أسطورة الماء في الأديان ، فكرا وطقسا / الترميذا علاء النشمي

                                                                                                         

 

أسطورة الماء في الأديان

، فكرا وطقسا الترميذا علاء النشمي أن الإنسان هو ذلك العالم الصغير، الكبير بمفارقاته وتلاوينه وقوته وضعفه وتأثيره وتاثره بمن حوله وبالطبيعة ككل. وهو وحدة لا تقبل الفصل من هذا الكون الفسيح، يؤثر فيه ويتأثر به. هنالك ترابط روحي لا بل حتى مادي ما بين الإنسان والطبيعة التي يعيش في كنفها. فهذا الاتصال والترابط او التعايش ما بين الإنسان والطبيعة بجميع مظاهرها وعناصرها المختلفة .. كان له تأثير كبير جدا، لا بل كان هو المجال الواسع الذي ترعرعت فيه بذرات الفكر الإنساني. ان هذا التلاقح او الاتصال الروحي ما بين الإنسان وطبيعته، أدى إلى خلق وتكوين أروع واعظم ألافكار الإنسانية التي انبنت شيئا فشيئا الى ان وصلت الى ما هي عليه الان. فعندما ياتي ذكر التعميد او طقوس الاغتسال، يجب ان يسبقه الحديث عن الماء ودوره التاريخي في روحية وأفكار الأقوام والشعوب. لان ما بين التعميد والماء ( واللذان يشكلان وحدة طقسية مهمة في ممارسات الأديان عموما ) علاقة رمزية صميمية حياتية لا تقبل الفصل، ولان الماء الوسيلة الوحيدة لاقامة طقوس الاغتسال الديني او ما يعرف (بالتعميد). فتأخذنا هذه الأسطورة السحرية (الماء) إلى أعماق سحيقة في التاريخ الإنساني، والتي عاصرته وهو يبني حضارته وفكره الديني منذ بدايات طفولته الفكرية إلى الآن. فالماء ملازما عقلا وفكرا وطقسا للإنسان. لا اعتقد بوجود أي امرئ في هذا العصر، وعلى هذا الكوكب الأرضي، ناضج عقليا، لا يعرف ما للماء من أهمية كبيرة في حياة الكائنات الحية. فحتى الإنسان في تاريخه المبكر (الإنسان القديم)، ومن جملة اكتشافاته الأولية، شعر وأدرك بغرائزه ما لهذا العنصر من أهمية له ولحياته الخاصة، فكانت عبادة الماء وتقديسه من الأفكار الدينية المنتشرة في كثير من مناطق وحضارات العالم القديم. فلذلك سوف لا اتطرق الى اهمية هذا العنصر ودوره من الناحية العلمية واكتفي بالاشارة الى الهم الاكبر للعلماء، وهو محاولة اكتشاف ولو اثر بسيط على وجود الماء في الكواكب الأخرى، لكان دليل قاطع على وجود نفس الحياة في تلك الكواكب. الماء ببساطة يعني الحياة، وان العثور على هذا العنصر الهام يعني العثور على كائنات فضائية أخرى غير الإنسان. فالماء يستعمله العلماء والمستكشفون كجهاز إنذار مبكر رفيع المستوى، يكشف عن وجود حياة من أي نوع كانت، وفي أي منطقة. اذن نستنتج من ذلك ببساطة ان الماء يساوي الحياة. أن هذا العنصر في الطبيعة قد شكل أهمية كبيرة لا يمكن الاستغناء عنه في حياة الكائنات الحية جميعا فبجانب هذه الأهمية والمكانة الكبيرة التي احتلها من الجانب العلمي، احتل أيضا أهمية كبيرة كما في العقلية الدينية والروحية لكثير من أديان ومعتقدات الإنسان قديما وحديثا لاتقل عن أهميته العلمية. وهذا يظهر جليا واضحا عندما نتتبع النصوص الدينية فقط، بغض النظر عن الممارسات الفعلية والطقوس المصاحبة لهذا العنصر (الماء). فلا تكاد تخلو عقيدة دينية إلا وكانت تقدس هذا العنصر، بطريقة معينة سواء فكرا أو طقسا. وهذا يرجع ما للماء من أهمية كونية، وماله من ارتباط وثيق بحياة الإنسان سواء أكان شعبا أم فردا. فياخذنا هذا العنصر