الجدلية المندائية / مذرة للسيدة دراور / ترجمة السيدة آسام داود الخميسي

 

Mandaean Mythology

Books about the Mandaeans

الجدلية المندائية

مذكرة للسيدة دراور منشورة في جامعة لندن عام 1962

ترجمة آسام داود الخميسي

2009

ص1

المندائيون أو الدين الناصورائي هو نظام بفلسفة دينية غير محدودة. ويظهر أنه كان من البداية نظام دقيق لمراسيم رمزية حفظت وأديت بعناية فائقة من قبل رجال السلك الديني الذين ورثوها. ومن اللفائف المحفوظة لدى رجال الدين فقط يمكن القول بأنهم قد أخفوا المبادىء المعرفية خلف أساطير رمزية و مبادئ تحويل الصفات الى شخصيات بحيث تتغطى الأسرار بالكامل وفقط رجال دين قلائق يعتبرون مؤهلين لفهم بعض النصوص الدينية التي تخص الحقائق العليا وماوراء العالم المادي.

مثل هذه الحقائق كانت بعيدة جدا عن متناول أيدي الموالين( الناس العامة). لهؤلاء المؤمنين البسطاء الجسديين، جميع المعلومات يجب أن تعطى بطريقة رمزية وأسطورية. حيث لأجل خلاص أنفسهم يكفيهم أن يطيعوا و يسندوا رجال دينهم، الذين يقدمون لهم التوجيهات الأخلاقية و يقيمون لهم المراسيم ويخلصونهم من الخطيئة بأفضليتهم الروحية.

بالنسبة الى المندائي الموالي لا يوجد مؤسس للدين ليرجع اليه ولا وجود لرسول عظيم يشار له كقائد وحيد ولا قديس بشري يتمسك به. هذا من الناحية السياسية يعتبر مضرة.  الناصيروثا ( بشكلها لدى الناس البسطاء هي المندائية-ماندايوتا-) لم تصبح أبدا بحالة الدين. حيث حسب التقاليد كانت قد أعترف بها وحميت من قبل الفرثيين. وتحت الحكم الساساني حمايتها لم تكن قوية وعندما جائت جيوش الاسلام الى الشرق الاوسط طلب المندائيون الحماية والاعتراف بهم كأهل كتاب حسب ما جاء في القرآن ولكن كان عليهم أثبات ذلك. ويبدو أن حتى الجيران الوثنيين في حران قد أدعوا المندائية لأجل ان يحموا أنفسهم تحت عباءة أسرار المخطوطات المندائية.

هذه الفئة قد تعرضت للأضطهاد منذ بدايتها حيث التقاليد المنقولة شفاهة وبعض الملاحظات المكتوبة في أدبهم وحتى بعض الأعياد السنوية تشير الى ذلك. كذلك في المخطوطة المندائية الفريدة التي نجت من الحرائق وغزوات العرب و فيضانات الاهوار والتي هي عبارة عن لفيفة بردي يدعي المندائيون الحديثون بأنها مخطوطة تاريخية برغم كونها منسوخة حديثا ومكتوبة بطريقة أسطورية. أنها تتحدث عن الاضطهاد الذي تعرض له الناصورائيين في القرن الاول الميلادي في أورشليم على أيدي اليهود وتصف هروب مجموعة من الناصورائيين الى حران وإيجاد مجموعة معرفية مثلهم بين الفرثيين1.

في صلاة التذكير الطويلة توجد صلاة لأرواح المتوفين ( 360 ترميذي)2 الذين غادروا مدينة أورشليم.

مثل هذا الاضطهاد يفسر الكره العنيف لليهود المتشددين الذي يسري مثل مجرى تحت الارض في الأدب الناصورائي المندائي. هذا الكره المتناقل منذ فترة مبكرة يبدو أنه أثر حتى على اللغة حيث أن بعض الكلمات وبعض جذور الكلمات منعت بشكل متقصد لأنها متعلقة باليهود المتشددين أو اليهودية. دليل على ذلك موجود

 بالجذر (قدش) حيث في المندائية لا يعطي معنى (مقدس) أو (سري) ولكنه يستخدم للتعبير عن الطعن و القذف.

الجذر "قدش" أو أية كلمة مستخرجة منه لا تستخدم أبدا في وصف المخلوقات المندائية والصفات المتشخصة  والمراسيم أو حتى الاشياء. ماعدا حالة واحدة عندما يدعى فيها المخلوق أبثاهيل "قاديشا" عندما يظهر كسيد على "المطراثا" وهي أماكن المطهرات، وفي الكنزا ربا الصفحة 163 ملاحظة 3 لدربارزكي يوجه الاهتمام الاستخدام المثير للجدل لهذه الكلمة.

الشمس " شامش" يدعى قادوش : " المستحق شامش الذي أسمه أدوناي، الذي أسمه قادوش، الذي أسمه أيل-أيل" ( الكنزا ربا اليمين 25:8 ، المخطوطة 43:2).

الاستخدام الجدلي للفعل قدش يظهر كاشارة الى المسيحيين. القديسون المسيح والرهبان والراهبات يدعون قاديشي ( القديسين رجال ونساء). والملائكة* لا يعتبرون أرواح ذات احترام خاص في المندائية ويمكن ان يعرفوا باستخدام صفات مستخرجة من الجذر قدش. أم الملائكة و أم التنين الارضي أور تدعى " روها-اد-قودشا" ( الروح المقدسة) وهذا أسم جدلي تعرف به الروها " الروح". وهذه هي الجزء الدنيوي من شخصية الانسان والتي تتأثر بالرغبات والشهوات ولكنها قادرة على الصعود من خلال تاثير الجزء العلوي والذي هو النيشماثا (النفس).

السمعة السئية الملحقة ب "قدش" أبرزت عندما تظهر كشكل "قتش" بمعى ليقاتل ومثال ذلك " مقادشا"

"المحارب"و" المجادل" والسلوك المخزي النهائي موجود في كلمة الدعارة أو الداعرات (مقاداشتا) هذه المرة تحلل بالمعنى العبري للكلمة الذي هو "داعرات المعبد" أو العبيد.

والمندائيون يتحاشون جذرآ آخرآ وهو "مشاه" عندما يعطي معنى "يمسح بالزيت"  لأن كلمة المسيح (مشيها) تأتي منه وهذا أكثر غرابة.  في العبرية الحديثة مشاه تعني " ممسوح بالزيت أو ليمسح أو يضرب" بأستخدام اليد والجذور التي تبدأ ب "مش" تعطي المعنى 

...........................................................................................................................................................................................................................................

1:في حران كويثا و آدم الخفي صفحة112.

2: كتاب الصلوات المندائي ( النياني) صفحة 152. رجل الدين في الزمن الحديث يدعى ترميذا.

