الصابئة المندائيون طائفة مسالمة موحدة / الدكتور توفيق التونجي

 
 
الصابئة المندائيون طائفة مسالمة موحدة
 
المندائين أبناء طائفة مسالمة موحدة يتمركزون اليوم في جنوب العراق، بطائح ميسان، وأماكن أخرى والعديد منهم (6 ) انشروا في أصقاع العالم في دول المهجر. لا يزال المندائيون طائفة غامضة منغلقة على نفسها ليس فقط لعدم وجود دراسات وبحوث كافية حولهم بل لكون العديد من اسرار هذه الطائفة مجهولة تماما للعامة من الناس او معروفة ولكن دون معرفة كنهها ومعانيها الحقيقية. من المهم عند دراسة هذه الطافة الالمام باليهودية والمسيحية والزدشتية والمانوية وبالعقائد والمعتقدات الدينية في العراق القديم وحوض البحر الميت وفلسفة الحضارة الاغريقية والهندوسية. ولكون العقيدة غير تبشيرية ومنغلقة بقى محافظا على اصولها الاولى ولم ينتشر كانتشار الديانات السماوية التبشيرية الاخرى.
المادة ككل تعريفية اكثر منها بحثية ونداء الى الأخذ ببادرة إنشاء مجمع ثقافي ديني بحثي للدراسات المندائية للحفاظ على الموروث الديني والثقافي لهذه الطائفة وأبنائها الأجلاء. ويدخل مادتي هذا ضمن تعريف القارئ أينما وجد بهذه الطائفة ومعتقداتها وإغناء للتراث الثقافي الديني لإنسان الشرق.
توطئة تاريخية :
الصابئة في العراق يرجع تاريخ تواجدهم الى اقوام العراق القديم ويمكن تتبع إنتاجهم الإبداعي والفكري والديني ومشاركتهم في جميع مرافق المجتمع العراقي خلال جميع الحقب التاريخية التي مرت على ارض الرافدين. وهم يعتمدون في عباداتهم على الماء الجاري لذا نرى أماكن استيطانهم كان دوما قرب المياه ان كان الرافدين او ضفاف نهر الكارون.
ارتبط تواجدهم التاريخي دوما بأماكن توفر المياه الجارية التي تستخدم في العبادة كذلك. كان لهم توجد في ايران وتركيا وفلسطين والحجاز والظاهر بأنهم اختفوا تماما من ايران وربما اثر التطهير العرقي الديني. ورغم ان العقيدة الدينية المندائية مغلقة وشبه منعزلة وغير تبشيرية في الوقت الحاضر الا اني لا اعتقد ان العقيدة كانت دوما مغلقة خاصة قبل نزول الرسالة المسيحية على سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام. لذا انتمي الى الرأي الذي يجد ترابطا بين الحرانييين، ان كانوا في حران فلسطين او تركيا حيث قدموا الى تلك الاقصاع حوالي 144 ميلادية قادمين من اورشليم، ومندائي العراق وايران ولو من باب العقيدة وليس الانتماء القومي. بينما ارى في عقائد الشرق مجموعة متكاملة تاثرت ببعضها البعض عبر التاريخ امتدادا من اليابان والى الصين والهند وصولا الى ايران والعراق وفلسطين والحجاز. حيث اعتقد بان كافة العقائد الشرقية تجد جذورها في الشرق وبين شعوب اواسط اسيا مرورا بالصين والهند وليس في القسم الغربي من العراق*. كذلك بالنسبة الى الانتماء القومي فاني اميل الى اعتبار الدين مفتوحا أمام الانتماء جميع القوميات خاصة ونحن بصدد ابناء منطقة جغرافية غنية بتكوين نسيجها السكاني ألتعددي اثنيا وعرقيا. أما لغويا فان المندائية تعتبر احد لهجات اللغة الارامية الشرقية وابجديتها اتت من الفينيقيية التي تعتبر الاب الروحي للابجدية الاتينية المستخدمة اليوم في معظم دول اوربا والعالم اجمع .