موغلا في التاريخ الميثلوجي للحضارات القديمة، ومنها الحضارة الرافدينية القديمة. فنرى ان الآلهة انانا قد استعادت الحياة بتناولها طعام الحياة وماء الحياة، بعد ان اوشكت على الموت. ونجد التفريق واضحا بين المياه العذبة (الالهة ابسو) والمياه المالحة (الالهة تيامت). فالإلهة (تيامت) مصدر أساسي للموت والأمراض عند البابليين، وهي سبب جميع الشرور والأمراض في هذا العالم. ولذلك كان يحتفل بفشلها رمزيا في بداية كل سنة جديدة وفي عيد (الاكيتو) استبشارا بطرد الشرور والأمراض. أما الإله (ابسو) الذي يعتبر مصدر الشفاء والطب، لانه اله المياه العذبة، فهو أبو الإله (ايا) الذي هو رب الطب الأعلى. وقطرات الماء الساقطة من السماء إلى الأرض على شكل مطر، والذي يسبب إنماء وارواء الأرض - هذه العملية كان لها مغزى كبير وعميق في التفكير الإنساني. فهذه القطرات تمثل في الأساطير الدينية القديمة كالمني التي يطلقها الذكر (المتمثل في السماء الواهبة) لتخصيب الأنثى (المتمثلة في الأرض المستلمة). فهذه عملية حياتية في عمق فلسفة الأديان، ولها دور كبير جدا في فكر الإنسان وتأملاته. وعلى الأخص كون الماء عنصرا رمزيا للتنظيف والطهارة وغسل الذنوب عند البشر. والله سبحانه تعالى قد خلق الإنسان من ماء وتراب وكان يوحنا المعمدان وقومه يعيشون قرب المياه كي يعمدوا أطفالهم به والمنتمين الجدد، وهناك طوائف أخرى كثيرة تربط حياتها الاجتماعية والدينية بالمياه وتعيش على ضفاف الأنهر. فالماء ينظر اليه بالمنظار المقدس في جميع الأديان قاطبة القديمة منها والحديثة. فهو في مرتبة عالية في الممارسات والفكر الديني الإسلامي (وخلقنا من الماء كل شيء حي) القران الكريم، أي انه أساس لكل شيء حي، وهذا تقديس كبير للماء. ولا يخلو أي مسجد من مصدر للمياه النظيفة السائلة يستخدمه المسلمون للوضوء قبل الصلاة خمس مرات في اليوم . وفي الديانة المسيحية نجد في الماء عنصرا مهما في إقامتها لمراسيم التعميد ولا يستعاض عنه. كما أن السيد المسيح (ع) تعمد بالماء الجاري (نهر الأردن) على يد النبي يحيى يوحنا (ع) فكان لهذا التعميد أثره الخاص والمهم بلاهوت المسيح والكنيسة من بعده. فيدخل الماء في عملية التعميد الكنسي وصلوات القربان المقدس عند المسيحيين كرمز للتطهير من الذنوب. أما في الديانة اليهودية فالماء عندها مقدس تقديسا كبيرا وهذا يظهر جليا واضحا في مراسيمها الدينية، وفي فكرها أيضا (روح الله يرف على وجه المياه) التوراة\التكوين. ومن فرائض اليهودية أيضا استخدام الماء في طقوس التنظيف وتبرئة الذات من الذنوب وفي التعميد أحيانا. كما يعمد اليهود إلى غسل أياديهم قبل كل وجبة طعام وعن طريق تقليب الماء بين الكفين اليسرى وا ليمني بمثابة تبرك . وكانت للديانات ا لقديمة قدسية خاصة للمياه لهذا فقد اعتبر الإغريق القدماء أن بعض الأنهر والبحار مقدسة ومنحو المياه آلهة مسؤولة عن الخير والخصوبة والكوارث . ويرى الدكتور جواد علي بان القدماء كانوا يرون في أعماق الآبار والينابيع والأنهار العذبة قوى خفية مؤثرة تمنح مياه تلك المواضع قدسية خاصة. وفي الواقع أننا لا نزال نرى هذا التقديس باقيا حتى الان عند كثير من الشعوب. ان الماء الحي (ميا هيي) شعار وصفة ملازمة من الناحية الفكرية والطقسية للديانة المندائية. فللماء في الديانة المندائية قدسية عظيمة وواضحة وضوح الشمس. لكن ليس كل ماء هو