نص كلمة الصابئة المندائيين في مؤتمر برلين

 

   

نص كلمة الصابئة المندائيين في مؤتمر برلين       
الكاتب بيت نهرين    
الثلاثاء, 15 فبراير 2011 00:00 
أصالة الوجود وأحقية البقاء
بيت نهرين- خاص: ألقى أمين الرابطة المندائية لعموم ألمانيا أ. د. قيس السعدي كلمة في مؤتمر برلين الذي انعقد في 29 و 30 من كانون الثاني 2011 تحت شعار (حماية ورعاية مسيحيي العراق من أجل بناء عراق ديمقراطي فدرالي)، فيما يلي نصها:
السادة المحترمون
نقول بسم الحي العظيم، وبسم الأب والإبن والروح القدس، وبسم الله الرحمن الرحيم، ان ماذا؟ أن نُقتل الناس ونهجرهم؟ أن نحصص البشر ونعزلهم؟ أن نذل بني آدم بدلاً من أن نكرمهم؟ وأين؟ في بلد الإنسان العاقل الأول! في بلد أولى الحضارات الإنسانية التي ما فتأ العالم العاقل يتباهى من خلاله بأسس معرفة الخالق وتوحيده وتحقيق قيمة الإنسان بشرائعه وتعليمه الحرف الأول والإبتكارات الأولى. أولئك هم إنسان بلاد ما بين النهرين.
الإنسان، وليس خصوصية دين هذا الإنسان. فمن بنى لم يكن لدين. ومن علّم وأشاع لم يكن لدين، بل للإنسان. وما الدين إلا العلاقة الروحانية بين المخلوق والخالق في أن تؤمن بربك الأعلى ولا تنس ذكره.
ومثلما كان ثراء الحضارة الرافدينية بكل ما أنجزت وقدمت، كان ثراؤها المعتقدي الذي لم يتصارع من أجل غلبة وسيادة معتقد، بل بحرية لم يتجاوزها حتى الإسكندر المقدوني حين غلب وسيطر. فلا غلبة في حيازة الله بل الله غالب.
وإذا كان عمر العراق ما قبل التأريخ وبعده لا تحيطه السنين، فالجميل أن سلالة إنسانه الأول الأصيل لم تنقطع، بل ما زالت في أقوامه الأولى الموصولة. وحين نتكلم عن ذلك فنحن لا نحدد أتباع دين بعينه إن كانوا مندائيين أو مسيحيين أو أزيديين ولا حتى اليهود، فهؤلاء أقوامه الأوائل وإن إختصوا بطقس ونسق عبادة، إنما نتحدد بسومرية التأسيس وأكدية البناء وبابلية الرقي، وآشورية البروز، وكلدانية المعرفة، وسريانية الشمول ضمن عراقية صميمة في آرامية واسعة دونما تفاصيل، فإن فصلـّنا دخلنا في التحاصص. وما نحن إزاء ذلك، بل إزاء الإنسان العراقي بكليته، كل ما فيه مهم وأساسي كما هي أهمية أعضاء البدن بعضها للبعض الآخر. فلو حاصصنا أعضاء بدننا لكانت هذه اللقمة الكبيرة للرأس وتلك الأقل للقلب والأقل للعين، ولكم أن تتصوروا تخصام أعضاء البدن لو لم يكن نسقها نسق الرب في تدبيره. وحين غاب التنسيق في بدن العراق لـُفظنا خارجه.
