الختان بالمجتمع الذكوري /من وجهة نظر مندائية / بقلم عزيز عربي ساجت

 

 عزيز عربي ساجت

 باسم الحي العظيم

 ( يااصفيائي ، ايها المؤمنون : ان الذين يسجدون لادوناي ، ويحرفون النداء الاول ، قد الفوا لهم كتابا لا تكونوا منهم ، ولا تختتنوا ، ولاتسلكوا طريق الذين على كلامهم لايثبتون .) كتابنا المقدس الكنزا ربا – الوصايا. ترجح بعض الدراسات الاحدث ارتباط الختان بالمجتمع الذكوري ، كما قال اشلي مونتاجيو( البشرية التي جرى تشويهها ) وفيه يربط نشأة عادة الختان للجنسين بظهور المجتمع الذكوري ، ويفسر استمرار هذه العادة ببقاء القيم الذكورية ، رغم اختلاف الدوافع الحديثة عن الدوافع القديمة للختان ، وان الانسان هو الكائن الوحيد الذي يجري عمليات تشويه لاجساد افراده بأسم العقل والدين والعادات والتقاليد والعرف والاخلاق والقانون ، واي حجج نسمعها في الوقت الحاضر لتبرير الختان كما يجري الان تختلف عن دوافعه الحقيقيه ، حيث ان هذه الدوافع تختفي تحت حجب ثقيلة من التبريرات الاسطورية والدينية والطقسية والدنيوية ، وبمرور الزمن يزداد رسوخ هذه الحجج ، فينتقل تبرير الختان من ارضية دوافعه الاصلية الى ارضية التحيز لهذه الحجج الجديدة .

من اهم الدراسات التي اجريت بهذا الخصوص هي دراسة برونو بيتلهايم عن الختان في كتابه جروح رمزيه :

في موضوع طقوس البلوغ والذكر الحسود ، يرى ان ختان الذكور قد نشأ بسبب حسد الرجال للنساء على خصوبتهن التي لوحظ ارتباطها بنزول دم من اعضائهن الجنسية عند البلوغ ، فكان ختان الذكور وسيلة محاكاة رمزية لهذه الخاصية الانثوية ، كذلك عبارة عن محاكاة رمزية للانثى بأسالة دم العضو التناسلي الذكري ، مثلما يحدث في القبائل الاسترالية الاصلية وفي بعض القبائل الافريقية ، كما يرى ان الختان يعتبر اخصاء رمزي يجريه الذكر المسيطر (الاب) على اجساد الذكور الخاضعين لوصايته من قلقه من احتمال استلائهم على نسائه . وسواء كان الختان من اختراع الرجال ام النساء ، وسواء كان يلبي رغبات الرجال ام النساء ام كليهما معا فانه لا يمكن ان يرمز الى الاخصاء الا في مجتمع فيه العقوبات الشديدة سيما على التجاوزات في السلوك الجنسي جزأ من الاطار المرجعي للفرد ، ولا يكون هذا الا في مجتمع تسوده الرموز الابوية المهددة للصغار والمتغلبه عليهم بوقتها ، يزداد هذا الرمز قوة لدى الطائفة اليهودية مع تحول سن الختان من قرب البلوغ الى الايام الاولى من العمر حيث يكون الطفل في اضعف حالاته تحت رحمة سلطة ابوية مدعمة بسلطة الهيه جبارة .

ويرى ايمرمان وماكاي ان وجود الذكور في حالاتهم بلا ختان كفيل بتوفير متعة جنسية وافرة للرجال والنساء على قدم المساواة ، فلابد اذن ان الختان يوفر فائدة للجميع تربو على حرمان الجنسين من هذه المتعه ، كما يرى الباحثان ان الختان ينتج عنه تغير في مراكز الاحساس الجنسي فيقلل من قدرتها على الاستجابة للمثيرات ، كما يمنع افراز مادة (السميسجما) بمعنى المرطبه والمنظفه باللغة اللاتينية وهي كذلك مادة ذات رائحة جذابة جنسيا للنساء ، ويرى ان هذه التغيرات التي تحدث لجسد الذكر بالختان تخفض فرص انجذاب النساء للرجال وفرص المشاحنات بين ذكور القبيلة الواحدة تزداد .

