لقد حــان أجـلـي وألتمـس الـذهـاب / نعيم عبد مهلهل

 

                                                                                                                                                                                   
((لقــد حــان أجـلـي وألتمـس الـذهـاب ، ويخيفـني الّرحيـل ، ولا أعــلم كـيف سيـكون طريقـي ؛فليس هناك أحـد تقـيا" كـان أم مسـيئا" غـادر ثم عـاد كـي أسألـه عـن الطـريق ، وكـيـف يـكـون ....))
سام بن نوح ـــ كتاب تعاليم ومواعظ النبي يحيى ع

في مقالة للباحث السوري الدكتور احمد عيسلي والموسومة ( عندما يتحول الدين الى قصيدة حب ) والتي يشير فيها على أهمية ما كتبته في كتابي عن تاريخ وغنوص الديانة المندائية والصادر عن دار نينوى في دمشق 2007 والموسوم ( الديانة المندائية من آدم ع حتى قراءة الخامنئي ) والذي نفدت طبعته الأولى من الأسواق السورية ، وكذلك تم نفاد كل النسخ التي شاركت فيها الدار في معرض الشارقة الدولي للكتاب، كان تأكيد الباحث على أن الديانة المندائية ديانة سورية وهي من اقدم ديانات المنطقة على أساس أن المندائيين الأوائل هم من سكن حران الواقعة في أعالي الفرات حيث سوريا اليوم ، وطالب الباحث من الدولة السورية بالاعتناء بتراث هذه الديانة والالتفات إليها وتأسيس مركز خاص بدراساتها وفق ما تقوم فيه الدولة من خلال الاهتمام بحضارات المنطقة الشامية ، وأنا اعتقد أن المندائية هي المجاور الحضاري لأقوام تلك المناطق من كنعانيين وآراميين ، وما تركوه من ارث لغوي باللغة الآرامية والسريانية والمندائية القديمة يؤكد على هذا بل يؤكد تطور الفكر الروحي والفلسفي والديني لديهم ، لأن قراءة نصوص كتبهم المقدسة ومنها الكنز ربا ( الكنز العظيم ) يؤكد قوة بلاغة الجملة والفكرة والقيمة الدينية والروحانية والسماوية لهذا الكتاب بالرغم من اختلاف النصوص وأفكارها عن بقية الكتب المقدسة كالتوراة والقران والإنجيل وغيرها من الصحاح التي توارت وراء الأزمنة السحيقة ولم يبق منها إلا إشارات قليلة وشيء نادر من نصوصها وأغلبها على شكل حكايات مؤسطرة في الذاكرة المكانية لتراث المنطقة. غير أن صابئة الشام هم صابئة حران والمعروف عنهم انهم من عبدت النجوم كما أشيع في الدراسات التاريخية وكانت حياتهم تمتلك المشابهات الطقوسية لمعتقدات حضارات تلك المناطق ومنها الحضارة السومرية والفينيقية والكنعانية ، وقد حاول مندائي العراق من هم منحدرين من أصول عراقية نزحت في الأصل البعيد من المناطق المحاذية لبلاد فارس وبالضبط من مناطق دهلران وهي منطقة جبلية تقع تماما أمام منطقة الشهابي الملاصق لقضاء بدرة في محافظة واسط ( الكوت ) من جهة ومن الجهة الثانية لناحية الطيب في محافظة ميسان ( العمارة ) ،ويمكن رؤية جبل دهلران من منطقة شيخ سعد على الطريق الواصل بين الكوت مدينتي الكوت والعمارة. حاولوا النأي عن معتقد صابئة حران الذي يعتقد إنهم لم يقروا بالوحدانية بشكلها الواضح وآثروا الشرك ، ولم يكونوا من مؤمني ومريدي يحيى المعمدان الذي عمد السيد المسيح ع في نهر الأردن وهو من الأنبياء الشهداء وله قبر يزار من رعايا كل الديانات في وسط مصلى الجامع الأموي في دمشق. ويطلق عليه قبر النبي يحيى ع. ولصابئة العراق كتاب مقدسة مسمى ب( تعاليم ومواعظ النبي يحيا ) وفيه وصايا النبي لقومه وتحمل دلالات روحية وتربوية ودينية تخص سلوك الطائفة في شتى مفاصل الحياة.
