الروها ( الشيطان ) سيدة عالم الظلام / الجزء 2

                                                                                                       

       بشميهون اد هيي ربيِ
 ( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام في ديانتنا المندائية وفي الديانات الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة
. فرواه الماري .. الحي العظيم .. البصير القدير , العـزيز الحكيم.. الأزلي القديم.. هو العظيم الذي لا يرى ولا يحد لا شريك له في سلطانه ولا صاحب له في صولجانه .. هو الملك منذ الأزل لا أب له ولا ولد ولا يشاركه ملكه احد.. موجود منذ الأزل الذى لا يحويه مكان ، ولا يشتمل عليه زمان .. باق إلى الأبد , الأول بلا غاية ، والآخر بلا نهاية المتميز عن عوالم النور, الغني عن كل شيئ , العلي فوق كل شيئ الذى عظم عن شبه الخليقة ، وتعالى عن الأفعال القبيحة , وتنزه عن الجور، وتكبر عن الظلم , وعدل فى أحكامه ، وأحسن إلى عباده , وتفرد بالبقاء , وتوحد بالكبرياء , هو الحي العظيم العليم .. الذى عزب عن الأفهام تحديده ، وتعذر على الأوهام تكييفه , وعميت عن إدراكه الأبصار، وتحيرت فى عظمته الأفكار , الشاهد لكل نجوى ، السامع لكل شكوى ، والكاشف لكل بلوى , ولا ينتقل من حال إلى حال , القادر الذى لا يدركه العجز، والعالم الذى لا يلحقه الجهل ، والعزيز الذى لا يخضع , والجبار الذى قامت السموات بأمره ، ورجفت الجبال من خشيته. مَن يُسبّحُك تسبيحكَ , فتسبيحكَ لا يُحَد , عُمقُك لا يسبّر وقدرتُكَ لا تُحصَر . الجزء السادس لقد تطرقنا في الجزء الأول الى ما جاء في كتاب دراشة اد يهيا ( مواعظ وتعاليم ) التحذير من السجود للشيطان والأوثان في الفصل الرابع والأربعين ما نصه : { احذروا لا تسجدوا للشيطان والأصنام والتماثيل في هذا العالم ، مذنب من يفعل ذلك ، ولا يصل الى دار الكمال } . وأما عالم الظلام ، عالم الشرور والآثام .. عوالم من دخان ونار ، ونقص وشنار , تعج عجيجاً بالأشرار ، وبالقتلة والفجار ‘ والسحرة والمشعوذين والكفار , أرواحهم زاهقة .. سفهاء , ومصاصو دماء , بوجوه مظلمة سوداء صـُـمٌّ بلهاء , ينهض بينهم المشعوذون , السرّاق والقتلة والمجرمون . هبوط سيدة الانوثة الى العالم السفلي.. لعل النص السومري، عن هبوط (عيناناـ عشتار) ( 1 ) الى العالم الاسفل ( عالم الظلام ) ، هو اول ملحمة خطتها يد الانسان في موضوع (الاله الفادي). ان النص المأساوي لهبوط آلهة الانوثة والخصب السومرية (عينانا) بالسومري و (عشتار) بالاكدي، الى العالم السفلي ، فيه الكثير من الالتباس والغموض فيما يخص مصير الإله ( (دموزي ـ تموز). منذ اكتشاف هذه النصوص وحتى عام 1964 ، جميع التفسيرات تعتقد بان سبب مخاطرة النزول الى العالم الأسفل هدفه إنقاذ الإله (تموز) من الموت. لكن عالم الأثريات الجليل صموئيل نوح كرايمر ( الذي يدين العراقيون له بالكثير لفضائله في اكتشاف كنوز مرتكزات آثارهم وأساطيرهم وطقوسهم الثقافية القديمة المخبئة تحت الار ض، وبالتأكيد سيتذكرونه بكرمهم المعروف في المستقبل)، اكتشف رُقيمات جديدة أعطت تفسيرا جديدا منطقيا لسجن الاله((تموز)) في العالم السفلي، وبالتالي اتضح تفسير ألاسطورة وفهم سبب نزول الهة الانوثة الى هذا العالم. حيث اكدت هذه الرُ قيمات التي كتبت في عام 1750 ق.