الروها ( الشيطان ) سيدة عالم الظلام / الأجزاء جميعها

 

 الجزء الاول

( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام

كما ورد في ديانتنا المندائية وفي الديانات الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة .
 بشميهون اد هيي ربي
 فرواه الماري .. الحي العظيم .. البصير القدير , العـزيز الحكيم.. الأزلي القديم.. هو العظيم الذي لا يرى ولا يحد لا شريك له في سلطانه ولا صاحب له في صولجانه .. هو الملك منذ الأزل لا أب له ولا ولد ولا يشاركه ملكه احد.. موجود منذ الأزل الذى لا يحويه مكان ، ولا يشتمل عليه زمان .. باق ٍ إلى الأبد , الأول بلا غاية ، والآخر بلا نهاية المتميز عن عوالم النور, الغني عن كل شيئ , العلي فوق كل شيئ الذى عظم عن شبه الخليقة ، وتعالى عن الأفعال القبيحة , وتنزه عن الجور، وتكبر عن الظلم , وعدل فى أحكامه ، وأحسن إلى عباده , وتفرد بالبقاء , وتوحد بالكبرياء , هو الحي العظيم العليم .. الذى عزب عن الأفهام تحديده ، وتعذر على الأوهام تكييفه , وعميت عن إدراكه الأبصار، وتحيرت فى عظمته الأفكار , الشاهد لكل نجوى ، السامع لكل شكوى ، والكاشف لكل بلوى , ولا ينتقل من حال إلى حال , القادر الذى لا يدركه العجز، والعالم الذى لا يلحقه الجهل ، والعزيز الذى لا يخضع , والجبار الذى قامت السموات بأمره ، ورجفت الجبال من خشيته. مَن يُسبّحُك تسبيحكَ , فتسبيحكَ لا يُحَد , عُمقُك لا يسبّر وقدرتُكَ لا تُحصَر .
 جاء في كتاب دراشة اد يهيا ( مواعظ وتعاليم ) التحذير من السجود للشيطان والأوثان في الفصل الرابع والأربعين ما نصه : {احذروا لا تسجدوا للشيطان والأصنام والتماثيل في هذا العالم ، مذنب من يفعل ذلك ، ولا يصل الى دار الكمال } . وأما عالم الظلام ، عالم الشرور والآثام .. عوالم من دخان ونار ، ونقص وشنار , تعج عجيجاً بالأشرار ، وبالقتلة والفجار ‘ والسحرة والمشعوذين والكفار , أرواحهم زاهقة .. سفهاء , ومصاصو دماء , بوجوه مظلمة سوداء صـُـمٌّ بلهاء , ينهض بينهم المشعوذون , السرّاق والقتلة والمجرمون . لقد جاء في كتب الديانة المندائية, اول الديانات واقدمها , ذكر الروها وعالم الظلام ( الشيطان ) منذ بداية نشوء الخلق وكما هو مبين في كتاب الكنزا ربا ( م.أ ) . ما يلي : جاء الأمر إلى ( مندا إد هيي ) ليسبق الـ ( أثري ) ويهبط إلى عالم الظلام ويفشل خططهم . وقد تحسب ( مندا إد هيي ) إلى الأخطار التي تصاحب هذا العمل ، ولكنه حصل على الإسناد والحماية من قبل الروح الإلهي ( مانا ) الكبير العظيم .ص 63 تم تجهيز ( مندا إد هيي ) وتهيئته للهبوط إلى العالم التحتاني . وتم الهبوط وهنا لم يجابه الـ ( أثري ) ، بل شياطين الظلام وذلك لعزلهم عن عملية الخلق . لقد حارب ( روها ) وابنها ( أور ) ملك الظلام . لقد حارب ( مندا إد هيي ) ذلك المارد وتغلب عليه وأسره وضرب من حوله سورا ، إلى أن يُخلق ( أواثر ) ويأتي ابنه جبريل ( هيبل زيوا ) ويصبح ( أثرا ) ويخلق العالم التحتاني حسب إرادة الحياة الأولى . لكن في نهاية الخلق اعتبر ( أور ) قتيلا في عالم الظلام ثم صعد ( مندا إد هيي ) إلى الحياة العظيمة التي شكرته وجازته على صنيعه هذا . وبعد ذلك خاطبته الحياة العظيمة وأمرته أن ينادي على الـ ( أثري ) الثلاثة لخلق العالم التحتاني قبل أن تشرع الحياة الثانية ( يوشامِن ) بذلك . ويسرد النص كيف أن بعض الـ ( أثري ) التجأ إلى الحياة الثانية للسماح بخلق عالم خاصه بهم . وقد تم لهم ما أرادوا ، وأمرتهم بخلق هذا العالم ، وهكذا سبقوا أبناء الثانية ( مندا إد هيي ) فذهبوا إلى عالم الظلام ، ثم ناداهم ( بثاهيل أثرا ) احتل ( بهاق زيوا ) لنفسه مكانا خاصا بين أبناء الحياة الثانية . لقد سمى نفسه ( أواثر ) وترك اسمه الحقيقي ، ورأى نفسه أنه أب الـ ( أثري ) . أخذ يفكر بخلق عالم ، إلا أنه لم يعرف شيئا عن هذا العالم ولم يتشاور مع أحد من كائنات النور . لقد سمّي من قبل الحياة الأولى بـ ( أواثر البلاء ) وكذلك في الكتاب الخامس عشر الفصل الثاني لقد نادى على ( بثاهيل أثرا ) الذي اعتبره ابنه حسب ما جاء في وأسماه ايضا الرسول ( جبريل ) وكلفه أن ينشئ هذا العالم . ولم يجهزه ولم يخبره بالمواجهة التي يمكن أن يصطدم بها هبط ( بثاهيل أثرا) عبر المساكن ( شخِناثا ) . لقد فقد من ضيائه ولم يتمكن من الجَبل والتكوين مما شجع ( روها ) لمواجهته . لقد أمرت ابنها ( أور ) وهو الذي لا يزال في قيد الأسر لمطارحتها ثلاث مرات استرد بعدها قوته وحريته . ولدت أول مرة الكواكب السبعة ثم الاثني عشر برجا ثم خمسة من ملائكة الغضب وجوههم بشعة ومملوءة بالفزع جعلوا يمارسون جميعهم الكوارث القبيحة على مدى خمسة أيام ، وعليه اصبحت هذه الأيام التي تسبق تصلب الأرض البالية ( أرقا إد تيبل ) مبطلة حسب التقويم المندائي . بعد ذلك جلب ( بثاهيل ) من الحياة العظيمة رداء من الطاقة الحيّة ( إشاثا هَيثا ) ، ودخل بواسطتها إلى الماء الأسود ، وبذلك تكونت الجبّلة أو اليابسة وكذلك نجدت السماء الكواكب والأشرار الآخرون حفوّا بـ ( بثاهيل ) وعرضوا عليه خدماتهم . لقد تقبلها منهم على شرط أن يقوموا بالأفعال الحسنة فقط ، حين قبل ( بثاهيل ) بهذا سُلب منه البيت أي العالم الأرضي وحصل الأشرار على سلطة التحكم على هذا العالم كما حصل هذا في بداية الأمر. حين أنجز ( بثاهيل ) ما كلفه به ( بهاق زيوا ) المكنى ( أواثر ) طلب من أبيه الصعود إلى العلياء ، حينها أخذت الـ ( روها ) تنادي على الشياطين من كل نوع ولون ، فعقد ( بثاهيل ) العزم على خلق ابن له يكون سيدا وملكا على هذا العالم . وبعد ثلاثمائة وستين ألف عام من تكوين الأرض . حين أمسك ( بثاهيل ) بجسد آدَم وضع ( مندا إد هيي ) النفس ( مانا ) فيه ، فجعله يشم عبير الحياة العظيمة , ويشهد باسم الحي رافعا عينيه إلى مقام النور رافضا كل الشياطين واعمالها . الـ ( روها ) والكواكب من جانبهم طاردوا آدَم ، وأرادوا إغراءه من خلال فنونهم . لقد واجههم ( مندا إد هيي ) والـ ( أثري ) الثلاثة الذين دعاهم كمعاونين لآدَم وذريته بكل قوته وأحبطوا اعمالهم الشريرة . وبناء على نصيحة من الـ ( أثري ) الذين معه أقام مع هؤلاء عرسا لآدَم ومنح حواء زوجة له ليحيا بهما العالم وينمو . لقد تألم الشياطين الأشرار ولم يعجبهما ذلك ، فاخذت الـ ( روها ) والسبعة والاثنا عشر على إهداء الزوجين الملابس ، الذهب ، الخمر ، الورد ، وفعلوا بهما كل شيء دنيء لكي يغرونهما بالملذات ويجعلونهما عصاة خونه ، لكن ( مندا إد هيي ) والذين رافقوه أحبطوا خططهم وساعدوا آدَم على تكوين عائلته . يوجز الكتاب الرابع عملية هبوط الملاك ( هيبل زيوا ) إلى عوالم الظلام ، والذي يستند على المواجيز التالية : الحياة الأولى ( هيي قدمايي ) خلقت ( مندا إد هيي ) ، وهو بدوره نادى على ( هيبل زيوا ) . وبعد ألوف مؤلفة من السنين توجه ( هيبل أثرا ) قاصدا عوالم الظلام الثلاثة القديمة ، لمحاربة الشياطين الذين ظهروا من جبل اللحم الكبير ( كرون ) وعلى رأسهم (أور بن كَاف) سيد الظلام ، الذي خرج منه أربعة وعشرون هيئة شيطانية ( دَيوي ) وذلك من تطارحه مع أمه الـ ( روها ) . قبل الهبوط صُبغ الملاك ( هيبل زيوا ) مع معاونيه في مياه النهر الحي العظيم من قبل ( مارا إد رَبوثا ) و ( مندا إد هيي ) . بعد ذلك منحهم رب العظمة ( مارا إد رَبوثا ) ضياء ونورا وسطوعا . ثم غادر ( هيبل زيوا ) مكانه ومعه المعاونون إلى الأشرار البائدين وأرغمهم على الاستسلام له . وهكذا وطد العالم وجعله يعيش مطمئنا بعد أن أخطأ فيه أبناء الـ ( روها ) و ( بثاهيل أثرا ) بناء على خطة الحياة الثانية ( يوشامِن ) . لقد نزل الملاك انوش أثرا إلى هذا العالم وبأمر من الحي العظيم ليضع حدا للروها سلطة الشر ومن معها لما سيحدث في أورشليم المدينة التي سيولد فيها الناصورائيين ، حينما علمت سلطة الشر فأشتد الحقد والكره في رأسها ، ودَعت جميع أبناءها السبعة وسلطتهم ليسمعوا ما ستفعله ( الروها ) فقالت هلموا واستمدوا أفكاركم من عالم الشر وعلينا أن نؤسس عملا ً مُخططا ضد انوش أثرى ومن معه من الناصورئيين في اورشليم ، بعد ذلك اجتمعت قوة الشر المتمثلة ( بسلطة وقوة الكواكب السبعة ) والتي تستمد قوتها من سلطة الشر ( الروها ) والتي لها