يدعي بعض المندائيون إن صابئة حران الحقيقيون هم موحدون وعاشوا في هذا المكان القائم في أعالي الفرات ، بالرغم من أن مناطق أخرى في المنطقة تسمى بذات التسمية ومنها ماهو في مناطق شرق العراق كما في المنطقة المسماة وادي حران في قضاء مندلي والتي كانت في الحرب العراقية ـــ الإيرانية مسرحاً ملتهبا لمعارك ضارية بين البلدين ، وكنت قد عاشت ردحاً من الزمن في ذلك الوادي الذي يفصل الحدود العراقية ــ الإيرانية مقابل إقليم عيلام ووجدت من سكان المنطقة واغلبهم من الرعاة أو خدم بعض مقامات قبور الأولياء من العلويين الذين كانوا يدفون في تلك المناطق بعد أن يصيبهم الإنهاك والجوع والعطش من طول المسافة والطريق الذي يقطعوه هربا الى بلاد فارس من ظلم وجور ولاة بني العباس حيث تجد المسميات أغلبها تنتمي الى أولاد الأمام موسى الكاظم ع ، وهؤلاء الرعاة والمزارعين من سكان تلك المناطق يملكون رؤية عن مرجعية المكان ، وعندما سالت أحد الشيوخ إن كان وادي حران في الزمان القديم موطنا لجماعات دينية غير الإسلام ومنهم الصابئة؟
قال : إن المكان كان موطناً للكثير من الديانات القديمة وعاشت هنا أقوام عديدة وجرت في المكان حوادث تاريخية كثيرة ولديهم في حكاياتهم وأساطيرهم ما يدل أن المكان كان يضج بالمعابد والكهنة والأقوام القديمة وربما من بينهم هؤلاء الصابئة الذين يسمع عنهم ولم يراهم في حياته.
وهكذا تتشابه الأمكنة وتتشابه في تاريخها كونها كانت تمثل منذ القدم امتدادا حضاريا واحدا وكانت بلاد الشام والعراق تدعى ( بلاد الهلال الخصيب ) ، حيث تتوالد الحضارات والديانات وتتصاهر فيما بينها وتكاد أن تعيد جذورها الواحدة الى أبناء نوح سام وحام.لهذا ظل المندائيون يؤكدون على أن المندائيون ذو معتقد واحد أينما حلت أمكنتهم حتى فيما يهم صابئة حران وهذا أجادت فيه رؤية العالم العربي الكندي عنهم قوله كما ذكره أبن النديم في الفهرست :
( بان دعوة هؤلاء القوم كلهم واحدة وسنتهم وشرائعهم غير مختلفة وان قبلتهم واحدة فقد صيروها لقطب الشمال وقصدوا بذلك البحث عن الحكمة وان المفترض عليهم من الصلاة في كل يوم ثلاث ولا صلاة عندهم الأعلى طهور والمفترض من الصيام ثلاثون يوما وعليهم الغسل من الجنابة وتغيير الثياب ومن مس الطامث ويتركون الاختتان ولا يحدثون على فعل الطبيعة حدثا ويتزوجون بشهود وفريضة الذكر والأنثى سواء ولا طلاق إلا بحجة بينة عن فاحشة ظاهرة ).
ولكن بعض العلماء المهتمين بالديانات الشرقية القديمة ومنها المندائية يؤكدون أن الترابط العضوي والاجتماعي والديني قائم بين صابئة حران وصابئة البطائح وهذا ما لا ينكره المندائيون اليوم. ويؤكده الدارسون كما يذكره العالم الألماني البروفيسور كورت رودولف في حوار معه ظهر في صحيفة الحياة بتاريخ 8 / 12 / 2004 قوله : (( هناك نصوصاً تشير الى أن المندائيين الأوائل تعرضوا لاضطهاد اليهود ، الأرثوذكس منهم على وجه الخصوص, فتركوا سورية وفلسطين لاحقاً وتوجهوا عبر تلال الجزء الشمالي من وادي الرافدين الى الجزء الجنوبي منه, ربما في رحلة استغرقت نحو 100 عام وبدأت في القرن الأول الميلادي قبل أن يصلوا الى جنوبي وادي الرافدين في القرن الثاني. بالتأكيد قد يكون هناك أفراد من بابل أو جنوب وادي الرافدين ممن اعتنقوا المندائية, لكن لا بد أنه كان هناك أشخاص آخرون على معرفة بالطقوس والتعميد قدموا من الغرب. وأعتقد بأننا لا نستطيع تفسير كل ما يتعلق بالمندائيين من ميثولوجيا وثيولوجيا وأيديولوجيا وغيرها استنادا الى أواني الأدعية وحدها. لكنها نظرية أو فرضية.))
هذا هو التصور العلمي والفقهي والتاريخي عن صابئة حران وهو مشابه لما كان العرب في اغلب عصورهم يتعاملون معهم دون أن يشيروا الى مندائي الجنوب العراقي إذ كانت حران تمثل في المدونات الشرقية منذ النهضة التدونية في العصر العباسي المكان التاريخي والروحي لهذه الطائفة ، وبالرغم من هذا ونتاج اقتراب حران من منابع حضارية ودينية أخرى كما أسلفنا لحق بصابئتها بعض سوء الظن والتفسير بالرغم من أن النصوص القرآنية في أكثر من سورة وآية بجعلهم من أهل الجزية كانت قاطعة وواضحة واتخذها بعض علماء الفقه والشريعة والتفسير نصوصا لاحياد عنها وغير قابلة للتأويل وإظهار القصد المختلف.
