الروها ( الشيطان ) سيدة عالم الظلام / الجزء 6

                                                                  

 

 

                                                                       الجزء السادس                                   

                          بشميهون اد هيي ربي
( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام في ديانتنا المندائية وفي الديانات الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة 
  لقد تطرقنا في الجزء الأول الى ما جاء في كتاب دراشة اد يهيا ( مواعظ وتعاليم ) التحذير من السجود للشيطان والأوثان في الفصل الرابع والأربعين ما نصه : { احذروا لا تسجدوا للشيطان والأصنام والتماثيل في هذا العالم ، مذنب من يفعل ذلك ، ولا يصل الى دار الكمال } . وأما عالم الظلام ، عالم الشرور والآثام .. عوالم من دخان ونار ، ونقص وشنار , تعج عجيجاً بالأشرار ، وبالقتلة والفجار ‘ والسحرة والمشعوذين والكفار , أرواحهم زاهقة .. سفهاء , ومصاصو دماء , بوجوه مظلمة سوداء صـُـمٌّ بلهاء , ينهض بينهم المشعوذون , السرّاق والقتلة والمجرمون . هبوط سيدة الانوثة الى العالم السفلي.. لعل النص السومري، عن هبوط (عيناناـ عشتار) ( 1 ) الى العالم الاسفل ( عالم الظلام ) ، هو اول ملحمة خطتها يد الانسان في موضوع (الاله الفادي). ان النص المأساوي لهبوط آلهة الانوثة والخصب السومرية (عينانا) بالسومري و (عشتار) بالاكدي، الى العالم السفلي ، فيه الكثير من الالتباس والغموض فيما يخص مصير الإله ( (دموزي ـ تموز). منذ اكتشاف هذه النصوص وحتى عام 1964 ، جميع التفسيرات تعتقد بان سبب مخاطرة النزول الى العالم الأسفل هدفه إنقاذ الإله (تموز) من الموت. لكن عالم الأثريات الجليل صموئيل نوح كرايمر ( الذي يدين العراقيون له بالكثير لفضائله في اكتشاف كنوز مرتكزات آثارهم وأساطيرهم وطقوسهم الثقافية القديمة المخبئة تحت الار ض، وبالتأكيد سيتذكرونه بكرمهم المعروف في المستقبل)، اكتشف رُقيمات جديدة أعطت تفسيرا جديدا منطقيا لسجن الاله((تموز)) في العالم السفلي، وبالتالي اتضح تفسير ألاسطورة وفهم سبب نزول الهة الانوثة الى هذا العالم. حيث اكدت هذه الرُ قيمات التي كتبت في عام 1750 ق.م، على ان الالهة ( (عيناناـ عشتار)) كانت هي السبب في تسليم حبيبها الاله (تموز) الى شياطين العالم الاسفل. لكن سبب نزولها الى هناك قبل ذلك لم يُفسر بشكل مقنع. إلا إننا نفهم من هذه الرقيمات بان تحديها لقوانين عالم الظلام والموت، كان نتيجة لنزوة من الاعتداد والغرور وجشع السيطرة والتي هي من سمات سيدة البلاد الاولى . ان فكرة التضحية والفداء كانت شائعة في ديانات الشرق عموما والشرق الادنى بخاصة. فمن اجل ان يتم الخصب لابد من قربان وتضحية، ولابد ان تكون هذه التضحية عظيمة ومقدسة. لهذا فان نزول (عينانا) يعني غياب قوة الاخصاب الكونية عن الحياة. ثم انها لم تبقى الى الابد في عالم الظلام والموت ذلك، بل جاهدت من أجل الرجوع الى الحياة، حتى نجحت اخيرا بعد كفاح مرير. إذن (عينانا) ذاقت طعم الموت من أجل الانسان، ومن أجل خصب الطبيعة ! هكذا لابد من نزول إله الى