تاثير كبير على عالمنا وحياتنا نحن كبشر ، عند ذلك اجتمعت قوة الشر السبعة مع ( سلطة الروح القدس )( هيزخ اكنف كوخبي شوبا الواث روها إد قدشا آزلي وامرلي ماهو نيلغط لغطثا بكوه إدهازن آلما ) ودعوا بعضهم وليصنعوا من شرهم وقوة سلطتهم سرا عظيم يحل في اورشليم وليكن ضد ما سيعمله الملاك انوش اثرى بامر الحي العظيم ، وهكذا بنيت وشيدت اورشليم وصار معها الفساد والحقد والكره والشر وردوا قوة الشر ومن معهم ( كل من سيتخذ من اورشليم مكان له سوف لن يجرئ أن يذكر اسم الحي العظيم (م) فيها ) وحين رددوا ذلك جاءهم صوت من اعالي النور أنوش أثرى قال مخاطبا ًللروح القدس ومن معها ( المكان الذي سوف يشيد عليه اورشليم ، سيولد ويخرج منه 365 تلميذا ناصورئيا ً ) ، هكذا أمتلئت الروح القدس ومن معها هلعا واجتمعت مع الروها وابناءها السبعة وسلطتهم ومارسوا كل الشر والحقد والفساد والكراهية حين بُنيت اروشليم واقيمت دعائمها السبعة وهيئوها ليسكنها اليهود وليمنحهم كل قوتهم وقدرتهم ضد ابناء العائلة الحية سلالة النور ( المندائيين ) ، لقد شيدت الدعائم السبعة لأورشليم واقيم معها الشر والفسام وكان العمود الأول منه لبني اسرائيل المكان الذي اضطهد به الناصورئيين والثاني كان لياقيف عند بوابة اورشليم والثالث سُلطت عليه قوة ادوناي في منتصف اورشليم والرابع زتان عند السور الخارجي والخامس لصهماي عند السور الداخلي والسادس كان لكارخوم ملجئ كل القوة وسلطتهم والأخير كان البرج الكبير لأورشليم . وهنا جاء ذكر الروها في كتاب ادم كسيا "" وقالوا لهم " المرشحون لمجموعة الكهنة " من الذي أنشأكم , وفي حجر من تربيتم ؟ قالوا تربينا قي حجر الروها , لكن ابانا قد شكلنا , هو الذي اسمه الأثير النقي , وقالوا لقد أبغضنا هذا العالم , أبناء هذه الدنيا وبيت الأم الزوجة التي لم تكن قبلها زوجة وقالوا لتلعن الروهة البغيضة , هي من تعيش في ظلال مروع , وتجلس برفقة نار مقدسة وتشرب مياهاً حمراء , إنها ترتدي ثياباً ذات الوان مختلفة لأنها لا تستطيع عبور البحر العظيم , بحر النهاية . مبارك ذلك الرجل الذي يرمي بثيابه الملونة ويلبس رداء الحرير الأبيض الذي نرتديه. لقد أنعشنا عطر ياور : هيا نشرب من الماء الحي , لقد تحررنا من الظلام المرعب . ويل للذين أحبوا ( الروها ) ولم يبعدوا انفسهم عن صحبتها . وديانة الصابئة المندائيين حذرت الانسان من الشيطان في حياته وفي مماته , وقد اتخذت في طقوس الوفاة وفي عملية الدفن بعض الاجراءات التي تحمي الميت من براثن الشيطان بعد الوفاة . فبعد اجراء الدفن يطلب من الابو ان يرسم القبر ( بثلاث رسومات ) بالسكندوله ويختم ( بثلاث اختام ) ويقرأ عند كل رسم وبعدها عند كل ختم بوثة رواهة اد هيي(( بشميهون اد هيي ربي لوفا ورواهة اد هيي وشابق هطايي نهويلي لهازة نيشمثة لديلي (ملواشة المتوفي) ادهازه مسقثة وشابق هطايي نهويلي )) . والسكندولا هي اداة تتكون من ثلاثة اجزاء الخاتم والسلسلة والسكين ويجب ان تصنع من الحديد وتستخدم كرادع للشر ، حيث نقشت اربعة رموز على خاتم هذه الاداة وهذه الرموز تمثل المكونات الاربعة للمادة حيث الافعى وتمثل التراب والاسد ويمثل النار والعقرب والذي يمثل الماء والدبور الذي يمثل الهواء وهذه الرموز تمثل وفق النظرة المندائية ملوك عوالم الشر ، الذي قيدها ملاك الرب هيبل زيوا ( جبريل الرسول) وكشف اسرارها عندما هبط الى اعماق عوالم الشر بأمر الرب لردع قوى الظلام حيث نقشت فيما بعد خلق ابونا ادم على الحديد والذي يمثل هو ايضا رمزاً ضد الظلام وعندما يتمعن الانسان في هذه الرموز يرى ان الخاتم عبارة عن درع يصد شرور الظلام والسلسلة عبارة عن الرابط الذي يربط الدرع بالسكين التي تمثل السلاح الرمزي ضد اي محاولة للشر . كما تستخدم هذه الاداة ( السكندولا ) في حالة الزواج , كما ويستطيع الشخص حملها معه في اي وقت يشاء لحمايته من الشر . لا توجد أي عقيدة دينية مهما كان أسمها أو مصدرها , قدمها أو حداثتها , أن تخلو من مفهوم خاص عن الشر الذي يمكن أن يصيب الإنسان سواء أثناء حياته و حتى بعد مماته , و لا تكاد أي عقيدة أن يخلو تفسيرها للخلق و التكوين من وجود هذا المفهوم الذي برز عبر التأريخ الطويل لمسيرة الإنسان الاعتقادية بكل أشكالها و مراحلها كفكرة لا بد من تواجدها في صلب إعتقاده و إيمانه , بل و أصبح ضرورة لايمكن الإستغناء عنها و ذلك لفهم أفضل لوجوده البشري و محاولة التفسير و الإجابة عن العديد من الأسئلة و الإشكالات التي واجهته عبر وجوده الطويل على الأرض و سواء كانت فكرة الشر متجسدة بالنسبة للإنسان القديم في البداية على شكل أرواح ضارة ليس لها كيان أو إسم معين أو بشكل كائن محدد و معروف فيما بعد , فإن هذه الفكرة أصبحت جزءا لا يتجزأ من عملية الإيمان نفسها على اعتبار أن الشر هو النقيض المتعارض على الدوام مع الجانب الآخر من الدين و هو الخير سواء كمنفعة شخصية كما كان يفهم أولاً أو كمفهوم أخلاقي شامل كما أصبح فيما بعد , وعلى هذا الأساس كان تقسيم الإنسان البدائي للأرواح و الأطياف إلى طيب و خبيث و ذلك حسب نفعها أو مضرتها و بالتالي كان يحتاج إلى الكاهن و الساحر ليروض له الخبيث بالرقي و التعاويذ و يجزي عنه الطيب بالدعوات و القرابين . و خطا الإنسان بعد ذلك بشكل تدريجي و بطئ خطوة أخرى نحو الأمام في طريق الدين فجمع كل الصفات الشريرة و كل تلك الأرواح الضارة والخبيثة في شخصية واحدة تسمى بأسماء عديدة إلا أن أشهرها و أكثرها إنتشاراً على الإطلاق كان أسم الشيطان الذي ورد لأول مرة كإسم علم و ذلك في التوراة في سفر الأيام الأول – الإصحاح 21: (... و تآمرالشيطان ضد إسرائيل) . وقد ظهرت العديد من التفاسير و الشروحات لتوضح و تعرف شخصية الشيطان الشهيرة هذه , و لكن على العموم تحددت التفاسير بإثنين فقط لا ثالث لهما الأول يقول بأنه ليس هناك من شخصية معينة و محددة تدعى بالشيطان , إنما الشيطان هو كل تلك الغرائز و العقد النفسية و الرغبات المكبوتة فينا , أو كما يقول عالم النفس سيغموند فرويد ( أن الأبالسة في نظرنا نحن , رغبات شريرة , مستهجنة تنبع من دوافع مكبوحة مكبوتة ) . أما التفسيرالثاني فلا يرفض وجود الشيطان ككائن معين و ذو صفات تتفق علها أغلب الديانات على إعتبار أن العقل و العلم لا يرفضان وجود الشيطان أو الأرواح الطيبة منها أو الخبيثة . ,لقد اتفقت معظم الأديان السماوية منها و غير السماوية على الصفات التي تنسب إلى الشيطان و إن كانت هذه الأديان تختلف في نظرتها اختلافا جزئياً أو كلياً إلى مدى قدرة ولإرادة الشيطان على فعل الشر كما سنرى لاحقاً , فأصبح الانسان يعرف و يدرك أن الشهوات و الفتنة و الإغراء و المطامع إنما هي شرور سواء كانت هذه الصفات في مصلحته الشخصية أم لا , و سواء حققت له فائدة و منفعة أم لم تحقق لأن الشر هنا أصبح مفهوماً شاملاً أكثر من كونه مجرد وسيلة تحقق الضرر أو المنفعة للإنسان على حساب غيره . و هنا يمكن أن تقسم الأديان إلى قسمين رئيسيين و ذلك حسب الوظيفة التي يشغلها الشيطان فيها أو حسب مفهومها للشر و الغاية من وجوده ممثلاً بالشيطان كقوة روحية معبرة عنه ( لا يعني هذا التقسيم بين أديان موحدة و أخرى غير موحدة إنما هو تقسيم مبني فقط على وظيفة الشيطان فيها ليس إلا ) , وعليه فإن القسم الأول سيشمل الأديان التي تنظر إلى الشيطان كقوة ذات طبيعة شريرة نابعة من تكوينها و مرتبط بوجودها و معبراً عن كيانها التركيبي و بأن فعلها للشر إنما هو تعبير عن هذه الطبيعة التي جبلت عليها و نرى ذلك واضحاً في الأديان القديمة , بينما القسم الثاني يشمل الأديان التي تنظر إلى وظيفة الشيطان أو سبب وجوده و فعله للشر كضرورة تكتيكية إختبارية من قبل الخالق لمعرفة مدى قدرة الإنسان على التمسك بجانب الخير أو إنزلاقه وراء الشيطان و ما يمثله من غواية و ضلالة و بالتالي إعطائه ما يستحق من مكانة خالدة في الجنة أو النار إلى أبد الآبدين , و نرى ذلك في الأديان اليهودية – المسيحية و الإسلامية و إن كانت هناك العديد من الفروقات في مكانة الشيطان و قدرته على فعل الشر في هذه الأديان .
 عبد الرزاق شمخي
  الدنمارك
المصادر :-
1 - الربي رافد الريشما عبدالله
2 - اليلوفيا ثامر جابر شمخي
3 - كتاب ادم كسيا
4 - سنان نافل
 
