ملاحظات أولية عن نصوص التعاويذ المندائية / ثائر صالح

 

                                                                                                                                                                                                             
    ملاحظات أولية عن نصوص التعاويذ المندائية
ثائر صالح :
 
تعتبر نصوص التعاويذ المكتوبة باللغة والحروف المندائية من أقدم النصوص التي وصلت إلينا التي دونت بهذه اللغة الآرامية المميزة لجنوبي وادي الرافدين، ولهذا تكتسب دراستها أهمية عظيمة في تحديد تطور اللغة المندائية ومقارنتها باللغات المعاصرة لها، ناهيك عن أهميتها في تسليط الضوء على بعض جوانب تكون الدين المندائي. ونصوص التعاويذ متنوعة أهمها تلك المكتوبة على ألواح من الرصاص، والنصوص الوقائية المكتوبة على الأواني الفخارية التي يحدد العلماء تأريخها بالفترة بين 600-800 ميلادية، أو أقدم (بين 350-500 ميلادية حسب كاوفمان ). وقد درس العلماء نصوص الأدعية المختلفة في أوقات مبكرة، منذ أواخر القرن التاسع عشر، وكان بين أبرزهم مارك ليدزبارسكي، وسيروس غوردون، وليدي درور، وروبرت ماتسوخ، ومؤخراً أريكا هنتر وكريستا مولّر – كسلر. لكن أهم المتخصصين في هذا الموضوع هو البروفيسور أدوين ياماوتشي (من جامعة ميامي في أوكسفورد، ولاية أوهايو بالولايات المتحدة) والذي أعد رسالة دكتوراه بهذا الموضوع ونشرها في سنة 1967
ويمكن المخاطرة بتصنيف هذه النصوص المكتوبة باللغة المندائية إلى ثلاثة أقسام: الأول نصوص وتعاويذ هي من نتاج أتباع الديانة المندائية أنفسهم، تنسجم مع الرؤيا الدينية المندائية لحد ما. وفيها يجري الإبتهال إلى الخالق وطلب العون من ملائكته للتخلص من الضرر أو الوقاية منه. القسم الثاني نصوص بابلية وتلمودية لا علاقة لها بالدين المندائي، لكنها افتتحت وختمت بنص ديني مندائي (بشميهون د-هيي مثلاً). والقسم الثالث نصوص سحرية لا علاقة لها البتة بالدين المندائي وتصورات المندائيين الدينية، والقسمان الثاني والثالث استعملهما سكان وادي الرافدين القدماء وقد دونوها باللغة والحرف المندائيين المنتشرين في ذلك الوقت. ومثلما يعتقد علماء غربيون أن بعض النصوص السحرية المكتوبة بالسريانية هي نصوص كتبت لوثنيين، فمن المنطقي تماماً إفتراض أن بعض النصوص المكتوبة باللغة المندائية قد كتبت لزبائن وثنيين .
وينبغي لنا هنا التأكيد أن الدين المندائي بصفته دين سماوي موحِّد يرفض أعمال السحر، ويتوعد السحرة بعذاب شديد في المطهر. والمندائيون، على الضد من بعض ما يشيع عنهم، لا يعبدون الكواكب، فهي عندهم خاضعة لقوى الظلام والشر، وتوجههم صوب النجم القطبي في الصلاة لا يعني عبادة هذا النجم، بل لأنهم يعتقدون بوجود بوابة عالم الأنوار (الجنة) في جهة الشمال، حيث يجري وزن النفس في ميزان الملاك أباثر، فمن تغلبت حسناته على سيئاته، انطلق فوراً نحو الإتحاد بصنوّه السماوي، ليسكن في عالم الأنوار، ومن رجحت كفة السيئات عنده، ذهبت نفسه إلى المطهر لتكفر عن ذنوبها قبل الإنطلاق إلى عالم النور. ويحذّر الدين المندائي من الوقوع تحت سيطرة الكواكب والبروج (شفياهي أي الكواكب السبعة وترسّر أي الأبراج الإثني عشر)، وهي مصدر كل الشرور والبلاء.