اسم الطائفة مشتق من الاغتسال او التعميد في الماء الجاري ومن اللغة الآرامية القديمة وهناك تفاسير اخرى كذلك. وإذ صح رواية التسمية الإسلامية ”الصابئه” التي أطلقها المسلمون على الحرانيين عند توغلهم شمالا في فتحهم للعراق ايام الخليفة العباسي مأمون (933 ميلادية) حين التقوا بجملة من الشعوب والعقائد الدينية المختلفة في حران، تقع في تركيا اليوم، حين التقوا برجال الدين هناك وعرفوا ان لهم كتابا مقدسا ” كنزا ربا” مستفسرين عن كنه عباداتهم مستخلصين بذلك استنتاجا مفاده إنهم من اهل الكتاب من الصابئة الوارد ذكرهم في القرآن الكريم. يتفق الباحثون على وجود علاقة بين الحرانيين والمندائيين ممن استوطنوا جنوب العراق في منطقة يكثر فيها الاهوار وهي مستنقعات مائية كبيرة تكثر فيها الثروة السمكية والحيوانية والقصب البردى. حسب اعتقادي ام تلك العلاقة عقائدية وليست قومية ناتجه عن تشابه في الطقوس والعقيدة وستوضح الصورة لنا اذا عرفنا بانهم اي حراني تركيا قد قدموا اصلا من فلسطين .
وورد اسم الصابئة صريحا وفي عدة آيات في القرآن الكريم باعتبارهم من أهل الكتاب الموحدين وقد نرى ان الفكر التوحيدي انتشر صوب الشمال وصولا الى اليونان وقادما من الشرق في الأساس وليس العكس. وقد ادى فكرهم التوحيدي الذي يعتبر احد اسس واركان العقيدة الى تسهيل مهمة اندماجهم وقبولهم في المجتمعات الإسلامية الجديدة مع احتفاضهم بدينهم ودفع الجزية. حيث مبدأ التوحيد يمثل العماد الأساسي للعقيدة الإسلامية. يعتبر الدين الإسلامي السمح كل الموحدين من أهل الذمة يتركون كي يؤدون طقوس عبادتهم في معابدهم “المندي” بسلام. ان تأثير الفكر المندائي واضح في بقايا العديد من العقائد السائدة في المنطقة ولحد يومنا هذا خاصة ما يخص الصراع بين قوى الخير والشر والنور والظلام هذه الثنائية معروفة عند الديانة المجوسية والعقائد الشرقية من الصين الى الهند.
يمكن ملاحظته هذه الثنائية كذلك في العديد من العقائد المنتشرة في المنطقة وبصورة خاصة عند الكاكئيين وهم طائفة مسالمة ينتشرون في ايران واجزاء من كوردستان العراق يؤمنون بتناسخ الارواح وخلود الروح الابدي. نرى تشابه اخر في طائفة عقائدية اخرى يسكنون في اعلي كوردستان هم الطائفة الايزيدية ،عباد الله، فهناك تقارب كبير في معتقدات المندائيين وهذه الطائفة ولو ان الاخير ادخلت اليها الكثير من المعتقدات والعبادات الاسلامية كي تتمكن ان تبقى على الحياة وتحافظ على وجودها. هذا ويمكن ملاحظة هذا التشابه في عقائد كثيرة اخرى كالبكداشية والمولوية مثلا .وقد دخلت الأقوام العراقية الأخرى في الدين الجديد،اي الاسلام، تاركين عبادة الأصنام (الأوثان) وهاجرين معبد النار المقدس ممن كانوا من أتباع الديانة المجوسية التي كانت تنتشر شرقا وتجد في طيسفون عاصمة الساسانيين وكسرى مركز أساسيا لهم عند فتح العراق في معركة القادسية635 م وتقدم جحافل الجيش الإسلامي شمالا الى كوردستان وصولا الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط. يجب عدم نسيان ان الشخصية الاساسية في الاديان السماوية تتمحور عند ابو الانبياء ابراهيم عليه الصلاة والسلام الذي ياخذ حيزا مقدسا كبيرا عن المندائيين كذلك.