لقد ورد ذكر الصابئة وبصورة مستقلة في القرآن الكريم وفي الآيات الآتية. الآية 62 من السورة الثانية ( سورة البقرة ) ورد:(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم آجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون). وفي الآية 69 من السورة الخامسة ( سورة المائدة ) ورد:( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون). وفي الآية 16 من السورة 22 ( سورة الحج ) ورد : ( أن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد)
وطوال تواريخهم نأى الصابئة المندائيين في المحاجات الفقهية والدينية عن صابئة حران وأثبتوا لذوي السؤال أنهم من الموحدين وأصحاب الكتاب وحق عليهم الجزية كما ذكر في القرآن أسوة باليهود والنصارى كما حدث في زمن الخليفة العباسي المأمون ، ولم تكن دواوين الخلفاء تخلوا من علماءهم ومفكريهم وخاصة أولئك الذين برعوا في الرياضيات والفلك ، وبعضهم نال نصيب نديم الصحبة لكبار علماء ونقباء الشيعة كما عند الشريف الرضي الذي كان أوفى أصدقاءه مندائياً ، ولم يكن يهاب ويستعار من هذه الملة ، ويمكن أن نتذكر الرد الحكيم للزعيم الوطني عبد الكريم قاسم عندما اقترح في مجلس الوزراء تعين الدكتور العالم المندائي عبد الجبار عبد الله رئيسا لجامعة بغداد ، فكان اعتراض رئيس مجلس السيادة أن لا يصح تعين غير مسلم لهذا المنصب ، فرد الزعيم : أنا أعين رئيسا لجامعة علمية وليس أمام جامع...!
قد يؤخذ من خلال الحكاية التاريخية والتوراتية بعض التصورات للوجود المندائي في حران حيث تنسب أول الموجودات الأزلية لهذه الديانة ، وهذه التصورات قائمة على مسيرة النبي إبراهيم ع الذي تذكره أنه ولد أو بعث من أور الكلدان العاصمة المقدسة لسلالات أور الثلاثة والتي عاشت عصرها الإمبراطوري في زمن سلالة أور الثالثة  ( 2113ـــ 2006 ق .م ) ، وفي المعتقد أن النبي عاش في زمن الدولة الأكدية حيث ظلت أور تمثل واحدة من المدن الدينية والروحية حتى بعد انتهاء الدولة السومرية حيث عمرت ورممت معابدها حتى في زمن الدول البابلية في زمن حمورابي ونبوخذ نصر وغيره من ملوك الدولة الكلدانية. ويبدو أن من المندائين الأوائل هم بعض من مضى مع إبراهيم ع في رحلته وربما كانوا هم من بعض مؤمنيه ، وبما أن بابل وحران وغيرها من المدن هي من أقام فيها النبي ردحاً من الزمن ثم اكمل مسيرته الى مصر وفلسطين والجزيرة العربية ، ويبدو أن أولئك المندائين الأوائل فضلوا البقاء والاستقرار في حران ، وربما كان النبي يترك بعض مرديه واتباعه في المدن التي يمر فيها لأتمام التبشير بالرسالة التي بلغ فيها. وهكذا يكون الصابئة المندائيون الأوائل من بعض الذين تركهم إبراهيم ع في مدينة حران أو تخلفوا عنه نتيجة لظروف وصعوبات الطريق التي واجهت النبي كما في روايات التوراة ، وربما استحسن المندائيون المكان كونه يقع قرب مجرى الفرات وأقاموا هناك معابدهم وشكلوا وجودا سكانياً مع باقي سكان المدينة وكان اغلبهم من عبدت الآلهة الحجر وبعضهم من عبدت الأفلاك والنجوم فكان هذا الخلط الحياتي والاجتماعي هو من نقلَ تلك الصورة المشوشة والمؤسطرة عن صابئة حران ، وربما القسر الديني والسياسي قد فرض على أولئك المندائيين نمطا من عبادة معينة لتلك الممالك والسلالات التي كانت تسيطر على المنطقة .
عاش الصابئة المندائيون منذ أقدم الأزمنة ، وهم حسب التدوين المقدس في كتبهم من أقدم المعتقدات التي تداخل نشوئها التاريخي في عدة أمكنة ولكنها محصورة بين العراق وبلاد الشام وبلاد فارس حصرا، ولديهم ما يدعوه ويثبت انهم عاصروا إبراهيم في أور ، وكان منهم من صعد مع نوح ( ع ) في سفينة النجاة ، ومجمل ما يصل الباحث والقارئ من المتيسر والمسموح في التراث الديني لهذه الطائفة قد يعطي تصورا وانطباعا واضحا أن هذا المعتقد بشكله وثقافته ومرجعيته وحجته البلاغية قد يمثل صورة لأزل توحيدي قديم ، وربما اعتكاف آية الله الخامنئي على الانصراف لدراسة هذا المعتقد بشكل عميق وعلمي وفقهي ومنصف أوصله الى حقيقة أن المندائيين قوم أصحاب رسالة وموحدون. وكان ولهم مع النبي الشهيد يحيى ( ع ) صلة روحية ودينية وتبشرية ودروس حياتية والتي يستنبطون منها توحد ذاتهم في كتلتهم الأبدية التي حافظوا على تماسكها منذ أقدم الأزمنة ويدركون مع تعاليمه ذلك الأفق الواسع الذي حملته تلك التعاليم وهي تدعوا الى الوحدانية والصفاء ، فالنبي الكريم الذي يتفاخر مندائيو اليوم بالانتساب إليه بعد نسبهم لآدم وإبراهيم     ( ع ) يمتلكون الظن بأنه كان من العدل والطيبة واحترام الرؤية الأخرى انه حين عمد السيد المسيح فهو لم يعمده وفق تعاليمه المندائية الأولى بالرغم من أن المسيح ( ع ) السلام طلب منه صباغته وفق ما يؤمن فيه يحيى ( ع ) من طقس معمداني تعود الى ديانته كما ذكره النص في الإصحاح السابع قول السيد المسيح ( ع ):
(يا يحيى اصبغني بصباغـتك وانطق الاسم الذي تذكره عـلـيّ ، وسأذكر صنيعك هذا في وثيقة , وإن لم أتتلمذ .. ألغ ِ اسمي من سجلك ..)