تستند التعاويذ إلى القوانين الدينية وإلى ممارسة الطب الشعبي والشعوذة التي تكاد تختلط به. وظيفتها حماية الإنسان من الآلام والكوارث والمشاكل المتعلقة بالأمراض. فالمرض والمصائب والكوارث كلها من صنع الجن ونتاج الحسد حسب الفهم الشعبي .
ضمن هذا التعريف نجد في علم الآشوريات ما يعرف بأواني العفاريت البابلية، وهي أوان خزفية كتبت عليها الأدعية وفي بعض الأحيان رسمت عليها أشكال تمثل العفاريت. انتشر استعمال الأواني هذه في وسط وادي الرافدين (بابل) وفي جنوبه (بضمنه الأهواز) خلال الفترات المتأخرة من العصور القديمة. فقد عثر على هذه الأواني في مناطق مختلفة، يعود معظمها إلى ما بين القرون الرابع والسابع الميلادي، وهي عادة غير معروفة خارج هذا النطاق الجغرافي. وعثر في بلاد الشام وفلسطين وآسيا الصغرى على ما يقابل هذه الأواني من الأدعية اليهودية المكتوبة على الألواح المعدنية المصنوعة من الرصاص أو النحاس أو الفضة باللغة الآرامية، لحماية الحوامل وعلاج الأمراض والسيطرة على الآخرين، تعود إلى نفس الفترة. ودرس كل من نافيه وشيكد بعض النصوص اليهودية وترجما العديد منها . وقد استعملت اللغات اليهودية الآرامية (التلمودية) والسريانية والمندائية، وفي حالات نادرة الفهلوية للكتابة على الأواني. إلى جانب هذا نجد الكثير من اللقى التي نقشت عليها خرابيش أشبه بالكتابة، إما لأن صانعها لا يحسن الكتابة، أو لأن النص السحري معروف ويمكن تلاوته شفاهاً، وأنه ثانوي الأهمية مقارنة بالوعاء وطقس وضعه في مكانه. تدفن الأواني عادة تحت عتبة الدار أو في زوايا البيت، مقلوبة إلى الأسفل أو يلصق وعاءان أحياناً بالقير، وفي هذه الحالة توضع بعض الحاجات بينهما مثل قشور البيض أو العظام. الهدف من استعمال الأوعية هذه هو حبس العفاريت (الديوي) أو طردها أو إخافتها ومنعها من إيذاء أهل البيت. بالتالي يمكن التعبير عن هذه الأواني بأنها "مصيدة" للعفاريت، وتندرج ضمن مفهوم الأدعية الوقائية.
مثال: وعاء طيني من مدينة سلوقيا (على دجلة قرب سلمان بك) يعود إلى القرن السادس أو السابع الميلادي (متحف كلسي رقم 19504). وهذه ترجمة تقريبية لمقاطع النص الانكليزي (الأصل باللغة المندائية):
"نغراي بنت دنداي وأولادها ... سمعت وصوت .. الرجال المحاربين .. والمرأة الغاضبة التي تلعن وتؤذي، نزل عليهم أزداي ويزدون ويقرون وفرائيل الكبير وروفائيل وسحتئيل، ومسكوهم من شعورهم وضفائرهم وكسروا العظام... وعلقوهم من ضفائرهم وقالوا لهم: "جعلتك تحلف بأن تطلق وتحرر .. نغراي بنت دنداي و .. الرجال والنساء من .. كل اللعنات .. المنطلقة ومن لعنة .. الأم ولعنة المومس ... والجنين ومن لعنة الصانع والأسطة الذي سرق أجره ومن لعنة الأخوة الذين لم يتقاسموا بينهم بالحق ومن لعنات كل الناس الذين يلعنون بأسم عفاريت باطلة ومن بطاناتها ، أنت الشافي أنت الشافي الذي يشفي من المرض بالكلمات أنت الشافي الذي يبعد المرض ولعنات الذين لعنوا نغراي بنت دنداي بأسم أزداي ويزدون ويقرون وفرائيل وروفائيل وأشف وأمح لعنات الذين يلعنون نغراي بنت دنداي.