أيها الأخوة: لو كان الدين أداة حرب وسيادة لما أوحى لنا الخالق به، ولما ملئ نفوسنا محبة ومشاعراً وقدرة تكبح الرغبات الشاذة والشهوات الدنيئة ونزعات التسلط على الغير. كل ما هو شر ليس من الدين، وكل فعل غير خيرٍ ليس من الدين، ولذلك نرى جميع الأديان تشترك في المبادئ الأساسية، وما إختلافها إلا في شعائر العبادات. ولو تجاوزنا ما مثبت في أدياننا من مثل هذه المبادئ وإحتكمنا الى ما في الديانة الإسلامية كون أتباعها هم الأكثر عدداً في وطننا الآن، فأمثلة ذلك عديدة لعل أبرزها ما يمكن أن يعد تعريفاً دقيقاً وصريحاً للدين أورده الله في القرآن في ثلاث آيات بالقول نصاً: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى من آمن بالله واليوم والآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون". فانظروا أي أمان وأي لا خوف وأي لا حزن يعيشه أصحاب هذه الديانات. لقد وصل حد التسمية، فبعد أن كنا نتسمى بسام وزهرون ويوهان وشليمون وإيشو صرنا نسمي أيضاً مصطفى وعبد الزهرة وأحمد وعبد الحسين معايشة وما خلصنا في نفوسنا وأعراصنا وديننا، بل صرنا نعبد الرب اليوم من داخل سياج وسور. وصار توجه عند من يسعى للتسلط تغيير الآية في القرآن: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" لتكون بمفهومه وتصرفه "إن أكرمكم عند الله أقواكم".
ونعلم أنه ليس الدين، فالدين خير، إنما هو ما يراد ويصاغ باسم الدين. فإن كثر أتباع دين صارت الغلبة، وإن لا يكفي الدين لخدمة مطامع مجموعة غالبة بالعدد تظهر الطائفية لتسود من أجل التحقيق الخاص فنكون إزاء مذهبية وطائفية ضمن الدين الواحد. نقتل تارة باسم الدين ثم يقتل أتباع الدين باسم مذهب، فأين معنى الدين في الإنصياع والإنقياد لإرادة الخالق في إحترامه خلقه وعدم قتل النفس التي حرمت كل الشرائع والأديان قتلها؟
لم يكن نظام صدام حسين صديقاً للمندائيين ولا المسيحيين ولا الأزيديين، ولكنه، على سوئه، لم يكن معادياً لهم. وهم إن لم يحققوا ما هو حق لهم في كامل كينونتهم، لكنه لم يكن ليسمح بأن يقتلوا باسم الدين. وما حصل في العراق ليس تغييراً، بل هو تسونامي ما زال مستمراً لثمان سنوات وسيستمر. وحين أحدثته أمريكا لم تأخذ بعين إعتبارها قيمة الإنسان، بل لأغراض ومقاصد إستغل فيها الإنسان بأبشع صورة كأداة، فكان من الطبيعي أن تكون الغلبة العددية والتسلطية والهمجية والمنفعية هي السائدة، وأن تنسحب الإنسانية والكفائية والأخلاقية، بل تتهدد فتضطر أن تعوف وطنها وهي أصله، فراراً بالنفس والدين. ثم تسعى أمريكا متفضلة متصدقة في قبولنا لاجئين فيها. إذن، فررنا لنضيع. ودارت الدائرة سريعاً وتبددت آمال من غادر العراق قبل سقوط النظام الشمولي في العودة لوطنه وتبدلت الى تشجيع من بقي من أبناء كيانه لمغادرة العراق بعد أن عمل القتل والإغتصاب والسلب وإنتهاك المقدسات ما عمل، وكلما عضضنا على جروحنا بالصبر تأتي الجرائم شنيعة، فتقتحم كنيسة سيدة النجاة قتلاً وترويعاً، ويأتي إستهداف المقرات الثقافية والإجتماعية على محدوديتها لتحجب وتمنع، وتشيع الأسلمة المتعنتة الجاهلة لكنها الغالبة والمسيطرة بقوة سلاح وبضعف حماية وإنشغال تحاصصي سيدوم بما يجعل كل يسعى في المحافظة على حصته وليس على الآخر لأن لا معنى للآخر لديه، إن لم يكن هذا الآخر مستباحاً.