والحديث بين النبيين قبل التعميد يخضع الى رؤى تتخالف ومنطق قد يصعب فهم مغزاه بالرغم من أن السيد المسيح      ( ع ) ، كان واضحا في نيته من اجل رسالته الكهنوتية الموصى فيها ،وكذا يحيى ( ع ) ،لكن لضرورات قد فرض مثلها على موسى ( ع ) ، قبله وخاصة الحيطة والحذر من التعامل في هكذا أمور خطيرة في المجتمع العبري ، وكان الحوار يشير الى ضبابية الوصول الى مشترك واضح .  وفي النهاية كان رد السيد المسيح واضحا في ذلك الجدل قوله  ( أنت مسؤول عن خطاياك وأنا مسؤول عن خطاياي )
كتاب تعاليم يهيا كما ينطق في المندائية والعبرية هو صورة من الصورة صناعة حكمة الروح وتهذيبها ، وكان الكهنة المندائيون الكبار ولم يزلوا يرون فيه مرجعاً مهماً بعد كتاب الكنزا ربا ، لأن المندائية كغيرها من الديانات الشرقية ترى في الرسول لهذه الديانة المبشر والمرجع والكلمة الواصلة بين العبد وخالقه. لكن في النهاية جاء الأمر الإلهي بتعميد المعلم لتلميذه كما ورد في كتاب تعاليم ومواعظ يحيا :
(( يا يحيى أصبغ المسيح ، أصبغه في يردنا وأصعد ضفة النهر حيث روح القدس تمثلت في حمامة رسمت صليباً ))..
إذن مادام المندائيون يرون في القديس والنبي يحيا معمدانا ورسولا لوجودهم فأين كانوا قبل يحيا ، وهم يذكرون دوما في المحاجات التاريخية لوجودهم أنهم من نسل آدم ( ع ) وأنهم عاصروا نوح وإبراهيم ( ع ) ومن جاء بعدهم ؟
هذا يعني أن المندائيون وقعوا تحت التأثير الديني والحضاري ومتغيراتهما عبر عصور سبقت ميلاد المسيح ( ع ) وهذا ما ثبت في قراءات تاريخية لتلك العصور والتأثير الذي لحق في المندائية قسرا أو طوعا ، وأهمها تلك التي هيمنت على الحياة الدينية والدنيوية للمناطق التي تواجد فيها المندائيون الأوائل في بلاد فارس وبلاد الرافدين وهذه التأثيرات تنحصر في المعتقد الزيرادشتي الفارسي وديانات وادي الرافدين القائمة على تعدد الآلهة كما في آلهة سومر وأكد وبابل وأشور ، وربما القراءة الأسطورية لتراث وادي الرافدين وقراءة الإرث المندائي القديم يقربنا كثيرا من وضوح رؤية هذا التأثير في الكثير من طقوسه وخاصة تلك التي ترى في الماء هاجسا للطهارة الروح والجسد ، وما يتعلق بالسماء وأبراجها والكينونة التي تهيمن عليها ، وبالرغم من أن أقوام بلاد الرافدين استطاعت أن تقترب من المفهوم السماوي والوحداني من خلال جعل انو اله السماء كبير الآلهة ، لكن الزرادشتية الفارسية اعتمدت على النار كمؤثر مطلق وروحاني للبشر، ويبدو أن المندائيين بعد نزوحهم من أراضى فارس صوب البطائح السومرية صار التقبل السماوي للديانات الرافدينية وما اكتسبوه من دعوات الأنبياء والقدسيين اقرب الى وجدانهم وعقيدتهم مع انهم اكسبوها حالة متفردة هي الحالة الغنوصية التي تقترب من السلوك الصوفي إلى يعتقد أن سلوك المتسامي في الخيال يمنح النفس تقية الوقوع في الغراء المادي وآثامه ، وبذلك هو يزهد عن ماديات المحيط ويغط في سبات حاله ، ولا يلتفت الى ما يعتقده كماليات الزينة والهندام.