               الجزء الثاني

 

 ( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام في ديانتنا المندائية وفي الديانات الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة

. فرواه الماري .. الحي العظيم .. البصير القدير , العـزيز الحكيم.. الأزلي القديم.. هو العظيم الذي لا يرى ولا يحد لا شريك له في سلطانه ولا صاحب له في صولجانه .. هو الملك منذ الأزل لا أب له ولا ولد ولا يشاركه ملكه احد.. موجود منذ الأزل الذى لا يحويه مكان ، ولا يشتمل عليه زمان .. باق إلى الأبد , الأول بلا غاية ، والآخر بلا نهاية المتميز عن عوالم النور, الغني عن كل شيئ , العلي فوق كل شيئ الذى عظم عن شبه الخليقة ، وتعالى عن الأفعال القبيحة , وتنزه عن الجور، وتكبر عن الظلم , وعدل فى أحكامه ، وأحسن إلى عباده , وتفرد بالبقاء , وتوحد بالكبرياء , هو الحي العظيم العليم .. الذى عزب عن الأفهام تحديده ، وتعذر على الأوهام تكييفه , وعميت عن إدراكه الأبصار، وتحيرت فى عظمته الأفكار , الشاهد لكل نجوى ، السامع لكل شكوى ، والكاشف لكل بلوى , ولا ينتقل من حال إلى حال , القادر الذى لا يدركه العجز، والعالم الذى لا يلحقه الجهل ، والعزيز الذى لا يخضع , والجبار الذى قامت السموات بأمره ، ورجفت الجبال من خشيته. مَن يُسبّحُك تسبيحكَ , فتسبيحكَ لا يُحَد , عُمقُك لا يسبّر وقدرتُكَ لا تُحصَر . الجزء السادس لقد تطرقنا في الجزء الأول الى ما جاء في كتاب دراشة اد يهيا ( مواعظ وتعاليم ) التحذير من السجود للشيطان والأوثان في الفصل الرابع والأربعين ما نصه : { احذروا لا تسجدوا للشيطان والأصنام والتماثيل في هذا العالم ، مذنب من يفعل ذلك ، ولا يصل الى دار الكمال } . وأما عالم الظلام ، عالم الشرور والآثام .. عوالم من دخان ونار ، ونقص وشنار , تعج عجيجاً بالأشرار ، وبالقتلة والفجار ‘ والسحرة والمشعوذين والكفار , أرواحهم زاهقة .. سفهاء , ومصاصو دماء , بوجوه مظلمة سوداء صـُـمٌّ بلهاء , ينهض بينهم المشعوذون , السرّاق والقتلة والمجرمون . هبوط سيدة الانوثة الى العالم السفلي.. لعل النص السومري، عن هبوط (عيناناـ عشتار) ( 1 ) الى العالم الاسفل ( عالم الظلام ) ، هو اول ملحمة خطتها يد الانسان في موضوع (الاله الفادي). ان النص المأساوي لهبوط آلهة الانوثة والخصب السومرية (عينانا) بالسومري و (عشتار) بالاكدي، الى العالم السفلي ، فيه الكثير من الالتباس والغموض فيما يخص مصير الإله ( (دموزي ـ تموز). منذ اكتشاف هذه النصوص وحتى عام 1964 ، جميع التفسيرات تعتقد بان سبب مخاطرة النزول الى العالم الأسفل هدفه إنقاذ الإله (تموز) من الموت. لكن عالم الأثريات الجليل صموئيل نوح كرايمر ( الذي يدين العراقيون له بالكثير لفضائله في اكتشاف كنوز مرتكزات آثارهم وأساطيرهم وطقوسهم الثقافية القديمة المخبئة تحت الار ض، وبالتأكيد سيتذكرونه بكرمهم المعروف في المستقبل)، اكتشف رُقيمات جديدة أعطت تفسيرا جديدا منطقيا لسجن الاله((تموز)) في العالم السفلي، وبالتالي اتضح تفسير ألاسطورة وفهم سبب نزول الهة الانوثة الى هذا العالم. حيث اكدت هذه الرُ قيمات التي كتبت في عام 1750 ق.م، على ان الالهة ((عيناناـ عشتار)) كانت هي السبب في تسليم حبيبها الاله (تموز) الى شياطين العالم الاسفل. لكن سبب نزولها الى هناك قبل ذلك لم يُفسر بشكل مقنع. إلا إننا نفهم من هذه الرقيمات بان تحديها لقوانين عالم الظلام والموت، كان نتيجة لنزوة من الاعتداد والغرور وجشع السيطرة والتي هي من سمات سيدة البلاد الاولى . ان فكرة التضحية والفداء كانت شائعة في ديانات الشرق عموما والشرق الادنى بخاصة. فمن اجل ان يتم الخصب لابد من قربان وتضحية، ولابد ان تكون هذه التضحية عظيمة ومقدسة. لهذا فان نزول (عينانا) يعني غياب قوة الاخصاب الكونية عن الحياة. ثم انها لم تبقى الى الابد في عالم الظلام والموت ذلك، بل جاهدت من أجل الرجوع الى الحياة، حتى نجحت اخيرا بعد كفاح مرير. إذن (عينانا) ذاقت طعم الموت من أجل الانسان، ومن أجل خصب الطبيعة ! هكذا لابد من نزول إله الى عالم الاموات. ( 2 ) من المعلوم ان (عينانا ـ عشتار) كانت هي السبب الرئسي في تسليم الاله (دموزي) الى الشياطين، لغضبها الشديد منه. وفي هذا الجانب يؤكد صموئيل نوح كرايمر في كتابه القيم (طقوس الجنس المقدس عند السومرين)، ان الالهة (عينانا) اعتزمت النزول الى العالم الاسفل، الى عالم الاموات بسبب عدم قناعتها في ان تكون فقط ملكة " الاعلى العظيم "، وررغبتها في ان تستولى على" الاسفل العظيم " أيضا. لذلك فإنها تزينت بشارات سلطانها وامتيازاتها المقدسة وعزمت على النزول الى " بلاد اللاعودة"، وبما انها تعلم مسبقا بكونها ستخرق قوانين مثل هذا العالم، وان أختها (أرشكيجال) ملكة العالم الاسفل وعدوتها اللدودة سوف لن تغفر لها جرأتها هذه، لذلك فان (عينانا) احتاطت للأمر، وطلبت من وزيرتها ننشوبر – في حالة عدم عودتها بعد ثلاثة أيام – أن تذهب الى مجمع الالهة تستجدي عطفهم لانقاذ سيدة البلاد: (( اذا لم يقف إنليل الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أور،/ وفي أور عند دخولك البيت، الذي هو بيت الرهبة في البلاد ، بيت الاله نانا، إنتحبي امام نانا / أبت لاتدع معدنك الثمين يعلوه غبار العالم الاسفل/ وإذا لم يقف نانا الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أريدو / في اريدو عند دخولك بيت أنكي، / أبتي أنكي لاتدع لازوردك الثمين يتكسر كحجر،/ لاتدع العذراء غنانا تموت في العالم الاسفل / الاب أنكي رب الحكمة / الذي يعلم " طعام الحياة " ويعلم " ماء الحياة " / لابد ان يعيدني الى الحياة ثانية)). عشتار المهيمنة امامها تموز ومعه الوعول رمز الفحولة, ونرى خلف كل منهما نخلة باسقة مثمرة ونصوص الديانة المندائية من بين نصوص الأديان التي حفظت القيمة للنخل شجرا وثمرا. ويقترن إستخدام كلمة " سندركا " بالإشارة الى معنى الفحولة ورمزا لها. إذ يرتبط ورود الكلمة في النصوص مقرونا بكلمة " أينا " التي تعني العين والنبع، كما إنها إشارة الى الأنوثة. ويكون في تعبير " أينا وسندركا " ما يفيد معنى الأنوثة والذكورة، وتعبير عن المرأة والرجل وعندما تتأكد بان هنالك من يدافع عنها ويحميها من الموت، تبدأ رحلتها فتصل الى بلاط العالم الاسفل ( عالم الظلام ) ، وتصرخ جريئة بوجه (ناتي) بواب عالم الموت، أن يفتح لها الباب وعندما تعلم ملكة العالم الاسفل بمقدم (عينانا)، تقرر عقابها و موتها، ولكن لايمكن ان يحدث هذا مالم تنتزع منها شارات ألوهيتها. لذلك فانها تعّلم بوابها القيام بخدعة تتمثل بالسماح للآلهة (عينانا) بالدخول من الابواب السبعة لعالم الموتى. ومن الوصف المعبر للشاعر القديم نعرف بان (عينانا) تفقد شاراتها وسلطتها واحدة إثر أخرى بدون ان تكون قادرة على الاعتراض اوالرفض لان نواميس هذا العالم تحكم بذلك. ويستمر الشاعر السومري بتقديم هذا المشهد بلغة وصفية رمزية معبرة:(( لدى ولوجها البوابة الاولى، / الشوجرا، تاج لاسهوب، نزع عنها./ رحماك ما هذا ؟