ان موجه الهجرات البشرية كانت دوما قادمة من صوب الشرق باتجاه الغرب ومصدر الهجرات كانت على العموم من اواسط اسيا حيث الثقل السكاني الكبير ولحد يومن هذا. هذا ما يفرض وجود تشابه قوي بين رموز الحضارات الصينية والهندية القديمة والديانات والعقائد المتواجدة هناك لحد يومنا هذا نهيك عن اصول السومريين القادمين من تلك البقاع. تلك المتقدات والطقوس وحتى تماثيل الالهة واسلوب الحياة مشابهة و تتكرر في معظم عقائد الشرق ما عدا الحضارة المصرية التي تتطورت باستقلالية تامة في بعض المراحل التاريخية ثم تاثرت بالحضارة الاغريقية واثرت بالحضارة الرومانية بشكل كبير. هناك العديد من الباحثين يعتقدون بهجرة المندائين من الغرب الى الشرق اي من فلسطين الى حران تركيا ومن ثم هبوطا الى اهوار ميسان. وهذا مؤكد تاريخيا اي الهجرة ولكن لا يدل على ان العقيدة نفسها انتقلت من فلسطين.
ان رحلة المندائيين سفرة طويلة عبر الزمن ملئها العذابات تمكنوا خلالها الحفاظ على وجودهم الإنساني في منطقة طالما كانت مسرحا للحروب والغزوات وقد احتل العراق عدة مرات وساد فيها ثقافات جديدة ، مختلطا بثقافات شعوب العراق القديم البابلية والسومرية والاشورية والكلدانية، فلو نظرنا مثلا الى الفترة الإغريقية بعد وفاة الكسندر المقدوني الذي تتلمذ على يد ارسطو وكان من الموحدين والذي يعتقد بانه توفى في بابل, نراه استمر أكثر من ثلاثمائة عام في مناطق مختلفة من الشرق وفترات متباينة وساد الثقافة الهلينستية الإغريقية الحياة العامة للناس لبعض الوقت قبل نزول سيدنا المسيح وبعده . كان العمران في العراق في تلك الفترة تأخذ تدريجيا عمارة اليونان، مدينة حضر، ولكن السلوقيين لم يسعوا الى فرض معتقداتهم الدينية على اهل البلاد لا بل يعتقد انهم ابدوا الكثير من المرونة لعبادات الناس واعتقاداتهم وأديرتهم ومعابدهم المختلفة. رغم اننا نجد العديد من أفكار النصوص المقدسة العلنية منها والسرية الكهنوتية عند الصابئة مشابهة لتلك التي وصلتنا من الإغريق خاصة أسطورة الخلق في حين نرى تشابه واضح لخلق الإنسان الأول “ادم” مع النصوص التوراتيه. المتفق في جميع الدراسات والبحوث هو حول المبادئ الأساسية للمندائين هو اعتمادهم على الفلك والتنجيم. الديانة تؤخذ من الأم كما هي عليها اليهودية وهذا أيضا تشابه اخر بين الديانتين المغلقتين. ان كتابات العلماء المسيحيين والمسلمين حول هذه الطائفة يعتبر اليوم أساسا للدراسات والبحوث حولهم وهناك بعض البحوث لعلماء أوربيين.
ان من المعروف بان جميع تلك الكتابات لم تنصف المندائيين عقيدة وقوما وكانت تلك المعالجات تتم دوما بمنهجية متأثرة بالنزعات الدينية وسلبية وغير موضوعية تعتمد الروايات الشفاهية احيانا اخرى. لذا اعتقد جازما ان المندائييين ليسو بيهود او بمسيحيين بل هم اقدم تاريخيا كعقيدة في المنطقة استمدت اصولها من عقائد شعوب العراق القديم وتاثرت وتتطورت لاحقا مع التغيرات في الفكر الديني خاصة اليهودي والمسيحي او حتى بالعكس. وهم موحدين كباقي الديانات السماوية وهناك تشابه في طقوسهم مع تلك الاديان واختلاف كذلك. فهم يحبذون الزواج المبكر ويحرمون الختان ويتوضئون قبل الصلاة حيث يقرأ ون الأدعية خلال الوضوء في الماء الجاري ويحمدون الله عز وجل. نرى كذلك اهمية الماء في تطهير الجسد عند الاديان وهناك تشابه بين الدين الاسلامي الذي يدعى الى طهارة الجسد ورفع الجنابة والاستغفار الى البارئ عز وجل بالاستحمام وذكر النية برفع الجنابة وما يمارسة المندائي كذلك في طلب السماح من الرب اثناء التعميد.