ان الختان سبق ظهور اليهودية بزمن بعيد اذا وجدت شواهد تاريخية موثقة عن اجراء ختان الذكور في سوريا القديمة في القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد ، وفي مصر القديمة في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد ، ولم يكن مفروضا على كل الشعب المصري بل كان على الكهنه فقط يدل على هذا ان الامبراطور الروماني هادريان الذي حرم الختان في القرن الثاني الميلادي استثنى منه الكهنه الفراعنه .

ان اليهود الذين تنصروا قد فشلوا في ادخال الختان الى الفكر المسيحي لانهم لم يكونوا مركز قوة في الدولة الرومانية ، لكن اليهود الذين اسلموا نجحوا في ادخال الاسرائيليات الى الفكر الاسلامي لانهم كانوا مركز قوة ثقافية ومادية في الجزيرة العربية وما حولها في صدر الاسلام .

يلاحظ ان خطاب الكتب السماوية للاديان الثلاثة (اليهودية والمسيحية والاسلام ) عن الختان قد تطور من فرض الختان في التوراة ، الى افراغه من مضمونه المقدس في الانجيل ، الى السكوت عنه تماما مع التاكيد على فلسفة كمال الخلق في القران .

ويبين لنا الاستاذ بيج قصة سفر التكوين تفسيرا اجتماعيا فيقول انها تمثل انشقاقات وصراعات داخل قبيلة تتسع ويزيد افرادها وتحتاج لقوة ذكورها ليدافعوا عنها ، لذلك كان اليهود القدماء يعرفون طبيعة الختان الذي ذكر في العهد القديم كصفقة سياسية بين الاله وابراهيم ، دون ان يلصقوا بها اي فوائد صحية مزعومة كما يفعل الاطباء اليهود ومن تاثروا بهم اليوم .

القسم الثاني

ويرى شامبرلين ان الاهل يختنون الطفل خضوعا لضغوط اجتماعية ,لانهم يجهلون انه سيكابد كل هذه المعاناة ، وبين انه يظهر على الاطفال المتالمين من الختان علامات موضوعية دالة على الالم ,فيزداد معدل تنفسهم وضربات القلب , ويهبط مستوى الاوكسجين ويزيد مستوى هرمون الكورتزون الذي تفرزه الغدة جار الكلوية استجابة للتعرض للالام والصدمات والكروب فوجد انه يرتفع في دم الاطفال اثناء وعقب ختانهم , وبعد الختان يتغير نمط نوم الاطفال ,ويبدون علامات انسحاب اجتماعي , ويختل نمط رضاعهم , وتفاعلهم الطبيعي مع امهاته .

واكد الباحث الامريكي رونالد جولدمان في كتابه ( الختان : الصدمة الخفية ) في موضوع الاثر النفسي للختان فيقول ان الاطباء يتجاهلون ألآم الاطفال الذين يتعرضون لها لانهم مواليد رضع لا يمكنهم مقاومته او منعه عن انفسهم , وقد ثبت بدراسة التشريح والتوصيل الكيميائي داخل الخلايا العصبية ووظائف الاعضاء وسلوكيات الرضع انهم يتاثرون بالالم بنفس كيفية تاثر البالغين به, لكن بقدر اشد .

والاطباء المؤيدين انهم يختنون الطفل بناء على طلب والديه ,وبذلك يكون الختان هو الجراحة الوحيدة التي يقررها غير المتخصصين في الطب والجراحة لكن الاطباء يتحكمون قي قرار الختان لانهم يخفون عن اهل الطفل المعلومات عن وظائف الغلفة وفوائدها ومضار الختان كما يقوال رونالد جولدمان .

ويفسر جولدمان الدور الذي لعبته العلوم الطبية في استمرار عادة اجتماعية لا ضرورة لها بل ضارة بالصحة كالختان وان العلوم ليست مؤسسة محايدة, بل تتاثر بالقيم الثقافية وتضع نفسها في خدمتها , وأحد الاساليب التي تتبعها النظم الاجتماعية للحفاظ على القيم الاجتماعية القديمة هو الباسها ثوب المصداقية عن طريق الابحاث العلمية التي تنقصها الدقة وبهذا يلعب المثقفون دورا في حجب الحقيقة .