3: المندائيون قد اضطرو الى ايجاد صفات تعطي معنى "مقدس" مستخلصة من جذور حميدة مثل : محترم وموقر وغالي وغيرها. من الجذر ياقر تأتي كلمة ياقرا وطقس الزواج يسمى كوشطا ياقرا ( العهد الموقر) و كوشطا رهيما ( العهد المحبب). كوشطا-ياقرا تم تشخيصها وتعريفها.  "كوشطا-ياقرا، الحياة العظمى التي قبلها لم يخللق اي مخلوق" ( ترسر و الف شيالة ،رقم 100). ومرة أخرى هو دعي " الشعاع العظيم المتألق الذي يفوق أضاءة جميع العوالم" (نفس الكتاب، رقم 99). يتحدث عنه احيانا كالمانا. مثل هذا المخلوق  التشخيص المثالي للحق والعهد والاخلاص، ياقرا تستبدل قودشا أو قاديش غيرالمحببة.

*: السيدة دراور هنا أفترضت بأن الروها هي احد الملائكة ولكن من الواضح في الأدب المندائي وجود عدة تدرجات من المخلوقات النورانية وكذلك مخلوقات تعتبر من عالم الظلام التي تسمى لغويا "ملاخي" وليس "ملكي" مثل مخلوقات عالم الانوار، مخلوقات عالم الظلام او التي احد ابويها من عالم الظلام أو التي لديها ارتباط بطريقة ما بعالم الظلام فقط يمكن ان يكون أسمها حاوي على المقطع أيل او تلقب بقودشا (مداخلة للمترجمة).

 

ص2

مد اليد والذراع1.

عندما "يمسح" رجل الدين المندائي بالماء الشخص الذي يقوم بتعميده عندما يكونان في الماء فهو يقوم بغطس يده في الماء ومسح جبين الشخص المتعمد من اليمين الى اليسار بالماء وعندما يخرج الشخص المتعمد من النهر ويجلس على الضفة لإكمال مراسيم التعميد، هذه المرة يمسح رجل الدين جبين المتعمد بزيت السمسم (ميشا بر شوشما). وفي طقس المسقثا عندما تصنع أقراص العجين التي تمثل نفس المتوفي الذي تعمل لأجله يقوم رجل الدين بإدخال أصابع يده في زيت السمسم2 ويمسح الاقراص بنفس الطريقة من اليمين الى اليسارومن ضمنها القرص الذي يمثل نفس المتوفي المذكور.

في أدب التعميد الفعل المستخدم لوصف هذا الطقس يسمى "مشا" وليس "مشاه". حيث مشا يعطي معنى "ليطهر بالغسل" في المندائية وهذا الفعل يستخدم خصوصا في طقس التعميد. إن الأفعال المستخدمة للتعبير عن "الممسوح" في الأماكن الأخرى هي "ليعلم" و "ليختم" و "ليعبر" ومثال ذلك رشم وهتم  وأدا.

قدر ما تسعفني الذاكرة فقد وجدت أستخدام التصريف الماضي للفعل مرتين فقط في الأدب المندائي:

أ:  كلمة مشيها تستخدم لأكليل العرس عندما يلطخ بالزيت ويعطى للعريس.

ب: أستخدمت بشكل خاص في حران كويثا (مشيها وميهدايا " ممسوح ومرشد").

لذلك فان أستخدام هذا الجذر معروف لدى الكتاب المندائيين ولكن تم تحاشيه لإستخدامه من قبل الأديان اليهودية والمسيحية.

وعند الاشارة الى التعميد المسيحي فإن المندائيين يستخدمون الجذر "آمد" و ليس "صبا" . حيث ان الجملة " بميا بسيقي ماميديلهوم"  تعني تعمدهم بماء مقطوع أي ماء غير جاري. و في الكنزا ربا اليمين الكتاب التاسع يحوي نصا طويلا منتقصا من الأديان والملل. أحدها يتعامل مع "بوابة فينوس" والذي من الواضح  ان المقصود به المسيحية:

" لقد حفروا حوضا في الارض، أخذوا ماءآ من النهر، غلوه بالنار، وصبوه في الحوض. خلعوا ملابسهم نساء ورجال ودخلوا فيه، عمدهم (ماميديلهون) و أعطاهم بعضا من ماءه ليشربوا. نطقوا عليهم أسم الموت، أسم " الاب، الابن، والروح القدس"، معمدا لهم وناطقا عليهم أسم الممسوح (مشيها)" اليمين 226

هذه الامثله عن اللغة الجدلية موجهة خصيصآ الى اليهود وكما وضعتها بين قوسين أعلاه، كلمات مرتبطة خصيصا مع الدين اليهودي مثل أدوناي (ربي) وصبابوث وغيرها، أصبحت ساخرة وأستخدمت فقط في السحر وعادة السحر الاسود. أيل أيضا كلمة أتسخت لأرتباطها باليهودية مع أننا نجد أيل هنا وهناك كوصف للآلهة المرتفعين1. الكلمة ياهوا أيضا أعتبرت محرمة ولكنها أستخدمت بحرية وبأستمرار ككلمة قوة خلال عمليات أستخراج الارواح والسحر.

جنبا الى جنب مع كل هذا التشهير بالكلمات اليهودية الممنوعة، نجد اشارات وأستخدامات لبعض أسماء الاماكن اليهودية مثل جبل الكرمل (كاريملا، طورا كاريملا) و ليبانون (لبنان). بالطبع نهر الاردن أكثر من ذاكرة2 وأنه نهر التعميد فوق جميع الانهر، إنه الماء الجاري الذي أقيم فيه التعميد وبشكل تلقائي سمي

ياردنا. كما أشرت في كتاب آدم الخفي، هذا النهر الطيني الصغير يجري في وادي بضعة أقدام تحت مستوى البحر وفي جميع المواسم مياهه بدرجة حرارة مناسبة للذين يغطسون فيه وأنه بهذه الحقيقة فقط أصبح المنافس المفضل على أنهار فلسطين وسوريا، حيث تلك الانهار سريعة وباردة عندما يذوب فيها الجليد من التلال في بعض المواسم3.

ص3

وأذا كانت الدعوى المذكورة في كتاب حران كويثا بأن الناصورائيين قد هربوا من الاضطهاد في الصحراء اليهودية ووجدوا حماية في حوران وحران،  فأن الاشارات الى " حوراران النقية"4  و " حوراران التي فيها الانفس تصبح كاملة"5 وغيرها تصبح ذات معنى. سطرا في تراتيل التعميد (النياني ص37، النص، الايسر)  " بهاوران اونشتلان بهاوراران كسويان" بمعنى (في حوران ردائنا في حوراران غطائنا) لربما أشارة الى أسماء أماكن جغرافية ومقاطعات حصلوا فيها على الحماية والاقامة كلاجئين لأسباب دينية. حيث هنالك أشارة الى أسماء أماكن جغرافية واقعية مذكورة في باراخاتا (النياني صفحة 298) " لتكن مباركة بالتبريكات المنطوقة على اليردنا وعلى أرض حوراران".