عالم الاموات. ( 2 ) من المعلوم ان (عينانا ـ عشتار) كانت هي السبب الرئسي في تسليم الاله (دموزي) الى الشياطين، لغضبها الشديد منه. وفي هذا الجانب يؤكد صموئيل نوح كرايمر في كتابه القيم (طقوس الجنس المقدس عند السومرين)، ان الالهة (عينانا) اعتزمت النزول الى العالم الاسفل، الى عالم الاموات بسبب عدم قناعتها في ان تكون فقط ملكة " الاعلى العظيم "، وررغبتها في ان تستولى على" الاسفل العظيم " أيضا. لذلك فإنها تزينت بشارات سلطانها وامتيازاتها المقدسة وعزمت على النزول الى " بلاد اللاعودة"، وبما انها تعلم مسبقا بكونها ستخرق قوانين مثل هذا العالم، وان أختها (أرشكيجال) ملكة العالم الاسفل وعدوتها اللدودة سوف لن تغفر لها جرأتها هذه، لذلك فان (عينانا) احتاطت للأمر، وطلبت من وزيرتها ننشوبر – في حالة عدم عودتها بعد ثلاثة أيام – أن تذهب الى مجمع الالهة تستجدي عطفهم لانقاذ سيدة البلاد: (( اذا لم يقف إنليل الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أور،/ وفي أور عند دخولك البيت، الذي هو بيت الرهبة في البلاد ، بيت الاله نانا، إنتحبي امام نانا / أبت لاتدع معدنك الثمين يعلوه غبار العالم الاسفل/ وإذا لم يقف نانا الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أريدو / في اريدو عند دخولك بيت أنكي، / أبتي أنكي لاتدع لازوردك الثمين يتكسر كحجر،/ لاتدع العذراء غنانا تموت في العالم الاسفل / الاب أنكي رب الحكمة / الذي يعلم " طعام الحياة " ويعلم " ماء الحياة " / لابد ان يعيدني الى الحياة ثانية)). عشتار المهيمنة امامها تموز ومعه الوعول رمز الفحولة, ونرى خلف كل منهما نخلة باسقة مثمرة ونصوص الديانة المندائية من بين نصوص الأديان التي حفظت القيمة للنخل شجرا وثمرا. ويقترن إستخدام كلمة " سندركا " بالإشارة الى معنى الفحولة ورمزا لها. إذ يرتبط ورود الكلمة في النصوص مقرونا بكلمة " أينا " التي تعني العين والنبع، كما إنها إشارة الى الأنوثة. ويكون في تعبير " أينا وسندركا " ما يفيد معنى الأنوثة والذكورة، وتعبير عن المرأة والرجل وعندما تتأكد بان هنالك من يدافع عنها ويحميها من الموت، تبدأ رحلتها فتصل الى بلاط العالم الاسفل ( عالم الظلام ) ، وتصرخ جريئة بوجه (ناتي) بواب عالم الموت، أن يفتح لها الباب وعندما تعلم ملكة العالم الاسفل بمقدم (عينانا)، تقرر عقابها و موتها، ولكن لايمكن ان يحدث هذا مالم تنتزع منها شارات ألوهيتها. لذلك فانها تعّلم بوابها القيام بخدعة تتمثل بالسماح للآلهة (عينانا) بالدخول من الابواب السبعة لعالم الموتى. ومن الوصف المعبر للشاعر القديم نعرف بان (عينانا) تفقد شاراتها وسلطتها واحدة إثر أخرى بدون ان تكون قادرة على الاعتراض اوالرفض لان نواميس هذا العالم تحكم بذلك. ويستمر الشاعر السومري بتقديم هذا المشهد بلغة وصفية رمزية معبرة:(( لدى ولوجها البوابة الاولى، / الشوجرا، تاج لاسهوب، نزع عنها./ رحماك ما هذا ؟/ صمتا (عينانا)، نواميس العالم الاسفل، نواميس كاملة، (عينانا) إياك ان تزري بمراسيم العالم الاسفل./ لدى ولوجها البوابة الثانية./ صولجان القياس وسلك اللازورد نزع عنها / رحماك ما هذا ؟