/ صمتا (عينانا)، نواميس العالم الاسفل، نواميس كاملة، (عينانا) إياك ان تزري بمراسيم العالم الاسفل./ لدى ولوجها البوابة الثانية./ صولجان القياس وسلك اللازورد نزع عنها / رحماك ما هذا ؟/ صمتا (عينانا)، نواميس العالم الاسفل نواميس كاملة)). ويستمر الشاعر السومري في تقديم هذا المشهد المكثف بلغة رمزية لها دلالاتها المعبرة، لغة شرطية لاتتحمل التفصيلات الفائضة. من خلالها نفهم أن (عينانا) تفقد جميع شاراتها الالوهية عند إجتيازها الأبواب السبعة، حتى تصبح عاجزة عن فعل أي شئ أمام ملكة " الاسفل العظيم " : (( إنحنت خفيضة، جئ بها عارية أمامها)) . وبما انها الان عارية من شارات الخلود، لذا فان حكماء العالم الاسفل وحراسه على استعداد لتطبيق قوانين عالمهم على آلهة مثلها أيضا: (( أركيجال المقدسة اعتلت سدة العرش / الانوناكي القضاة السبعة، نطقوا الحكم أمامها / سلطت عينيها عيني الموت / نطقت الكلمة بحقها، كلمة الغضب / صدرت عنها الصيحة بوجهها، صيحة الادانة،/ ضربتها أحالتها جثة هامدة /الجثة علقت بمسمار)). وهذا يدلل رمزيا على ان الانسان ينتقل من الحياة الى عالم الموت مستسلما ذليلا تاركا وراءه خداعه ومكره وطموحه ووحشيته وحقده وحسده وتبجحه. وينتقل بنا الشاعر القديم الى عالم السماء والارض حيث يتابع تطور الحدث من خلال قلق (ننشوبر) بسبب عدم عودة سيدتها، فتبدأ بتنفيذ التعليمات في اقامة النواح وطرق ابواب آلهة السماء لإنقاذ (عينانا)، لكن إنليل وإله القمر نانا لايصغيان الى توسلاتها، إلا ان الاله "أنكي " يقرر مساعدتها بخلق مخلوقين يتناسبان مع العالم الاسفل، وعلمهما الحيلة لانقاذها من عالم الموت : (( واحد منكما يرش لها طعام الحياة، والآخر ماء الحياة، (عينانا) " سوف تقوم ")). وعندما ينجح هذا المخلوقان باختراق عالم الموتى بالحيلة وينفذان تعليمات الاله أنكي المحكمة التي لاتترك مجالا للخطأ بل تخضع للتتابع في التنفيذ بما يشبه السيناريو المعد مسبقا من قبل الشاعر حيث نرى حبكة الاحداث تتصاعد حسب خطة الاله أنكي. وعندما تعود (عينانا) الى الحياة لا تستطيع الخروج من عالم الموتى دون أن يقدم بديل مكانها ( من الذين نزلوا الى العالم الاسفل واتفق لهم ان يصعدوا سالمين ؟) لذلك فان شياطين ( الجلا) وهم حرس العالم الأسفل ، يقومون بمصاحبتها للعودة بالبديل. وأثناء رحلتها تلتقي بالكثير من الذين تعرفهم وأحبتهم والذين حزنوا على غيابها في محنتها هناك في (عالم اللا عودة)، لذا فانها ترفض تسليمهم كبديل. وعندما تصل مدينتها ( أوروك)، هناك تجد حبيبها وزوجها الاله ((دموزي) ـ (تموز)) مرتديا فاخر الثياب، جالسا على عرشه يتلهى بإقامته احتفالا كما يليق بإله، وغير آبه بفراق حبيبته والحزن عليها. وهذا ما أغضب (عينانا) لدرجة سلطت عليه عينيها، عينا الموت،/ نطقت الكلمة بحقه، كلمة الغضب،/ أطلقت صيحة في وجهه.صيحة الاثم.أما هذا فخذوه. وبدون ضجة اسلمته الى شياطين ( الجلا) كبديل لها. ومن خلال المقاطع التي اوردناها من اسطورة نزول (عينانا) – (عشتار) الى العالم الاسفل، يتضح لنا ميزات مثيولوجيا وادي الرافدين كون الالهة هي بشر غير متعالي عن الانسان بالرغم من عليائها بسكنها السماء .فنرى بان شخصية الالهة (عينانا) وطموحها في الاستيلاء على عالم الاموات اضافة الى عالم ما فوق الارض .

 الملاحظات :-

  1 - ان ((عينانا)) لدى السومريين والتي حملت اسم ((عشتار)) لدى الاكديين، هي الام العظمى ورمز الانوثة التى عبدت في كل البلاد، وفي البداية في جنوب العراق (منطقة الاهوار بالتحديد). انها كانت الرمز الانثوي للخليقة والمعبرة عن الخصب. كان اتحادها مع ((دموزي) ـ رمز الذكورة)) يعنى عودة الحياة. من اوائل ما يصلنا عن شكل ((عينانا) ـ (عشتار)) كان عبر المزهرية الصخرية من جمدة نصر 3000ق م وفيها نجد ((عينانا)) واقفة وامامها رجل عاري يقدم لها سلة من النذور وخلف ((عينانا)) شعارها حزمتا القصب (الذي يكثر في اهوار العراق). وهذا رمز يصعب فهم مضمونه الا انه يعطينا الاحساس بالانوثة.((عينانا)) لا يختلف شكلها كثيرا عن حامل النذور الا انها ترتدي ملابس طويلة وشعرها طويل كذلك. نستطيع ان نفهم بان ((عينانا)) لم تكن تختلف عن الانسان الاعتيادي وقد منحت شكلا انسانيا بحتا، ولكن رموز الالوهية تحيطها وتبرز اهميتها وتجعلها مختلفة عن الكاهن او ربما المتعبد الذي يقدم لها سلة من الفاكهة .

2 - إذ أن هناك عدداً كبيراً جداً من تلك الكائنات الشريرة الظلامية و التي تتبوأ مكانة كبيرة في عالمها الظلامي و لها قدرة غير إعتيادية على فعل الشر و ذلك واضح من خلال أسماء العديد منها في تلك الأديان مثلما نرى في المندائية : أطرفان (يضرب بقوة , يؤذي(1) , أماميت (معتم مظلم) (2 ), كرفيون (الملتهم) (3 ), نمروس (الماردة , الساحقة , الهارسة) (4), أو (قائد جيوش الظلام , المارد , التنين) (5)  و غيرها من الكائنات الشريرة , إلا أن الشخصية الرئيسية التي تلفت الإنتباه من بين تلك الكائنات هي الروهة (روح الشر) (6) و التي هي أم الشيطان و الكواكب السبعة و العلامات الزودياكية (البروج الإثني عشر)(7) و أم كل الكائنات الشيطانية في مملكة الكون , إن هذه المكانة الكبيرة للروهة تتعاظم لدينا إذاما علمنا أن ولادة ملك الظلام كانت من قبل الروهة (8) و كذلك سيد الظلام (أور) هو إبن لها و يسمى كاف– قن – كرون(9) . إن تعدد الكائنات الشريرة و صعوبة تحديد من يقف على قمة عالم الشر نراها كذلك في ديانة مابين النهرين حيث تقسم الشياطين إلى ثلاثة أنواع و ذلك حسب الأصول التي تنحدر منها , فالصنف الأول هو (ذرية الإله العظيم آنو) و يقصد بهم المنحدرين من اصل سماوي , و الصنف الثاني من أصل بشري و هم أشباح الموتى , أما الصنف الثالث فينحدرون في أصلهم من العالم الأسفل و كانوا حشداً غفيراً من مختلف الانواع ولهم القدرة على إلحاق الأذى بأرواح الموتى الموجودة في العالم الأسفل و بكل المخلوقات على الأرض . 