بثليهام مذكورة ( الكنزا ربا اليمين 329:22، 338:23) كالمكان الذي نزلت فيه الكواكب السبعة الى الارض و أمهم الروها جعلتهم يبنون " أورشليم جديدة ". وطردت بصوت "انوش-أثرا". هذه القصة الجدلية التشبيهية لربما تشير الى قصة ولادة المسيح المكروهة لدى المندائيين.

في الكتب المندائية القديمة والتوجيهات الخاصة برجال الدين يوجد القليل من الجدل ولا يوجد شيء ضد المسيحية والكره كله موجه لليهود. وفي الكتاب ما قبل المرحلة الاسلامية المسمى " دراشا اد يهيا" (ترجمة لدربارزكي) يوجد خلاف بين يوحنا " يهيا- يوهانا" والمسيح. إن  يوحنا المعمدان بالمناسبة لا يُذكر في اللفائف الخاصة برجال الدين وحتى في الفلسفة الدينية المندائية الحديثة وأن يوحنا ليس أكثر من رجل دين ناصورائي معاصر للمسيح. المسيح دائما "المسيح المزيف"  والتلميذ الوحيد المذكور هو "باوليس6 الذي أسمه يذكر في الحوار المذكور أعلاه في كتاب لدربارزكي النص 103، المترجم). المسيح "يوشو- مشيها" يقول: " يايهيا، عمدني بعمادك وأنطق علي الاسم الذي تنطقه، أذا أنا أصبحت تلميذك سوف أذكرك في كتابي7 ولكن اذا لم أصبح تلميذا لك، أحذف أسمي من لفيفتك".

يوحنا (ياهيا) يجيب " المسيح في أورشليم" ، " انت قد كذبت على اليهود وخدعت الرجال ورجال الدين" و يتهم المسيح بالزهد والرهبنة والعزوبية وعدم أحترام يوم السبت. المسيح ينفي بشدة تلك الاتهامات ويبقى

 .......................................................................................................................................................................................................................................

1: انظر آدم الخفي صفحة 93، ملاحظة1. الحرف الاول من الابجدية في بعض الاحيان يستبدل حرف العين.

2: انظر انظر مقال الدكتور ماكوج المثير. (التير اند هيمات ديس ماندايزم ناش نيورسشلوسين قيليين) المنشور عام 1957.

3: سف.  قصة نعمان، الملكين.

4: الكنزا ربا اليسار، 304:11

5: الكنزا ربا اليسار 135:18.

6: هذه لا يمكن ان تكون قراءة للأنجيل بالسريانية، حيث لا بيتر ولا ثوماس (التلاميذ في الشرق الاوسط) تم ذكرهم. لربما انها أدخالات من بعض الشخصيات النصطورية (الناصورائية).

7: برودقا، كتابات تعطى لاعتماد المسافر (المبعوث).

 

 ص4

يطالب بالتعميد. يوحنا يعرض سلسلة من الالغاز والتناقضات الظاهرية التي أجابها المسيح بأسلوب معقول و مقبول. " رسالة " من " بيت أباثر " تنزل الى يوحنا وتطلب منه تعميد المسيح " عمد الكذاب في اليردنا، خذه الى الضفة ودعه يقف هناك".

" ثم روها-أد-قودشا1(الروح المقدسة) إتخذت شكل حمامة، صنعت صليبا في اليردنا وخلطت الماء بألوان متعددة وقالت (له) " ياردنا، لقد جعلتني وأبنائي السبعة مقدسين" (مقاداشتلي).

اليردنا الذي فيه المسيح-باوليس تعمد أنا جعلته قناة ضيقة، البهثا (الخبز المقدس) الذي المسح-باوليس اكل أنا جعلته قوربانا2. البريزينقا (العمامة الطقسية) التي لبسها المسيح-باوليس جعلتها كاهنوتا ( قبعة الكهنة). المركنا التي المسيح-باوليس أمسك جعلتها قذارة".

هذا النص من الواضح انه أتهام للكنيسة النسطورية التي سرقت وسخرت من الاردية الدينية والمقدسات المندائية.

في نفس الكتاب نجد حوارا بين "أنوش-أثرا" و "المسيح" حيث فيها المسيح يطلب من "أنوش-أثرا" علامات3. أسم الاخير هو بمعنى "بشر أو الجنس البشري" وهو أحد ثلاث أسماء رمزية تسمي أبناء أدكاس-زيوا (آدم المضيئ) مثل : آدم-كاسيا (آدم الخفي او المقدس). في نفس الكتاب أنوش –أثرا يصف بانه صانع معجزات وشافي في أورشليم.  البروفيسور ف.س.بوركيت يرى في هذه الشخصية محاولة من المندائيين للأستيلاء على معجزات المسيح ويستنتج بأن المندائيين هم فئة أنفصلت عن المعرفية المسيحية مستخرجة أيمانها من النصطورية المسيحية4. مع أن أطلاعه على الادب المندائي كان مقتصرآ على تراجم لدربارزكي وقد فشل في تبيين ان الاتهامات الرئيسية ضد المسيح المذكورة في الكتب الاولى وكذب دعواه بانه المسيح وكذلك أن الجدل المندائي المتأخر يتحدث ضد الرهبنة المسيحية ورأيها بخصوص الجنس. هانس لدربارزكي أتخذ نظرة مماثلة لنظرة بوركيت ولكن تلك النظرة أستبعدت تماما من قبل باحثي الأديان الحديثين.

في الجزء الأيسر من الكنزا ربا الذي أعتقد بأنه الأقدم والمتكون بشكل أساسي من تراتيل للنفس المغادرة، مجمل عددها أثنان وستون. خلال تلك التراتيل تدعى النفس مانا واللعنات الوحيدة والملامة والاهانات موجه للكواكب. النجوم والابراج هم أعداء النفس.  قد ننظر الى ذلك على أنه تفنيد لفكرة ان الإنسان ضحية بلا حول ولا قوة امام هيمارمين، تلاعبات الكواكب التي ولدنا تحت تاثيرها. الناصيروثا في انكار متكبر للقدر، انها دعوة لنفس الانسان للأصغاء الى مانتها التي هي صورة و جزء من المانا العظيمة. أذا استمع الانسان  الى تلك الدعوى الذاتية فسيكون محصنا ضد القدر والكواكب.

................................................................................................

1: أستخدام "قدش" هنا مع "روها-اد-قدشا" جدلي. هي روح شريرة، أم السبعة (الكواكب).

2:هذه تسمية الخبز المقدس . انا افترض بان كهنوتا التي تتبع هي أستعاضة عن البريزينقا (العمامة) وكانت بالاصل كراكتا (العمامة لدى الناصطوريين (الناصورائيين)).