ولأن ناسنا وأهلنا ليسوا قطعاً عسكرية نصدر لها الأوامر في البقاء فتبقى دونما أمان ولا كيان، فتراها تعتمد الفرار واللجوء، ويكون الصراع بين حفظ الكيان وحفظ البقاء. وجرياً على قرون الإضطهاد، فقدَ أبناء المكونات أملهم في عيش آمن مستقر مقدر لقيمة المواطنة الحقة والكفاءة المعهودة، بما أصيبوا به وما ينشر بينهم من الترويع حد أن يكون الخوف والرعب وبالاً فأصيبوا بحمى مغادرة الوطن الذي فقد معناه لديهم.
فماذا الآن؟ الأزيديون ظلت بيئتهم الجغرافية مناسبة للوجود لكن معاناتهم قائمة، والمسيحيون وانتشارهم في كل مدن العراق يأملون في سهل نينوى، على ما نجده من جرف لا إنساني لهذا المكان، لمنه خيار. أما المندائيون وإسمحوا لي أن أتحدد بهم بحكم إنتسابي لهم ومسؤوليتي بينهم ولهم فأجدهم أكثر المكونات ضياعاً. فهذا المكون الأصيل الذي تعرفون هو الأقلية العددية بين مكونات العراق، كل ما فيه يصرخ بأنه رافديني عراقي في توحيده الأول ليكون بشير التوحيد في العالم، في تقديسه الماء مادة حياة وعبادة أولى وتعميد، على ما في تأريخ الفرات ودجلة من ماء، في ردائه الأبيض بياض الهيوارا أهوار العراق، في تقدير السندريكا نخلة العراق سيدة الشجر، في أساطير الأولين حتى تلمود بابل، في لغته الآرامية النقية صاحبة الأكو والماكو ومئات المفردات التي ما زالت لصق اللسان العراقي في الجا واللعد ويمعود وفي أغانيه التي لم تمحوها السنين فظلت يا عين موليتين وظلت عالميمر بل وفي رقصهم الإحتفالي فظل الجوبي العراقي تسمية شاهدة. لم يكن لهم وجود في غير العراق ولم يسعوا لذلك، فأين هم الآن؟ لقد غادره ما يزيد عن الـ 70% من المندائيين، 80% من المغادرين غادروه بعد عام 2003. ولأن الأمر فراراً وليس هجرة فقد تعددت وجهات المندائيين على ما يتاح، فتوزعوا اليوم على قلة عددهم الذي لا يزيد عن 50 ألف نسمة على حوالي 20 بلداً في الشتات. تصوروا إذن كيف يمكن أن يكون جمع شملهم من أجل البقاء؟ فإن كان للمسيحي تعريف مسبق به من حيث ديانته فالمندائيون غير معرفين وعليهم أن يشرحوا ويوضحوا ويبرهنوا، ولأن ليس للجميع القدرة على ذلك فآثر الصمت في أحايين كثيرة، وواجه المندائيون صعوبة البدء من تحت الصفر في التعريف. وإن إستطاع المسيحي أو المسلم أن يذهب الى الكنيسة وللجامع القائمين في بلدان اللجوء، فليس للمندائي وجود سابق ولا بإمكانه أن يؤسس، فهو فقد المندي "بيت العبادة" الذي يجمعه، وفقد أية فرصة للتجمع، حتى أن الأنواء الجوية لا تساعده في إجراء طقوسه وبخاصة طقس التعميد الأساسي في الماء. وعلى ما عشناه لحد الآن ندرك حجم الكارثة التي تهدد الوجود المندائي بشكل مباشر في العراق وبشكل غير مباشر في المهجر، وبتنا نرى نهاية هذا الكيان في غضون جيلين من الآن بأكثر تقدير. وبضياعه يضيع إرث عراقي وإنساني ظل محافظاً على وجوده آلاف السنين لا لسبب إلا لما يجري في العراق الذي أجبره على مغادرة العراق. فعار على أمريكا وعار على المجتمع الدولي الذي يتباهى اليوم بأن يضع محميات للحيوانات النادرة والمنقرضة، لكنه يترك كيانات ذات إرث إنساني فريسة تعصب ديني كان هو السبب في تأجيجه.