م، على ان الالهة ((عيناناـ عشتار)) كانت هي السبب في تسليم حبيبها الاله (تموز) الى شياطين العالم الاسفل. لكن سبب نزولها الى هناك قبل ذلك لم يُفسر بشكل مقنع. إلا إننا نفهم من هذه الرقيمات بان تحديها لقوانين عالم الظلام والموت، كان نتيجة لنزوة من الاعتداد والغرور وجشع السيطرة والتي هي من سمات سيدة البلاد الاولى . ان فكرة التضحية والفداء كانت شائعة في ديانات الشرق عموما والشرق الادنى بخاصة. فمن اجل ان يتم الخصب لابد من قربان وتضحية، ولابد ان تكون هذه التضحية عظيمة ومقدسة. لهذا فان نزول (عينانا) يعني غياب قوة الاخصاب الكونية عن الحياة. ثم انها لم تبقى الى الابد في عالم الظلام والموت ذلك، بل جاهدت من أجل الرجوع الى الحياة، حتى نجحت اخيرا بعد كفاح مرير. إذن (عينانا) ذاقت طعم الموت من أجل الانسان، ومن أجل خصب الطبيعة ! هكذا لابد من نزول إله الى عالم الاموات. ( 2 ) من المعلوم ان (عينانا ـ عشتار) كانت هي السبب الرئسي في تسليم الاله (دموزي) الى الشياطين، لغضبها الشديد منه. وفي هذا الجانب يؤكد صموئيل نوح كرايمر في كتابه القيم (طقوس الجنس المقدس عند السومرين)، ان الالهة (عينانا) اعتزمت النزول الى العالم الاسفل، الى عالم الاموات بسبب عدم قناعتها في ان تكون فقط ملكة " الاعلى العظيم "، وررغبتها في ان تستولى على" الاسفل العظيم " أيضا. لذلك فإنها تزينت بشارات سلطانها وامتيازاتها المقدسة وعزمت على النزول الى " بلاد اللاعودة"، وبما انها تعلم مسبقا بكونها ستخرق قوانين مثل هذا العالم، وان أختها (أرشكيجال) ملكة العالم الاسفل وعدوتها اللدودة سوف لن تغفر لها جرأتها هذه، لذلك فان (عينانا) احتاطت للأمر، وطلبت من وزيرتها ننشوبر – في حالة عدم عودتها بعد ثلاثة أيام – أن تذهب الى مجمع الالهة تستجدي عطفهم لانقاذ سيدة البلاد: (( اذا لم يقف إنليل الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أور،/ وفي أور عند دخولك البيت، الذي هو بيت الرهبة في البلاد ، بيت الاله نانا، إنتحبي امام نانا / أبت لاتدع معدنك الثمين يعلوه غبار العالم الاسفل/ وإذا لم يقف نانا الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أريدو / في اريدو عند دخولك بيت أنكي، / أبتي أنكي لاتدع لازوردك الثمين يتكسر كحجر،/ لاتدع العذراء غنانا تموت في العالم الاسفل / الاب أنكي رب الحكمة / الذي يعلم " طعام الحياة " ويعلم " ماء الحياة " / لابد ان يعيدني الى الحياة ثانية)). عشتار المهيمنة امامها تموز ومعه الوعول رمز الفحولة, ونرى خلف كل منهما نخلة باسقة مثمرة ونصوص الديانة المندائية من بين نصوص الأديان التي حفظت القيمة للنخل شجرا وثمرا. ويقترن إستخدام كلمة " سندركا " بالإشارة الى معنى الفحولة ورمزا لها. إذ يرتبط ورود الكلمة في النصوص مقرونا بكلمة " أينا " التي تعني العين والنبع، كما إنها إشارة الى الأنوثة. ويكون في تعبير " أينا وسندركا " ما يفيد معنى الأنوثة والذكورة، وتعبير عن المرأة والرجل وعندما تتأكد بان هنالك من يدافع عنها ويحميها من الموت، تبدأ رحلتها فتصل الى بلاط العالم الاسفل ( عالم الظلام ) ، وتصرخ جريئة بوجه (ناتي) بواب عالم الموت، أن يفتح لها الباب وعندما تعلم ملكة العالم الاسفل بمقدم (عينانا)، تقرر عقابها و موتها، ولكن لايمكن ان يحدث هذا مالم تنتزع منها شارات ألوهيتها. لذلك فانها تعّلم بوابها القيام بخدعة تتمثل بالسماح للآلهة (عينانا) بالدخول من الابواب السبعة لعالم الموتى. ومن الوصف المعبر للشاعر القديم نعرف بان (عينانا) تفقد شاراتها وسلطتها واحدة إثر أخرى بدون ان تكون قادرة على الاعتراض اوالرفض لان نواميس هذا العالم تحكم بذلك. ويستمر الشاعر السومري بتقديم هذا المشهد بلغة وصفية رمزية معبرة:(( لدى ولوجها البوابة الاولى، / الشوجرا، تاج لاسهوب، نزع عنها./ رحماك ما هذا ؟