3: في الحوار أنوش-أثرا ينوه الى فترات مختلفة التي فيها سكان الارض بالكامل قضي بكوارث عالمية عدا زوجا واحدا (نوح وزوجته و آخرين يسمون في الكنزا ربا) الذين يتكاثرون لتكوين سكان الارض.

4: : كره المندائيين لأيشو- مشيها هو كره للكنيسة المتطورة ماقبل النيقية. ( بوركيت، الكنيسة و المعرفية، كامبرج، 1932).

 

 ص5

ومع ذلك، فالجزء الايسر من الكنزا ربا يحوي قصيدة من الشعر النثري متكونة من أربعة قصاصات تحوي أجندة مضادة للرهبنة والمسيحية. ان المطراثا، هي عوالم تحجز فيها الانفس وتتعذب للذنوب والتلوثات التي قامت بها، حيث يمكن أعتبارها مطهرات. النفس تحت أرشاد ابناء الضياء تعبر عوالم العذاب تلك. واحد من تلك العوالم " للساحر المسيح، أبن الروح الكذب، الذي أدعى انه اله الناصورائيين" (الكنزا ربا اليسار، 33:18) وفي نفس المطهرات توجد" قاديشي وقاديشياتا( الرجال والنساء المقدسين) النساء والرجال الغير متزوجين (بتولا وبتولياتا) و أزبا وأزبياتا ( الراهبات والرهبان) ، الرجال الذين لا يرغبون النساء والنساء اللواتي لا يرغبن الرجال ولا ينجبون الاطفال، والذين يقتلون أطفالهم في أرحامهم و يمنعون البذور الحية التي تأتي اليهم من بيت الحياة ".

 وفي نفس القصاصة، شاهدت النفس مطهرات " روح الظلم" التي فيها تحجز وتعذب بالحرمان أرواح الذين يمارسون الصيام والتلاعب بالجسد، حيث أن تعذيب النفس ينظر اليه على أنه خطيئة عند المندائيين.

عند دراسة كتاب الأدعية والصلوات المندائي نجد القليل عن المنافسة بين الأديان عدا ملاحظات ازدرائية هنا وهناك وهذه عادة موجة لليهود. وفي أدعية مرياي الموجودة في كتاب النياني تتحدث عن تحول مرياي اليهودية الى المندائية. أنا لا أرى أي سبب يدعوا للظن بوجود أية قاعدة لتعريف هذه الشخصية كمريم أم المسيح1. هنالك ترتيلتان وكلتاهما طويلتان، الترتيلة الثانية تحوي اثباتات عن عدم أيمان مرياي باليهودية، اليهود الذين سألوها: " كيف هو شكله، المخلوق الذي خطف بصرك؟" فتجيبهم

 " لا يوجد مثيل له في هذا العالم....... على طريقته وفي خطاه العالم الارضي بوغت.

الاموات سمعوه فعاشوا،

المرضى سمعوه فشفوا،

العرجان سمعوه فطابوا،

جميعهم قاموا، وقفوا وشفوا،

بشفاء معرفة الحياة (مندا-اد-هيي)، ................................................................................................

1:التي تسمى من قبلهم مريم. مرياي ذكرت في كتاب دراشا اد يهيا ( تنحب مع أم يهيا يهانه، صفحة 85)   ومرة اخرى ذكرت مع يهود آخرين (ياقف وبنيامين) وجزئين من كتاب دراشا اد يهيا خصصت لمرياي،

أ) تتحدث عن تصريحاتها في أورشليم المدمرة حيث تحولت الى مندا-اد-هيي (الحياة العارفة) ولعنت اليهود المتشددين و (ب) تتعلق بمرياي المتوجة عند الفرات، حيث وضع لها عرشآ. هنا من المحتمل إننا نتعامل مع أسطورة أمرأة قد تكون شخصية تاريخية.

 

ص6

 كذلك مرياي ذكرت في كتاب دراشا اد يهيا1، الكتاب الذي كما ذكرت سابقا في أغلب اجزاءه كتب في الفترة ما قبل الاسلام. تحول يهودية ذات مقام الى المندائية هو أساس الاسطورة، حيث ان مرياي وصف بكونها أميرة.  في العهد الاسلامي كان لدى المندائيون جيران من المجوس، ولذلك نتوقع الهجوم على النار ومذابح النار. لكن ما عدا شعر موجود في ترتيلة التعميد (النياني،ص21)

" لو! هنا تحترق النار

سوف تشهد لنا."

" هذه ليست ما أريد

وليست ما يطلبه قلبي.

النار التي تطلبونها

تحتاج في كل يوم ان تشعل من جديد.

النار التي تطلبونها، نار

في النهاية تنطفئ

وعبادها يختفون

فهي باطلة " "

 لا يوجد شيء.  يجب ان نتذكر بأن النار الصغيرة التي يطبخ عليها الخبز المقدس ويوضع عليها البخور بشكل مستمر، تعتبر أساسية ولا غنى عنها في جميع المراسيم المندائية. فبدونها لا مراسيم (عدا تلك الخاصة بالرسالة في ظروف قاسية) قد تقام. أنها تشعل من قبل رجل الدين،  تغذى بوقود تم تطهيره وتغطيسه في الماء طقسيا، ويتم مراعاتها من قبل الشكاندا و بدون هذه النار لا يكون التعميد كاملآ. وليس فقط يخبز عليها البهثا لجميع الطقوس المقدسة، ولكن تثبت بجانبها الراية (الدرفش) منتصبة على ضفة اليردنا (او حوض التعميد او النهر). نجد جميع هذه الثلاثة، الملك (رجل الدين)، منصة النار، و الراية ممثلة على العملات المعدنية للفترة ما قبل المسيحية للعائلة الحاكمة الفارسية. الملك يأخذ دور كاهن معبد النار، وهو مماثل للملك المندائي ( رجل الدين المندائي هو "ملكا" ملك). توجد مجموعة من التراتيل للراية، ولكن لا توجد ولا ترتيلة للنار. انا اجد السكوت بخصوصها بليغآ.

القمر والشمس أستبعدوا من الشهادة على التعميد في التراتيل كما مذكور أعلاه، ولكن لا يوجد اي ذكر للمسيح أو التعميد المسيحي. في الترتيل رقم23 من النياني الذي فيه يذكر الزيت يوجد تعبير يذكر أن هذا المسح بالزيت " ليس بأسم المسيح" او " معبد عشتار"، ولكن لا يوجد ربط هنا مع المسيح المسيحي. أنا يجب ان اضع أدعية التعميد مع أقدم الأدعية المحفوضة2، ومن المفترض ان بعضها بقدم الناصيروثا (المندائية) نفسها.

طقس المسخثا و الرسالة خالية من الجدل، التي بشكل غريب أختفت من كتاب الادعية ماعدا :

................................................................................................

1: كتاب دراشا-اد-يهيا صفحة 85:13. هنالك اشارة اخرى لها في نفس الكتاب في صفحة87،123، و192:11(مرة اخرى مع ياقف وبن يامين).

