كتابات مندائية \ الدكتور صباح خليل مال الله

المندائية هي احدى اللهجات الشرقية للغة الآرامية التي ظهرت للوجود مع الظهورالأول للآراميين منذ حوالي ثلاثة الآف سنة حين استوطنت قبائلهم على امتداد نهر الفرات وفي كل منطقة الشرق الأدنى . وقد انتشرت المندائية بشكل كبير في بابل والمناطق الممتدة جنوبا الى مملكة ميشان وبلاد عيلام في القرن الأول الميلادي. لقد تبنى كل من العلاميين والميشانيين الأبجدية المندائية في القرن الثاني الميلادي لمرونتها وقوة تعابيرها واصبحت اللغة التي دونت بها الكثير من الوثائق ونقشت حروفها على المسكوكات المعدنية في تلك الفترة وفي الوقت ذاته غدت المندائية، التي اتخذت من الارتماس (التعميد) بالماء رمزا لها، عقيدة آمنت بها مجاميع كبيرة من الناس سواء في بلاد الرافدين او حوض الأردن عندما كان النبي يحيى يكرز في البرية ويحارب الطغيان بينما هو يعمد الجموع التي تنضم لمسيرته . ويشيرالمستشرق الألماني الكبير مارك ليدزبارسكي M. Lidzbarsky ، الذي قام بترجمة كتاب كنزا ربا المقدس الى الألمانية في مطلع القرن الماضي الى ذلك بقوله:

"من المسلم به ان الانقلاب العظيم الذي احدثه الدين المندائي على الصعيد المذهبي لم يتم في عشية وضحاها . لقد استطاع هذا الدين ان يثبت جدارته وأن يتوطد ويغدو عقيدة لفئات واسعة من البشر . لكن نحن نفتقر الى امكانية للنظر في الأحداث التي مهدت لهذا الدين منذ البداية"

 

لقد كانت اللغة المندائية (العرفانية) لغة العلم والمعرفة ولغة التداول اليومي جنبا الى جنب مع اللهجات الأخرى مثل النبطية والبابلية الكلدانية (القريبتان جداً من المندائية) الى ان اخذت بالضعف والأنكماش التدريجي امام اللغة العربية التي هيمنت على العراق بعد الفتح العربي الأسلامي في القرن السابع الميلادي ، فتخلى عنها المندائيون في العراق تماما لصالح اللغة العربية لأسباب عديدة ومن اهمها الاضطهادات الدينية والعرقية ، وأصبحت تقتصر حاليا على رجال الدين المندائيين الذين يؤدون بها الطقوس الدينية اي لغة طقسية او مايسمى بالأنجليزية liturgical language.   وبالتأكيد، اذا ما استمر الحال كما هو عليه الآن فستنقرض هذه اللغة في المستقبل القريب كما تنبأت بذلك الليدي دراور التي درست اللغة المندائية وترجمت كتبهم وعاشت معهم لفترات طويلة. 

 

ان النصوص المندائية هي الأكثر نقاوة من ناحية لغوية ولم تتعرض للعناصر الدخيلة interference  ولذا فهي تقدم اللغة الآرامية بشكل افضل من لغة التلمود . لقد دونت المخطوطات المندائية في بابل وكتاب كنزا ربا قد كتب قبل قدوم الأسلام الى العراق بفترة طويلة، وخلف لنا المندائيون القدامى مخطوطات ودواويين ولفائف وتعاويذ طلسمية مكتوبة على اشرطة رصاصية وعلى قحوف الأحراز، واغلب هذه الدواووين والمخطوطات مكتوبة على ادراج طويلة بشكل ملفت للنظر تتخلها رسوم لشخوص كونية رمزية لها اسلوب خاص بفن الرسم الديني المندائي.

 

ان دراسة الكتب والدواويين المندائية ، وخاصة ترجمة التذييلات (الازهارات) colophons   ، التي تشتمل على قوائم باسماء النساخ المندائيين ، بينت أن أول اسم يرد في تاريخ النساخ المندائيين هو امرأة اسمها " شلاما بنت قدرا " ، وهذه المرأة التي تكنى باسم أمها او معلمتها في الكهانة وهي اقدم اسم شخص مندائي ورد اسمه على انه ناسخ لنص معروف بكتاب گنزا سمالا (يسار) الذي يحتوي على نصوص شعرية رائعة تتناول صعود النفس (نشمتا) الى عالم النور . و " شلاما " هذه يعود تاريخها الى سنة 200 ب . م ، وهي بذلك تسبق بعدة اجيال الناسخ المندائي الشهير زازاي اد گاوزتا الذي عاش في سنة 270 ب . م والذي يعود الى حقبة النبي " ماني " وبعد صلبه .

