الصابئة... الطائفة الأكثر مظلومية في إيران / صباح الموسوي

 

  
 الصابئة... الطائفة الأكثر مظلومية في إيران
الصابئة أو من يسمون بالمندائيين أحيانا، يشكلون جزءا مهما من النسيج الاجتماعي والقومي في بلدانهم ومناطقهم، لاسيما في جنوب العراق وإقليم الأحواز محل تواجد اغلب ابنا هذه الطائفة التي تعد من أقدم الديانات التوحيدية في المنطقة العربية والتي تعتقد ان كتابها "الكنزه ربه" هو النص الحرفي للألواح التي نزلت على أبو الأنبياء إبراهيم الخليل (عليه الصلاة والسلام) وهذا ما جعله أبناءها شديدو التمسك بهذا الكتاب وتعاليمه السمحاء. وقد برز من هذه الطائفة عبر التاريخ رجالات ساهموا في أغناء التراث الحضاري والثقافي للأمة الإسلامية، "شأنهم في ذلك شأن سائر الطوائف الدينية الأخرى التي تشكل جزءا من نسيج هذه الأمة"، من خلال ما أنجزوه في مجالات علوم الطب والآداب والفنون وغيرها نذكر منهم على سبيل المثال، ثابت بن قرة، كان طبيبا وفيلسوفا بارعا في علم الرياضيات، سنان بن ثابت بن قرة، كان رئيس الأطباء في بغداد في العهد العباسي، ومنهم أيضا ألبتاني وهو عالم رياضي وفلكي وله كتابات مهمة في علم الفلك، بالإضافة إلى غيرهم من العلماء وأصحاب الحرف الفنية. إلا أن أبناء هذه الطائفة المسالمة والمعطاءة الذين يشكلون جزءا من النسيج العربي في إقليم الأحواز، فمنذ وقوع هذا الإقليم في قبضة الدولة الإيرانية قبل ثلاثة وثمانون عاما مضت، فهم يعانون من اضطهاد مزدوج وذلك بسبب حرمانهم من حقوقهم القومية والدينية خصوصا بعد ان رفض نظام الجمهورية الإيرانية درج ديانتهم ضمن الديانات المعترف بها رسميا، فحسب ما جاء في المادة الثالثة عشر من الدستور الإيراني ان الديانات المعترف بها رسميا هي، الزرادشتية (المجوسية) واليهودية والمسيحية، وقد استثنى منها الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم في ثلاثة آيات وهن الآية/62/ من سورة البقرة، والآية/69/ من سورة المائدة، والآية/17/ من سورة الحج. وكما هو معلوم إن الصابئة يتبعون النبي يحيى بن زكريا (عليه الصلاة والسلام) وهم أقرب إلى الإسلام من المجوسية، إلا أنه وبسبب الممارسات التمييزية رفض نظام الجمهورية الإيرانية الاعتراف بالصابئة (المندائيين) الذين يفوق عددهم أضعاف عدد الزرادشتيين الذين يحضون برعاية واهتمام من قبل كبار المسئولين في النظام الإيراني. ولعل استقبال الشيخ حسن الخميني (حفيد زعيم الثورة الإيرانية الراحل آية الله الخميني) في شهر أغسطس الماضي لعدد من زعماء الطائفة الزرادشتية يظهر جانبا من الرعاية والاهتمام التي يوليها القادة الإيرانيون لأبناء هذه الطائفة، وهذا شي يحسب للنظام الإيراني حيث أن هؤلاء المجوس هم مواطنون ويجب على الدولة أن ترعى مواطنيها بغض النظر عن عقائدهم ولكن يجب أن تكون هذه الرعاية للجميع ولا تقتصر على طائفة دون أخرى فوجود الإثنية في أي بلد تعد ثروة حضارية بحكم أن هذه الإثنية، قومية كانت أو دينية، تحمل آدابها وثقافاتها الخاصة بها وكل منها تعمل على أغناء وتطوير ما لديها من خزين ثقافي وحضاري وذلك للحفاظ على ذاتها وإبراز شخصيتها وهو ما يغني في الوقت نفسه الرصيد الثقافي والحضاري للمجتمع والبلد الذي تنتمي له. فالزرادشتيون الذين يبلغ عدد نفوسهم/40/ ألف لهم ممثل في البرلمان الإيراني، وكذلك اليهود الذين يبلغ عددهم حسب المصادر الرسمية/35/ ألف نسمة لهم ممثل في البرلمان أيضا ويحظون بحقوق سياسية وثقافية جيدة ولهم مدارسهم الخاصة التي تدرس اللغة العبرية ولهم صحافتهم الخاصة وأشهرها صحيفة "تموز" ولديهم أيضا 23 معبدا في عموم إيران. وكذلك الأمر بالنسبة للمسيحيين، من ارامنة وكلدان والأشوريين، فلهؤلاء ثلاثة أعضاء في البرلمان. إلا أن المندائيون (الصابئة) الذين يزيد عددهم على الستون ألف نسمة فهم وحدهم الذين حرموا من جميع حقوقهم حيث مازال أبناء هذه الطائفة يهربون إلي القرى والأرياف لأداء شعائرهم الدينية في معابدهم التي بنيت من أكواخ القصب بسبب ملاحقة السلطات الإيرانية لهم. وعلى الرغم من الرسائل العديدة التي وجهها رجال الدين والمثقفين الصابئة إلى المسئولين الإيرانيين وعلى رأسهم مرشد الثورة آية الله علي خامنئي والتي طالبوا فيها السماح لهم ببناء معبد جديد أو ترميم معابدهم السابقة التي أغلقت عقب انتصار الثورة إلا ان السلطات الإيرانية رفضت الاستجابة لكل تلك النداءات والمطالب المشروع إنسانيا ودينيا بل أنها عمدت قبل ثلاثة أعوام تقريبا إلى تدمير المقبرة الرئيسية للصابئة في مدينة الأحواز مركز الإقليم، ورغم المناشدات التي تقدم بها أبناء الطائفة إلى المسئولين المحلين والجهود التي بذلوها للحيلولة دون تدمير هذه المقبرة إلا أن جهودهم باءت بالفشل ولم يتمكنوا من حماية مقبرتهم التاريخية. ويجري اضطهاد الصابئة في الأحواز في الوقت الذي يواصل فيه المسئولون الإيرانيون دعواتهم لحوار الحضارات وتقريب المذاهب. ولا نعلم كيف يريد قادة إيران أن يصدق العالم هذه الشعارات والدعوات فيما الكثير من ممارساتهم اليومية تفوح منها رائحة التمييز العنصري والطائفي ضد مختلف المكونات لقومية والدينية في إيران؟!. ولكن ألا يجدر بقادة الجمهورية الإيرانية رفع التمييز عن المندائيين ومساواتهم بسائر الطوائف الدينية الأخرى لكي يعطوا على اقل تقدير مصداقية للدعوات والشعارات التي يرفعونها؟
 
 صباح الموسوي الصابئة