2:  ولكن بعد الابعاد الى بابل زيت السمسم اصبح يدعى (ابن ضفة الفرات).

 

ص7

" رسمي ليس برسم النار

ولا بالمسح ولا برسم ذلك الممسوح (مشيها) " (النياني،صفحة90)

ولكن أيضا لامسيح ذكر بالاسم. ولكن نجد في أدعية الرهمي ( الصلوات اليومية التي تقرأء ثلاث مرات في اليوم ولكل يوم من الأسبوع) هجومآ مباشرآ على يسوع، إن هذه القراءات كما أعتقد مدخلة على النص، حيث  تاتي بعد تحذير المؤمنين من النوم و النسيان.

" أحذروا، يا اصدقائي، من يسوع المسيح المزيف

ومن أولائك الذين يخدعون بالمظاهر

ويغيرون الكلمات الخارجة من فمي" (النياني، صفحة125).

أنه مرة أخرى عارف-الحياة (ماندا-أد-هيي) الذي يكلم المؤمنين. في دعوات العطاء المبارك( النياني المترجم صفحة240-52، 368-80) هنالك لعنات على الذين يأكلون البهثا (الخبز المقدس) بطريقة خاطئة.

" اليهود، أمة شريرة، ملعونين وكفرة

أكلوها (البهثا)

كيوانايا1 أكلوها مع لهيب النار،

المجنون يازوقايا2 أكلها مع تبجيل للنار،

مخلوقات مجنونة تلك التي تبجل النار،

تخدم شيئآ بلا قوة،

الادمايين3 أكلوها، الذين دمروا فظيلتهم،

مبعدة، مدمرة رجولتهم

وأجلسوا جثثا4 يعبدونها.

الزناديق5 الذين أستندوا على الحيلة

أكلوها...

العرب أكلوها، الكذبة الشريرين، العرق الخبيث

الذين يشربون الدماء" ( النياني، صفحة357)

................................................................................................

1:في النهاية لربما هذه هرطقية أيرانية؟ زورفان كان الزمن الانهائي (انظر ر.س.زاهنير، زورفان، زورفانيان ديلايما، أكسفورد،1955) كيوان في المندائية هو الشيطان، كوكب العمر الطويل، الزمن.

2: مجموعة زرادشتية أخرى؟ كان يوجد أصلآ مجموعات كثيرة كما أشار زاهنير في كتابة (ذا ديوان اند تويلايت اوف زوراستيسزم، لندن 1961،صفحة185).

3: الادومايين- هو فئة سكنت منطقة أيدوم، ماوراء الأردن، ولربما مارسوا عملية خصي الرجال (أو المقصود بذلك التكزير-مداخلة للمترجم)

4: أو الموت.

5:زنديقا، انظر زاهنير(ذا ديوان اند تويلايت اوف زوراستيسزم، صفحة 184، عن الزرادشتية تحت حكم شاهبور الأول). قائمة الفئات الذين تم اضطهادهم بعد موت شاهبور تبين الملوك الساسانيون في العهود

 

ص8

هنا نحن في غابة من الأعداء، مواجهين قائمة مرعبة من الهرطقيات! الناصورائيين فقط أكلوا الخبز المقدس وقدموا العطاء الحقيقي بالتفسير الصحيح لرموز الأكل والشرب.

أخيرآ، في البراختا، جزء طويل يتلوه رجال الدين عند المشكانا (المكان المقدس المندائي) لا يوجد فيه أي لفظ جدلي ولذلك السبب وضعت "التبريكات" ضمن المكونات ذات العمر الأقدم مقارنة.

الآن نأتي الى الجدل حول الأسلام و نبيهم. مثال واحد نستطيع إيجاده في تعبير يستخدمه النساخ المندائيون في حواشي الكتب الدينية عندما يذكرون تاريخ نسخهم اليوم والشهر والسنة وهذا التعبير دائما: " بعد الهجرة  حسب حساب العرب- ليكن رب العالم فوقهم ويجعهل غضبهم على تجمع الانفس عقيما-".

الكتاب الوحيد الذي يخلو من التاريخ ومن هذه الجملة ومن ذكر الاسلام هو "كتاب الأنفس" وهي مخطوطة مخصصة لرجال الدين فقط لذلك الجدل ليس مهما بالطبع. ولا يوجد شيء من هذا القبيل أيضا في المخطوطة الطويلة المكونة من سبعة أجزاء والمعنونة " الف و أثنا عشر سؤال" ولا في "شاره" ( الشرع)، حيث ان محتوى هذه المخطوطات مخصص لأرشاد رجال الدين بأمور الكتب السرية والطرق الصحيحة لأداء الطقوس.

في الكنزا-ربا وهي عبارة عن مجموعة من الكتب والقصاصات بمختلف التواريخ وضعت سوية، نجد إشارات الى الأديان الأخرى وهذا يساعد على تأريخ ذلك الكتاب وأرجاعه الى فترة ما قبل الاسلام او لربما ماقبل المسيحية أيضا. طريقة لتعريف الاديان الاخرى أيضا جملة "البوابات الاثني عشر".

لا نكاد نجد شيئا في الكنزا ربا ضد محمد وأتباعه. في الكتاب الأول من المجموعة نسمع ب"أحمت أبن الساحرة بزبات" "الذي يجلب الكثير من الشر للعالم" ولاحقا في الكنزا ربا (وكذلك في دراشا اد يهيا) "بزبات الشيطان" و المقصود محمد.  في  الكتاب الخامس "الجزء الايمن" من الكنزا ربا  نجد " عهد محمد" متنبئ له ان يكون العهد الاخير من العالم، وهو صفة متداخلة في الكتاب الثامن عشر الذي يذكر بأن " الملوك العرب" سوف يستمرون بالحكم لمدة واحد وسبعين سنة، وذلك يعطي تاريخآ لكتابة مثل تلك النبوءة. أما الجزء الأيسر من الكتاب كما متوقع فهو صامت بخصوص الاسلام.

الاسلام متهمون بالتسبب باختفاء الأمانة و السلام وأقامة الغش والشر، يلعنون الدعارة والربا ولكن بنفس الوقت هم فاسقون ويعملون بالربا. أستبدلوا المشخنا (المندي) بالجوامع.

 في أحد المقاطع يهيا (يوحنا) يلعن تقاليدهم وملابسهم وأفعالهم. أذا مسلم شاهد مندائي لابسا هميانا1 ، (مرضا) غضبا عضيما يأخذه

................................................................................................