/ صمتا (عينانا)، نواميس العالم الاسفل نواميس كاملة)). ويستمر الشاعر السومري في تقديم هذا المشهد المكثف بلغة رمزية لها دلالاتها المعبرة، لغة شرطية لاتتحمل التفصيلات الفائضة. من خلالها نفهم أن (عينانا) تفقد جميع شاراتها الالوهية عند إجتيازها الأبواب السبعة، حتى تصبح عاجزة عن فعل أي شئ أمام ملكة " الاسفل العظيم " :(( إنحنت خفيضة، جئ بها عارية أمامها)). وبما انها الان عارية من شارات الخلود، لذا فان حكماء العالم الاسفل وحراسه على استعداد لتطبيق قوانين عالمهم على آلهة مثلها أيضا: (( أركيجال المقدسة اعتلت سدة العرش / الانوناكي القضاة السبعة، نطقوا الحكم أمامها،/ سلطت عينيها عيني الموت /نطقت الكلمة بحقها، كلمة الغضب /صدرت عنها الصيحة بوجهها، صيحة الادانة،/ ضربتها أحالتها جثة هامدة /الجثة علقت بمسمار)). وهذا يدلل رمزيا على ان الانسان ينتقل من الحياة الى عالم الموت مستسلما ذليلا تاركا وراءه خداعه ومكره وطموحه ووحشيته وحقده وحسده وتبجحه. وينتقل بنا الشاعر القديم الى عالم السماء والارض حيث يتابع تطور الحدث من خلال قلق (ننشوبر) بسبب عدم عودة سيدتها، فتبدأ بتنفيذ التعليمات في اقامة النواح وطرق ابواب آلهة السماء لإنقاذ (عينانا)، لكن إنليل وإله القمر نانا لايصغيان الى توسلاتها، إلا ان الاله "أنكي " يقرر مساعدتها بخلق مخلوقين يتناسبان مع العالم الاسفل، وعلمهما الحيلة لانقاذها من عالم الموت : (( واحد منكما يرش لها طعام الحياة، والآخر ماء الحياة، (عينانا) " سوف تقوم ")). وعندما ينجح هذا المخلوقان باختراق عالم الموتى بالحيلة وينفذان تعليمات الاله أنكي المحكمة التي لاتترك مجالا للخطأ بل تخضع للتتابع في التنفيذ بما يشبه السيناريو المعد مسبقا من قبل الشاعر حيث نرى حبكة الاحداث تتصاعد حسب خطة الاله أنكي. وعندما تعود (عينانا) الى الحياة لا تستطيع الخروج من عالم الموتى دون أن يقدم بديل مكانها ( من الذين نزلوا الى العالم الاسفل واتفق لهم ان يصعدوا سالمين ؟) لذلك فان شياطين ( الجلا) وهم حرس العالم الأسفل ، يقومون بمصاحبتها للعودة بالبديل. وأثناء رحلتها تلتقي بالكثير من الذين تعرفهم وأحبتهم والذين حزنوا على غيابها في محنتها هناك في (عالم اللا عودة)، لذا فانها ترفض تسليمهم كبديل. وعندما تصل مدينتها ( أوروك)، هناك تجد حبيبها وزوجها الاله ((دموزي) ـ (تموز)) مرتديا فاخر الثياب، جالسا على عرشه يتلهى بإقامته احتفالا كما يليق بإله، وغير آبه بفراق حبيبته والحزن عليها. وهذا ما أغضب (عينانا) لدرجة سلطت عليه عينيها، عينا الموت،/ نطقت الكلمة بحقه، كلمة الغضب،/ أطلقت صيحة في وجهه.صيحة الاثم.أما هذا فخذوه. وبدون ضجة اسلمته الى شياطين ( الجلا) كبديل لها. ومن خلال المقاطع التي اوردناها من اسطورة نزول (عينانا) – (عشتار) الى العالم الاسفل، يتضح لنا ميزات مثيولوجيا وادي الرافدين كون الالهة هي بشر غير متعالي عن الانسان بالرغم من عليائها بسكنها السماء .فنرى بان شخصية الالهة (عينانا) وطموحها في الاستيلاء على عالم الاموات اضافة الى عالم ما فوق الارض . عبد الرزاق شمخي الدنمارك المصادر : -
1 - د. فاضل سوداني ـ كوبنهاكن
2 - أمل بورتر / نيوكسل