 

وفيما اذا كان الناس الذين يتحدثون الآرامية في منطقة عيلام القريبة عن سوسة هم من اصول مندائية أو لا  فهذا أمرٌ يصعب الجزم به ، ولكن الكتابات الآرامية التي وجدت في منطقة تانگ  ـ أي ـ سَرواك tang – i - sarwak في خوزستان وتاريخها بحدود القرن الثاني الميلادي هي مشابهة تماماً للأحرف المندائية ، ولذا يعتقد ماسوخ بأن الكتابة المندائية قد سبقت العيلامية . وفي زمن الدولة الفارسية الفرثية تمتع المندائيون بحماية الدولة ولكن الأمر تغير حين استولى الملك الساساني بهرام الأول الى الحكم وذلك سنة 273 ب . م ، اذ قام باعدام " ماني " في بداية حكمه بتأثير الكاهن الزرادشتي الأعظم " كاردير " تلتها حملة اضطهادات واسعة طالت ليس فقط اتباع النبي ماني وانما امتدت الى اتباع الديانات الأخرى الغير زرادشتية مثل اليهودية والنصرانية والناصورائية وحتى شملت النهدوس والبوذيين .

 

وهذا يدعو المرء ان يستنتج بأن الناصورائيين قد بذلوا جهوداً فائقة في محاولة للحفاظ وجمع واخفاء تراثهم الديني ويشهد على ذلك ماقام به الناسخ " زازاي " من جهود مكثفة في هذا المجال . ولكن بالرغم من حملة الاضطهاد التي قادها ‘ كاردير’ فأنه لم يستطع اطفاء جذوة المندائية ، الا ان الدين قد ابتعد عن التدوين التاريخي لعدة أجيال ولم يظهر ثانية الا فيما يسمى اوعية الاحراز (قحوف الهرشي) والأشرطة الرصاصية . أما النص التاريخي الأهم يبين بأنه في سنة 639 ـ 640 م ، أي في بداية الفتح الاسلامي ، يذكر بأن الريشما المندائي " أنوش بر دنقا " قد ترأس وفداً من المندائيين للسلام على القائد العربي الاسلامي واطلاعه على كتاب المندائيين المقدس ، كما ذكر له بأن نبيهم هو يحيى بن زكريا ، الذي يجله المسلمون ، وعليه طالب بحماية المسلمين لهم باعتبارهم من اهل الكتاب[1] .

 

لقد ادت الهجرات والاضطهادات وكذلك العوامل الطبيعية مثل الحرائق التي كانت تأتي على اكواخ القصب والفيضانات والأوبئة الى ضياع وتلف الكثير جداً من المؤلفات والكتب المندائية ولم يتبق لهم سوى بضعة كتب ودواويين . لكن برأيي ان العامل الأهم في ضياع وتدمير هذا التراث هو الصراعات مابين الناصورائيين انفسهم[2] والردات الفكرية التي ادت الى حرق وتلف العشرات من الكتب المندائية ، وأوضح مثال هو ما قام به الريشما " قيقل " من حرق للكتب والدواويين . وقد ورد ذلك في نصوص ديوان " حران گويثا " وفيما يلي ترجمة للنص :

 

بتمةنين وشيت ءشنيا من قودةم

بحوالي ثمانية وستون سنة قبل

بخرة ذشهةط اربةيا

ابن    الذبح       العربي

مشادةرلح ادو،ي ءل شوربيش روهة

بعث  أدوناي بشربش روهه ،

ذهء زاوح لطيب مدينتة ميتقيريا

التي هي زوجته ، لطيب المدينة التي يقال لها

ذمدينتة ذشجةندة بطيب ميتيقريا

مدينة الأشكندا التي يقال لها الطيب

امينطول ذكول ذابةد مةلكوتة ببةجدةد

لأن كل ما تم  ،  (تم  أثناء)  حكمه  في  بغداد

اشجةندة بطيب مةتة هوة

لأن الأشكندا  كان  في  طيب  ماثا 

مدينتة ذاشجةندة ميتيقريا

التي  يُطلق  عليها  مدينة  الأشكندا

امينطول ذهون بجةوة ،صشرةييا ريش اميا

لكون  يعيش  فيها  الناصورائيون    والريش  أمي ،  

هوة هدة ريش امة ذميتيقريا قيقيل

وكان  منهم  ريش  إمه    يُقال  له  ‘ قيقل ’