القديمة كانوا يسعون الى توحيد أمبراطورياتهم حيث لا نجد فقط ذكرا لليهود والمسيح و المانويين و المندائيين (ناصورايا) فقط بل ايضا البوذيين والابراهيميين. زاهنير يقول " الزناديق" لربما هم الزورفانيين المؤمنين بالمادة (و ب 186). نحن لا نستبعد ذلك حيث في الفترة التي جمعت فيه النياني حوالي القرن الثالث الميلادي ، لربما خلال حكم الملك أرتبانوس الخامس، في مثل هذا التاريخ كان يوجد جالية لا بأس بها من الناصورائيين في مدينة الطيب و في خوزستان.

1: المندائيون يلبسون حزاما مقدسا محاكا من صوف خروف ذكر أبيض ويسمى الهميانة.

 

 ص9

يحتل جسده كله. ويقف يسألهم، ويقول لهم " من هو نبيكم؟ قولو لنا من هو نبيكم الذين تعبدون"

ولكن هؤلاء السائلين المكروهين لا يعرفون ولا يفهمون بأن ربنا هو ملك الضياء الأعلى! واحد هو!

 و الحياة مزكاة"

مثل هذا المقطع بالتاكيد كتب بعد تحول بلاد مابين النهرين وفارس الى الإسلام. حسب ما يذكر لنا الكاتب العربي المسيحي أبو يوسف بأن بعد أحتلال جيوش الأسلام مباشرة في السنة 830 بعد الميلاد ، الخليفة المأمون أمر بأن يتحول مجموعة من الحرانيين الى الإسلام أو يقدمون كتابا مقدسا يضمن لهم حماية القرآن. وقد حصلوا على الحماية عندما أعلنوا بأنهم صابئة. هذا لابد أن يكون في نفس الفترة المذكورة في حران كويثا التي فيها يأتي أنوش-دنقا لينقذ الناصورائيين من أبن السفاح، العرب.

الحماية قدمت "بهذا الكتاب" وفي نفس الوقت تقريبا، حسب حواشي الكتب، تمت عملية جمع وأعادة نسخ الكتب الدينية وبعض القصاصات جمعت في لفائف منفردة سميت دواوين. وهذا كان قد تم من قبل رجل دين يدعى رامويا من مدينة الطيب، الذي كان قد حصل على المساعدة من بعض الكتاب المندائيين.

في الكتاب الذي مع الأسف لا يمكن الاعتماد عليه (حران كويثا) يذكر هرطقية تظهر بين الناصورائيين حوالي ستين سنة قبل حكم أبن السفاح، العرب، وتصف أختفائها الاحق مع حرق كتابات كانت قد أنتشرت. أذا كانت هنالك حبة صدق في هذه القصة، كيف لم تنجُ ولا واحدة من تلك الكتابات الهرطقية، حيث في مثل هذا الكتاب يمكننا أن نستخرج بعض المعلومات التاريخية القيمة! حران كويثا مليء بالجدليات ضد اليهود وتم التحدث عن الفرثيين كأنهم حماة، حيث في هذا الكتاب يذكر: يسوع أبن مريم سمي المسيح المزيف الذي عقله مليء بالسحر و الحيلة. مع أنه عندما تنتهي1 ال 4،000 سنة المعطاة لأبن السفاح، العرب، يأتي دور المسيح المزيف أبن مريم و يعقبه، وانه سوف يأتي ويظهر عجائب حتى أن الطيور و الأسماك في البحار والأنهار تفتح فمها وتسبح و تشهد له، حتى أن الطين والطابوق يشهد له وحتى الحيوانات ذات الأربعة أرجل تشهد له"2.

"هيبل-زيوا يحذر الناصورائيين بأن لا يخدعوا بهذا الانتصار المؤقت للمسيح المزيف". الجزء الاخير من اللفيفة يتحدث عن تنبؤات بطريقة غير منتظمة حيث بعد حكم المسيح المزيف لمدة6000 سنة، سوف تظهر الناصيروثا ويعم السلام والعدل لمدة 50،000 سنة حتى نهاية العالم3.

 أنا بمحاولتي هذه بالكاد تصفحت السطح لهذا الموضوع و آمل بهذا الملخص القصير أكون قد نجحت في تغطية حقائق مؤكدة عن هذه الفئة.

................................................................................................

1: هذا يفترض تاريخ لكل المحتويات.

2: بر-كوني يذكر مقاطع مشابهه في كتابه (سكوليون) (792 بعد الميلاد). انظر كتاب ه.بوجون، انسكربشون مانداياتز، باريس،1843،صفحة241.

3: نهاية النص نوعا ما هي اعادة مختصرة ، وليس كما يبدوا للوهلة الاولى، عهد آخر من الإنحلال قبل نهاية العالم.

 ص10

 ولكن من هم هؤلاء؟  في البدء، الشكل الأولي من الجدل أتخذ شكل منع أو تقليل شأن بعض الكلمات المقدسة المستخدمة من قبل اليهود، و بأن الأصل الأقدم هي فلسطين نفسها. ثانيآ، بأن هذا التنافر كان بشكل خاص موجه ضد ترجمة مختلفة لفكرة شائعة لدى الاثنين و بأن الاخير قد أتبع المسيحية، بما فيها من إتخاذ مبدأ مغاير للمسيح ويصح القول الملك الممسوح بالزيت والمتوج. حيث أن بالنسبة لليهود الشخص الممسوح هو شخصية ملك أرضي وشخصية سياسية وفي اليهودية المتاخرة هو شخصية روحية ومخلصة في الآخرة. بالنسبة الى المسيح هو رجل نزل اليه الكيان العلوي، الإبن الوحيد للخالق.

أما بالنسبة الى الناصورائية فأن الشخص الممسوح كان مظهر نقي وفوق العالم المادي، رمز رجل كما ظهر في العقل (مانا) للحياة العظمى.

هنا بالتاكيد نجد نقطة تعريف للناصيروثا بأنها كانت في الاصل فئة أنتعشت في الصحراء اليهودية وسماريا، ثم من المحتمل في التجمعات اليهودية-الفرثية و في منطقة عبر الاردن، وبأنها كانت هجين متأثر بشكل كبير بالمجوسية والمعرفية اليهودية. أسرارها أقدم من أغلب كتاباتها، التي تعود الى طور متأخر، حيث أنها كانت قد حرست من قبل رجال دين متشددين جدا في ملاحظتهم بحيث برغم أن الأدب الديني يظهر بوجهين، الاّ ان الاسرار نفسها قد حفظت نواة الإيمان الأصلي. وإن هذه النواة هي مطهرة وممسوحة ومتوجة ومرفوعة الى العلى في التعميد1 وفي المسخثا مطهرة مرة ثانية وممسوحة مرة ثانية ومتوجة مرة ثانية و مرتفعة بجسد روحي "جسد آدم"  من قبل رجال دين على هم الارض صورته المتوجة والممسوحة. البشر هم مخلوقات أرضية في الحياة والموت،  مأخوذين بالبشرية، رجل الدين هو رجل كما خلق من قبل الخالق الذي يسمونه الحياة العظمى، قبل ان تتحول تلك الفكرة الى لحم ومادة جسدية أرضية كالانسان.