مقدس في المندائية، وانما فقط الماء الجاري الحي الذي يطلق عليه (يردنا) فهناك الماء الراكد اوالميت الذي ترفضه الديانة المندائية، والذي يرمز الى الظلام والموت. أما الماء الجاري الحي (يردنا) فهو الماء الذي يحمل كل صفات الحياة. الماء الذي ينقي نفسه بنفسه. ف(يردنا) لها أهمية رمزية كبيرة في عملية الخلق وانبثاق الحياة والعوالم. فهي تعتبر من صفات الخالق المقدسة والعظيمة والتي انبثقت في اخر يوم من ايام الخلق العلوي الخمسة (البرونايا). وتذكر بعض النصوص الدينية المندائية بان اليردنا هو مخلوق كائن بذاته، له القابلية على الخلق أيضا (عبارة رمزية). فاليردنا او الماء الحي هو الذي كان سببا في إنعاش الحياة على الأرض. وكأنه بمثابة مادة الحياة (الدم) في الإنسان وجريانه بدورتيه الكبيرة والصغيرة المعروفتين، سبب في بقاء الإنسان على قيد الحياة. لان الأرض عند خلقها لم تكن روح الحياة متيسرة، فكانت مليئة بالماء الآسن الأسود الذي خرجت منه الأرواح الشريرة والشر. فبامتزاج (يردنا) السماوي في مياه الارض الغير حية ازدهرت الارض وانتشرت رائحة الحياة عليها. وليس كل ماء جار هو يردنا، وانما جزء منه يردنا سماوي والذي يغذى من قبل عوالم النور العليا السماوية (آلمي اد نهورا). فعملية امتزاج (يردنا) السماوية الجارية في عوالم النور والمحملة بالحياة والنور ب(يردنا) الارضي، تعطي للاخيرة صفة الحياة والقوة على البعث والإخصاب. فلذلك ان وجود يردنا السماوية في يردنا الارضية يثبت وجود العلاقة الحياتية بين عوالم النور (آلمي اد نهورا) وعوالم الظلام (آلمي اد هشوخا) والتي من ضمنها الارض (ارا اد تيبل). وهذا يعني ان روح الحياة متيسرة في هذا العالم. وحسب الفكر المندائي ان هذا الاتصال مهم جدا بين الماء الجاري الحي العلوي والماء الجاري الارضي. وان لم تصب المياه العلوية في المياه الارضية ستبقى الاخيرة سوداء غير حية كما كانت بعد الخلق. ف(يردنا) السماوية كانت مصدرا وسببا في ازدهار الحياة على الارض بعد الخلق واصبحت مهيئة لخلق الانسانين الاولين (ادم وهوا) عليها. الخلاصة اذن ان (يردنا) الارضية تغذى من قبل (يردنا) السماوية والتي تعطيها صفة الحياة والديمومة، وهي عبارة عن نور الله المتجسد في الماء. كما ان يردنا هي المادة او المصدر الذي تتزود منه الكائنات الاثيرية والارضية على حد سواء، القوة والحياة. وان الماء الحي (ميا هيي – يردنا) هو جوهر طقس (المصبتا – الصباغة) التعميد المندائي. و(يردنا) عموما يرمز الى صفة الاب وعنصر الحياة (السائل الحيوي للحياة والتكوين) في الفكر والممارسة الطقسية المندائية. ف(يردنا) هي نفسها التي سيولد بها الانسان المصطبغ (المتعمد) مرة اخرى تاركا خطاياه بعيدة. فالماء اذن مغذ ومنعش ومطهر دائما. واخيرا يجب ان نذكر بان كلمة (مصبتا) مشتقة من جذر الفعل الثلاثي المندائي (صبا) بسكون الصاد وفتح الباء – وتعني مندائيا التعميد او الصباغة بالذات. ومن هذه الكلمة جاءت تسمية المندائيين بالصابئة أي الصابغة او المتعمدين او السابحة. والأخيرة اقترحها عباس محمود العقاد، في كتابه (إبراهيم أبو الأنبياء)، جعل سببها كثرة الاغتسال في شعائرهم (أي الصابئة المندائيين) وملازمتهم شواطئ الأنهار من اجل ذلك. وان طقس الاغتسال بالمياه الجارية (التعميد) والذي يأخذ في رأيي أشكالا متعددة بين أقوام واديان وشعوب العالم، لكن يبقى جوهره