وفي تصور متخيل اعتماداً على ما تعكسه الرواية التاريخية لحياتهم وما يتناقلوه في ارثهم المدون والشفهي وطبيعة حياة المجتمعات التي سكنت جنوب العراق واهمها شعوب سومر واكد ، كان المندائيون يعيشون في تجمعات سكانية قليلة وبعضهم يحاول جهد الإمكان جعل سكنه مقاربا الى المجتمعات السكانية الأخرى غير انهم كانوا كثير التجوال بين هذه المجتمعات بما يشبه الدعاة الصامتون والذين يمارسون المهن الطقوسية التي تقترب من الفعل الكهنوتي مثل قراءة الطالع وتدوين الطلاسم والطب الروحاني والجسدي ، وبعضهم قادته فطنته الروحية الى امتهان مهن صعبة خلال هذا التجوال مثل مهنة صناعة السيوف والصياغة وأدوات الزراعة ، ولم يمارسوا في حياتهم أي مهنة حرة فنادرا ما يكون بينهم صيادا أو محاربا أو فلاحا أو وزاناً أو حائكاً، أنها جزء من خصوصية الانتماء للحياة والثبات على ما جبل عليه المندائي ليكون مع خصوصيته والتي بالرغم من تعرضه للكثير من ممارسات الاضطهاد والإبادة ومحاولة الإرغام على تغيير ملته إلا انه في النهاية نال اعتراف المجتمعات على هذه الخصوصية واكتسبوا الاحترام حتى مع الإمبراطوريات القاسية والمتزمتة كما حدث في الرواية التالية والمأخوذة من مقالة للباحث المندائي غضبان رومي ونشرها في مجلة آفاق مندائية 1999:
(( مرت عدة سفن تحمل بعض العوائل المندائية من آل مران والمندوية بالقرب من الجيش التركي المُعسكر في صدر الحد ، وفي المساء رست السفن ونزل راكبوها على شاطئ دجلة للعشاء ، وعندما سمع القائد التركي زارهم وسألهم عن أصلهم فأجابوه بأنهم صابئة مندائيون يرغبون السكن مع عشيرة بني لام لأنهم أناس طيبون وأخيار ، وأوضحوا له بأنهم صاغة مهرة ، وبعد أن قضى وقتا معهم وعرف طبيعة خلقهم ودارت قهوتهم على الحاضرين طلب منهم أن يسكنوا هنا ويعطيهم كل شواطئ دجلة في المنطقة ويعطيهم بذلك ( طابو ) وبعد أخذ ورد وافقوا وشرعوا ببناء بيوتهم من القصب والبردي ثم غيروها الى شواطئ الكحلاء ببناء بيوت من الطين هناك ، ولذلك نستطيع الاستنتاج والقول أن المندائيين هم البناة الأوائل والسكنة الأوائل لمدينة ( مي سيانة ) القديمة وأول من سكن مدينة العمارة الحالية وكذلك قلعة صالح عام 1865، حيث استوطنوها مع القائد التركي الذي بنى القلعة. ))
ذهبت حران وأهلها الى طلل التاريخ وألواحه الطينية والرُقم المدفونة ولم يبقْ من المكان سوى أطياف من عاشوا فيه وتركوا لنا أرث المدونات وأحفاد زحفوا بمراكب المعيشة والطقوس الى الجنوب حيث شكلوا فيه وحدة دينية وحضارية حافظت بإصرار عجيب على وجودها ولم تنقرض أو تنحسر مع تعاقب الحضارات ومتغيراتها ، فقد عاصروا أهل سومر وذهبت سومر ، وبقوا هم ، وكذا مع أهل أكد وبابل وغيرهم من الذين أسسوا لهم في العراق دولاً وممالكاً وإمبراطوريات وحتى مجيء الدولة الإسلامية التي نظرت إليهم دون أن فوارق وقسر وجعلتهم كما أمر القرآن وأوصى أن يكونوا من أصحاب الجزية.
وفي الجنوب حيث الماء الوفير عاش المندائيون مع أهل البطائح دون أي شعور من الطرفين بالتنافر ، بل أن التعايش كان قائما على مدى الأزمنة وكانت القبائل العربية في الجنوب العراقي تستقبل الوافد المندائي الذي يحمل بضاعته ورؤاه وقراءات الطالع في سكن خاص وينال شيئا كبيرا من الاحترام من قبل شيخ القبيلة ، ويكفي للمندائيين أنهم عاشوا بين سكان الأهوار ومدنهم منذ تأسيسها وكان لهم الدور الكبير في تأسيس المناشط الحضارية الأولى في تلك المناطق وخاصة المؤسسات التربوية والإدارية . وأصبح ذلك التعايش يمثل صورة للاندماج الاجتماعي مع امتلاك هذه المكونات خصوصياتها الثقافية والروحية ولم يكتب يوما أن أهل الأهوار منعوا مندائيا من إقامة طقوسه بالرغم من حرص الصابئة على إقامة طقوسهم بعيدا عن المشاهدة العامة لسكان تلك المناطق وربما كان كهنتهم الروحيون يدعون من أشراف القوم من المسلمين وأصدقاءهم الموثقين لمشاهدة وتأمل هذه الاحتفالات حيث أرتنا الوثائق والصور التذكارية للمجالس المحلية والبلدية لمدن وألوية وقصبات الجنوب العراقي في بداية الحكم الوطني في العراق وجود شخصية مندائية معروفة ومؤثرة ضمن أي تشكيلة من هذه التشكيلات.
