ملامح تقدمية في الدين المندائي / مؤيد مكلف سوادي

                                                                                                         

ملامح تقدمية في الدين المندائي بقلم : مؤيد مكلف سوادي مَن يطلع على الدين المندائي اطلاعا دقيقا ويتمعن في نصوصه وادبياته ، ويكن منصفا في اصدار الاحكام عليه ، يجد فيه ملامح تقدمية في معظم محتوياته ، تتلائم الى حد بعيد مع الحياة العصرية وتلتقي مع متطلبات حقوق الانسان ، رغم انه من الاديان القديمة التي تتمسك بقوة بالتقاليد والعادات المتوارثة ، لكن محتواها يواكب التقدم الحضاري ويعمل عليه .. ومن الملامح التقدمية التي تميز هذا الدين :
1. لم يمر المندائيون طيلة تأريخهم بمرحلة (بداوة) لأنهم لم يعيشوا في صحار او بواد ، تعتمد على مياه الابار او المطر ، بل اختاروا العيش دائما على ضفاف الانهر الجارية ذات المياه العذبة ، بسبب متطلبات دينهم كالصلاة اليومية والصباغة (التعميد) والمراسيم الدينية الاخرى ولهذا السبب ايضا لم يدخلوا في نزاعات مع بعضهم او غيرهم من اجل الماء والمراعي والزراعة ، مما ادى الى حلول الصفاء بينهم ووحدة صفوفهم وعدم انقسامهم مما فسح لهم المجال للانصراف لأمور دينهم وعبادتهم وتوفير معيشتهم .. كما ان توفر الغذاء والمواد الاولية في محيطهم المائي في جنوب بلاد الرافدين ساعدهم كثيرا على تجاوز الازمات والمجاعات والقحط ، كما دعاهم الى السكن متجاورين في قرى ثابتة بجوار الشواطئ ، والى زرع كفايتهم من الخضر وبساتين النخيل انتفاعا بغلّاتها .
2. منح الدين المندائي المرأة حقوقا مساوية لحقوق الرجل في كل مجالات الحياة ، كما تميز مجتمعهم بعدم وجود طلاق ، بل ما يسمى افتراقا .. ونادى بأن المرأة تمثل نصف المجتمع ، لها ما للرجل وعليها ما عليه.
3. الايمان بالعلم والثقافة وطلبهما .. فهم غير منغلقين على الجهل ، لأنهم معرفيون وطلاب علم ، وما المندائيون الذين عاشوا في (حرّان) ثم انحدروا الى العراق وبرزوا في كل مجالات العلوم والاداب في صدر العصر العباسي الا دليل على ذلك ، وفي العصر الحديث زاد اندفاع المندائيين من الجنسين ، بعد تشكيل الحكم الوطني في العراق عام 1921 ، وبقوة نحو الالتحاق بالمدارس وطلب التحصيل العلمي ، وهذا دليل حبهم لنور العلم وعلى مدى وعي ابائهم لدفع ابنائهم في طريق المعرفة ، وقد جاهدوا رغم التمييز المقيت والضغوط الرجعية لكسر حصار قبولهم في المعاهد والكليات ، فثابروا ودرسوا ثم واصلوا طلب العلم خارج الوطن وحازوا ارفع الشهادات العمية والكفاءات النادرة ، ولم يجد من ناصبهم العداء سوى الاذعان والاستفادة من كفاءاتهم ونبوغهم واخلاصهم وبروزهم في ميادين المعرفة .. فجرى تعيينهم في مراكز حساسة مؤثرة من مفاصل الدولة ، تتطلب الدقة في العمل والاخلاص في الاداء .
4. ايمانهم بالسلم ونبذ العنف والحروب والعدوان ، ودعوتهم للأخاء البشري ، فخلال تأريخهم الطويل لم تبدأوا احدا بعدوان او حرب ، وكثيرا ما أضطروا للهجرات المستمرة فرارا من الظلم والتعسف والعدوان بدلا من مواجهته والتصدي له .. فهم لم يحملوا سلاحا او يغزوا بلدانا أو يستعبدوا شعبا ، ولم ينشروا تعاليمهم الدينية بالعنف والقوة .
5. عدم وجود الطبقية في مجتمعهم ولا أثر للتباين الطبقي في تركيبتهم ، ولايؤمنون بمبدأ استغلال الانسان للانسان ، فقد عاشوا عيشة بسيطة واعتمدوا على سواعدهم وامكاناتهم الذاتية في كسب رزقهم ، كما لايوجد في مجتمعهم اثر لوجود طبقة طفيلية تعيش عالة على جهود الاخرين .
6. اتصافهم بالتعاطف والرحمة والرأفة ، وتفقد بعضهم بعضا في السّراء والضّراء ، فحققوا بهذا التوجه الوحدة والتكاتف ووحدة العلاقات الاجتماعية ، وابعدهم عن الصراعات او الاشتراك في اية نزاعات تجر الى اثارة مشاكل مع غيرهم .
7. عدم وجود نزعة عبادة الفرد في مجتمعهم ، فهم لايؤمنون بالنزعات الفردية الاستبدادية ويكرهون فروض السيطرة المطلقة المسلطة ، ومعنى هذا انهم من عشاق الحرية ، يرفضون الضيم ويفرون من الظلم .
8. ايمانهم بالمثل العليا وبعوامل التحضر والتطور واستيعابهم للافكار التقدمية البناءة التي تهدف لسعادة الانسان وتطور الفكر الانساني ، وما سرعة اندماجهم بالمجتمعات المتطورة بعد التغرب الا دليل على تفتحهم وحبهم للنظام ومسايرتهم لركب التقدم ، فهم قد فطروا على الاخلاص في العمل والتفوق والجدية فيه ، وعدم ايمانهم بأنصاف الحلول ، بل تعلقوا بالاتقان الكامل في كل اعمالهم ، وهذا ما حببهم لشعوب البلدان المتطورة التي لجأوا اليها لما لمسوه فيهم من صدق وامانة واستعداد لتحمل المسؤوليات واهتمامهم بكل جديد .. وكل ماذكرناه هي حقائق يتصف بها الدين المندائي ويوصي بها اتباعه ، كما يعمل من اجلها الانسان المندائي .
 
 مؤيد مكلف سوادي