واحدا وهدفه الرئيسي هو التطهير واكتساب منحة الحياة والاتصال بالقوى الحياتية، لما للماء مثلما أوضحنا، من أهمية بالغة في عقيدة الأديان. والكثير من هذه الأديان تعتقد بوجود القوى الخفية التي تحمي هذه المياه وتعطيها البركة اللاهية والقوة على الإنعاش والتواصل مع الحياة، والتي تظهر مميزات هذه القوة في المياه عندما يرون بان الماء باعث الحياة للأرض الميتة، ومعطية جرعة الحياة للإنسان والكائنات الحية. ولايخفى بان شعوبا واقواما عديدة قد مارست هذا النوع من الطقوس المصاحبة للمياه. اندثرت بعضها ولم يبق منها غير الذكر التاريخي، والقسم الآخر موجود حاليا يمارس لحد ألان وتمارسه كثير من الأديان والمذاهب بصور تختلف أو تتشابه فيما بينها. ويذكر لنا التاريخ أن هناك فرقا يهودية قديمة عديدة كانت تمارس مثل هذا النوع من الطقوس. فاليهود الذين سكنوا بلاد مابين النهرين (الشتات) لجاوا اليه حين بشروا بدينهم هناك، إذ كانوا يلزمون من ينضم إلى اليهودية بالتعميد ( كان المتهودون يعمدون او يغطسون بالماء في نهر قريب عادة علامة تطهير). وهذه الأخيرة موجودة في الدين الإسلامي حيث يلزم من يدخل الإسلام، الاغتسال وقراءة الشهادة، يقصد به أيضا التطهير والدخول للدين الجديد. فكانت الديانة اليهودية تفرض تطهيرات عديدة بالماء، وتفرض في العديد من حالات النجاسة، اغتسالات طقسية، تطهر وتواصل للعبادة. ونلاحظ في التوراة والتاريخ العبراني أسماء لمواقع مائية مقدسة جدا في عقيدتهم، وهذا نستطيع ان نجده في الكثير من الأديان. ولقد اكتشف في السنوات القليلة الماضية منطقة تقع شرق نهر الأردن، ولقد قمت بزيارتها شخصيا، وقد أكد بعض الباحثين بان البلدة المكتشفة ترجع للنبي يحيى يوحنا (ع) ولتلاميذه من بعده. وربما ترجع لطائفة الاسينيين، وخاصة انها قريبة من مركزهم الرئيسي في منطقة قمران. وعلى العموم ان البلدة المكتشفة تحتوي على العديد من الأحواض المختلفة الحجوم، وهي بالتأكيد لأغراض الاغتسال والتطهير الديني. وعلى الجانب الغربي من نهر الأردن، هنالك طائفة الاسينين التي اكتشفت لها أحواض خاصة في منطقة خربة قمران (شمال غرب البحر الميت) لاداء هذه المراسيم على الرغم من اندثار هذه الطائفة. فلقد كانت الحمامات المرتبة طقسيا مألوفة لدى هذه الطائفة، مثلما كانت عند جماعات دمشق وقمران. ان البحوث جارية للكشف عن هذه الطائفة التي تعتبر التعميد او الغطس بالمياه الجارية، الطريق الذي يوصلهم إلى الاتصال بالخالق. فمن تعاليم هذه الطائفة انغمار المرء كليا في الماء ثم يشرع في رش الماء على نفسه. ويقول جوزيفوس المؤرخ اليهودي الذي ادعى معرفته بالطائفة، في كتابه (حروب اليهود) المجلد الرابع صفحة 222، أن الطهارة لدى الاسينيين هي شكل من اشكال التعميد لأنها كانت تمارس قبل وجبة الطعام اليومية العمومية. او إذا تدنس أخ بتماسه مع أفراد فئة أدنى منه دينيا، او في حالة قبول مرشح عضوا في النظام الكهنوتي. فالتعميد اذن هو شكل من اشكال الاغتسال في الماء من اجل التطهر، والذي يتميز بالغطس في المياه الجارية، وتلاوة التراتيل الدينية، التي تدعو الى التقرب للذات العليا، واستلام منحة الحياة والتقديس من خلال عنصر الماء الذي يمثله بكونه عنصرا للتطهير اولا، وبكونه المادة الحية الأولى التي خلق منها كل شيء حي ثانيا. وبما ان الأساطير الدينية تتحدث عن خلق الإنسان الأول من