ويمكن أن نقرب الصورة بشكلها الروحي والتذكاري مع لحظة عشتها في ناحية الكحلاء عندما كنت جندياً لأشاهد مرة أخرى متعة هذا الطقس في واحد من أعيادهم عندما صار الماء مغتسلا لطهارة الروح والبدن ، حيث نزل رجال الدين بملابسهم البيض الناصعة الى ماء النهر وسط تجمهر أبناء الطائفة حيث مراسيم زواج بين شابين مندائيين صبغت حمرة البراءة والخجل خد العروس لأرى في مرآة انعكاس أزمنة بعيدة كان فيها من فرط محبة التعايش بين المندائيين وسكان الأهوار أن يقولوا نحن من ( معدان الصابئة ).
كان الماء يغسل ذاكرة كل شيء ويديم وصل الحياة من خلال صناعة المتغير لأزمنة وجود أي هاجس حياتي ، وكانت الحضارات وحتى اليوم تخشى في موتها شيئان لاغير ،جنون أباطرتها وشح الماء ، فجنون الأباطرة يفضي الى الحرب المدمرة ، وشح الماء تفضي الى العطش وبالتالي موت الأخضر واليابس وكل حي.
لهذا نظر المندائيون الى الماء بوعي وقدسية وخشوع ،وربما هم تواصلوا مع الطقس الروحي الأول الذي اصبغ فيه يحيى المعمدان جسد يسوع ( ع ) ، ومنحه بركة الرؤيا والنبؤة والبشارة ، فكان يمثل في أدبياتهم الدينية والأسطورية والتراثية شيئا ذكرته الكتب ومشوا على الذكر ولم يحيدوا عنه قيد أنملة حتى قال أحد كهنتهم لي في ذلك المكان على ساقية ماء باردة في هور الكحلاء : منه نأخذ الحياة ، والحياة تأخذ وجودها من الرب المزكي.
هم يجدون في الماء مغتسل لكل خطيئة وصانع للشيء الذي يكونَ فيهم الشعور والتسامي والخانعة بما يملكون ، لهذا فهم بتكوينهم الطبقي يقتربون من الاشتراكية بمفهومها العلمي وقلما تجد بينهم الفوارق المادية وخاصة في الأزمنة القديمة ، وطالما يكون الماء تجدهم يجاورنه في ألفة العيش والمحبة بالرغم انهم لا يسترزقون منه ولكنهم يعايشوه في لحظة التكريس والتعميد واقامة النذور والأعياد وكل ما يحتاجه المندائي ليكون قريبا من خالقه كما يعتقد كهنتهم بالقول : (( إن الماء هو طريق للأيمان بان التعميد (المصبتا) هو الطقس الضروري لإنقاذ الأنفس من براثن الأسرار المادية وتقوية النفس البشرية بإنعاشها بنور الحياة المتجسد بالمياه الحية الجارية.))
فكل ماء جاري هو الحياة في تحولاتها التي لا تتوقف ، هكذا يعيش فيهم المعتقد هؤلاء الذين يسكنون في حضن الطبيعة وقرب مراعي القصب ومدن الجاموس والأساطير.
يحتفون مع معدان المكان بذلك الألق الحياتي الذي توارث من تلك الأزمنة التي لم تسقط في بئر الانقراض والنسيان بل أبقوها حية وفعالة ومبتهجة بما تؤديه من لحظة متسامية مابين الشعور والإحساس إذ يختلط المادي في الحسي فتولد نشوة الوصول وهي شيئا من الغنوص كما عند المتصوفة في قولهم : كلما اسبح في خياله يمنحني بهاءه ودهاءه وفطنته. وكذا المندائيون يفعلون ذات الشيء لحظة اكتساب طهارة الماء وسيره إللا منتهي ، فصورتهم على ضفاف دجلة الكحلاء وهم يمارسون طقوسهم يعكسون للناظر الصورة الشجاعة والمؤمنة بما زرع في قلوبهم من إصرار وأدراك ، وهكذا أحسست هناك بأن المعدان ليسوا فقط هؤلاء الذين دفعتهم طبيعة القدر الحياتي وظروف المكان ليكونوا هكذا حراس الأبد لقطعان الجواميس التي كانت في يوم ما من الحيوانات المقدسة كما في غابر الزمن السومري وعند الهنود وغيرهم من الشعوب. فيكون الامتداد البيئي والروحي بين معدان الإسلام ومعدان الصابئة هو امتداد لحياة المكان وأصالته.