 

ومشادةرلح بهةزين المة

فبعث اليه ، في هذا العالم ،

ادو،ي لشوربةش روهة وةمةرلة

أدوناي بشوربـَش روهه ،  وقال  لها  :

ءزال وءدةميلح لقيقيل ذ،صورةييا

اذهبي ، وترائي  لقيقل  الناصورائي

بهيبيل زيوة ونسبويا مينح مةديهتة

بهيئة  ‘ هيبل ـ زيوا ’  وخذي  منه  بصيرته

وةلإكخنون لمةلةليا لميصريا

وحرفي  الكلمات  التي  تحدد

ذبينيا، ءلةوةيون قةييم

الكيان (العقيدة)  التي  تقوم  فوقهم  ،

ظ هةزا ابةدت امة كولةي ذ،صورةييا

عندما  تقومين  بذلك  ملة  الناصورائيين كلها

لديلةن هةدرةن

تتحول  الينا .

 

وةزلةت روهة شوربيش زاوة ذادو،ي

فذهبت الروهة شوربـَش  ، زوجة  أدوناي ،

وشرةت لقيقيل ذ،صورةييا

وحلت  على  قيقل  الناصورائي

وءدةميات بةدمو ذهيبيل زيوة

متنكرة بهيئة  هيبل ـ زيوا

ذلةييت شافير اكوةت هيبيل زيوة مةوديابة نيشمةتة

ـ حيث لا يوجد  جميل  مثل  هيبل ـ زيوا  تعترف  به  النفوس ـ

و،سبيلح لمةديهتة ذقيقيل

فسلبت  بصيرة  قيقل

ومةفيشا ءلح وةمرةلح

وطلبت  منه  وقالت  له  :

ا، هو هيبيل زيوة ايتيت مةجةلتة وهيللإ

أنا  هو  هيبل ـ زيوا أتيت  بالقرطاس  والقلم    

وكديب شيرشا ذهييا وميمرة ورةزا

 فاكتب  شرشا  (عقيدة)  الحياة  والكلمة  والسر

ودرة كديب شيرش وشادةر وةبود بجةوةيون

وانشر  الشرشا  المكتوبة  وارسلها   واعمل  بموجبها 

امدنطول ذا، هييا ربيا شادرون

لكون  أنا  قد  ارسلني الحي العظيم

وةتيت لوةتةك

فقدمت  اليك  .

 

هةيزاك ايتيا قيقيل مةجةلتة وهيللإ

وهكذا  جلب  قيقل  قرطاساً  وقلما ً

كدوب ودرة من روهة

فخط ونشر من (ما قالته) روهه ،

ظ مةديهتة هوة شقيلة مينيا

بينما  الفهم  قد  سُلب  منه .

 

هةيزاك لإليج ب،صورةييا وةشوةلةنيا

وبالتالي  حدث  انشقاق  بين  الناصورائيين  والأشكندية

من هة،تح كدةبة ذكديب

نتيجة  لذلك  الكتاب  الذي  كتبه .

 

هةيزاك ءتبةريات من قودةمة

وحين  انزاحت  من  أمامه

هدةر ءصرة ومةديهتة ذقيقيل

عاد  رشد قيقل  وفهمه .

هةيزاك الإك مةلةليا وةلإك قمةهيا

حينذاك  انكر الكلمات  وأنكر  القماهات

ذبينيا، وةفرشلح ذروهة هء

التي هي من تفاسير  وتوجيهات  روهه ،

كول كدةبة ذهوة لوةتة من كدةبة ذروهة

وكل  كتاب  صار  بحوزته   من  كتب  روهه

قلة بنورة وشادةر ل،صورةييا

احرقه  بالنار  وبعث  للناصورائيين

وةشوةلةنيا ذايتين كدةبيا ذياهبي،لكون

وللشوليي (قائلاًً) : اجلبوا  الكتب  التي  وهبتكم  اياها

ذقةلينون بنورة

واحرقوها في النار .  

امينطول ذشرةقتةن ظ لةياديت

لكون  روهه  ضللتني  فلم  ادرك

من مة، ومن هة،تيا

من  مـَن  (هي) ومن  طرف (من)  .

،صورةييا ذابةد شارشا تةق، هوة

الناصورائيون الذين  يتبعون  العقيدة القويمة

ايتيا كدةبيا وياهبةلح وقلة بنورة