1 - ان ((عينانا)) لدى السومريين والتي حملت اسم ((عشتار)) لدى الاكديين، هي الام العظمى ورمز الانوثة التى عبدت في كل البلاد، وفي البداية في جنوب العراق (منطقة الاهوار بالتحديد). انها كانت الرمز الانثوي للخليقة والمعبرة عن الخصب. كان اتحادها مع ((دموزي) ـ رمز الذكورة) يعنى عودة الحياة. من اوائل ما يصلنا عن شكل ((عينانا) ـ (عشتار)) كان عبر المزهرية الصخرية من جمدة نصر 3000ق م وفيها نجد ((عينانا)) واقفة وامامها رجل عاري يقدم لها سلة من النذور وخلف ((عينانا)) شعارها حزمتا القصب(الذي يكثر في اهوار العراق). وهذا رمز يصعب فهم مضمونه الا انه يعطينا الاحساس بالانوثة.((عينانا)) لا يختلف شكلها كثيرا عن حامل النذور الا انها ترتدي ملابس طويلة وشعرها طويل كذلك. نستطيع ان نفهم بان ((عينانا)) لم تكن تختلف عن الانسان الاعتيادي وقد منحت شكلا انسانيا بحتا، ولكن رموز الالوهية تحيطها وتبرز اهميتها وتجعلها مختلفة عن الكاهن او ربما المتعبد الذي يقدم لها سلة من الفاكهة . 2 - إذ أن هناك عدداً كبيراً جداً من تلك الكائنات الشريرة الظلامية و التي تتبوأ مكانة كبيرة في عالمها الظلامي و لها قدرة غير إعتيادية على فعل الشر و ذلك واضح من خلال أسماء العديد منها في تلك الأديان مثلما نرى في المندائية : أطرفان (يضرب بقوة , يؤذي) (10) , أماميت (معتم مظلم) (11) , كرفيون (الملتهم) (12) , نمروس (الماردة , الساحقة , الهارسة)(13), أور(قائد جيوش الظلام , المارد , التنين) (14) و غيرها من الكائنات الشريرة , إلا أن الشخصية الرئيسية التي تلفت الإنتباه من بين تلك الكائنات هي الروهة (روح الشر) (16) و التي هي أم الشيطان و الكواكب السبعة و العلامات الزودياكية (البروج الإثني عشر) (17) و أم كل الكائنات الشيطانية في مملكة الكون , إن هذه المكانة الكبيرة للروهة تتعاظم لدينا إذاما علمنا أن ولادة ملك الظلام كانت من قبل الروهة (19) و كذلك سيد الظلام (أور) هو إبن لها و يسمى كاف–قن–كرون (20). إن تعدد الكائنات الشريرة و صعوبة تحديد من يقف على قمة عالم الشر نراها كذلك في ديانة مابين النهرين حيث تقسم الشياطين إلى ثلاثة أنواع و ذلك حسب الأصول التي تنحدر منها , فالصنف الأول هو (ذرية الإله العظيم آنو) و يقصد بهم المنحدرين من اصل سماوي , و الصنف الثاني من أصل بشري و هم أشباح الموتى , أما الصنف الثالث فينحدرون في أصلهم من العالم الأسفل و كانوا حشداً غفيراً من مختلف الانواع ولهم القدرة على إلحاق الأذى بأرواح الموتى الموجودة في العالم الأسفل و بكل المخلوقات على الأرض .
   عبد الرزاق شمخي
     الدنمارك
 الهوامش :
  10. عبد المجيد السعدون – اسماء الأعلام المندائية في كنزا ربا – اطروحة ماجستير – 1997-بغداد –ص64
11. المصدر السابق – ص66
12. المصدر السابق – ص82
13. المصدر السابق – ص89
14. المصدر السابق – ص38
15. المصدر السابق – ص47
16. المصدر السابق – ص105
17. س.كوندوز – معرفة الحياة – ترجمة سعدي السعدي – السويد – 1966 ص 280
18. المصدر السابق – ص286
19. كورت رودولف _ النشوء و الخلق في النصوص المندائية – ترجمة د. صبيح مدلول – بغداد – 1994 – ص69 .
