الشبـاب الصابئـي المندائـي ... وتحديـات الغربـة ..!؟ بقلم : نــزار يـاســر

                                                                                                                                    

الشبـاب الصابئـي المندائـي ... وتحديـات الغربـة ..!؟
بقلم : نــزار يـاســر الحيــدر
قد لا يختلف اثنان أن ما يمر به الشباب المندائي حاليا منعطفاً خطيراَ يهدد كيانه ومستقبله ويضعه أمام امتحان صعب عليه أن يثبت بأنه جدير بأن يخوضه ويجتازه بتفوق لان بقاء الديانة الصابئية المندائية رهن بنجاح الشباب المندائي ذكورا وإناثا بتجاوز هذه التحديات بعد أن شتت هذه الظروف عقول ومستقبل هؤلاء الشباب بين وطنهم العراق وبين دول الانتظار ودول الاغتراب بين أكثر من خمسة عشر دولة بعد أن كانت هذه الشريحة هي الركيزة الأساسية للمندائيين التي تتصدى لخطر انقراض هذه الطائفة العريقة . أولا : التحديــات الدينيــة تعرضت شريحة الشباب المندائي وبسبب تعقيدات الثقافات التي تحيط به إلى تحديات كبيرة تضغط عليه وعلى معتقداته الدينية التي ورثها من آبائه و أجداده بشكل منغلق ومحدود لا يخلوا من الخوف والقلق والشعور بالحرج أمام الغرباء بسبب ضعف الثقافة الدينية التي يتسلح بها المندائيون أصلا وكان لضعف قدرة هذه الشريحة على التحدي أسباب منها : 1- التقصير الواضح لبعض العوائل المندائية بإهمال تعليم أولادهم تعاليم وطقوس ومفاهيم الدين المندائي لجهل رب الأسرة بها أو لعدم المبالاة أو لتبني رب الأسرة لمفاهيم علمانية قد يعتقد إنها تتقاطع مع الدين . 2- ضعف المؤسسة الدينية المندائية وعدم إمكانها استيعاب ما يحمله الشباب من أفكار جديدة وتقدمية وهذا ما يتقاطع مع أساليب نشر المعرفة الدينية من قبل هذه المؤسسة التي اعتادت إلى حشر المعرفة الدينية في عقول هذه الشريحة حشرا وهي تدرك إن عقول هذه الأجيال الجديدة قد نهلت من العلم والمعرفة حتى تنورت عقولها وبصيرتها إلى أن جعلتها صعبة قبول الأمور على هناتها . 3- عدم مواكبة الطقوس والتعاليم الدينية للشباب خاصة من يعيش منهم بالغربة بعد أن احتك وانصهر لاحقا معظم هؤلاء بالمجتمعات الجديدة واطلاعهم على نمط جديد من الحياة ومفاهيمها مما يتوجب إعادة النظر وسريعا بتحديث هذه الطقوس وتيسيرها مع الإبقاء على جوهر ومفاهيم الدين والطقوس كي نظمن قبولها من هذه الشريحة . 4- عدم وجود إستراتيجية بعيدة المدى وهدف مركزي واضح الملامح وجوهري للحفاظ على الدين والارتقاء برجال الدين وتطوير قدراتهم من خلال انخراطهم بمعاهد العلم في العالم وبمختلف الاختصاصات لحين تهيئة معهد متخصص لتطوير قدراتهم في الدين المندائي يديره ويشرف عليه من نال شهادات علمية أكاديمية بمختلف العلوم الإنسانية التي هي جوهر الدين والمعرفة المندائية . ثانياً : التحديــات الاجتماعيــة لقد كان لارتباك وضع العائلة المندائية الاجتماعي التأثير الكبير على شريحة الشباب خاصة وهي تعاني من عدم الاستقرار بسبب الظروف المحيطة بها في العراق ودول الانتظار والمهجر فلقد كان للأوضاع الأمنية الحرجة للعراق والتفكير بالهجرة قد ألغت الاستقرار من عقول هذه الشريحة وأجلت مشاريعهم المستقبلية إلى حين ثم انتقالهم إلى دول الانتظار وبقائهم لسنوات يجهلون مصائرهم ويعانون من أوضاع معيشية صعبة هم وعوائلهم كان لها الأثر الاجتماعي والنفسي عليهم حولتهم من شريحة منتجة تخطط لمستقبل واعد إلى شريحة مهملة مستهلكة افلت تطلعاتها وتحولت إلى حلم صعب التحقيق حتى يتم إعادة توطينهم بين أصقاع العالم وبين أكثر من خمسة عشر دولة ليبدأ من جديد في التأقلم وتعلم اللغة والعادات والتقاليد وللمحظوظ منهم الانخراط في المدارس والمعاهد والكليات لإكمال تحصيلهم الدراسي وما يستغرقه من وقت لكل ذلك حتى يبدأ بالتفكير بتكوين أسرته وبيته الجديد كي يملئه بزوجة وأولاد ليعيش كباقي البشر و ما تخلفه من آثار على حياته الاجتماعية وهي : 1- ما تعرضت له العائلة المندائية من تفتت لها ومايتركه عليها من اثر سلبي بعد أن تشرذم اغلب هذه العوائل على دول الاغتراب وما أنتجه هذا التشرذم من ضعف وانحسار فرص التعارف بين شريحة الشباب المندائي وقلل فرص تكوين عوائل مندائية أو حول هذه الزيجات إلى زيجات كلاسيكية تكون فرص نجاحها ضعيفة أو قصيرة العمر لينتج عنها ارتفاع بحالات الطلاق وانتشار ظاهرة المطلقات والعوانس. 