................................................................................................

1: التعميد مع التتويج و المسح بالزيت المقدس يكرر بأستمرار خلال الحياة، و طقس الوفاة أيضا يشمل غطسا في الماء، مسحا بالزيت، وتتويجا.

 

 ملاحظات للمترجمة

 قد يظن البعض بأن الناصورائية-المندائية دين أو فلسفة تهتم بالأمور الروحية فقط ولكن هذا خطأ كبير، فأنها برغم كونها لم تصبح أبدا ديانة رسمية كما أشارت السيدة دراور لكنها لا تخلو من الاجندات السياسية و الأفكار التي خصصت لأجل الحفاظ على أتباعها ضمن دائرة تقاليد ومراسيم معينة.

شخصية يوحنا المعمدان (يهيا-يوهانا) وأصله اليهودي وأقامته التعميد أو بالاحرى تغييره للأغتسال اليهودي الموجود أصلا وأتباع الناصورائيين له شيئ مثير للتساؤلات حيث أن اليهود لم يتبعوه أو لربما هذا هو السبب الذي دعى المندائيين لأتباعه وأعتباره شخصية محببة.

يهيا-يوهانا برغم أصله اليهودي الصريح المذكور في كتابه الاّ أنه لربما لم يحمل قناعات يهودية خالصة فبرغم عدم كتابته أي شيئ يدل على رفضه لليهودية وكذلك تردده في تعميد يسوع المسيح لعلمه بآراء الأخير بخصوص الأمور الأساسية في الايمان اليهودي ورغبته في التغيير وبرغم ذلك فقد قام بتعميده حيث حسب التقاليد الناصورائية-المندائية  المتبعة الى الوقت الحالي لا يحق لأي رجل دين أن يمنع تعميدا عن أي أنسان يطلبه ( رغم أن هذا التعميد حاليا يقتصر على الشخص المولود من أبوين مندائيين).

 الاغتسال اليهودي (المكفاح) هو تقليد أو طقس يغتسل خلاله اليهود في حوض فيه ماء جاري ويعتبرون هذا الاغتسال نوعآ من أعادة الولادة وذا أهمية بالغة للطهارة الجسدية والروحية (للرجال والنساء) و يجب أن يكرر  ثلاث مرات وعلى المغتسل ان لا يضع بينه وبين الماء أي عارض (حتى الملابس)  ويتوجب وجود شاهد على عملية الاغتسال هذه.

التغييرات التي جلبها يوحنا تمثلت في أداءه للتعميد في النهر (في العلن) و بأرتداء ملابس خاصة بيضاء و لحقت بالاغتسال في الماء مراسيم أخرى على ضفة النهر، برغم أننا لا نعرف بالتأكيد اذا كان يوحنا قد قام بها بالطريقة التي يقام به التعميد المندائي الحالي.

وكذلك لا نعلم أن كان الناصورائيون قبل مجيئ يهيا-يوهانا يقيمون الاغتسال مثل اليهود أم لا؟ وماذا كان شكل الناصورائية قبل مجيئه والشيئ الوحيد الذي نعرفه هو ان عدد مرات البراخة اليومية (الصلوات) كان خمسة بدل ثلاثة. أذا لم يكن يوحنا مؤسس الناصورائية-المندائية فلماذا لا توجد ملامح لها قبله؟ بالإضافة الى أن قلب المندائية هو التعميد سواء كان تعميدآ بسيطآ أو مسخثا أو طقس وفاة أو زواج فكلها تقام على أساس التعميد و تفاصيله الدقيقة جدا ومعانيه الرمزية. حتى اللفائف السرية فهي تحوي بشكل أساس كيفية أداء أنواع  التعميد هذه وأسئلة خاصة بكيفية علاج الأخطاء التي تحدث خلالها. أما كتاب الكنزا-ربا فهو يحوي معلومات دينية وتوجيهات وأوامر تخص أمور الحياة  في جزئه الأيمن مع أحتوائه أيضآ على أجزاء تتحدث عن المسيحية واليهودية وقصص تخص فلسفة صعود النفس بعد الوفاة والمطهرات والعقاب ولكن لا يحدد شكل الايمان الناصورائي من غير طقس التعميد.

نعود للعلاقة مع اليهود، التقاليد المتناقلة شفاهة تقول بأن الناصورائيين كانوا يعيشون وسط اليهود ويدعون اليهودية للحماية فكيف أذن سوف نميز المندائيين اذا لم يكن التعميد قد أقيم بعد ولم يكن يوم الأحد يميزهم ولا الملابس البيضاء؟ أما الفلسفة الخاصة بالموت والحياة والطهارة كلها متشابة مع اليهودية اذا لم تكن متطابقة؟ التاريخ يذكر وجود فئة بعض المؤرخين يصفها باليهودية والبعض الآخر يذكر أنها يهودية الهوية

وليست يهودية التعاليم،  متواجدة في الفترة الربانية (ما قبل دمار المعبد 70 ميلادي) تسمى الناصورائيين ! هل يمكن ان تكون نفسها المندائية الحديثة؟

النصوص المندائية تذكر بأن أول من حصل على التعميد هو يهيا-يهانا على أيدي المخلوقات النورانية العلوية، وهذا التعميد هو ليس فقط أغتسال كامل في الماء بل هو بمثابة ولادة روحية للمتعمد و حياة جديدة و دعوة الى المحبة والتسامح والرحمة تجاه البشر والخالق. الناصورائيون- المندائيون وهم الأتباع الوحيدين   المتواجدين الى الزمن الحالي ليوحنا وهم  تلاميذه وأحفاده  برغم أن المعلومات التاريخية متضاربة بهذا الشأن الاّ انها جميعآ تذكر وجود فئة أتبعت يوحنا المعمدان وليس المسيح.

لنعد بالتاريخ الى الوراء قليلآ، إن الناصورائيين- المندائيين لم يقدسو أو يحترمو يوم السبت مثل اليهود ولم يقدمو أي قرابين للمعبد ولم يعترفو بموسى وكتابه التوراة و قانونه وأعتبروه ساحرآ (اتخذ الناس لنفسه)، هل يمكن أن تكون دعوى الناصورائيين المذكورة بشكل مختصر جدا في حران كويثا صحيحة؟ هل يمكن أن يكونوا هم من لم يقبلو بموسى فحاربهم؟ المبادئ اليهودية موجودة قبل موسى وهي على تقارب كبير من المندائية، وبالاستناد الى ما ذكر في حران كويثا يمكن الافتراض بأن الناصورائيين واليهود كانوا في زمن ما فئة واحدة انقسمت بعد مجيء موسى، فالناصورائية لم تتبع قانون موسى وبقيت متخفية تارة ومتعرضة للأضطهاد تارة اخرى الى ان ظهر يهيا-يوهانا فوجدوا بشخصيته المختلفة وحبه للخالق مايبتغون، فأتبعوه و تشكلت ملامح دينية جديدة لديهم تمثلت بالتعميد ويوم الأحد. هذا الأفتراض يفسر دعوى المندائية الدائم بأنهم قبل اليهودية وليس العكس وهنالك دليل آخر على ذلك هو أن اليهود في العهود القديمة كانوا يستخدمون اللغة الآرامية في الحديث والكتابة لكنهم في وقت ما أستبدلوها بالخط العبري الصندوقي الحالي لكن بقي لفظ الكلمات لديهم مشابه الى حد كبير من ناحية المعاني ولفظ الكلمات للمندائية.