الغنوصية :
 لا يمكننا الحديث عن المندائيين دون التطرق الى الغنوصية، “النفس و الروح والجسد” حيث يعتبرطريق الخلاص وارشاد الانسان الطاهر الى الحقيقة اي معرفة الخالق، ودورها في تطوير المسيحية لاحقا. الغنوصية وهي من اليونانية “غنوصيص” اي المعرفة الالهية وهي بحد ذاتها عقيدة مزج وتفاعل بين ثقافة وعقائد اقوام الشرق و الثقافة الإغريقية ونظرتها الى الطبيعة وما وراء الطبيعة وكحركة فكرية ودينية. لقد انتشرت الغنوصية في الشرق في القرن الثالث قبل الميلاد واستمرت حتى بعد المسيحية في محاولة لتؤمة الفكر المسيحي التوحيدي مهع تلك الافكار أي كحركة توفيقية بين تلك المعتقدات الدينية المختلفة. لقد حورب هذه النزعة الفكرية والدينية الفلسفية عن طريق الديانية المسيحية وسميت ب “الهرطقة” ولكنها في نفس الوقت أثرت ايجابيا على تطور الديانة المسيحية نفسها. نرى ارتباطا فكريا وفلسفيا مباشرا بين البحث عن الحقيقة عند المندائين وما ذهب اليه جميع طرق الصوفيه في البحث عن الحقيقة كما هي في اشعار مولانا جلال الدين الرومي وغيرهم من شعراء الصوفية في البحث وبقلب طاهر وكشف الحقيقة الإلهية المقدسة.
ان اعتبار الغنوصية السيد المسيح مجرد بشر وتقديسهم ل مريم البتول التي تم اختيارها من قبل الله. هذا هو احد اهم الاختلافات الاساسية بين الفكر المسيحي الذي يعتمد الأناجيل الأربعة المعروفة وتلك التي تعتمد الأدب الديني الغنوصي وخاصة اثار التي تعتمد على نصوص مخطوطات “نجع حمادي” والتي اكتشفت عام 1945 في قنا بمصر وهذا الجدال لا يزال باقيا حتى يومنا هذا. ذلك الجدال الذي يربط بين ابناء عقائد اجتمعت على فلسفة فكرية واحدة ان كان المنانويون في ايران او المندائيين او طوائف نجع حمادي. تعتبر الغنوصية العالم المادي غير طاهر، وعليه فيجب تحرير الروح من الجسد المنغمس في المادة.
يعتبر الفكر المندائي غنوصيا من باب التزاوج بين الفكر الشرقي والإغريقي وترجيح الفكر والعقل في تفسير الظواهر الطبيعية والكونية والعلاقة بين الإنسان وربه. واذا عرفنا بان اسكندر المقدوني كان احد طلبة أرسطو الفيلسوف اليوناني الموحد وتاثر بالفكر العقلاني نرى اثر كيف أثرت تلك الافكار على القواد الثلاث الذين تقاسموا الإمبراطورية اليونانية بعد وفاة قائدهم اسكندر المقدوني في بابل وحسب الروايات حيث كان انذاك شابا وقد بلغ الثلاثون ونيف من السنيين.
هناك الكثير من الباحثون الذين يعتقدون العكس كذلك أي ان الحضارة الإغريقية نفسها وليدة تزاوج بين الفكر البابلي الأسطوري والأوربي الغربي.