جلست على حجر لم ينفلق وكتبت كل اللعنات على صحن جديد من طين وأرجعت اللعنات الموجهة ضد نغراي بنت دنداي إلى حيث أتت. ويبارك بأسم صاريئيل الملاك وبرخئيل الملاك وبأسم صاريئيل وبرخئيل تتحررون من لعنات الذين لعنوا نغراي بنت دنداي مثل الرجل مثل الرجل الذي تحرر من بيت القيود ونت بيت السلاح، آمين آمين سيلاه لتحل الصحة والمنعة على بيت نغراي بنت دنداي وأولادها.."
ويتكرر هذا النص في العديد من الأواني الأخرى، ويجري تغيير أسم المستفيد حسب الحاجة. نلاحظ أن النص وإن كتب باللغة المندائية، فهو لا يرتبط بالدين المندائي إطلاقاً، بل بالمحيط الحضاري القديم لجنوب وادي الرافدين، بالذات بالنصوص البابلية. فهو يخلو من العبارات الدينية المعتادة في الدين المندائي. ومن الطبيعي أن يجلس الكاتب على صخرة غير مشققة، لأن العفاريت تسكن الشقوق حسب التصور الرافديني القديم.
وفي نص ثان ترجمه البروفيسور ياماوتشي نجد أن الصحن يبدأ بعبارة "بشما د-هيي نخرايي من آلمي د-نهورا .." وكتب لحماية فروخزاد بن كوماي وزوجته بسبب موت أطفالهما، وفروخزاد اسم فارسي. وفي هذا النص نعثر على اسم بوزناي بنت أغليما الجنية ( أي ليليث، وهي كائنات اسطورية سومرية-بابلية اقتبسها التلمود كذلك، ويرتبط اسمها بالليل والظلام)، وولدها العفريت غيداق وزوجها أبوغدانا (بوغدانا). والأخير عفريت أو ديو هو بغدانا اقتبسته الميثولوجيا الرافدينية من الميثولوجيا الإيرانية . هناك مئات من هذا النوع من الأواني في متاحف وجامعات العالم، بينها نحو 200 لقية عثرت عليها بعثة جامعة بنسلفانيا في تنقيبات نفّر في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. وقد حصل متحف اسطنبول على عدد مماثل جرياً على العادة القديمة التي تقاسمت بموجبها البعثات الغربية "الغنيمة" مع السلطات العثمانية مناصفة. ولا يزال الكثير من هذه الأواني دون دراسة وترجمة، وتجري في السنوات الأخيرة محاولات لدراسة بعضها، منها تلك المحفوظة في المتحف العراقي في بغداد. وقامت المستشرقة د. كريستا مولّر – كسلر من معهد اللغات والثقافات الشرق أوسطية في جامعة فريدريش شيلر في يينا الألمانية بالإشراف على بحوث لدراسة نصوص 66 إناء من اللقى التي جلبتها بعثة جامعة يينا من تنقيباتها في مدينة نفّر خلال السنوات 1890-1900. وتستند الباحثة مولر – كسلر إلى النصوص المندائية القديمة ومن بينها هذه الأدعية لتستنج أن الدين المندائي إنما تكون في بيئة جنوبي وادي الرافدين. كما قامت الباحثة فريال زهرون الخميسي بإعداد إطروحة حول نصوص محفوظة في المتحف العراقي (1996) وقد نشرت عنها مجلة الصدى الصادرة في ستوكهولم مقالة في العدد 15 (1998).
وعن العلاقة بين اللفافات الرصاصية المندائية وأواني التعاويذ تقول د. كريستا مولّر – كسلر: "لأغلب العفاريت الذين نصادفهم في التعاويذ أصول رافدينية قديمة أو إيرانية. وأحياناً أخذت أسماءها من أسماء الآلهة القديمة" .