التعميد الذي بدأه يوحنا لا نجد تفاصيله الدقيقة في كتابه، بل في لفائف أخرى مثل (تعميد هيبل زيوا، وزواج شيشلام العظيم، والف واثناعشر سؤال) و غيرها التي تضع مبادئ وأصول التعميد، هل يمكن ان تكون هذه الكتب موضوعه من قبل تلاميذه ومن أتبعوا طريقه؟ بالاضافة الى أستخدام النار في التعميد هل يمكن أن تكون تلك النار قد أستعيرت من تقاليد المجوس المتواجدين في المنطقة؟ أم من الممكن أن يكون تقليد قديم أيضا حيث ان المعابد اليهودية  القديمة  توجب أن تبنى وفي باحتها الأمامية توجد منصة للنار وكذلك نخلة وعين للماء.

اليهودية لا تتحدث بتفاصيل كثيرة عن يوحنا المعمدان وكذلك لا تشير لماذا لم يتم أتباعه من قبلهم ولكن في نفس الوقت لا تعتبره شخصية مكروهه أو غير محببة برغم كونه عمد يسوع الذي أقام دين المسيحية الذي سحب السلطة والقوة من اليهود فيما بعد.

أجد تحليل السيدة دراور بخصوص العلاقة مع اليهودية والمسيحية واقعي الى حد كبير فالمبادئ اليهودية مقاربة للناصورائية-المندائية في العديد من الجوانب وخصوصا تلك التي تتعلق بالطهارة الطقسية ودقة المراسيم الدينية ومحرمات الأكل والشرب وكذلك الفلسفة الخاصة بخلق الكون والعالم المادي وآدم الخفي.

و من ناحية أخرى تتشابه الناصورائية-المندائية مع المسيحية أيضا وخصوصآ من ناحية التعميد ويوم الأحد وحب السلام ونبذ العنف وعدم أداء الختان وتقديس الزواج وتحريم الطلاق بالأضافة الى تسمية يسوع نفسه

حيث يدعى المسيح من الناصرة رغم أن المؤرخين عجزوا عن أيجاد مدينة تدعى الناصرة في زمن المسيح وما أفترضه هو ما توجد أشارات اليه في المخطوطات المندائية وهو أن المسيح كان من الناصورائيين وما قام به من تغييرات تمس تغيير للطقوس الدينية أو اتباع فلسفة تختلف عن المادئ الناصورائية-المندائية الاصلية هو الذي دفع الناصورائيين الى نبذه ووصفه بالكذاب وعدم أتباعه برغم وحسب أشارة النصوص المندائية فقد أتبعه العديد من الناصورائيين في وقتها.

العلاقة المحيرة بين الناصورائيين-المندائيين والحكام الفرثيين، لكن أذا علمنا أن العلاقة بين الحكام الفرثيين واليهود متوترة جدا وبأن حروب عدة قامت بين الطرفين أستمرت لعقود طويلة يمكن أن نستنتج أيضا بأن تلك العلاقة سياسية بحتة رغم انها أنسحبت الى أعماق بعيدة حيث دخلت المفردات الفارسية في الادب المندائي ودخلت القصص الفارسية وأبطالها في الاساطير المندائية أيضا، هذا الامر ليس بغريب فأجواء الحماية التي وفرها الحكام الفرثيين للناصورائيين في زمنهم جعلت المندائية تنتعش وتزدهر ويزداد عدد أفرادها مما دفع كتاب حران كويثا مثلا الى أعتبار تلك العائلة الحاكمة ملوكا ناصورائيين.  الاشارت التي ذكرتها السيدة دراور عن مدينة حوران وحوراران التي وجد الناصورائيينون فيها الامان والرعاية دليلا كبيرا على ذلك ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، لماذا غادروها؟ لماذا هاجر الناصورائيون الى الجنوب؟ هل هي المنافسة الشديدة بين أديان المنطقة؟  أم هي الفتنة التي حصلت بسبب رجل الدين المسمى قيقل؟ أم ضعف الدولة الفرثية في نهايات فترة حكمها الذي من الممكن وضع الناصورائيين في خطر؟ أم ان الناصورائيين لم يهاجروا من تلك المنطقة بأعداد كبيرة بل اندمجوا مع المجتمع وذابوا فيه؟ ربما لن نجد جوابا واحدا يحل هذا اللغز ولكن من تواجد الناصورائيين في بغداد في زمن كتابة حران كويثا ومن ثم انحصارهم عند مناطق الاهوار جنوب وادي الرافدين في العهود اللاحقة قد يدفع للاعتقاد بأنهم نزحوا بشكل تدريجي هربا من المنافسات الدينية وطلبا للعزلة والامان.

يوجد فرق كبير بين الدين فقط والدين الذي تتخذه الدولة قانونآ، فعندما يكون الدين مجرد فلسفة وأفكار معينة يتبعها جماعة من الناس عادة يبقى نقيآ، أما اذا اتخذته الدولة كقانون فيتعرض الى الكثير من التغييرات التي تستوجبها الظروف التي تمر بها تلك الدولة وهذا ما حدث، فالناصورائية-المندائية بقيت محافظة على جوهرها و تعاليمها التي يسعى لمعرفتها المهتمون بتاريخ الفترة التي سبقت المسيحية وعاصرت اليهودية

أما المسيحية واليهودية والاسلام فهذه أديان دول لها اجنداتها السياسية المعروفة التي دفعتها الى صياغة كتبها الدينية وما يتناسب معها، فالانجيل حدد بأربع كتب بعد سنين من النقاشات بين باباوات الكنائس وتحت ضغط وتهديد من الحاكم الروماني وقد أستبعدت العديد من المخطوطات من الاناجيل لأسباب سياسية بحتة.

كذلك الاسلام فقد جمعوا ووحدوا كتابهم في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وأشرافه وأحرقوا كل المخطوطات الاخرى. وهذه الدول قادت حروبآ طويلة دامية لأجل أثبات وجود الدين الذي تعتبره قانونها لتصل في الزمن الحالي الى الموازنة التي هي عليها.

السياسة الوحيدة التي نجدها في المخطوطات الناصورائية هي التقليل من شأن الأديان الأخرى وذكر مساوئهم والهدف واضح جدا هو محاولة منع الناصورائيين من الالتحاق بهم.