ان المحصلة النهائية لتلاقي تلك الحضارات هي مجموعة كبيرة من المذاهب الدينية التي كان الفلك والرياضيات والتنجيم وحتى السحر من مقوماتها الأساسية. هنا نرى بان المندائيين أيضا يلتقون في العديد من تعاليمهم الدينية مع طرق العبادة عند البابليين والمصريين القدماء وخاصة فيما يخص استخدام الماء في عملية تنزيه الروح والجسد كعملية مقدسة. لذا ليس من المستبعد ان يكون ابناء تلك الحضارات قد قلدوا بعظم البعض الاخر من ناحية ومن ناحية اخرى لا يمكننا اليوم التوصل الى تاريخ مناسب بدا به بهذا التقليد أي التعميد وفي أي مكان فالمعروف ان أبناء الديانة الهندوسية يتعمدون في ماء النهر المقدس لحد يومنا. كما ان هناك العديد من النظريات حول الأصول الحقيقية لشعوب العراق القديم وخاصة السومريين وارتباطهم بأقوام أواسط آسيا . ان التشابه في طقوس والعبادات بين المعتقدات المختلفة هو نتيجة حتمية للتراكمية في التراث الديني الإنساني في الشرق وارتباطها الوثيق بالهجرة السكانية المفتوحة من الشرق الى الغرب من ناحية ومن ناحية اخرى هي نتيجة مباشرة لسواد مبدا التسامح والحوار الحضاري بين ابناء تلك المعتقدات التي ساعدت على قبول الاخر المختلف للاستيطان بينهم مما ادى وصولهم وبقائهم في الحياة الى يومنا هذا.
لا نزال نحن أبناء العراق نسكب الماء خلف من يتركنا للسفر كي يعود سالما وينظف طريقه ذهابا وايابا. لعل هذا التقليد أي التعميد بالماء يربط العديد من عقائد الشرق والشخصية الاكثر شهرة في هذا الباب هو يوحنا المعمدان”سيدنا النبي يحيى” والذي تختلف حوله الروايات التاريخية ولكن المتفق بانه عاش في نفس فترة ظهور سيدنا المسيح وشارك في الحياة الدينية بشكل واضح وقام بتعميد كافة الناس دون النظر الى الانتماء الديني كأساس للتعميد. وهناك العديد من الآراء المتعارضة حول دور نبينا يحيى عليه الصلاة والسلام وتاثيره على مجمل الحركة الدينية في فلسطين خاصة تلك الآراء التي تؤكد دوره في الصراع مع المحتل الروماني والظلم الذي كان سائدا انذاك.
يعتبر السعي وراء الفكر والعلم من أهم مقومات تكوين الشخصية المندائية فللعقل ورجاحته مكانة سامية في فكرهم. لا يتوفر لدينا إحصائيات كافية وموثوق حول الحالة التعليمية لهم ولكني واثق بان القلقة القليلة منهم أميين وحبهم للعلم والمعرفة نابع كذلك من العقيدة الدينية خاصة مبدأ التسامح و التعايش السلمي وان التراث الاسلامي والموروث الشرقي الفكري يدلنا على العديد من الشخصيات الفلكية والمنجمون من اهل هذه الطائفة وقد كانوا قد شغلوا التجارة كذلك في العراق القديم ونبغوا في امور الحساب والرياضيات اذ كان رجال الدين في الأساس من الفلكيين العلماء اللذين درسوا الأجرام السماوية وتأثير الخارطة الكونية للنجوم وأماكن تواجدها على الأرض متمثلة في الكوارث الطبيعية والبيئية والربط بين حركة النجوم والكواكب ومنازلها مع تلك الحوادث الدنيوية. هناك العديد من الرموز البابلية في ادبهم الموروث يدل على وجود تاثيرات انعكاسية واخذ ورد بين افكار المندائيين والعلوم البابلية السائدة انذاك. حيث نرى تاثير الفكر البابلي الأسطوري في تراثهم الأدبي – الديني. كذلك يمكن ملاحظة تاثير الحضارة الفرعونية خاصة في استخدام التقويم الشمسي البسيط اي ثلاثون يوما لكل شهر وبفارق خمسة ايام عن التقويم الميلادي.
علينا عدم الخلط بين المعرفة العلمية والعبادة ناهيك عن وجود قوى كونية تتحكم بالقدر وبسلوك البشر كذلك. كل ذلك يدعونا باعادة ندائنا في الحفاظ على هذا الموروث التراثي الانساني وحماية رموز وتراث هذه الطائفة المسالمة الداعية الى التسامح والحوار الحضاري بين البشر ليس فقط كإنتاج أبداعي لفكر الإنسان العراقي لا بل كإنتاج عقائدي وفكري ملك الإنسانية اجمع.