بين صابئة حران وصابئة المعدان ، وأقصد الصابئة الذين عاشوا قرب أهل الأهوار ( صابئة البطائح ) وجايلوهم على محبة التعايش والاندماج دون أن يمس أحد في مشاعر الآخر ، فقط فضل المندائيون أنهم اقتربوا من ناصية العلم واكتساب المعرفة أكثر من أولئك الذين فضلوا الطبيعة البكر والارتماء بأحضان الطبيعة والرضوخ لقدرها في كل ما تمنحه ، بينهم فاصلة من الزمان ليست بعيدة ، فحتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وما تلاه كان الرحالة والمكتشفين ومنقبو الآثار يتحدثون عن أناس نال من حياتهم الكثير من الغموض والجدل ، فهم لم يقصدوا عرب الأهوار فقط ، حيث تميزت حياتهم وطبيعة عيشهم عن بقية أطياف الشعب العراقي ، بل من جاوروهم من طائفة يقول أبناءها انهم ما تبقى من مجد السلالات الغابرة وأن لديهم ما يثبت ذلك ، عندما عرض رجال الدين والكهنة والشيوخ لأولئك الرحالة والدارسين الأجانب كتبهم وقراطيسهم التي حفظت منذ القدم على ألواح الرصاص ، فكان أن أصاب الذهول البعض ، ونشر أبحاثاً ودراسات عن المندائيين الذين كان يعرف عنهم في أوربا من خلال النزر اليسير الذي ذكر في تواريخ الديانات القديمة وكذلك ما كان مدونا عنهم في التراث العربي ــ الإسلامي ، وإزاء هذا الكشف حاولت بعض الجامعات الأوربية فتح أقسام خاصة لدراسة هذا المعتقد ، فالليدي درووا الباحثة البريطانية التي تعبر رائدة التعريف والتعمق والبحث المقارن في عالم المندائيات كشفت من خلال كتابها عن الصابئة المندائيين ومعتقداتهم وفي بعض محاضراتها في الجامعات البريطانية والجمعيات العلمية أن الجنوب العراقي هو حاضنة أزلية لأولئك الذين تعتقد انهم يتبعون اقدم الديانات الحية وانهم على الرغم من قلتهم ومحاولة الحفاظ على وجودهم وتراثهم بشيء من العزلة والصرامة والكتمان إلا انهم كانوا مشاركين فاعلين في ديمومة المجتمعات المحيطة بعضهم والسعي الى ديمومتها وتطورها عندما تحدثت عن أناس تمسكهم عصامية المعتقد وحب الحياة وإظهار الطاعة للرب الواحد وجعل الماء المكان المقدس لأقامة الطقوس ومراسيم التعميد ، وكان لديهم كما بقية الديانات مكانا للعبادة يشبه الجامع والكنيسة والكنيست في وظيفته يسمى ( المندى ).
تفتي بنا الديانة المندائية الى عوالم الذات الواسعة التي هي مصنوعة من مشاعر الغنوص الذي يعتمد على الجهد الذهني الذي لا يحتوي أي شائبة مادية ولا يحتاج منا الى جهد عضلي للتركيز كما في اليوغا الهندية ، لأن التسامي في فضاء العقل يقودنا الى صفاء خالص والذي اعتمده أخوان الصفا في صناعة مودتهم مع الفكر والفلسفة وأقاموا عليها حجج وافتراضات ومناهج. فكان ينظر إليهم في مرجعيتهم إن ما جاهروا فيه خفاء جلستهم ومناظراتهم مأخوذ من ارث صابئة حران الذين كانوا في ديانتهم يضعون غنوص الروح وحالتها المترامية الذهن والتسبيح طريقة للاتصال بعوالم الحسية والبعيدة كما مع موجودات الطبيعة من كواكب ونجوم وأفلاك. ويفسر الدكتور رودولف في ذات الحوار في صحيفة الحياة الغنوص على أنه :
((الغنوصية لها علاقة بالمعرفة الخاصة بأصل النفس البشرية وبكيفية عودة النفس الى عالم النور.))
وربما أو يكاد يكون من الجزم أن حمل صابئة حران هذا العالم النوراني بعد أن شعروا في تعرضهم لخطر الإمبراطوريات والاختلاط ودخول المعتقدات الملحدة الى ديانتهم القديمة القائمة على الشرك وعبادة الأصنام والأبراج والحيوانات ، ليؤسسوا في جنوب بلاد الرافدين مستوطناتهم ولتبقى الى اليوم حاضنة لذات الرؤى التي اعتمدت الغنوص مرجعا لأقامة ذلك التواصل بين العبد وخالقه.
أحتضن الجنوب العراقي أبناء هذه الطائفة كما تحتضن الأم وليدها البكر ، وعاشوا على الأديم العذب والمالح لمياه الرافدين دون أي شعور بالتذمر والبطر والغرور ، ولكنهم مع التطور المدني والحضاري الذي شهده العراق بعد الحكم الوطني وتطور المرافق الحياتية وتهيئ آفاق التعليم العالي للكثير من أبناء الطائفة بدأت بعض الهجرات المتفرقة من أماكن الأزل الى العاصمة حيث هاجرت بعض العوائل المندائية من العمارة والناصرية وسوق الشيوخ والكحلاء وقلعة صالح والحلفاية والبصرة الى بغداد لأسباب حكمتها الوظيفة وحصول البعض على شهادات جامعية عالية توجب عليهم الانتقال الى العاصمة والعيش فيها ،والبعض قاده تطور الحياة ورفاهيتها وتحسن المستوى المعاشي عندما كثرت الأسواق في بغداد ومنها سوق الصائغة الشهير في شارع النهر اللصيق بشارع الرشيد من جهة نهر دجلة وكان اغلب صاغته هم المندائيين.
