الشبياهي \ الدكتو صباح خليل مال الله

شـِبياهي shiviahia ، ويلفظها العامة " شيفياهي" ومفردها شـِبياها shiviaha  وتعني أما " كوكب " أو " شيطان " . ويشار اليهم بـ شوبة شيبياهيا الشِبياهي السبعة . ويـُعتقد ان كلمة شـِبياهي آتية من شوبة اهيا الأخوة السبعة وهم ابناء روهة شيبياهيا بنيا ذروهة بةطلة الشـِبياهي ابناء روهة الباطلة . وهم الأراكنه  Archons (مفردها اركون)  في  المعتقدات الغنوصية الأخرى . المندائية احتفظت لنا بأسماءهم البابلية وهم : سن أو سرا (القمر) وشامش (الشمس) وليبات أو دلبات  (الزهرة) وأنبو (عطارد) ونيرغ (المريخ ، مارس) و بيل (المشتري ، جوبيتر) وكيوان (زحل) ، وكل منهم له مداره الخاص حول الأرض بالإضافة الى " الثامن " . بينما اسماؤهم لدى الطوائف الغنوصية الأخرى مستمدة من الصفات التوراتية لإله اليهود فهم : التحوث (بشكل اسد) و ايلوايوس (بشكل حمار) و استافايوس (بشكل ضبع)  و ياو (بشكل ثعبان)  و صـَباوث (بشكل تنين) و أدوناي (بشكل قرد) و صـَبَّتايوس (بوجه يتأجج ناراً) . 

الكون المادي هو مجال هولاء الشـِبياهي (الأراكنة) وهو يشبه سجناً سحيق الأبعاد تقع في زنزانته السفلى الأرض (تيبل) موطن البشر ، وتدور حولها وفوقها الأفلاك الكونية محيطة بها احاطة طبقات البصلة بلبها ، وعدد هذه الأفلاك هو سبعة عادة بالإضافة الى الفلك الثامن وهو فلك " النجوم الثابتة ". إن هذا التشكيل الكوني له أهمية دينية بالغة نابعة من فكرة ان كل شيء يتخلل الـ " هنا " والـ " ما وراء" يحول مابين الانسان و الله (عالم النور بالنسبة للمندائيين) ليس فقط من خلال المسافة المكانية ولكن من خلال قوة " شيطانية " فاعلة . لذلك فإن الاتساع وتعددية النظام الكوني يوضح البعد الهائل الذي يفصل الإنسان عن الله .

 

الأفلاك هي عروش هؤلاء الشبياهي (الأراكنة) السبعة وهم يتحكمون بشكل جماعي بمصائر العالم (البشر) ، وبشكل انفرادي كل منهم من فلكه يقوم بدور الخفير للسجن الكوني . وحكمهم الاستبدادي هذا يسمى القدر الكوني . ووفقاً للتصور العرفاني (الغنوصي) فإن كل اركون (شبياها) يسعى من فلكه لاعتراض سبيل الأنفس التواقة للصعود بعد الوفاة من اجل الحيلولة دون هربها (الأنفس) من قبضة العالم (المادي) ومن ثم عودتها الى منشأها النوراني .  وفي الاعتقاد الحالي لدى الصابئين فان ابثاهيل يحكم على الجن " الشبياهي " ، وهو يتسلم ارواح الموتى ويطقلها في رحلة خلال المطهر (مطرثا) منتهياً عند اباثر موزانيا . فإذا رجحت كفة الروح (نشمثا) في تلك الموازين فانها تجتاز الامتحان وتعبر في زورق الى عوالم النور حيث تلتقي بالأرواح الطاهرة الأخرى وبنظيرتها الروح المثلى (دموثة)[1] .

 

ومما يعزز القول بأن الـ " شـِبياهي " هو موروث رافديني اصيل ورود ذكرهم في الرقم الطينية المسمارية بأسم " سَبيتـّو " sebettu بالأكدية و " إمينبي " بالسومرية وتعني : مجموعة السبعة وهم مجموعة شياطين ولدوا من اله السماء " آن " وإلهة الأرض " كي " اخته ، وكانوا اعواناً  للإله " نـَرگال " إله العالم السفلي ، ويظهر اسمهم في التعاويذ السحرية القديمة[2] .  ولادة الشبياهي شبيهة بولادة السبيتو وهي  مدونة في گنزا ربا الـكتاب الثالث حين تطلب روهة من أور ان يواقعها :

 

« قم ونم مع امك وتحرر من الأصفاد التي قـُيدت بها ،  والتي هي اغلظ من كل العالم ! حين سمع الشرير هذا جلجل بعظامه ونام مع روهه ، فحملت بسبعة هيئات من مرة واحدة . وبعد سبعة ايام جاءها المخاض وولدت الحمقى ، ولدت الشبياهي ، والسبعة هيئات منهم خرجت » .