20 - المصدر السابق – ص69
 
 

                                                                                  

                                                                                                      

          الجزء الخامس

                                 بشميهون اد هيي ربي
( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام في ديانتنا المندائية وفي الديانات الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة . الجزء الخامس يدرج بعض الدّارسين أعمال دراور في إطار توجّه ساع إلى الحفر في جينيالوجيا الدّين المسيحيّ، أي ضمن التيّار الاستشراقيّ المهتمّ بالنّظر في الصّابئة باعتبارها «الطّائفة المسيحيّة الأمّ»، ممّا قد يسهم في فهم جذور نشأة الدّيانة المسيحيّة ذاتها. ولئن سبق للدّمشقي «نقولا السّيوفي» الذي مر ذكره سابقاً , أن بحث في هذه المسألة منذ سنة 1880 من وجهة نظر وصفيّة ممّا يجعله بحقّ المرجع الأوّل من حيث الاهتمام بالمسألة الصّابئيّة في العصر الحديث. الخلق والنشوء في الديانة المندائية . في البدء كان «مِلْكَا زِيوا» (ملك الضّياء- م). ولمّا ظهر إلى الوجود، خلق خمسة كائنات من نور ومثيلاتها من ظلام، فأينما كان الشّكْلُ، وُجِدَت الأضداد: اليمينُ مقابل اليَسار، والشقّ الأيسر من كلّ شيء هو حصّة الظّلام ، وهو الأضعفُ. وكما كانت هناك خمس مخلوقات أُولى من نور، كانت هناك خمس مخلوقات من ظلام، وكانت أسماؤها: «أَكْرُونْ» (Akroun)(1) وهو سيّدهم، «أشدوم» (Ashdum)، «غافْ»(Gaf) وغافَانْ» (Gafan)، «هاج» (Hagh) و«ماج» (Magh) (2)، و«زَرْتاي زَرْتَانَا» (Zartai zartana)، وقد كانت «غافان» و«ماج» أنثيان تكمّلان سَيِّدَيْهِما. كما أوجدت الظّلمة الأسياد الثّلاثة لـ«السكَنْدُولا» (Skandola) (3)، وهم الذين خطّت أسماؤهم في المركب الذين يظهرون فيه على «السكَنْدُولا» إنّ «ملكا زيوا» هو أصل كلّ شيء، منه تنبع أشعّة النّور والحياة ويمدُّ بها الشّمس والكواكب من خلال أربعة ملائكة يسكنون نجمة الشّعرى العبور، وهم : -
«أَرْحُوم حيّ» و«زِيوْ حيّ» و«عين حيّ» و«شُوْم حيّ» أو «سَامْ حيّ» (4 )، ومن هؤلاء الأربعة جاءت قوّة «شامش» وحياتُه. يؤمِنُ المِندائيُّون بالخالق الأعظم هيي قدمايي وقد فَوَّضَ حُكْمَ العالم المادّي، وهو عالم اللاّحقيقة، وجميع ما يتعلّق بمخلوقاته إلى مساعديه (الملائكة) أي أرواح القوّة والنّقاء الّتي خلقت عندما لفظ القادر على كلّ شيء أسماءها. «مارا د ربوثا» ( 5 ) (Mara d Rabutha) ربّ العظمة، لكن «هيِبِلْ زِيوَا» هو الكائن الإلهي الأكثر اتّصالا بهذا العالم ، فهو خالق هذا العالم الأرضي المظلم المسمّى «أرا د تيوال» (Ara d Tiwel)، كما إنّه أيضا خالق عالم النّور المسمّى «مْشُونِي كُشْطَهْ» (Mshuni Kushta). فقد أحضر «هيِبِلْ زِيوَا» امرأة اسمها «رُوحيّا» (Ruhayya) أو "الرّوحا" من الأرض السّابعة من عالم الظّلمة السّفلي، وكانت حَامِلاً، وصعد بها إلى الأرض الأولى حيث تركها عائدا إلى «مْشوني كشطه» ليعلن ما قام به. وفي أثناء غياب «هيِبِلْ زِيوَا» الذي دام آلاف السّنين، أنجبت «رُوحيّا» مَسْخا ضخْما اسمه «اورْ». وما أن نزل من بطن أمّه حتّى سألها :- 
 «لماذا نحن وحدنا في هذا العالم ؟». فأجابته بأنّ والدهُ كان مَلاكا اسمه «أَشْدُوم» وأنّ له كثير من الأقارب من بين الملائكة. وقد كَانَ «اورْ» بالغ الضّخامة، فَصَاحَ صَيْحةً اهتزّت لها عوالم النُّور، وعندها نزل «هِيبل زيوا» مِنْ «مْشُوني كُشطه» ليجد أنّ «رُوحيّا» قد أعطت ابنها «عُورْ» منظارا يطالع مِن خلاله أقاربهُ في عالم النُّور. وبما أنّ «هيِبِلْ زِيوَا» كانَ يَلْبس قناعاً طلسَمِيًّا يخفيه عن الأنظار، فقد تمكّن من أخذ المنظار من «اورْ» دون أن يحسّ به، ثمّ قبض عليه وسَجنه أسفل «أرا د نَحَشَا» أي أرض النّحاس(6 )بحيث كانت العوالم الطّبيعية السّبعة فَوْقَهُ. وهناك لحقت به أمّه لتصير زوجته وتنجب منه سبعة أبناء أسكن «هِيبِل زيوَا» كلاّ منهم كوكبا. فالكواكب السّبعة من خلق الله، وفي كلّ منها روح، وهي تسمّى:-