في دراسة لكرستوفر كولد وجون تايلر بعنوان (الغلفة او الغطاء) وفيها يفندان المزاعم والاوهام السائدة وسط الاطباء والعامة عن عدم اهمية غلفة الذكر , تشرح هذه الدراسة بالتفصيل التطور الجنيني للغلفة , وتركيبها التشريحي والمجهري ووظائفها المتعددة , وتقول الدراسة ايضا تتكون الغلفة في اجنة الذكور والاناث على قدم المساواة , وتكون ملتحمة براس العضو الذكري او العضو الانثوي في السنوات الاولى من العمر لوقايتهما من التهيج بفعل افرازات الجسم , ثم ينفصلان تدريجيا بشكل طبيعي , ويتم ذلك في سن يترواح مابين (4 – 17سنة) , اكتشفت هذه الحقيقة التطورية التشريحية سنة 1949 ميلادية , لكن كثيرا من الاطباء يجهلونها , فيفسرون الالتحام الطبيعي بين الغلفة وراس العضو الذكري / والانثوي على السواء على انها ظاهرة مرضية علاجها الختان .

وتتكون الغلفة مجهريا من خمس طبقات من الانسجة الغنية بالاوعية الدموية والاعصاب الحسية المتخصصة في الشعور باللمس الخفيف , وهي اكثر اجزاء اعضاء التذكير حساسية , وتقارن حساسيتها باطراف الانامل وحافة جفن العين والشفاه , وقد اكتشف د. جون تايلور التركيب الدقيق للغلفة وتغذيتها العصبية ووصفها في مقال نشره في المجلة البريطانية للمسالك البولية سنة 1996 م .

وتوجد بالغلفة ايضا الياف عضلية شبيهة بالالياف الموجودة بكيس الصفن , وتلعب هذه الالياف دورا في حماية مجرى البول من التلوث في الرضع والاطفال بان تعمل كصمام يسمح بمرور البول للخارج ويمنع مرور اي مواد في الاتجاه المضاد من الخارج الى الداخل , وكلما اقترب الذكر من سن البلوغ , تتناقص الالياف العضلية وتزداد الالياف المرنة حتى يتوازن بما يسمح بحركة الغلفة بالراحة اثناء الممارسة الجنسية , ويوجد بالغلفة كذلك خلايا مناعية تعتبر من خطوط الدفاع الاولى للجسم عند التعرض لتلوث او عدوى ميكروبية ، وتفرز الغلفة ( الغطاء) مادة طبيعية مرطبة تيسر حالة الجماع , والختان يحرم الذكر من كل وظائف هذا التركيب الذي حباه الباري للانسان .

القسم الثالث والاخير

لقد راجع بعض الاطباء موقفهم من الختان بناء على ماوصلهم من معلومات وقاموا بعملية نقد ذاتي . وان بعض اطباء الاطفال الامريكيين اقلعوا عن تختين الاطفال بعد ان راجعوا موفقهم من الختان ومشاعر الطفل وذلك في كتاب الذي ألفه د. بويد بعنوان فضح الختان : اعادة النظر في عادة طبيعية وثقافية ، تناول بويد فيها الجوانب الطبية والثقافية لعادة ختان الذكور في الولايات المتحدة الامريكية من الجانب الطبي يصف بويد تركيب ووظائف الغلفة واوجه التشابه بين ختان الذكور والاناث ، وينتقد بويد تورط المؤسسة الطبية الحديثة في اجراء الختان وتبريره ، ويثبت انه ليس جراحة رشيدة ذات قيمة علاجية واقعية لمرض بعينه ، بل هو (جراحة تبحث عن مرض) ويعرض جهود بعض الاطباء الامريكيين الناقدين لختان الذكور ، ومن الجانب الثقافي يعرض بويد الختان كعادة يمارسها اتباع اغلب الديانات في المجتمعات التي تنتشر فيها هذه العادة ، حتى لو لم يرد بها نص ديني ، فهناك موقفا نقديا بين حماية الطفل من الاذى وبين مطالب المؤسسات الدينية ، ويتناول بويد كذلك الاثر الاجتماعي لهذه الظاهرة الضارة كأداة لاكساب الافراد الاحساس بالضعف النفسي ، حيث يؤدي تعرض الفرد في باكورة حياته للالم الشديد دون تمكنه من التحكم والمقاومة الى ان يتعلم ان العنف الغاشم ضد الضعفاء احد سنن الحياة التي لا مفر منها .