/ صمتا (عينانا)، نواميس العالم الاسفل، نواميس كاملة، (عينانا) إياك ان تزري بمراسيم العالم الاسفل./ لدى ولوجها البوابة الثانية./ صولجان القياس وسلك اللازورد نزع عنها / رحماك ما هذا ؟/ صمتا (عينانا)، نواميس العالم الاسفل نواميس كاملة)). ويستمر الشاعر السومري في تقديم هذا المشهد المكثف بلغة رمزية لها دلالاتها المعبرة، لغة شرطية لاتتحمل التفصيلات الفائضة. من خلالها نفهم أن (عينانا) تفقد جميع شاراتها الالوهية عند إجتيازها الأبواب السبعة، حتى تصبح عاجزة عن فعل أي شئ أمام ملكة " الاسفل العظيم " : (( إنحنت خفيضة، جئ بها عارية أمامها)) . وبما انها الان عارية من شارات الخلود، لذا فان حكماء العالم الاسفل وحراسه على استعداد لتطبيق قوانين عالمهم على آلهة مثلها أيضا: (( أركيجال المقدسة اعتلت سدة العرش / الانوناكي القضاة السبعة، نطقوا الحكم أمامها / سلطت عينيها عيني الموت / نطقت الكلمة بحقها، كلمة الغضب / صدرت عنها الصيحة بوجهها، صيحة الادانة،/ ضربتها أحالتها جثة هامدة /الجثة علقت بمسمار)). وهذا يدلل رمزيا على ان الانسان ينتقل من الحياة الى عالم الموت مستسلما ذليلا تاركا وراءه خداعه ومكره وطموحه ووحشيته وحقده وحسده وتبجحه. وينتقل بنا الشاعر القديم الى عالم السماء والارض حيث يتابع تطور الحدث من خلال قلق (ننشوبر) بسبب عدم عودة سيدتها، فتبدأ بتنفيذ التعليمات في اقامة النواح وطرق ابواب آلهة السماء لإنقاذ (عينانا)، لكن إنليل وإله القمر نانا لايصغيان الى توسلاتها، إلا ان الاله "أنكي " يقرر مساعدتها بخلق مخلوقين يتناسبان مع العالم الاسفل، وعلمهما الحيلة لانقاذها من عالم الموت : (( واحد منكما يرش لها طعام الحياة، والآخر ماء الحياة، (عينانا) " سوف تقوم ")). وعندما ينجح هذا المخلوقان باختراق عالم الموتى بالحيلة وينفذان تعليمات الاله أنكي المحكمة التي لاتترك مجالا للخطأ بل تخضع للتتابع في التنفيذ بما يشبه السيناريو المعد مسبقا من قبل الشاعر حيث نرى حبكة الاحداث تتصاعد حسب خطة الاله أنكي. وعندما تعود (عينانا) الى الحياة لا تستطيع الخروج من عالم الموتى دون أن يقدم بديل مكانها ( من الذين نزلوا الى العالم الاسفل واتفق لهم ان يصعدوا سالمين ؟) لذلك فان شياطين ( الجلا) وهم حرس العالم الأسفل ، يقومون بمصاحبتها للعودة بالبديل. وأثناء رحلتها تلتقي بالكثير من الذين تعرفهم وأحبتهم والذين حزنوا على غيابها في محنتها هناك في (عالم اللا عودة)، لذا فانها ترفض تسليمهم كبديل. وعندما تصل مدينتها ( أوروك)، هناك تجد حبيبها وزوجها الاله ((دموزي) ـ (تموز)) مرتديا فاخر الثياب، جالسا على عرشه يتلهى بإقامته احتفالا كما يليق بإله، وغير آبه بفراق حبيبته والحزن عليها. وهذا ما أغضب (عينانا) لدرجة سلطت عليه عينيها، عينا الموت،/ نطقت الكلمة بحقه، كلمة الغضب،/ أطلقت صيحة في وجهه.صيحة الاثم.أما هذا فخذوه. وبدون ضجة اسلمته الى شياطين ( الجلا) كبديل لها. ومن خلال المقاطع التي اوردناها من اسطورة نزول (عينانا) – (عشتار) الى العالم الاسفل، يتضح لنا ميزات مثيولوجيا وادي الرافدين كون الالهة هي بشر غير متعالي عن الانسان بالرغم من عليائها بسكنها السماء .فنرى بان شخصية الالهة (عينانا) وطموحها في الاستيلاء على عالم الاموات اضافة الى عالم ما فوق الارض .