 

وهذه الكواكب تتحكم بالأيام (راجع سفار ملواشي) فالسبت هو يوم كيوان ، والأحد تعود اقسامه الى شامش وليبات ونيرغ ، والأثنين من حصة القمر (سن) والثلاثاء يتحكم به نيرغ ، والأربعاء يسيطر عليه انبو ، وبل متسلط على الخميس ، والجمعة هو يوم الزهرة . ومع ان كل كوكب يحمل في طياته نوعاً من الشرور الا ان له تأثيرات فلكية ايجابية ، فالأرواح النورانية في القمر مثلاً تحول بينه هو وملك الظلام ، وبين تضليل البشر ، فبتأثير هذين الأثنين يأتي الناس بأعمال معيبة . وتحمل المننمات المندائية في ديوان اباثر اشكالاً لهذه الكواكب (الشبياهي) ، فشامش يجلس في فلكه ممسكاً بالدرافشا التي تحيط بها ثلاث هالات وسين يظهر زورقه مزداناً بالآس وليبات تظهر خلفه بزورق صغير .

 

الناطري (الحراس) الذين يحرسون المندائيين في تيبل (الأرض) هم من يمنعون شرور روهه وابنائها الشبياهي من ايقاع الضرر بهم . ولكن في كل رأس سنة مندائية جديدة يرحل كل هؤلاء الناطري ويذهبون لتقديم الشكر لمانا العظيم الذي اتم خلق العالم في هذا اليوم . يغلق اباثر بابه ويرفع المكان شلمي وندبي حراستهما عن اليردنا وهيبل وشيتل وانوش يغادرون ايضاً وسكان مشوني كوشطا وعلى رأسهم " آدم كسيا " وشيشلام ربا ـ نظير هيبل زيوا ـ كلهم يصعدون بسفن النور الى عالم النور وتستغرق الرحلة 36 ساعة فيظل العالم دون حماية وتظل قوى الشر والموت طليقة ولهذا يلزم المندائيون بيوتهم في هذه الساعات اتقاء للشرور[3] .  

 

ويذكر المندائيون الشفياهي في حكاياتهم الشعبية التي دونتها الليدي دراور في كتابها الذي ترجمه المرحومان نعيم بدوي وغضبان رومي ومنها حكاية

كنشي وزهلي

 

لدينا نحن الصابئين عيد كبير يقع في وقت نضوج التمر تقريباً ، وهو يسمى دهفا ربه ويسمى اليوم الذي يسبقه كنشي وزهلي . ويستمر كنشي وزهلي ليلتين واليوم بينهما ، حيث يبقى المندائيون اثناء ذلك الوقت في بيوتهم ومعهم ماء وطعام كافيان لتلك الفترة ، وهم يودعون ماشيتهم وكلابهم وقططهم في اماكن بعيدة عن غرف سكناهم في البيت . فخلال هاتين الليلتين واليوم بينهما يصعد اثري الشمس والقمر والماء الى آلمه دنهوره (عالم الأنوار) ، وفي غيابهم يجب على كل مندائي ان يستقر في بيته ويبعد عنه ماشيته . وحين يعود الملكي والأثري يخرج الصابئون ويجعلون من يوم الخروج عيداً ، يغتسلون فيه ويبتهجون .

 

والأثري في خدمة الملكي وتحت امرتهم . فالرعد هو صوت التصادم بين الأثري والأرواح الشريرة حين يقوم الأثري بقذف الأرواح الشريرة الى العالم السفلي . نحن نحس بفرقعة الهواء حين يسقطون ، ونسمع الأصوات ، ونرى الضياء . واثناء كنشي وزهلي اذا منا هرب حيوان داجن ودخل البيت فسيتنجس الحيوان ويحرم ذبحه واكله . واذا ما مس الحيوان اي شخص من اهل البيت اصبح الشخص نجساً ، وعليه ان يتعمد بأسرع  ما يمكن بعد انتهاء العيد ، وعليه ان لا يأكل أو يشرب الى ان يتطهر بالماء الجاري . وبمجرد ان تلسع نحلة احداً اثناء كنشي وزهلي فسيتنجس ايضاً ، وعليه ان يمتنع عن الطعام والشراب ، ومن لمس اي شيء في البيت الى ان ينتهي العيد ويتعمد سبعين مصبته (تعميد) .