إشارات ومصادر:
1- اصول الصابئة ( المندائيين), عزيز سباهي, دار المدى, 1996.
2- تاريخ الصابئة المندائيين، محمد عمر حماده، سوريا،1998.
3- يتطرق أستاذنا الكبير علي الشوك في تناوله للأسطورة الدينية في تنويعاته حول كتاب ” الاساطير العبرية” للكاتب روبرت غريفز. يمكن من خلال الكتاب الالمام بموضوع العقيدة من جوانب متعددة وعلاقتها بتاريخ الاديان و كنتيجة لثقافة استاذنا الموسوعي والتعددي الذي يجوده علينا في تعليقاته. انظر: الأساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة, 1987 , لندن , دار الام.
 للمزيد عن المندائية يرجى مراجعة المادة المنشورة للكاتب تحت .
 يذكر الاستاذ محمد عبد الحميد الحمد ان “ابراهيم الخليل عليه السلام عنما توجه من حران الى “ فدان آرام ”، سمي بالارامي نسبة الى تل فدان آرام تقع غرب حران بحولي 10 كم، وسمي حفيده يعقوب بن اسحق بالارامي التائه، عنما هاجر من ارض كنعان الى فدان آرام. “ الصبى ” من الارامية وتعني الاغتسال او العماد وتاتي عملية المسح عند اليهود و المسيحيين في عملية التعميد الذي اشتق منه اسم “المسيح”. كما كانت اللهة آنا من كبار الاله عند السومرين والاكديين وهي رب المياه والحكمة.
(يرجى مراجعة أسطورة تموز الراعي وهيام عشتار له ورحلته الى العالم السفلي وسواد الظلام والدجى ارض السواد ) .
 يقول الترميذا علاء النشمي في مقالة له تحت عنوان ” صابئة حران والمندائيون اليوم”: وفي الحقيقة توجد اكثر من مدينة سميت حران، فحران في تركيا وحران في سوريا وحوران في العراق . ويردف مستوضحا موضوع الصابئة في فلسطين قائلا: كان الصابئة يقطنون تلك المدينة المسماة بحران، وعندما هاجر الصابئة المندائيون الفلسطينيون في القرن الأول الميلادي بعد دمار أورشليم حوالي سنة 70 للميلاد على يد القائد الروماني تيطوس، صعدوا الى هذه المدينة ، لان لهم اخوة في الدين . فبقي منهم في حران ، والبقية الباقية اثرت النزول الى وادي الرافدين عن طريق النهرين، وخاصة عن طريق نهر الفرات حسب اعتقادي، ومروا ايضا ب(بصرى – حوران) عاصمة الأنباط ، للالتقاء والاستقرار أخيرا مع أخوتهم أيضا الصابئة الموجودين في البطائح .. وكانت هذه الهجرة تحت رعاية الملك اردوان (يعتقد بأنه الملك البارثي ارطبانوس) ، هذا ما ذكره الكتاب المندائي التاريخي (حران كويثا).
 لقد قام الأب انستاس الكرملي بنسخ احد اهم الكتب المندائية " سيدرا اد نشماثه " عام 1896.