وتتكرر في النصوص المكتوبة بهذه اللغة الآرامية أسماء الآلهة البابلية ليبات (وهي عشتار التي تقابل فينوس) ونيبو أو إنبو (اله الحكمة) وكيوان وبيل (بعل أو مردوخ كبير آلهة بابل) ونيرغ إله الحرب. وهي في هذه الأدعية ملائكة نافعة "ببيل وإنبو ونيرغ بشوميهون إد هالين تلاتا مالاكيا مروميا" . وتورد درور "أنا هو بيل الاها ربا د-بابل" (DC 40:680). ويتكرر كذلك اسم أدوناي صبابوث كثيراً، وهو أحد أسماء يهوه اله اليهود (وعندهم أدوناي صباؤوت، أي سيد أو رب الجنود)، ونقرأ في الأدعية التي ترجمتها ليدي درور الإستنجاد بالملاك روفائيل الشافي وبياهو "بشوما د- روفئييل اسيا ربا د-ملاكي د-الاهوثا بشوما د-ياهو ياهو اشاد ياهو ياهو ادوناي اسرئييل ياهو بياهو جابرا.." وهذا نص يهودي كتب باللغة المندائية دون شك. ويكثر استعمال يا وياهو (من حروف يهوه) إلى جانب ادوناي. ونجد في القاموس المندائي لدرور وماتسوخ أن "أدوناي اسم اعطي إلى الشمس حيث يصور اليهود كعبدة للشمس". وفي الجانب الأيمن من الكنزا " شامش إد أدوناي قريلي" أي شامش الذي يسمى أدوناي.
إلى جانب هذه الأسماء نجد أخرى أقل شهرة، مثل صاورئيل (وهو ملاك الموت)، روفئييل (رافائيل ملاك الشفاء)، هاربئييل (ملاك القتال من حربة، سيف)، اسرئييل (إسرائيل)، ماركيئيل (؟) جابرئييل (جبرائيل كبير الملائكة، واسمه مركب من انسان واله). كما نصادف أسماء غير معروفة: بلياييل (من بيل-إيل؟ في القاموس المندائي يعني روح الفساد)، زرزياييل (ملاك الحماية؟ زرز يعني يسلّح)، سيماييل وعشرات غيرها. وفي نص الصحن السابق نجد أزداي ويزدون ويقرون وفرائيل وسحتئيل وبرخئيل. كما يكثر استعمال مصطلحات السبعة والإثني عشر (أي الكواكب: شفّا ومنها الشفياهي، والأبراج: ترسّر)، وهي معتقدات رافدينية موغلة في القدم لا نزال نجد أصداءها في التقاليد الشعبية (تعبير الشِفِيّة مثلاً). ويوجد في النصوص الدينية المندائية تعبير الروها (الروح المادية للعالم).
جميع نصوص التعاويذ تحمل بصمات الأصل البابلي بوضوح، وهي أحياناً يهودية- -تلمودية. ورغم كتابة الكثير منها باللغة المندائية وبالحرف المندائي فالكثير منها ليس نصاً مندائياً، بل هو بابلي أو بابلي-يهودي. مثلاً تبدأ بعض تعاويذ الحب بأسم ليبات سيدة الآلهة والرجال، أو بأسم الملائكة. ونعرف أن المندائيين يبدأون نصوصهم الدينية عادة بالبسملة: "بشما د-هيي وشم د-مندا د-هيي" أو "بشميهون د-هيي ربي"، ويختتمونها بعبارة "هيي زاخن" ، لذا فهذه التعاويذ ليست مندائية سوى في لغتها.
ونجد في تعويذة للحب "ليبات إسترا" . وإسترا هي عشتار البابلية التي انتقلت إلى العبرية بشكل عشتروت، لكننا نجد بين كتب اليهود سفر استر، واسم استر الذي دخل أوروبا عن طريق العهد القديم هو في الحقيقة اسم عشتار البابلية (أي ليبات، فينوس باللاتينية). والأدهى من ذلك أن كلمة star الانكليزية التي تعني نجمة، هي من نفس الأصل البابلي، وكذلك المصطلح العلمي المستعمل للدلالة على علم الفلك، الأسطرولوجي Astrology.