, كما تشير إلى ذلك إحدى التعاويذ (10)

عبر الاسوار العالية السميكة 

يمرون كالطوفان

يمرقون من بيت إلى بيت

لا يمنعهم باب و لا يصدهم مزلاج

فهم ينسلون عبر الباب كانسلال الأفاعي

و يمرقون من فتحته كالريح

ينتزعون الزوجة من حضن زوجها

و يخطفون الطفل من على ركبتي أبيه

و يأخذون الرجل من بين أسرته

بل وصل الأمر إلى أن يكون لهذه الكائنات الشيطانية نوع من التخصص في عمل الشر و إيذاء الآخرين : (اشاكو) الذي يتغلغل في أجسام الناس يسبب الصداع , (رابيصو) الذي يختفي أثناء النهار و يظهر في الليل يسبب أمراض الجلد , (لبرتو) تسبب الكوابيس و (لباسو) يسبب الصرع (11) ... الخ إضافة إلى أن أشكالهم تتميز بالقبح و الشذوذ كما تشير إلى ذلك إحدى التعاويذ (12)

إنهم ليسوا ذكوراً و لا إناثاً

إنهم الرياح المهلكة

لا يعرفون شفقة و لا رحمة

إنهم الشر و كل الشر

و مع ذلك فأن كل الكائنات الشريرة الموجودة في حضارة ما بين النهرين و ما تمثله من شر قد جمعت في شخصية واحدة تعتبر للعراقي القديم مصدر واساس لكل البلايا التي تصيب البشر بل و حتى الآلهة دونما تمييز , و هي شخصية الربة تياميت التي تعاظم شرها و إزداد بلاؤها ليصيب الأرباب أنفسهم مما حدا بهم أن ينتدبوا الإله الشاب مردوخ لمقاتلتها و القضاء عليها .

أما في الديانة المصرية القديمة فإن الإله المصري الذي نشهد ارتباطه بالشر في كافة العصورالتأريخية في مصر القديمة فهو (Apophis) أبوفيس و هو عفريت على شكل ثعبان ضخم جداً ذي طيات متعددة في كل منها سكين حاد (13) , و إضافة إلى هذا الإله فقد كان هناك أيضا (سيث) أخو أوزيريس , و هما إبنا الإله رع إله الشمس , الذي تشير المصادر إلى أنه قتل أخاه أوزيريس و رماه في نهر النيل و مصدر آخر يشير إلى اتهم أخاه بالظلم و العدوان و انكشفت هذه الكذبة فاصبح سيث رمزاً للكذب و النميمة و بالتالي أصبح مرادفاً (لكل ما يدل على الخراب و الشر) (14) , وفي الأزمنة المتأخرة من المملكة المصرية الحديثة اعتبر هو نفسه التيفون (الريح العاتية الشديدة) و الثعبان أبو فيس و الشيطان و بذلك فقد صارعنصر شر بذاته وعدو للارباب ( 15 ) . و نجد كذلك في الحضارة الهندية و عقائد شعوبها مثالا آخر لفكرة تعدد الكائنات الشريرة و عدم وضوح الشخصية الرئيسية من بينها والتي يمكن مقارنتها بشيطان الأديان السماوية إلا بالكاد , فهناك الـ(راكشا) و هي عفاريت خبيثة , ينسبون إليها أعمالا كأعمال الشياطين في الأديان الأُخرى و الـ(راكشا) كما يقول البعض هو الأسم الذي كان يطلق على الهمج الأوائل الذين سكنوا الهند قبل إغارة الآريين عليها و كانت لهم حراسة على الطرق و ينابيع الماء , وقد رسخ في الأذهان إنهم أعداء البشر و إنهم يتربصون بالناس و يؤذونهم (16) , و هناك أيضاً الحية آهي(Ahi) التي هي نفسها كما يظهر تجسمها للشر و التي قتلها الإله أندرا , و كذلك الربة الهندية (سيتالا) التي غضب عليها الإله (كيلاسا) و أخرجها من الجنة و بذلك صارت من الأرباب الساقطة المغضوب عليهم (17) , ونجد أيضاً (مايا) و هي تعبير عن العالم المحسوس الذي يعتبر هو الشر و الباطل و إن كل ما يربط الإنسان به شر و باطل مثله و قد صوروا العالم المحسوس أو (مايا) على شكل أنثى شديدة الفتنة و الإغراء على إعتبار أن كل الملذات و الفتن و الشرور تتجمع حسب رأي الهنود في المرأة (18) أما الشخصية المميزة بين هذه الكائنات الشريرة و التي يمكن مقارنتها بشكل كبير بشيطان الأديان السماوية فهي شخصية الرب (Mara) مارا الذي أغوى بوذا , وقد صورته الأساطير الهندوسية و التعاليم الدينية كمسؤول عن كل مباهج الدنيا و لذاتها و إغراءاتها و الفساد و الهرطقة وهو يسكن دوماً في الطبقة السادسة من السماء (19).

أما في الديانة الزرادشتية فنرى أن هناك تطورا كبيراً قد لحق شخصية الشيطان فنجدها أكثر وضوحا و أكثر تحديداً منها في بقية الأديان القديمة , و يسمى الشيطان في الزرادشتية بأهريمان (Ahriman) و سمى كذلك ( أنكرامينو ( Angramanyu , وعلى الرغم من وجود شخصية دروج Druj والتي هي التجسم الأنثوي للشر و تمثل جميع أعمال أهريمان الشريرة إلا أنه يبقى الشخصية الرئيسية والوحيدة الممثلة للشر بكل وضوح (20) و كما رأينا فإن إحدى المميزات التي تتمتع بها الأديان القديمة في مفهومها عن الشر هي تعدد الكائنات الشريرة و عدم وجود شخصية واحدة رئيسية كما هو الحال في شيطان الأديان الحديثة , إضافة إلى ذلك نرى أن الصراع الموجود و المستمر بين هذه الكائنات وما تمثله من قوى شريرة و ظلامية مع نقيضها من قوى الخير هو صراع يجري دائماً بعيداً عن الإنسان بمعنى آخر أن الصراع بين هاتين القوتين هو صراع مباشر بينهما و لا دخل للإنسان فيه , فعالم النور في الديانة المندائية يرسل عدداً من الأثري (منداد هيي – هيبل زيوا) في رحلات إلى عالم الظلام لسحقه و قمع قواه الشريرة , كذلك في البابلية عندما تبعث الأرباب بالإله الشاب مردوخ لمقاتلة الربة تياميت و القضاء عليها و هذا ما تم فعلاً عندما استطاع هزيمتها و تقديم قائد جيوشها كنكو إلى الآلهة ليحكموا عليه بالموت و ليخلقوا من دمه الإنسان (21) , و في الزرادشتية يستمر الصراع سجالاً بين الجانيبن , (أهورا مزدا) إله الخير و أهريمان إله الشر , إلى أن ينتهي الأمر بهزيمة عالم الظلام و شياطينه و لكن هزيمة مؤقتة و ليست نهائية ليبدأ بعدها الصراع من جديد , و في الديانة المصرية القديمة يستمر القتال و الصراع بين أوزيريس من جهة و بين سيث من جهة أخرى و كما أن عبادة أوزيريس تحظى بشعبية كبيرة في شمال مصر فأن عبادة سيثا هي الأخرى تحظى بشعبية كبيرة لدى أهل جنوب مصر , و ربما كان الصراع بين هذين الشعبين هو الأصل في اختلاف نظرتهما إلى هذين الإلهين . و من خلال هذه الصراعات المستمرة بين هذين القوتين المتناقضتين , نلاحظ أن المبادرة بالتحرك و الهجوم و الفعل يبدأ دائماً من جانب قوى الخير أو إله الخير أو عالم النور , بينما تكون حصة القوة المقابلة , قوة الشر هي رد الفعل و الدفاع فقط عن نفسها و وجودها من هذه المبادرات و الأفعال , فعالم النور في المندائية هو الذي يرسل الأثريين لمقارعة عوالم الظلام و كائناته و ليس في يد الكائنات الشريرة إلا القتال و الدفاع عن نفسها من هذا الخطر المحدق بها دون أن تستطيع أن تتخذ فعل المبادرة كما هو الحال في الجانب الآخر , وقد بدا ذلك واضحاً عندما رغب ملك الظلام أن يعلن الحرب على ملك النور و العوالم الأخرى : (.... سأصعد على تلك الأرض المشعة و أعلن الحرب على ملكها , سأنتزع منه تاجه و أضعه على رأسي , و سأكون ملك الأعالي و الأعماق) (22) إلا أنه يعجز عن ذلك تماماً و يكتفي بالصراخ و الزئير دون فعل حقيقي يذكر . و نفس المشهد يتكرر في الديانة البابلية في رحلة مردوخ و مقاتلة الربة تياميت حيث تكون المبادرة بالتحرك و الهجوم و الفعل من قبل جانب الخير و كذلك هو الحال في الديانة الزرادشتية , في الصراع بين اله الخير أهورا مزدا و بين إله الشر أهريمان .