 الملاحظات :-
  1 - ان ((عينانا)) لدى السومريين والتي حملت اسم ((عشتار)) لدى الاكديين، هي الام العظمى ورمز الانوثة التى عبدت في كل البلاد، وفي البداية في جنوب العراق (منطقة الاهوار بالتحديد). انها كانت الرمز الانثوي للخليقة والمعبرة عن الخصب. كان اتحادها مع ((دموزي) ـ رمز الذكورة)) يعنى عودة الحياة. من اوائل ما يصلنا عن شكل ((عينانا) ـ (عشتار)) كان عبر المزهرية الصخرية من جمدة نصر 3000ق م وفيها نجد ((عينانا)) واقفة وامامها رجل عاري يقدم لها سلة من النذور وخلف ((عينانا)) شعارها حزمتا القصب (الذي يكثر في اهوار العراق). وهذا رمز يصعب فهم مضمونه الا انه يعطينا الاحساس بالانوثة.((عينانا)) لا يختلف شكلها كثيرا عن حامل النذور الا انها ترتدي ملابس طويلة وشعرها طويل كذلك. نستطيع ان نفهم بان ((عينانا)) لم تكن تختلف عن الانسان الاعتيادي وقد منحت شكلا انسانيا بحتا، ولكن رموز الالوهية تحيطها وتبرز اهميتها وتجعلها مختلفة عن الكاهن او ربما المتعبد الذي يقدم لها سلة من الفاكهة .
2 - إذ أن هناك عدداً كبيراً جداً من تلك الكائنات الشريرة الظلامية و التي تتبوأ مكانة كبيرة في عالمها الظلامي و لها قدرة غير إعتيادية على فعل الشر و ذلك واضح من خلال أسماء العديد منها في تلك الأديان مثلما نرى في المندائية : أطرفان (يضرب بقوة , يؤذي(1) , أماميت (معتم مظلم) (2 ), كرفيون (الملتهم) (3 ), نمروس (الماردة , الساحقة , الهارسة) (4), أو (قائد جيوش الظلام , المارد , التنين) (5)  و غيرها من الكائنات الشريرة , إلا أن الشخصية الرئيسية التي تلفت الإنتباه من بين تلك الكائنات هي الروهة (روح الشر) (6) و التي هي أم الشيطان و الكواكب السبعة و العلامات الزودياكية (البروج الإثني عشر)(7) و أم كل الكائنات الشيطانية في مملكة الكون , إن هذه المكانة الكبيرة للروهة تتعاظم لدينا إذاما علمنا أن ولادة ملك الظلام كانت من قبل الروهة (8) و كذلك سيد الظلام (أور) هو إبن لها و يسمى كاف– قن – كرون(9) . إن تعدد الكائنات الشريرة و صعوبة تحديد من يقف على قمة عالم الشر نراها كذلك في ديانة مابين النهرين حيث تقسم الشياطين إلى ثلاثة أنواع و ذلك حسب الأصول التي تنحدر منها , فالصنف الأول هو (ذرية الإله العظيم آنو) و يقصد بهم المنحدرين من اصل سماوي , و الصنف الثاني من أصل بشري و هم أشباح الموتى , أما الصنف الثالث فينحدرون في أصلهم من العالم الأسفل و كانوا حشداً غفيراً من مختلف الانواع ولهم القدرة على إلحاق الأذى بأرواح الموتى الموجودة في العالم الأسفل و بكل المخلوقات على الأرض . 