 

وكان يوجد درويش صابئي يسمى مجبور الصبي من قرية مسيعيدة قرب العمارة وكان على درجة كبيرة من التقى ، وفي اثناء كنشي وزهلي كان هو وعائلته يبقون داخل بيتهم ، وفي ساحة الدار يقيمون كوخاً من القصب ذا فتحة واحدة يبقونها مغلوقة لئلا يدخل الى الكوخ حيوان أو اي عنصر غير طاهر . وقد كان هو وقريب له يسمى چحیلي وزوجة چحیلي معاً في هذا الكوخ . وحين خرجت المرأة لقضاء حاجة طبيعية ، وفي مثل هذا الوقت يسمع باستعمال ساحة الدار لمثل هذه الأغراض ، ولكن لا لتغادر ساحة الدار او ان تمس أي حيوان ، كان طائر الزرگي واقفاً علی سطح البیت ، وحالما خرجت المرأة حط فوقها ومزق منديلها من على رأسها ، وهكذا طلت حاسرة الرأس ونجست . وبدأت تصرخ قائلة : " لقد نجسني الطائر " . وخرج چحیلي ليرى ماحدث ، وحالما خرج حط الطائر فوقه وضربه بجناحيه . وأمسك چحیلي بالطائر ووضعه في السد (وعاء كبير من الطين لخزن الرز وسائر الحبوب) . وضعه هناك وأغلق الوعاء بغطاء ثقيل من الطين قائلاً : " حين سينتهي كنشي وزهلي سأريه للشيخ زبد ، فلربما سيعرف ما هو هذا الطائر الذي جاء اليّ ونجسني " ، وكان شيخ زبد رجلاً متعلماً مثقفاً مشهوراً بعلمه بيننا .

 

دخل چحیلي وزوجته بعد ان تنجسا ، الى بيت أخر غير الكوخ الأول وبقى مجبور وحيداً هناك ، ولما صعد على المنصة الخشبية لتناول الماء والطعام، وكانا موضوعين على منضدة في داخل الكوخ ، وكانت المنضدة عالية بحيث لم يكن يستطيع تناول طعامه الا بالصعود على المنصة ، رأى بجانب الماء ضفدعة كبيرة ، فدعا چحیلي وكان خارج الكوخ قائلاً : " هنا ضفدعة قد دنست الطعام والماء فكيف وصلت الى هنا ؟ " .

 

ركض چحیلي ودخل الكوخ وامسك بالضفدعة ووضعها في وعاء الطين مع الطائر ، الا ان الطعام والماء كانا قد نجسا ايضاً ، وهكذا بقيّ الشيخ مجبور تلك الليلة واليوم بعدها والليلة الأخرى عطشان جوعان .

وحين انتهى كنشي وزهلي ذهب چحیلي الى الوعاء ليأخذ الطائر والضفدعة ويعرضهما على الشيخ زبد . وحين ازاح الغطاء لم يجد لا طائراً ولا ضفدعة ! لا شيء . لقد اختفيا .

 

ذهبوا الى الشيخ زبد وبدأوا يقصون عليه وعلى الذين معه ما حدث وحين سمع الشيخ زبد ذلك عجب وقال :

" اؤلئك كانوا شفياهي بلا شك على صورة طائر وضفدعة ، وقد فعلوا ذلك للاضرار بكم " .

 

ملاحظات :

يظهر ان المندائيين في الأيام الأولى لم يكونوا ليسمحوا بأنشاء دورات مياه في ساحاتت الدور ، وهم كالأسينين يخرجون لقضاء حاجاتهم خارج البيوت . وممنوع منعاً باتاً لدى الأزيديين تدنيس ساحة الدار بمثل هذه الأشياء ، كما انهم لا يقيمون هذه المرافق حين يبنون بيوتهم .

الزرگي طائر مائي ذو ريش رمادي شاحب .