وفي الحرب العراقية الإيرانية بدأت هجرة مندائية أكبر للعوائل بسبب ظروف الحرب ونتائجها عندما كان الكثير من المندائيين يسكنون في مدن قريبة من جبهات الحرب كما في قلعة صالح التي كانت يقع فيها مقر الفيلق السادس ،والكحلاء التي كانت مقرا لفرق قتالية للفيلق الرابع ، فيما هاجر صاغة منطقة العشار محلاتهم الى بغداد بسبب وصول قذائف المدافع الإيرانية الى أماكن رزقهم بسبب اقتراب العشار من جبهة القتال في معارك شرق البصرة وبحيرة الأسماك.
فيما لم يهاجر من عوائل المندائيين في الناصرية وسوق الشيوخ إلا القليل وأكثرهم في فترة الحصار الاقتصادي على العراق بسبب الكساد وعزوف الناس عن شراء الذهب بسبب قلة الموارد المعشية وانتشار الفقر والعوز وخاصة بين موظفي الدولة الذين كانوا أهم زبائن الصاغة. وتحول سوق الصياغ في المدينة الى سوق للنجارين والحدادين والمواد الإنشائية ، بعد أن باع الصاغة محلاتهم وفضلوا بغداد سكناً ، وآخرون بدأت عندهم نوايا الهجرة الى أوربا والتي شهدت في منتصف التسعينيات موجة من اللجوء وخاصة في السويد وهولندا واستراليا ،ولديهم اليوم جاليات كبيرة في هذه المناطق تزايدت بشكل كبير بعد الغزو الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 عندما تعرض الكثير من أبناء الطائفة الى حملات تصفية وقتل وتهديد منظم من قبل الجماعات الإرهابية التكفيرية ، فكان أن دفع الكثير من أبناء الطائفة وبينهم رجال دين حياتهم ثمنا لبعض الفتاوى التكفيرية والمتخلفة التي تدعوهم الى مغادرة العراق أو يعلنوا إسلامهم . ولم تفعل الدولة شيئا فعالا يحميهم وتركتهم يحملون حقائب السفر والتهجير بعد أن تركوا بيوتهم ومحلاتهم وخاصة في منطقتي البياع والعامل حيث تكثر العوائل المندائية التي سكنت بغداد ،وكان اغلبهم استقر في منطقة جرمانا في سوريا ،وكأنها هجرة مضادة الى أماكن النشوء الأول للديانة حيث يقع قبر نبيهم يحيى ( ع ) ، ففضلوا الاحتماء به على أمل عودة الاستقرار والعودة الى وطنهم وبيوتهم ومحلاتهم.
يعيش أغلب مندائي المهجر في أوربا وينتظر المندائيون في سوريا مع قوافل طالبي اللجوء أمام مكاتب الأمم المتحدة في دمشق ، وللمندائيين في المهجر جمعيات ثقافية واجتماعية ولديهم مواقع إلكترونية ومجلات ودور نشر ، ويعقدون مؤتمرات عالمية سنوية في محاولة جمع الشتات المندائي والتعريف بقضيتهم ومنها جمعية ناشطة تتوزع مكاتبها بين مالمو ولندن ونيويورك وهي اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر التي أصدرت كتبا ومنشورات حول الديانة المندائية وثقافتها ومن أهم هذه الكتب ( الصابئة المندائيون في الفقه الإسلامي ــ تأليف الدكتور رشيد الخيون ــ بغداد 2006 و ( رؤية وسياحة في المندائية النقية ــ تأليف نعيم عبد مهلهل ــ بغداد 2006 ) و ( الصابئة المندائيون ــ حاضرهم وماضيهم ــ تأليف الليدي دراوو ــ طبع دار المدى 2007/ دمشق) و ( عصافير الشارع المندائي ــ تأليف نعيم عبد مهلهل ــ 2008 دمشق).
مندائيو هذا الزمان بالرغم من حزن الشتات وعذاباته يمسكون أمل العودة الى منابع الحلم ، ويتمنى كبار مهاجريهم أن تحمل نعوشهم لتوارى الثرى في أمكنة السعادة والحلم حيث ارض الأجداد والضفاف الرافديني الذي يسقي لحظة بهجة طقس التعميد بنسائم مساء العراق. ولهذا هم يمسكون غصن الزيتون ويلوحون فيه الى أفق التمني أن يعم السلام في البلاد التي نطقت معهم هجائيتهم المندائية وصنعوا من أطيانها ألواح وجودهم ودمى طفولاتهم.
بين صابئة حران وصابئة المعدان وصابئة هذا الزمان يضيء الزمن شمعدان الأساطير وتبريكات الأنبياء وأحلام القصب والماء والترميذا الذي اعتمر البياض طريقا للوصول الى فسحة البهجة في حدائق العشب والسدر والنخيل.
هم باقون وسيظلون بالرغم من تعاقب الأزمنة وعاصفة العولمة ومتغيرات الآلة والاتصال ،لأن غنوصية الديانة وقوتها ستوفر لهم اتصالا سريا مع تلك السرمدية التي ظلت تنير لهم مصابيح الحياة وليبقوا خالدين مع أحلام أنبياءهم وكتبهم المقدسة.
 
 نعيم عبد مهلهل
ألمانيا ـــ مدينة زولنكن ــ في 24 آذار 2009