, كما تشير إلى ذلك إحدى التعاويذ (10)عبر الاسوار العالية السميكة , يمرون كالطوفان
يمرقون من بيت إلى بيت
لا يمنعهم باب و لا يصدهم مزلاج
فهم ينسلون عبر الباب كانسلال الأفاعي
و يمرقون من فتحته كالريح
ينتزعون الزوجة من حضن زوجها
و يخطفون الطفل من على ركبتي أبيه
و يأخذون الرجل من بين أسرته
بل وصل الأمر إلى أن يكون لهذه الكائنات الشيطانية نوع من التخصص في عمل الشر و إيذاء الآخرين : (اشاكو) الذي يتغلغل في أجسام الناس يسبب الصداع , (رابيصو) الذي يختفي أثناء النهار و يظهر في الليل يسبب أمراض الجلد , (لبرتو) تسبب الكوابيس و (لباسو) يسبب الصرع (11) ... الخ إضافة إلى أن أشكالهم تتميز بالقبح و الشذوذ كما تشير إلى ذلك إحدى التعاويذ (12)
إنهم ليسوا ذكوراً و لا إناثاً
إنهم الرياح المهلكة
لا يعرفون شفقة و لا رحمة
إنهم الشر و كل الشر
و مع ذلك فأن كل الكائنات الشريرة الموجودة في حضارة ما بين النهرين و ما تمثله من شر قد جمعت في شخصية واحدة تعتبر للعراقي القديم مصدر واساس لكل البلايا التي تصيب البشر بل و حتى الآلهة دونما تمييز , و هي شخصية الربة تياميت التي تعاظم شرها و إزداد بلاؤها ليصيب الأرباب أنفسهم مما حدا بهم أن ينتدبوا الإله الشاب مردوخ لمقاتلتها و القضاء عليها .
أما في الديانة المصرية القديمة فإن الإله المصري الذي نشهد ارتباطه بالشر في كافة العصورالتأريخية في مصر القديمة فهو (Apophis) أبوفيس و هو عفريت على شكل ثعبان ضخم جداً ذي طيات متعددة في كل منها سكين حاد (13) , و إضافة إلى هذا الإله فقد كان هناك أيضا (سيث) أخو أوزيريس , و هما إبنا الإله رع إله الشمس , الذي تشير المصادر إلى أنه قتل أخاه أوزيريس و رماه في نهر النيل و مصدر آخر يشير إلى اتهم أخاه بالظلم و العدوان و انكشفت هذه الكذبة فاصبح سيث رمزاً للكذب و النميمة و بالتالي أصبح مرادفاً (لكل ما يدل على الخراب و الشر) (14) , وفي الأزمنة المتأخرة من المملكة المصرية الحديثة اعتبر هو نفسه التيفون (الريح العاتية الشديدة) و الثعبان أبو فيس و الشيطان و بذلك فقد صارعنصر شر بذاته وعدو للارباب ( 15 ) . و نجد كذلك في الحضارة الهندية و عقائد شعوبها مثالا آخر لفكرة تعدد الكائنات الشريرة و عدم وضوح الشخصية الرئيسية من بينها والتي يمكن مقارنتها بشيطان الأديان السماوية إلا بالكاد , فهناك الـ(راكشا) و هي عفاريت خبيثة , ينسبون إليها أعمالا كأعمال الشياطين في الأديان الأُخرى و الـ(راكشا) كما يقول البعض هو الأسم الذي كان يطلق على الهمج الأوائل الذين سكنوا الهند قبل إغارة الآريين عليها و كانت لهم حراسة على الطرق و ينابيع الماء , وقد رسخ في الأذهان إنهم أعداء البشر و إنهم يتربصون بالناس و يؤذونهم (16) , و هناك أيضاً الحية آهي(Ahi) التي هي نفسها كما يظهر تجسمها للشر و التي قتلها الإله أندرا , و كذلك الربة الهندية (سيتالا) التي غضب عليها الإله (كيلاسا) و أخرجها من الجنة و بذلك صارت من الأرباب الساقطة المغضوب عليهم (17) , ونجد أيضاً (مايا) و هي تعبير عن العالم المحسوس الذي يعتبر هو الشر و الباطل و إن كل ما يربط الإنسان به شر و باطل مثله و قد صوروا العالم المحسوس أو (مايا) على شكل أنثى شديدة الفتنة و الإغراء على إعتبار أن كل الملذات و الفتن و الشرور تتجمع حسب رأي الهنود في المرأة (18) أما الشخصية المميزة بين هذه الكائنات الشريرة و التي يمكن مقارنتها بشكل كبير بشيطان الأديان السماوية فهي شخصية الرب (Mara) مارا الذي أغوى بوذا , وقد صورته الأساطير الهندوسية و التعاليم الدينية كمسؤول عن كل مباهج الدنيا و لذاتها و إغراءاتها و الفساد و الهرطقة وهو يسكن دوماً في الطبقة السادسة من السماء (19).