لذلك، فنحن من منبر هذا التجمع الإنساني غير المميز، والمحب للإنسانية وقيمة شعوبها في الكرامة وحفظ الحقوق نطلق صرختنا مذكرين فيها بصرخة نبينا يوحنا المعمدان أن كثرت الأفاعي وأولاد الأفاعي، فإن عمّد هو الجميع لكي تذهب عنهم خطاياهم وأعلى قيمة التعميد بأن عمّد السيد المسيح بتعميد باركته الروح القدس، فإن ما يحتاجه أتباعهما اليوم هو مد يد العون لحفظ وجودهم من أجل إدامة هذا التعميد، الشعيرة الإيمانية التي ظلت تتبارك بالفرات ودجلة لأن يطهر نفوس الجميع ويعمد نفوس الجميع من أجل عراق آمن للجميع. فإن سعى البعض أن لا يكون هذا، فإن مطالبتنا صريحة وواضحة بأن على من كان سبباً في ما آل إليه العراق أن يتحمل مسؤولياته إزاء المكونات الأصيلة في العراق وأن لا تترك عرضة لهمجية التعصب الديني ومصلحيته ولا إيمانه دينياً أو قيمياً، وأن تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية بإعتبارها الدولة التي قادت كل التحالفات من أجل هذا الذي وقع في العراق والذي خرج عن السيطرة أو هكذا أريد له، وكذلك على الأمم المتحدة بإعتبارها الراعية لحقوق الإنسان والمسؤولة عما يحصل للشعوب في بلدانها، وعلى الإتحاد الأوروبي الذي يتحمل ثقلاً كبيراً من أجل الموازنة في إحترام القيم الإنسانية وحقوق الشعوب والمكونات، وكذلك على كل المرجعيات الدينية ذات الثقل الدولي ولجميع الأديان وعلى المنظمات الإنسانية والدولية أن تضع مشكلة المكونات الدينية في العراق موضع مسؤولية ومتابعة وحماية مباشرة. فلم يعد بإمكاننا القول بعد كل هذه السنين وهذه المعاناة أن الجميع لا يعرف، ولا نريد التصدق بقبولنا لاجئين، بل نقول أن الجميع لا يريد أن يقوم بفعل شيء صحيح يحفظ وجود هذه المكونات ويساعدها في إستحصال حقوقها وأول الحق هو العيش الآمن في وطنها التي هي سليلة إنسانه الأول.
مطالبتنا أن تقر الأمم المتحدة قيام مجلس المكونات الدينية في العراق وأن يلزم العراق مثلما ألزم بقرارات دولية بعضها مجحف، بأن يضع الآليات المتفق عليها في المحافظة على وجود هذه المكونات وحقوقها في العيش الآمن والكريم المكفول، وأن ترصد الإمكانات التي تعمل على الحفاظ على إرثها وإحياء لغتها وتوثيق تأريخها، ومشاركة أبنائها في الحياة الطبيعية ضمن وجودها الأشمل في وطنها العراق. ومتى ما أقر ذلك فإن الآليات وسبل التنفيذ ستكون حاضرة من الأبناء ومن المساهمين في ذلك.
نأمل أن يكون صوتنا جميعاً مسموعاً من خلال هذا المنبر وأن تتأسس لجنة لمتابعة مقررات هذا اللقاء من أجل الإسناد وتسهيل وصول الصوت لحين صدور التشريع الدولي.
وفقكم الحي الآزلي بتوفيقه وحمى العراقيين الأصلاء والشرفاء ومكن الجميع من أن يحل الأمن والسلام اللذان بدونهما لا يكون الإستقرار ولا تتحقق الحياة ولا يهنئ الشعب بالسعادة التي هي غاية الحياة الدنيا والأمل فيما بعدها.
 
والسلام عليكم
 
أ. د. قيس السعدي
أمين الرابطة المندائية لعموم ألمانيا
عضو مكتب سكرتارية اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر
سفير السلام العالمي