التراب والماء، وكان الإنسان قد حاول في فكره الديني ان يحول أسطورة خلقه الأولى الى ممارسة طقسية يقوم بها بحياته وكلما احتاج الى أن يولد ويخلق من جديد، فهي اذن عملية تواصل مع الخلق الأول والتجديد في الحياة. وان عملية الغطس وقطع النفس عند انغمار المرء تحت الماء أثناء مراسيم الصباغة المندائية (مصبتا - التعميد) ليست الا دلالة قيمة وواضحة ترشدنا الى عملية الخلق الاولى للإنسان. فهي تعني الموت والاندحار ومن ثم الخروج من على سطح المياه، دلالة الخلق والولادة والازدهار. كذلك ان طقوس الاغتسال الديني التي كانت تجرى في بابل او مصر او ربما غيرها أيضا كانت تجرى في الأنهار الجارية، ومن المعلوم أيضا أن ارتداء الملابس البيضاء التي ترمز الى النظافة والطهارة عند التعميد والاستحمام الديني كان شائعا لدى العديد من الأقوام. من باب آخر يذكر التاريخ وعلى لسان الكثير من المؤرخين والباحثين، وكما ترويه لنا الشواهد الأثرية، بان هذا النوع من الطقوس امتد بعيدا في التاريخ. فحتى الديانات المصرية والسومرية والبابلية والكلدية والآشورية لها ممارسات على مثل هذه الطقوس والتي تقام بمصاحبة المياه الجارية النقية، والتي تمتلك صفة الحياة، فمثلا في مصر كان التلميذ المرشح للكهانة إذا نجح في الامتحان القاسي الذي يجري له، يخلع ملابسه ويستحم (يتطهر) في الماء ويطيبونه بالعطور ثم يرتدي زي رجال الدين، ويجب أن يقوم الكاهن بطقوس التطهير لنفسه وللمعبد، وذلك قبل الشروع في أداء شعائر العبادة. ويقوم الفرعون بمراسيم تبخير المعبود وتطهيره بسكب المياه المقدسة عليه، ثم يقدم القرابين لأبيه الذي يمنحه الحياة، وللعلم ان المصريين القدماء قد عرفوا الأحواض المقدسة المملوءة بالمياه الخاصة للتطهير. ويعتبر تناول الماء المقدس عند الحضر، من طقوس الاحتفال الديني المهمة جدا، ويكون حوض الماء المقدس دائري الشكل ويستعمل لأغراض التطهير. كما ويعتبر الوضوء عند المسلمين وغسل الجنابة شكلا من أشكال الاغتسال والتطهير في الماء أيضا. وان الغسل في الماء بقصد الطهارة والوضوء في الديانة الإسلامية، ويتحقق الغسل الارتماسي بغمس الجسد في الماء دفعة واحدة. وهناك ترى الصابئة المندائيين، الذين يحرصون على ان يكونوا في سكناهم قريبين من مصادر مياه جارية وحية، على ضفاف الأنهار، وخاصة دجلة والفرات في عراق اليوم. والمهاجرين منهم، في استراليا خاصة، يمارسون طقوس تعميدهم بكل حرية على ضفاف نهر نيبين في مدينة بنرث. وان هذا التعميد الذي يقوم به الصابئي المندائي والذي يسميه شعبيا (صباغة) وفي اللغة الرسمية الدينية (مصبتا)، له تأثيراته على أصول وتطبيقات طقوس ومراسيم الاغتسال عند بعض الأديان الأخرى مثل المسيحية. ومن الجدير بالذكر أيضا، اكتشاف الأحواض والبرك الجارية في كثير من الحضارات القديمة، والتي يؤكد بعض الباحثين على أن الناس كانوا يستحمون (يغطسون) من ضمن المراسيم الدينية (أي بمصاحبة القراءات الدينية). من هنا تبدأ اهمية المحافظة على المياه العذبة، وعدم تلويثها لانها من العناصر الجوهرية في المحافظة على البيئة وجعل الطبيعة مزدهرة دوما. فعملية تلويث المياه والعبث بها بما يؤدي الى نقصانها او زوالها، يدخل من ضمن المحرمات الدينية التي نصت عليها كثير من اديان العالم القديمة والحديثة، اضافة الى الاعراف الدولية في المجتمع المدني الجديد.

 

 الترميذا علاء النشمي