كذلك نلاحظ أن هناك تركيزاً ملفتاً للإنتباه في هذه الأديان على الشخصية الأنثوية باعتبارها رمزاً من رموز الشر أو الشيطان , ففي المندائية هناك (الروهة) و في البابلية (تياميت) و في الديانة الهندية (سيتالا و مايا) و في الزرادشتية نرى (دروج) , إضافة إلى إن معظم الشخصيات الشريرة الرئيسية في هذه الأديان هي آلهة مثل (الرب مارا) في الديانة الهندية و (الربة تياميت) في الزرادشتية و (الإله سيث) في الديانة المصرية , وهناك مسألة أخرى لا يسعنا إلا أن نذكرها و نحن نختتم أديان القسم الأول و هي إن معظم الشعوب التي كانت تدين بهذه العقائد قد إستعملت الرقى و التعاويذ للحماية من الشيطان و أذيته , إذ نرى أن لدى عقائد البابليين إن الرقى كانت شائعة الإستعمال , يحملها الناس لوقايتهم من أخطار العفاريت و حتى الأرباب كانت تحملها طلباً للسلامة و القوة بل و حتى مردوخ كما ذكرت أسطورة الخلق البابلية كان مزوداً بالسحر لدى محاربته تياميت , و كذلك نرى في الهند إن أحجار الخواتم و الرقى استخدمت و لبست و التي دون شك كانت في إعتقادهم تطرد الأرواح الشريرة , و أيضاً لدى المصريين كان إستعمال التعاويد أمراً شائعاً جداً و في المندائية ما زال المندائيون يستعملون السكندولة كوسيلة من وسائل الحماية ضد الكائنات الظلامية الشريرة مع ما تحمله السكندولة من رموز عالم الظلام نفسه. إن مبدأ محاربة الشر بالشر أو برموزه قد أخذ شكلاً آخر لدى بعض العقائد المتطرفة في نظرتها للشيطان , إذ اعتقد أهل هذه العقائد إن عبادة الشيطان هي الوسيلة الأكثر ضماناً للوصول إلى عالم النور , بمعنى آخر , الوصول إلى النور من خلال الظلام , وقد بدا ذلك واضحاً لدى بعض الفرق الثنوية و منها المانوية و الشامانية اللتان تؤمنان أن إله الخير و النور قد ترك الأرض للشيطان ولو إلا حين , و كذلك الفرقة الأورفية و الكاثارية التي ظهرت بين العشائر الألمانية في القرون الوسطى , و أيضاً البوجمولية في بلاد البلقان و الألبية في فرنسا الجنوبية(23) .

  المصادر : -

1 - د. فاضل سوداني ـ كوبنهاكن

  2 - أمل بورتر / نيوكسل

 

   عبد الرزاق شمخي

     الدنمارك

 الهوامش :-

1- عبد المجيد السعدون – اسماء الأعلام المندائية في كنزا ربا – اطروحة ماجستير – 1997-بغداد –ص64

2- المصدر السابق – ص66

3- المصدر السابق – ص82

4- المصدر السابق – ص89

5- المصدر السابق – ص38

6- المصدر السابق – ص47

7- المصدر السابق – ص105

8- س.كوندوز – معرفة الحياة – ترجمة سعدي السعدي – السويد – 1966 ص 280

9- المصدر السابق – ص286

10- كورت رودولف _ النشوء و الخلق في النصوص المندائية – ترجمة د. صبيح مدلول – بغداد – 1994 – ص69 11 - المصدر السابق – ص69 

 - 12 المصدر السابق – ص69

13-  نائل حنون – عقائد ما بعد الموت في حضارة بلاد وادي الرافدين – بغداد – 1986 – ص214-217

14- المصدر السابق – ص214

15- المصدر السابق – ص214

16- د. سامي سعيد الأحمد _ص34

17- المصدر السابق – ص26

18- المصدر السابق – ص18

19- العقاد – ص59-60

20- د. سامي سعيد الأحمد ص39

21- العقاد – ص 59-60

22- د. سامي سعيد الأحمد – ص 39

23- المصدر السابق – ص46

24- د. فاضل عبد الواجد – سومر إسطورة و ملحمة-بغداد – 1997 – ص 124

25- كورت رودولف –

26- العقاد – ص 33

27-  العقاد - ص 133

                                                                                                          