 «شامش» (الشّمس)، «سين» (أو «سيرَا») (القمر)، «نِيرَغ» (المرّيخ)، «بِل» (المشتري)، «أَنْوُو» (عطارد)، «ليبات» (الزُّهَرة)، «كيوان» ؤزحل). ثمّ أنجبت في البطن الثانية البروج الفلكيّة. إنّ الكواكب هي التي تتحكّم في عالم الظّلمات هذا، فـ«نيرغ» هو الموكّل بالحرب، و«أَنْووُ» بالمعرفة والحكمة، و«ليبات» بالحبّ والإبداع. فالكواكب هي بمثابة المراكب الّتي يقودها المَلاَئِكُ. وفي قارب «شامش» رَايَةٌ يخرج منها نور الإله، لأنّها تعكِس أشعَّتَهُ كي تضيء العالم. هكذا نشأ عالم النّور وعالم الظُّلمة، عالم الحقيقة وعالم الباطل. ثمّ شقّ «بْثَاهِيل» بأمر من والده «هيِبل زيوا» السّماء وجعل الأرضَ رطبة وأجرى فيها العيون والأنهار وأرسى الجبال وخلق الأسماك والعصافير والأزهار وبذورها وجميع الحيوانات، من أجل «آدم» وذرّيته. ومثلما كان هناك «آدم بغرا» و«حوّاء بغرا»، كان أيضا «آدم كسيه» و«حوّاء كسيه» (آدم وحوّاء الخفيّان). هؤلاء وذريّتهم عمّروا عالم «مشوني كُشْطَهْ»، فقد أنجب «آدم» ستَّة أَبْنَاءٍ، ثلاثة أولاد وثلاث بنات. وكان اسم الأولاد الثلاثة: -
«آدم» و«شيثل» و«آنوش». تزوّج «آدم بن آدم» امرأة من عالم أولاد الظلام، من العالم الذي كان يسكنه «الشبياحي» (7 ) وهم أبناء السّواد والظّلام قبل خلق «آدم». ومن هذا القران جاء أبناء الظلام، أولئك البشر الذين ليسوا مندائيّين، لأنّ المندائيّين هم أبناء «آدم بغرا» و«حوّاء كسيه». أمّا ابنا «آدم» الآخران (شيتل وآنوش) فقد اتّبعا التّعليم الذي لقّنه «هيبل زيوا» لأبيهما، فقد علّم «هِيبِل زيوا» «آدم» أسرار الحياة وأعطاه الكتب المقدّسة، كما علّمه الفنون والزّراعة والكِتابة. الـ ( روها ) والكواكب من جانبهم طاردوا آدَم ، وأرادوا إغراءه من خلال فنونهم . لقد واجههم ( مندا إد هيي ) والـ ( أثري ) الثلاثة الطيبين ( هيبل ، شيتل و أنُش ) الذين دعاهم كمعاونين لآدَم وذريته بكل قوته وأحبطوا اعمالهم الشريرة. وبناء على نصيحة من الـ ( أثري ) الذين معه أقام مع هؤلاء عرسا لآدَم ومنح حواء زوجة له ليحيا بهما العالم وينمو . لقد تألم الشياطين الأشرار ولم يعجبهما ذلك ، فاخذت الـ ( روها ) والسبعة والاثنا عشر على إهداء الزوجين الملابس ، الذهب ، الخمر ، الورد ، وفعلوا بهما كل شيء دنيء لكي يغرونهما بالملذات ويجعلونهما عصاة خونه ، لكن ( مندا إد هيي ) والذين رافقوه أحبطوا خططهم وساعدوا آدَم على تكوين عائلته " . ولما أصبحت حواء حاملا أنجبت أولا ( هيبل ) و ( أنات هيي ) ، وعندما أصبحت حاملا ثانية ولدت ( أنن أنصاب ) و ( أنهار زيوا ) ، أما في حملها الثالث فقد ولدت ( بر هيي ) و ( دموث هيي ) عندما أخذ ( مندا إد هيي) يعلم آدَم وحواء طقوس العبادة على غرارالـ ( أثري ) في عالم النور، حاولت الـ ( روها ) وبطانتها مرة أخرى إفشال عمله . لقد اجتمعوا على جبل الـ ( كرمل ) وأعدوا خطتهم لإبعاد الرجل الغريب ( مندا إد هيي ). ولذلك حاولوا وبكل ما أوتوا من فن السحر وطقوس المكر التغرير بآدَم وعائلته . أساليب التغرير تم توزيعها على الكواكب السبعة ، وأضيف إليهم الاثنا عشر كحلقة مؤثرة . آدَم الذي كان نائما استيقظ على الطبيعة الصاخبة في العالم وصرخ طالبا المساعدة . وهنا ظهر بدلا عن ( مندا إد هيي ) ( هيبل زيوا ) الذي ظهر له ولعائلته وهدأه .