وهناك اراء مهمه للدكتورة نوال السعداوي بهذ الخصوص فتقول :ان ختان الذكور عادة عبودية وبقايا من طقوس تقديم القرابين البشرية للالهة الوثنية ، وتسرد د.نوال الوظائف الوقائية للغلفة ومضارختان الاناث والذكور ، ثم تعرض اهمية الختان من وجهة النظر اليهودية كتطهير للمولود من دنس دم الولادة بأراقة دم الختان ، وهو الطقس الذي تطور الى التطهير بالماء في المسيحية ، وتقول ايضا ان الرازي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي وهو طبيب عربي مسلم عارض كل ما يمس الجسم السليم بما في ذلك الختان .

وهناك رأي للشيخ محمود شلتوت فيقول : والذي اراه ان حكم الشرع في الختان لا يخضع لنص منقول وانما يخضع في الذكر والانثى لقاعدة شرعية عامة وهي ان ايلام الحي لا يجوز شرعا إلا لمصالح تعود عليه وتربو على الالم الذي لحقه ، وقد خرجنا من استعراض الروايات في هذه المسأله انه ليس فيها ما يصح ان يكون دليلا على (السنة الفقهية) فضلا عن الوجود الفقهي ، وهي النتيجة التي وصل اليها بعض العلماء السابقين وعبر عنها بقوله (ليس في الختان خبر يرجع اليه ولا سنه تتبع ) , ويرى كل من محمد عبده ومحمود شلتوت ان الختان لا علاقه له بالاسلام .

ففي احصائية للفئات التي تمارس ختان الذكور ( اليهود والمسلمين والامريكيون الشماليون والقبائل الافريقية التي تمارس هذا الطقس ) وجد ان ان نسبتهم الى سكان العالم تبلغ 23% تقريبا ، اي اكثر من ثلاثة ارباع رجال العالم يعيشون ويتزوجون وينجبون وهم على حالتهم التي خلقوا بها ، بدون ختان .

لذا يعتبر الختان نوع من انواع ايذاء النفس اومعاقبتها لذنب لم تقترفه بل شعيرة طقسية موروثه من الاباء والاجداد ويدفع ثمنها غاليا .

لذا نرى ان الختان في الديانة المندائية من كبائر المحرمات لانها تعتبره تغييرا في جسد الانسان الذي خلقه الحي العظيم كاملا ، وأدخل هذا التحريم في احد من اهم الاناشيد او الترديدات الدينية وذلك الاستعداد للوضوء ، والصلاة ، فيها يختار المندائيين مكان عند شاطيء النهر ، متوجها القبلة نحو الشمال (اباثر ) ويتلون نشيده او دعائه باللغة المندائية او العربية ، كذلك لقد ذكر التحريم في احد اهم الكتب الدينية المندائية المقدسة الا وهو (الكنزا ربا) في كتاب اليمين – قسم الوصايا .

ختاما اهدي لكم هذه الحكاية المعبرة بعنوان (ثياب الامبراطور الجديدة ) وفيها خدع احد النصابين الامبراطور واوهمه بانه صنع له زيأ سحريا لا يراه إلا الاذكياء ، وخرج الامبراطور في موكبه عاريا لانه خجل من ان يتهمه النصاب بالغباء اذا اعترف بانه لا يرى الثوب المزعوم ، وخاف الجميع من التصريح بانهم يرون الامبراطور عاريا ، لكن طفلا جريئأ صاح بصوت عالي : امي ، امي ان الامبراطور عار

اعداد : عزيز عربي ساجت