 الجزء الثالث
 

بشميهون اد هيي ربي

 
( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام 

 
كما جائت في ديانتنا المندائية وفي الديانات
الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة .
 أديان القسم الثاني:-
تحدثنا و بشكل مختصر عن مفهوم الشيطان أو الكائنات الشريرة و عالمها الظلامي في بعض الأديان القديمة , نرى أن هذا المفهوم أو هذه الصورة قد تغيرت و بشكل كامل و جذري مع مجئ الديانة اليهودية ليستمر هذا التغيير و يتبلور بشكل أكبر في الديانة المسيحية و أخيراً في الإسلام , و على الرغم من وجود العديد من الإشارات في العهد القديم إلى العفاريت و الشياطين و الأرواح الشريرة إلا أن الشيطان كان يتمتع بمنزلة خاصة و مكانة معروفة و محددة ككائن معين و محدد له شخصيته و مكانته التي لايضاهيها أصلاً غيره من العفاريت و الأرواح الشريرة. إن أهم التغييرات التي لحقت بالشيطان و صورته عن مثيلتها في الأديان القديمة هي :-
1- تحول الشيطان من مكانته كإله في الأديان القديمة إلى مجرد ملاك , أو كبير الملائكة في أحسن الأحوال و المقربين من الله , و الذي تم إسقاطه و إبعاده عن الحضرة الإلهية الربانية لسبب من الأسباب و هي غالباً ما تكون الكبرياء و الإعتزاز بالنفس و الخيلاء و الغرور ,: (إن افتخار الشيطان بجماله و حكمته التي أعطاها الله له هما السبب في سقوطه) (36) و كذلك القرآن الكريم ( و إذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى و استكبر و كان من الكافرين) (37) , و أيضاً (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين) (38) , إن حالة التغيير هذه من الألوهية التي كان عليها الشيطان إلى وضعيته الجديدة كملاك و مغضوب عليه أيضاً قد دعم الإتجاه التوحيدي بشكل قوي جداً , إذ لم يتبق أي نوع من التساوي في المكانة و النفوذ بين الله و بين الشيطان , إنما أصبح الله هو الإله الذي لا اله غيره و هو الخالق لكل شئ و الآمر لكل شئ , أما الشيطان فقد أصبح دوره في هذه الأديان الثلاثة دوراً هامشياً وليس له إلا أن يسير في دربه المرسوم له سابقاً , لقد ساد الإعتقاد في الفكر العبري القديم إن كل شئ يعود في خلقه إلى الله فالله معطي الحياة جميعها , يهوة هو الرب الأعلى و هو المصدرر الوحيد للخير و الشر , أو كما يذكر في سفر أيوب 38:8 و ما بعدها (... إن كل مصيبة تحل بالناس سواء بالأفراد أو الأمم يرسلها يهوة) , وكذلك : (فهو الذي يرسل من يريد إلى شيول ) (الجحيم) و ينتشلهم منها متى شاء (39) , وهو الذي أغوى الإنسان كي يختبر تقواه و مدى إخلاصه له و إستمراره في تعبده كما في حالة إبراهيم و أيوب (40) , وقد عبر أيوب عن هذه الحقيقة عندما قال (أنقبل الخير من عند الله و لا نقبل الشر) (41) , و كذلك في سفر أشعياء 244-24 نقرأ (من الذي دفع يعقوب إلى السلب و إسرائيل إلى الناهبين, ألم يكن الرب) , إن هذه السيطرة الكاملة لدى الرب بأفعال الخير أو الشر على حد سواء قد جعلت الباحثين في الأديان الحديثة يعطون رأيين أثنين حول علاقة الله بالشيطان , الأول يقول أن الشيطان ربما يكون هو الرب متنكراً و الثاني يقول أن الشيطان هو يد الله اليسرى المسيرة من قبله أو أن الشياطين هي مخلوقات ربانية غير كامله (42) .
2 - على الرغم من قدرة الشيطان في هذه الأديان على فعل الشر و إغواء البشر و دفعهم إلى عصيان الله ثم التهلكة , فإن هذه القدرة الخارقة في الحقيقة ما هي إلا مظهر يختبئ تحته شيئاً آخر تماماً و مخالف للواقع الذي يقول إن الشيطان لا يمتلك أي إرادة خاصة به على فعل الشر , إنما كل أفعاله يكون مصدرها أما أمراً مباشراً أو غير مباشر من الرب أو لضعف الإنسان أمام الإغراءات و الغواية , ففي المسيحية نرى أن الشيطان في الظاهر يمتلك قوة خارقة و يستطيع أن يفعل ما يشاء في هذا العالم , ففي إنجيل يوحنا 14-30 نقرأ (... الشيطان الآن هو أمير بل ورب هذا العالم الفاني على السواء) و يقول عنه بولس في رسالته الثانية إلى كورنثوس بأنه (إله هذا الدهر) كما أنه (رئيس سلطان الهواء) كما يقول عنه في رسالة أفسس و هو روح الضعف , الشرير , رئيس هذا العالم , التنين العظيم , الحية القديمة إضافة إلى العديد من الأخبار و الإشارات التي تتحدث لنا عن قوته الكبيرة و مدى قدرته و سلطانه على إتيان الشر , و لكن في حقيقة الأمر فإن الشيطان لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة دون أن يستأذن الرب في ذلك كما حدث في حالة طرد الشياطين من أحد الأشخاص و توسل هذه الشياطين إلى يسوع أن يأذن لها بالدخول في الخنازير , فأذن لهم (لوقا 8 : 26 - 34) أما في الإسلام فإن الشيطان لا يمتلك الإرادة الخاصة به أيضاً لفعل الشر و لكن هنا يأتي فعله كنتيجة مباشرة لضعف الإرادة الإنسانية أمام الشر و الغواية و الإغراء: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني و لوموا أنفسكم) بل و في آية أخرى نرى بوضوح الدور الهامشي للشيطان و حقيقة موقفه الضعيف , فالله يخاطبه بقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان).
 3 - لعل أهم التغييرات التي طرأت على شخصية الشيطان و مكانته و علاقته بالرب هي تحول الصراع بينه و بين الرب من حالة الصراع المباشر بين الأثنين إلى حالة الصراع غير المباشر , و هنا أصبح الإنسان و لأول مرة مركزاً رئيسياً لهذاالصراع و وسيلة الطرفين المتنازعين لتحقيق الإنتصار كل على حساب الطرف الآخر , وتحول الصراع وفق هذا المفهوم من عالمه العلوي الذي كان يجري فيه إلى عالمنا البشري مجسداً بالإنسان الذي بدأ يعتبر محوراً لساحة المعركة يدور حولها الشيطان و الرب على حد سواء , و نرى ذلك واضحاً و خصوصاً في الديانة الإسلامية عندما يطلب الشيطان من الرب إطلاق يده على إغواء البشر و إغرائهم على العصيان و الفسق كما يشاء , فأعطاه الله ما أراد حتى يوم الدين (43) : (... قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون . قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم .قال ربي أغويتني لأزينن لهم في الأرض و لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منه المخلصين ) (44) , . أصبح الإنسان هو الوسيلة و هو الهدف الذي يسعى الجانبان إلى كسبه و الصراع من أجله و من خلاله بنفس الوقت , و تحولت المعركة بين الله و بين الشيطان من رحلات و غزوات و معارك بين عالميهما و كائناتهما إلى معركة تدور داخل الإنسان باعتباره يمثل وجهان لعملة واحدة و هما الخير و الشر , النور و الظلام , الحق و الباطل و الفائز منهما هوالذي يجعل الإنسان يتخذ الوجهة التي يريدها , تماماً كما حدث في قصة أيوب و المعاناة التي واجهها هذا العبد الصالح الذي صمد حتى النهاية في اختياره لطريق النور و الإيمان فاندحر بذلك الشيطان مع هذا العبد و خسر معركة كان يمكن أن يفوز بها و لكن فقط لو شاء الله تعالى . و الملفت للنظر في الأمر أن الديانة المندائية و على خلاف بقية الأديان القديمة نراها تحمل نفس المفهوم عن الصراع بين الرب و الشيطان الموجود في الأديان الحديثة على الرغم من وجود المفهوم القديم عن طبيعة الصراع و ما هيته و كيف يجري في العوالم العلوية و التي لا دخل للأنسان فيها , و لكننا مع ذلك نجد الكثير من النصوص التي تتحدث عن المحاولات التي تجريها الروهة لكسب آدم إلى صفها و الإبتعاد به عن طريق الله القويم , مثلما يذكر أحد النصوص في كنزا ربا الأيمن 3 ص 107 , حيث تتكلم الروهة و ملائكة الكواكب حول آدم (46) (سنمسك آدم و ندخله في تجمعنا في تجمعنا سندخله , ونعلق قلبه و نجعله في قبضتنا و نصطاده عبر الأبواق و المزامير , حتى لا ينفصل عنا ) . كما نرى في النص التالي : (47 )
 4 - أصبحت و ظيفة الشيطان في هذه الأديان الثلاثة الأخيرة , وظيفة إختبارية تكتيكية فقط و ابتعد الشيطان بذلك عن ممارسة الشر كطبيعة موجودة فيه و مجبول عليها و انحصر دوره فقط في القيام بمهمة اختبار الإنسان و مهمة تضليله و غوايته ليس إلا , كما نرى ذلك في قصة أيوب أو قصة تجربته للمسيح و معرفة صلابة إيمانه أو في عملية التحدي التي جرت بين الله من جهة و بين الشيطان من جهة أخرى في الديانة الإسلامية , حول الإنسان و مدى صموده و صلابته في اختيار أحد الطريقين , طريق الحق أو الباطل , طريق الخير أو الشر , طريق النور أو الظلام.
    عبد الرزاق شمخي
        الدنمارك
المصادر : 
 الربي رافد الرش امة عبدالله
سنان نافل عبد المجيد السعدون – اسماء الأعلام المندائية في كنزا ربا – اطروحة ماجستير – 1997-بغداد – ص64 36.
الكتاب المقدس – العهد القديم – حزقيال- ص 12-17 37.
القرآن الكريم – صورة البقرة-آية 30-34 38.
القرآن الكريم – صورة الأعراف – آية 10-17 39.
الكتاب المقدس – العهد القديم – سفر الملوك الأول -6, يونان -2 ,
مزامير-81 40.
د. سامي سعيد الأحمد ص59 41.
الكتاب المقدس – العهد القديم – سفر أيوب -2-10,9 42.
د. سامي سعيد الأحمد ص106 43.
المصدر السابق – ص 106 44.
القرآن الكريم – صورة الحجر – 28 – 40 45.
القرآن الكريم – صورة الأعراف – آية10-17 46.
كورت رودولف – ص176
 
