلك - مبطَّنًا بنقد مباشر للمسيحية، بالضبط على غرار الخطابات المعادية للمسيحية للمأثور الأثيني الأفلاطوني المُحدَث. إلى ذلك أضيف أن هذا الثناء على الوثنية والانتصار لها في القرن التاسع يُنسَب إلى رجل عاش في بغداد في العصر العباسي.

 فلنبدأ بأسرة حنين بن اسحق الذي توفي في العام 260 للهجرة (873 م). كان حنين، وكذلك ابن أخيه حُبيش وزميلهما الصابئي ثابت بن قرة، أشبه ما يكونون بموظفين لدى أسرة بني موسى، وهم أنفسهم من كبار العلماء ويحظون برعاية الخليفة المأمون. إننا على جهل تام بنسب بني موسى، وحتى بملَّتهم، وهذا على الرغم من اسمهم؛ أما موظفوهم فنعلم أنهم كانوا مأجورين متفرغين "للنقل والملازمة". وحنين نفسه قد توفر على نقل مصنفات طبية وعلمية، لكنْ من غير أن ينصرف إليها بالكلية، بما أننا ندين له بجوامع compendium مقالة أرسطو كتاب الآثار العلوية التي تتناول الظواهر السماوية، كما يشير عنوانها. تضاف إلى هذه الترجمتان السريانيتان الجديدتان لـمقولات أرسطو وكتاب العبارة، حيث قام ابنه اسحق بنقل هاتين المقالتين إلى العربية عن السريانية.

ومع اسحق بن حنين لم تعد الترجمة المنهجية إلى العربية تقتصر على مؤلفات أرسطو، بل راحت تشمل الشروح عليها أيضًا. وبين الفلاسفة الآخرين الذين ترجم لهم اسحق لا يرد ذكر الإسكندر الأفروديسي وثامسطيوس وحسب، بل أفلاطون ونماسيوس الحمصي (ت 390 م)، واضع كتاب في طبيعة الإنسان De natura hominis، وپروقلس، الأفلاطوني المُحدَث الكبير من القرن الخامس.

وندين كذلك لحنين وابنه اسحق بوضعهما جملة مفردات سريانية تفيد دراستها فائدة جمة لتوضيح تشكُّل المصطلحات الفنية التي نصادفها في الترجمات العربية للمصنفات في المنطق وفي مقالات المناطقة العرب.

أما فيما يخص المترجمين المجتمعين حول الكندي، فقد استخدم هذا الفيلسوف أفرادًا مؤهلين استطاعوا، من غير أن يكونوا أنفسهم مناطقة أو فلاسفة متمرِّسين، أن يترجموا مع ذلك جملة من النصوص الهامة، بدءًا من كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو وكتاب مختارات من الإلهيات للأفلاطوني المُحدَث پروقلس الذي سبق ذكره. وبالإضافة إلى هذه النصوص، طوَّعوا إلى العربية أيضًا كتابين حظي ثانيهما بنصيب هائل من الشهرة، إنْ بالعربية وإنْ باللاتينية - وأعني كتاب في محض الخير أو كتاب في الخير المحض، الذي عُرف باللاتينية بعنوان Liber de causis. فهذا الكتاب تطويع توحيدي لمقاطع مستقاة هي الأخرى من مختارات من الإلهيات لپروقلس، وكذلك ربما لكتاب آخر من كتب پروقلس بعنوان إلهيات أفلاطون. أما الكتاب الآخر الهام الذي طوعوه للعربية فهو تاسوعات أفلوطينس (بعنوان أثولوجيا أرسطاطاليس، منسوبًا إلى "الشيخ اليوناني" دون تسمية المؤلِّف)، الفيلسوف من القرن الثالث الميلادي الذي يُعد مؤسِّس الأفلاطونية المُحدَثة وواحدًا من أعلام النظر العقلي إبان العصور القديمة المتأخرة.

والكندي نفسه وضع، انطلاقًا من عمل فريق مترجميه، كتابًا كان مطمحه الأول، بالإضافة إلى التباري مع الإغريق، صياغة الفلسفة بحسب قواعد البرهان الرياضي more geometrico، أي البرهان كما نجده مثلاً في الأصول والأركان لإقليدس، الرياضي الإغريقي الكبير من القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد. وفيما يخص الاصطلاح، وضع الكندي فضلاً عن ذلك مقالة في التعريفات أسهمت بعض الشيء في تحديد مصطلحات المفاهيم بالعربية، حتى إذا لم يُحذَ حذوُه في خياراته إلا فيما ندر، كما يجب أن نقر.

( 1 ) في أثناء تنقيح الترجمة وقعنا على نص للبيروني يؤيد تمامًا ما يذهب إليه فيليپ ڤالا في محاضرته عن دور صابئة حرَّان في انتقال التراث اليوناني إلى العالم العربي، كونهم آنذاك الورثة الباقين لدين الإغريق وروحانياتهم: "ويوجد أكثر هذه الطبقة بسواد العراق، وهم الصابئون بالحقيقة، وهم متفرقون غير مجتمعين ولا كائنين في بلدان مخصوصة بهم دون غيرهم، ومع ذلك غير متفقين على حال واحدة، كأنهم لا يُسندونها إلى ركن ثابت في الدين من وحي أو إلهام أو ما يشبههما، وينتمون إلى أنوش [أخنوخ] بن شيث بن آدم. وقد يقع الاسم على الحرَّانية الذين هم بقايا الدين القديم المغربي البائنون عنه بعد تنصُّر الروم اليونانيين، وينتسبون إلى أغاذيمون وهرمس وواليس ومابا وسوار، ويتدينون بنبوتهم ونبوة أمثالهم من الحكماء. وهذا الاسم أشهر بهم من غيرهم، وإن كانوا تسمَّوا به في الدولة العباسية في سنة ثمان وعشرين ومائتين ليُعَدُّوا في جملة مَن يؤخَذ منه ويُرعى له الذمَّة، وكانوا قبلها يُسمَّون الحنفاء والوثنية والحرَّانية" (أبو الريحان البيروني، كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية، بتحقيق إدوارد زخاو [نسخة بالأوفست عن طبعة لايپزيش: 1923]، دار صادر، بيروت: ب ت، ص 318). (المترجم) .

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس  / أصول الفلسفة العربية* فيليپ ڤالا