أما في الديانة الزرادشتية فنرى أن هناك تطورا كبيراً قد لحق شخصية الشيطان فنجدها أكثر وضوحا و أكثر تحديداً منها في بقية الأديان القديمة , و يسمى الشيطان في الزرادشتية بأهريمان (Ahriman) و سمى كذلك ( أنكرامينو ( Angramanyu , وعلى الرغم من وجود شخصية دروج Druj والتي هي التجسم الأنثوي للشر و تمثل جميع أعمال أهريمان الشريرة إلا أنه يبقى الشخصية الرئيسية والوحيدة الممثلة للشر بكل وضوح (20) و كما رأينا فإن إحدى المميزات التي تتمتع بها الأديان القديمة في مفهومها عن الشر هي تعدد الكائنات الشريرة و عدم وجود شخصية واحدة رئيسية كما هو الحال في شيطان الأديان الحديثة , إضافة إلى ذلك نرى أن الصراع الموجود و المستمر بين هذه الكائنات وما تمثله من قوى شريرة و ظلامية مع نقيضها من قوى الخير هو صراع يجري دائماً بعيداً عن الإنسان بمعنى آخر أن الصراع بين هاتين القوتين هو صراع مباشر بينهما و لا دخل للإنسان فيه , فعالم النور في الديانة المندائية يرسل عدداً من الأثري (منداد هيي – هيبل زيوا) في رحلات إلى عالم الظلام لسحقه و قمع قواه الشريرة , كذلك في البابلية عندما تبعث الأرباب بالإله الشاب مردوخ لمقاتلة الربة تياميت و القضاء عليها و هذا ما تم فعلاً عندما استطاع هزيمتها و تقديم قائد جيوشها كنكو إلى الآلهة ليحكموا عليه بالموت و ليخلقوا من دمه الإنسان (21) , و في الزرادشتية يستمر الصراع سجالاً بين الجانيبن , (أهورا مزدا) إله الخير و أهريمان إله الشر , إلى أن ينتهي الأمر بهزيمة عالم الظلام و شياطينه و لكن هزيمة مؤقتة و ليست نهائية ليبدأ بعدها الصراع من جديد , و في الديانة المصرية القديمة يستمر القتال و الصراع بين أوزيريس من جهة و بين سيث من جهة أخرى و كما أن عبادة أوزيريس تحظى بشعبية كبيرة في شمال مصر فأن عبادة سيثا هي الأخرى تحظى بشعبية كبيرة لدى أهل جنوب مصر , و ربما كان الصراع بين هذين الشعبين هو الأصل في اختلاف نظرتهما إلى هذين الإلهين . و من خلال هذه الصراعات المستمرة بين هذين القوتين المتناقضتين , نلاحظ أن المبادرة بالتحرك و الهجوم و الفعل يبدأ دائماً من جانب قوى الخير أو إله الخير أو عالم النور , بينما تكون حصة القوة المقابلة , قوة الشر هي رد الفعل و الدفاع فقط عن نفسها و وجودها من هذه المبادرات و الأفعال , فعالم النور في المندائية هو الذي يرسل الأثريين لمقارعة عوالم الظلام و كائناته و ليس في يد الكائنات الشريرة إلا القتال و الدفاع عن نفسها من هذا الخطر المحدق بها دون أن تستطيع أن تتخذ فعل المبادرة كما هو الحال في الجانب الآخر , وقد بدا ذلك واضحاً عندما رغب ملك الظلام أن يعلن الحرب على ملك النور و العوالم الأخرى : (.... سأصعد على تلك الأرض المشعة و أعلن الحرب على ملكها , سأنتزع منه تاجه و أضعه على رأسي , و سأكون ملك الأعالي و الأعماق) (22) إلا أنه يعجز عن ذلك تماماً و يكتفي بالصراخ و الزئير دون فعل حقيقي يذكر . و نفس المشهد يتكرر في الديانة البابلية في رحلة مردوخ و مقاتلة الربة تياميت حيث تكون المبادرة بالتحرك و الهجوم و الفعل من قبل جانب الخير و كذلك هو الحال في الديانة الزرادشتية , في الصراع بين اله الخير أهورا مزدا و بين إله الشر أهريمان .