2- التأثير الواضح على الوضع الاقتصادي لهذه الشريحة بسبب حالة عدم الاستقرار وعدم إمكانية الانخراط في أعمال تساعدهم بتكوين وتأسيس حياتهم المستقبلية وعدم الاستقرار والتفكير بتأسيس أسرة . 3- التغيير المفاجئ للعادات والتقاليد في دول الاغتراب على الشباب المندائي وتأثيرها على سلوكياتهم الاجتماعية بسبب اتساع هامش الحرية في هذه الدول وضعف التحصين للشباب من قبل عوائلهم وخاصة الفتيات وما يتركه من اثر على نفور الشبان من سلوكيات البعض كما إن هناك مخاطر أخرى تهدد هذه الشرائح مثل المخدرات وانفلات بعض الشباب بسبب قوانين السكن المنفرد لمن هم اكبر من سن الرشد وانقطاعهم من مراقبة عوائلهم مما يهددهم بالانجراف نحو المجهول وضياع مستقبلهم الشخصي وخسارة طائفتهم وديانتهم لهم . 4- لقد كان لقوانين دول الاغتراب الجديدة تأثيرا كبيرا على العائلة المندائية وخاصة شريحة الشباب وما تثقفت به هذه الشريحة من ثقافة ذكورية سيدت الرجل على المراة وهي طبيعية في مجتمعاتنا الشرقية . لكن هذه القوانين الجديدة لها جانب ايجابي وجانب سلبي فالايجابي منه هو إحقاق قيم العدل والمساواة بين الجنسين وهذا ما تؤكد عليه الديانة المندائية والجانب السلبي هو تنامي نزعة الانتقام لدى المرأة من الرجل بعد معانات البعض منهن في العراق ودول الوسط من أزواجهن خاصة بعد أن حصلت المرأة وأولادها على الضمان الاجتماعي المادي في المهجروالانتقام من أزواجهن بصورة (غير إنسانية) وغير متعارف عليها في الأوساط المندائية مما زاد في تفكك هذه العوائل وزيادة نسبة الطلاقات وما تؤثره على مستقبل هذه العوائل. ثالثاً : التحديــات الثقافيــة إن الوضع الجديد لشرائح الشباب أدخلهم بتحديات ثقافية عديدة بعيدة عن واقعهم الثقافي المربك أساسا والذي يبحث عن أجوبة كثيرة لأسئلة أكثر ومن هذه التحديات هي :
1- أن عملية الاندماج الثقافي لشرائح الشباب بين ثقافتين مختلفتين كليا في المهجرتتطلب وقت وتأهيل ليس بالقليل خاصة وان هذا الاندماج يتطلب أدوات لتحقيق هذا الاندماج مثل اللغة والثقافة والاستقرار الذهني والمادي وبعكسه سيعاني هؤلاء الشباب من ضياع ثقافي له تأثيره على مستقبل هذه الشريحة .
2- تعتبر اللغة هي العمود الفقري لعملية الاندماج بين ثقافتين مختلفتين في المهجروان إجادة تعلمها مهم جدا وهذا صعب خاصة بالنسبة لكبار السن لضعف قابليتهم الذهنية لتعلم لغة جديدة أما شريحة الشباب فتعلم اللغة الجديدة يتناسب سلبيا مع أعمارهم فكلما كان أعمار هذه الشريحة اصغر كلما كان تعلمهم للغة اكبر وأسرع وهنا تبرز مشكلة أخرى وهي إن تعلم صغار الشباب لغة جديدة قد يعرضهم لنسيان لغتهم الأصلية وانقطاعهم بالتفاهم مع ثقافتهم والانقطاع عن أهلهم وذويهم .
3- مشكلة انخراط شريحة الشباب في المناهج الدراسية والتعليم في مدارس الاغتراب والتواصل في هذه المدارس والتفوق المعهود للطلبة المندائيين في هذه المدارس يعتبر تحديا كبيرا لهم ولقد اثبت الشباب المندائي على تجاوز كل هذه العقبات وبدأنا نسمع نيل العديد من هؤلاء الشباب المتفوقين على شهادات عالية في مختلف العلوم متمنين إن تتسع دائرة التحصيل العلمي لأكبر عدد ممكن من الشباب المندائي .
4- هناك أيضا معضلة الاعتراف بالشهادات العلمية لحامليها من الخريجين الشباب المندائيين من أطباء ومهندسين وأكاديميين وعدم الاعتراف بهذه الشهادات في دول الاغتراب وهذا يعتبر أيضا تحديا آخر لهذه الشريحة التي يسعى حامليها لتعادل شهاداتهم بعد خوضهم امتحانات صعبة وعسيرة وتحملوا إنفاق مبالغ مالية طائلة للاشتراك بهذه الامتحانات ونجح القسم الأكبر منهم ونالوا ما أرادوا من تعادل لشهاداتهم وبذلك فهم أيضا كسروا هذا التحدي ونجحوا في وظائفهم التي عملوا بها ونالوا ثقة من هم حولهم . أخيرا إن شريحة الشباب المندائي قد أثبتت أنها قادرة على مواجهة هذه التحديات كما عهدناها في الوطن الأم العراق لكننا نأمل أن تتولى مؤسسات الطائفة رعايتها بما يكفل نجاحها في هذا التحدي .
دمشق 24 آب 2010