  
       عبد الرزاق شمخي
             الدنمارك
المصادر :-
1 - الليدي دراور
2 - الكنزبرا سلوان شاكر خماس
هوامش المترجمين:
1 - (أركون) أو «أكرون»: ورد هذا اللّفظ عند ابن النّديم في الفهرست، جمعها «أراكنة» وتعني الّشياطين.
2 - هذا ما يذكّر بـ«ياجُوج وماجوج» القرآن (الكهف، 94؛ الأنبياء، 96) و«جوج وماجوج» العهد القديم (في عدّة مواضع منها: حزقيال، 38:2).
3 - (السّكَنْدُولاَ) أو «السّكين دولة» كما ورد لدى نعيم بدوي وغضبان رومي في ترجمتهما لكتاب دراور هو شعار الصّابئة مصّور فيه نحلة وأسد وعقرب وأفعى، ولكلّ حيوان منها رمز يُستعمل في الطّقوس ويرتبط بأحد عناصر الطبيعة الأربعة.
4 - مارا اد ربوثا عند قيامه بعمل المسقثة كان بهداد الكائن النوراني الشاهد الاول على ذلك الطقس العظيم الاول الذي ساعد مارا اد ربوثا .
5 - أرحوم حيّ (حبّ الحياةعين حيّ (منبع الحياة زيو حيّ (مجد اللّه) ، شوم حيّ (اسم الحياة) أو سام حيّ (خلق الحياة).
6- أَرْضُ النّحاس: جاء في «ديوان أباثر» أَنَّ طبقات «عَالَمِ الظَّلام» سِتٌّ: «الأولى من نحاس، والثّانية من حديد وأخرى من قصدير، وأخرى من فولاذ، وأخرى من فضّة». ويُفسّر «الكنز ربّا» أَنَّ المقصود من الطّبقة الأولى هو الطّبقة السُّفْلى، ويرتّبها على التّوالي : نُحَاس، حديد، نحاس أصفر، فولاذ، ذهب، فضّة، تراب.
7- شبياحي (الجمع: شيبياحيا): مهما كان معنى الكلمة في الأصل فإنّ ليدزبارسكي يترجمها بلفظ «كواكب» مفترضا أنّها ذاتها عبارة «شبعه أحياء shaba ahia» أو الإخوة السّبعة وهي عبارة تُستعمل حاليّا لوصف ما يطلق عليه العرب اسم «الجنّ». وهناك من أخبرني أنّ الكلمة قد تكون مشتقّة من لفظ (شَبِيحَا) السّريانيّ وجمعه شبيحون (شبيحايَا) أي المُقَدَّسُونَ. وقد يعني ذلك الأرواح الطاهرة أو الحميدة، وربّما مع الاستعمال تطوّر المعنى ليصبح الأرواح في كلّ الحالات أي الطيّبة والشرّيرة على حدّ سواء. وقد وجدت في لُفَافَةٍ طويلة تمكّنت من حيازتها وهي في وصف الكون قبل خلق عالم الأرض: «ومن تلك المياه السّوداء تظهر أشياء سيّئة : منها تأتي آلافُ آلافِ الأسرار، وعشرة آلاف شبيحيا». وعادة ما يكون الشيبياحي قُوّةً هَدَّامةً تجلب معها الموت، لكنّ بيت الشيبياحي الذي يظهر للأطفال أو يبحث عن ملاذ عند البشر على شكل أرانب بيضاء، هو غالبا غير ضارّ بل وقد يكون طَيِّبا جاء في الكِنْزَارَبَّا: «كان الماء على السّطح والمياه السّوداء أسفله»، و«القار والزّيت هي جوفُ العالم السُّفلي». انظر:-
الكِنْزَاربّا، التّسبيح السّادس، الكتاب الثاني عشر.
8 - الصفحة 6 , 7 , 8 , 9 , 10 , 11 من كتاب الكنزا ربا ( م . أ )