كذلك نلاحظ أن هناك تركيزاً ملفتاً للإنتباه في هذه الأديان على الشخصية الأنثوية باعتبارها رمزاً من رموز الشر أو الشيطان , ففي المندائية هناك (الروهة) و في البابلية (تياميت) و في الديانة الهندية (سيتالا و مايا) و في الزرادشتية نرى (دروج) , إضافة إلى إن معظم الشخصيات الشريرة الرئيسية في هذه الأديان هي آلهة مثل (الرب مارا) في الديانة الهندية و (الربة تياميت) في الزرادشتية و (الإله سيث) في الديانة المصرية , وهناك مسألة أخرى لا يسعنا إلا أن نذكرها و نحن نختتم أديان القسم الأول و هي إن معظم الشعوب التي كانت تدين بهذه العقائد قد إستعملت الرقى و التعاويذ للحماية من الشيطان و أذيته , إذ نرى أن لدى عقائد البابليين إن الرقى كانت شائعة الإستعمال , يحملها الناس لوقايتهم من أخطار العفاريت و حتى الأرباب كانت تحملها طلباً للسلامة و القوة بل و حتى مردوخ كما ذكرت أسطورة الخلق البابلية كان مزوداً بالسحر لدى محاربته تياميت , و كذلك نرى في الهند إن أحجار الخواتم و الرقى استخدمت و لبست و التي دون شك كانت في إعتقادهم تطرد الأرواح الشريرة , و أيضاً لدى المصريين كان إستعمال التعاويد أمراً شائعاً جداً و في المندائية ما زال المندائيون يستعملون السكندولة كوسيلة من وسائل الحماية ضد الكائنات الظلامية الشريرة مع ما تحمله السكندولة من رموز عالم الظلام نفسه. إن مبدأ محاربة الشر بالشر أو برموزه قد أخذ شكلاً آخر لدى بعض العقائد المتطرفة في نظرتها للشيطان , إذ اعتقد أهل هذه العقائد إن عبادة الشيطان هي الوسيلة الأكثر ضماناً للوصول إلى عالم النور , بمعنى آخر , الوصول إلى النور من خلال الظلام , وقد بدا ذلك واضحاً لدى بعض الفرق الثنوية و منها المانوية و الشامانية اللتان تؤمنان أن إله الخير و النور قد ترك الأرض للشيطان ولو إلا حين , و كذلك الفرقة الأورفية و الكاثارية التي ظهرت بين العشائر الألمانية في القرون الوسطى , و أيضاً البوجمولية في بلاد البلقان و الألبية في فرنسا الجنوبية(23) .
  المصادر : -
1 - د. فاضل سوداني ـ كوبنهاكن
 2 - أمل بورتر / نيوكسل

   عبد الرزاق شمخي
     الدنمارك
 الهوامش :-
1- عبد المجيد السعدون – اسماء الأعلام المندائية في كنزا ربا – اطروحة ماجستير – 1997-بغداد –ص64
2- المصدر السابق – ص66
3- المصدر السابق – ص82
4- المصدر السابق – ص89
5- المصدر السابق – ص38
6- المصدر السابق – ص47
7- المصدر السابق – ص105
8- س.كوندوز – معرفة الحياة – ترجمة سعدي السعدي – السويد – 1966 ص 280
9- المصدر السابق – ص286
10- كورت رودولف _ النشوء و الخلق في النصوص المندائية – ترجمة د. صبيح مدلول – بغداد – 1994 – ص69 11 - المصدر السابق – ص69 
 - 12 المصدر السابق – ص69
13-  نائل حنون – عقائد ما بعد الموت في حضارة بلاد وادي الرافدين – بغداد – 1986 – ص214-217
14- المصدر السابق – ص214
15- المصدر السابق – ص214
16- د. سامي سعيد الأحمد _ص34
17- المصدر السابق – ص26
18- المصدر السابق – ص18
19- العقاد – ص59-60
20- د. سامي سعيد الأحمد ص39
21- العقاد – ص 59-60
22- د. سامي سعيد الأحمد – ص 39
23- المصدر السابق – ص46
24- د. فاضل عبد الواجد – سومر إسطورة و ملحمة-بغداد – 1997 – ص 124
25- كورت رودولف
26- العقاد – ص 33
27-  العقاد - ص 133