 يقوم الأستاذ عزيز سباهي بتقسيم تلك النصوص الى ست مجاميع . راجع كتاب “ أصول الصابئة ”. ويتسائل قائلا: اما اللغة التي دونت بها كتبهم الدينية , والتي كانت يوما ما لغتهم في التخاطب أيضا , فهي لهجة خاصة من اللهجات الآرامية الشرقية. ونتيجة لطغيان الثقافة العربية الإسلامية والحكم العربي الإسلامي الطويل , والتضييق والاضطهاد الذي يحاصرهم عبر الأجيال , انمحت لغتهم الأم تدريجيا في التخاطب وانزوت في الدوائر اللاهوتية او حتى في الكتب الدينية فقط. فهل كان أصلهم من الآراميين ثم غلب عليهم الانتماء العربي ؟
 راجع مقال الأستاذ الكبير عزيز سباهي : الى أي قوم ينتمي الصابئة المندائيون؟
المانوية من الديانات الغنوصية التي تؤمن بالثنائية ك نور وظلام وخير وشر وتدعو كذلك الى الزهد والتصوف طوره ماني بن فاتك البابلي المولود سنة 216 ميلادية في العراق بالقرب من المدائن طيسفون عاصمة الساسنيين وقد ادعى بانه جاء لبابل ليتمم عمل زرادشت وبوذا والمسيح انتشرت الديانة المانوية في العراق القديم وفلسطين وحورب بشدة من قبل المجوس والمسيحيين الذين اتهموهم ب الهرطقة فتحولت الديانة الى السرية وانتهوا بعد اتهامهم ب الزندقة مع مجئ الاسلام وتم القضاء عليهم. كانت الكوفة احد الحواضر المانوية الشهيرة بالاضافة الى بابل مركز الديانة المقدسة. تعتمد عقيدته على فكرة الثنائية والتناسخ المعروفة عند الهندوس والزردشتيين ولا ريب ان دعوته التي بدائها في الهند وانتهى به بالموت اذ قتل بوحشيه على يد بهرام بن هرمز بن سابور الملك المجوسي عام 279 ميلادية في اهواز لكون دعوته تصوفية انعزالية عالمية لجميع البشر لم يكن ليروق لملك يدعوا الى العنف والشدة والقتل والخروج في حروب طويلة.
شخصية يوحنا المعمدان ورد في القران والإنجيل وفي الإسلام يعرف باسم يحيى ومولده في القصة القرآنية أسطوري ومعجزة سماوية حين يقوم النبي زكريا بالدعاء الى ربه كي يعطيه ذرية من زوجته العجوز وكانا كلاهما طاعنين في السن حيث يرزقه الله سبحانه وتعالى ويبشره بغلام صالح اسمه يحيي وقد وردت قصة النبي يحيى بأشكال مختلفة ولكن بنفس المضمون في الإنجيل وفي كتاب “دراشه أديه يا” احد كتب الصابئة ترتبط عملية الحمل الولادة مع شرب الماء المقدسة. يعتقد بان الربط بين المندائيين والنبي يحي بن زكريا انما هو مجرد ربط بين طقوس التعميد من ناحية ومن ناحية اخرى طلب القبول عند المسلمين لما له النبي يحيى من مكانة مقدسة عند المسلمين.
- مخطوطات البحر الميت, محمود العابدي, عمان, جمعية عمال المطابع التعاونية, 1968. وكذلك: انظر: محمود العابدي، قدسنا، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. معهد البحوث والدراسات العربية – قسم البحوث والدراسات الفلسطينية 1972. وقد اكتشف بدويان وهما محمد الذويب ومحمد حماد تلك المخطوطات في إحدى الكهوف المطلة على البحر الميت في أواخر الأربعينيات. أودعت بعد ذلك تلك المخطوطات والعديد من مكتشفات الاثريه في المنطقة في المتحف الفلسطيني وبعد حرب حزيران عام 1967 انتهت الى السيطرة الإسرائيلية ونقلت بعد ذلك الى متحف الكاتب الإسرائيلي بالقدس الغربية. وقد دار جدل طويل حول نصوص تلك المخطوطات وتدخل الفاتيكان بإرسال لجان للتقصي والترجمة تلك النصوص علها لا تعارض نصوص الأناجيل المعمول بها حاليا ومن المعتقد ان تلك النصوص لم تؤشر الى حادثة ولادة و ظهور سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام .
المصادر :
1 - عن الايزيدية راجع ما كتبه الكاتب في موقع بحزاني” الايزيدية عباد الله
2 - حول الغنوصية راجع موقع اتحاد المندائيين في المهجر “المندائيون والموروث الغنوصي” بتصرف عن د. كورت اولوف.
3 - وللمزيد راجع: صابئة حران واخوان الصفا، محمد عبد الحميد الحمد،سوريا، 1998.
4 - مخطوطات نجع حمادي التي اكتشفت في مصر عام 1945 من المصادر الأساسية للمعلومات حول الغنوصية والتي ترجع كتابتها الى القرن الخامس الميلادي
الدكتور توفيق آلتونجي
السويد
20070801