  الجزء الرابع                                                                                   
بشميهون اد هيي ربي
( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام في ديانتنا المندائية وفي الديانات الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة . الجزء الرابع اوضحنا في الأجزاء الثلاث السابقة عن الشيطان عالم الروها ( عالم الظلام ) , وفي هذا الجزء نتطرق الى لغز قيامة المسيح كما ورد في الديانة المسيحية , والذي يهمنا هو العلاقة بين عالم النور وعالم الظلام . والمثلوجيا في الديانة المندائية والديانة المسيحية التي استوحت بعض من عقيدتها من الديانة الزرادشتية التي سادت في المنطقة قبل الميلاد بأكثر من نصف قرن . وفي تقصّينا لمفهوم قيامة الموتى في تعاليم يسوع، وإشارته إلى قيامته هو نفسه في اليوم الثالث، يجب أن ننبه إلى أن هذا المفهوم لم يكن من مقومات العقيدة التوراتية. فالنظرة التوراتية لحياة ما بعد الموت لم تكن تختلف عما هو سائد في المنظومات الدينية المشرقية والكلاسيكية على حد سواء. فروح الميت تمكث مدة ثلاثة أيام إلى جانب جثمانه في القبر، ثم تهبط منه إلى هوة سفلية تدعى في التوراة شيئول (أو الهاوية وفق الترجمات العربية)، وهي تعادل العالم الأسفل كور في الديانة الرافدينية، وهاديس في الديانة اليونانية والرومانية. والديانة المندائية عالم الظلام ( الما إد هشوخا ) وهناك تستمر في وجود شبحي لا حرارة فيه ولا طعم. وعلى حد وصف سفر إشعيا فإن الموتى "يضطجعون معاً لا يقومون. قد خمدوا كفتيلة انطفأوا." (إشعيا 43: 17). ووصف سفر إرميا: "ينامون نوماً أبدياً ولا يستيقظون." (إرميا 51: 39). هذا النوم الذي لا صحوة منه يعبر عنه أبلغ تعبير هذا المقطع من سفر أيوب: "لأن للشجرة رجاءً إن قُطعت تُخلِفُ أيضاً ولا تَعدم خراعيبها. ولو قدِم في الأرض أصلُها ومات في التراب جذعها فمن رائحة الماء تُفرخ وتُنبت فروعاً كالغرس. أما الإنسان فيموت ويبلى، يُسلم الروح فأين هو؟ يضطجع ولا يقوم." (أيوب 14: 7: 12). وتوصف الهاوية التوراتية على أنها عالم أسفل يقع تحت عالمنا، وإليه تذهب جميع الأرواح لا فرق في ذلك بين صالح وطالح أو بين خاطئ ونبي. وها هو يعقوب أبو الأسباط يبكي يوسف ابنه الغائب الذي يعتقد أنه قد مات ومضى إلى الهاوية، ويأمل أن يموت ليلحق به: "وقام جميع بنيه وبناته يعزونه فأبى أن يتعزى وقال: إني أنزل إلى ابني نائحاً إلى الهاوية." (التكوين 37: 35). والنبي صموئيل وهو واحد من أعظم أنبياء التوراة يهبط بعد موته إلى الهاوية. وقد عمد الملك شاؤل إلى استحضار روحه من العالم الأسفل لكي يستشيره، وذلك بواسطة وسيطة روحانية. فصعد صموئيل من عالم الموتى على هيئة شيخ مغطى بجبة، فخر شاؤل على وجهه إلى الأرض وسجد. فقال صموئيل لشاؤل: "لماذا أقلقتني بإصعادك إياي؟ فقال شاؤل: قد ضاق بي الأمر جداً." (صموئيل الأول 28). وتوصف الهاوية التوراتية بأوصاف تشبه ما ورد في الميثولوجيا المشرقية القديمة. نقرأ في أسطورة هبوط عشتار إلى العالم الأسفل: "إلى الأرض التي لا عودة منها وجهت عشتار أنظارها. إلى دار الظلام ومسكن الإلهة إركالا، إلى الدار التي لا يرجع منها داخل إليها، إلى الدرب الذي لا يقود صاحبه من حيث أتى، إلى المكان الذي لا يرى سكانه نوراً، حيث الغبار طعامهم والتراب معاشهم، يسبحون في الظلام فلا بصيص شعاع."(1). ونقرأ في سفر أيوب: "وكنت كأني لم أكن قط ، فأُقاد من البطن إلى القبر. أليست أيامي إلى حين؟ فاكفف (يا رب) عني فأرتاح قبل أن أنصرف انصراف من لا يؤوب إلى أرض ظلمة وظلال موت، أرضٌ دجيّةٌ حالكة كالديجور." (أيوب 21: 23-31). وأيضاً: "ما رجائي؟ إنما الهاوية بيتي وفي الظلام مهدتُ مضجعي. قلتُ للفساد أنتَ أبي وللديدان أنتِ أمي وأختي. إذن أين رجائي؟ رجائي من يراه؟ إنه يهبط إلى أبواب الهاوية." (أيوب 10: 19-22). ولم تكن بقية الشيع الدينية في فلسطين بدورها تؤمن بقيامة الموتى، ولم يكن القبر بالنسبة إليها إلا معبراً إلى عالم الأخيلة والظلال السفلي، شأنها في ذلك شأن بقية العبادات السورية. إلا أن التبادل الثقافي الذي حصل مع فارس خلال فترة الحكم الفارسي لبلاد الشام فيما بين عام 539 ق.م وعام 332 ق.م، قد أدى إلى انتشار بعض الأفكار الدينية الزردشتية في المنطقة، وأهمها فكرة مخلّص البشرية الذي سيظهر في نهاية الأزمان، وفكرة القيامة العامة للموتى وعودة الروح إليها من أجل الحساب الأخير. وقد أثرت الفكرة الأولى على نشوء المفهوم التوراتي المتعلق بالمسيح المنتظر، كما أثرت الفكرة الثانية على نشوء تصورات شعبوية عن بعث الموتى لم يتم تبنيها رسمياً ولكنها ترسخت تدريجياً لدى إحدى الفرق اليهودية الرئيسية في القرن الأول الميلادي، وهي فرقة الفريسيين التي آمنت بالقيامة الجسدية للموتى في يوم الرب الأخير. أما فرقة الصدوقيين وهي الفرقة الرئيسية الثانية التي كانت مسطيرة على الهيكل وطقوسه، فقد بقيت ملتزمة التفسير الحرفي للتوراة وأنكرت البعث معتبرة أن الروح تموت مع الجسد وكلاهما لا يقوم. وفيما يتعلق بالفرقة اليهودية الثالثة وهي فرقة الأسينيين الأقل شأناً، فإن الشواهد من مخطوطاتها المكتشفة في موقع قمران، تكشف عن موقف ملتبس وغير واضح من هذه المسألة. على أن هذا كله لا يستكمل المشهد الديني الفلسطيني في القرن الأول الميلادي. فإلى جانب الوثنية السورية التقليدية والفرق اليهودية، كان هنالك جيوب متفرقة من عبادات الأسرار، لعل أهمها شيعة جبل الكرمل التي كان لها مركز ديني مهم على ذلك الجبل، وكان أشبه بالمعهد الديني الذي يلتحق به الفتيان من أجل تلقي العلوم الدينية قبل التنسيب. وقد شاع صيت هذا المركز في العالم القديم وقصده عدد من الحكماء من أجل تلقي العلوم الروحانية، ومنهم فيثاغورث الذي تروي سيرة حياته عن اعتكافه مدة طويلة في جبل الكرمل، أكثر الجبال قداسة.(2) وعبادات الأسرار تؤمن ببعث الروح لا الجسد عن طريق الاتحاد بالإله المخلّص، ولكن هذا البعث ليس عاماً وإنما مقتصراً على من عَبَر إلى حلقة المريدين الضيقة ومارس طقوس الاستسرار. وكان في فلسطين جماعات غنوصية متفرقة تنتمي إما إلى طريقة سمعان ماجوس أو إلى طريقة يوحنا المعمدان (راجع بحثنا السابق: يوحنا المعمدان وتاريخ طقس المعمودية). والغنوصية هي نظام ديني يقوم على مبدأ ثنائية الروح والجسد، حيث ينتمي الجسد إلى عالم المادة والظلام وتنتمي الروح إلى عالم الأنوار العلوي الذي منه هبطت وحلت في سجن المادة. وسوف تبقى الروح حبيسة هذا العالم المليء بالشر والألم، ورهينة دورة الميلاد والموت تنتقل من جسد إلى آخر، حتى تتعرف على أصلها من خلال فعالية العرفان الذي يقودها إلى الخلاص، عندما تنضو عنها رداءها المادي وتبدأ رحلة العودة إلى ديارها. وهنا يتحول القبر من بوابة إلى دورة تناسخ جديدة إلى بوابة نحو العالم النوراني الأعلى والحياة في الأبدية. فعلى عكس الزردشتية وغيرها من النُّظُم الدينية اللاحقة التي تبشر ببعث أجساد الموتى في اليوم الأخير، فإن الخلاص الذي تبشر به الغنوصية هو خلاص الأرواح من الجسد ومن العالم في آن معاً. أما الأجساد فتسقط ولا تقوم أبداً. "تكلم المسيح مخاطباً يحيى في أورشليم: يا يحيى، أستحلفك بالحي العظيم وبملاك الأحد الوقور، وبالدرب الذي سلكه المختارون الصالحون، حدثني ماذا تشبه سفينة صورائيل؟ أخبرني عن النفس كيف تغادر الجسد وبماذا تكون متلفّعةً؟ وماذا تشبه وهي داخل الجسد الفاني؟"…ولعل باستطاعتنا تَلَمُّس عقيدة بعث الأرواح في هذه الغنوصية الفلسطينية، من خلال تعاليم يوحنا المعمدان التي حفظتها لنا إلى اليوم طائفة الصابئة المندائيين. نقرأ في الكتاب المندائي المعروف بعنوان "تعاليم ومواعظ يحيى بن زكريا" ما يلي: لما توقف عيسى عن الكلام قال يحيى بصوتٍ عالٍ:… النفس محتجبة، تدخل خفيةً إلى الجسد الفاني، وعندما يحين الأجل تنسل خفيةً متلفّعةً برداء النور وتصعد سفينة صورائيل. تظهر ثلاثة أشعة من الضوء تلحق بها ثم تجتازها. الأول يجتازها تاركاً إياها عند المساء، والثاني يتركها عند الفجر، أما الثالث فيغادرها تاركاً لها راية بيضاء. "تغضب النار، تتحرك النسمة منسلةً من القدم إلى الركبة، وتقترب من الخاصرة، وتصل إلى القلب قابضةً عليه، ثم تصعد حتى تأتي اللسان وتلتفُّ عليه، فتغيم عينا الإنسان وتشحب سيماؤه وشفتاه. فيناديها صورئيل قائلاً: انفصلي أيتها النسمة، لماذا ترقبين الجسد؟ فتجيب: يا صورئيل أخرجني من جسدي، امنحني لباسي وحررني.
 يقول لها: هات أعمالكِ، فإن الأجر هو الذي سيمنحكِ رداءكِ.
 فتجيب: لا أعرف يا صورئيل أن أجلي قد حان، أنهم أرسلوك إليّ. فإن كانت أعمالي حسنةً أحضر ملابسي وألبسني إياها. "تَخْرُجُ النسمة. يحمل الجسد أربعة رجال يرتدون ملابس النور، يسيرون نحو المدفن، يضعونه في حفرة ضيقة وبهدوء يوارونه الثرى. بحزن مكتوم ينسحبون الواحد بعد الآخر تاركين الجسد المُغيَّب في اللحد. بعد ذلك يُحضرون قدحاً من الماء وبعضاً من الخبز، وينسون الجسد."(3) ونقرأ في التسبيح الثامن والثلاثين من الكتاب المقدس المندائي "كنزا ربا" ما يلي: "باسم الحي العظيم. أسمعُ صوت نفسٍ ما وهي تخرج من جسد الحرمان، أسمعها وهي تقول: عارية أتيتُ إلى هذا العالم، فارغة منه أخرجوني مثل عصفور لم يرافقه شيء. ثم التفتتْ إلى الهيكل الذي منه خرجتْ قائلة: ماذا أفعل بك يا جسدي الباقي في هذا العالم؟ يا جمال جسدي الذي سيأكلك في القبر الدود ماذا أفعل بك؟ يا قميص الورود، ماذا أفعل بك؟ ستمزقك الكواسر. لو كنتَ ثوب ضياء ونور للبستُكَ يا جسدي ولصعدْتَ معي إلى بيت هيِّي… ماذا أفعل بك يا جسدي وأنت من طينٍ جُبلتَ؟ من كتلة طينٍ جُبلتَ أيها الجسد، واحتملتَ اضطهاد جميع الأشرار، فماذا أفعل بك؟ وبينما النفس تُحدّث جسدها، طار إليها رسول الحي. رسول الحي طار إليها وكلّمها مشفقاً عليها: هلّمي أيتها اللؤلؤة التي من كنز الحي أُخذتْ. هلّمي أيتها الزّكية التي عطَّرت هيكل الطين ذاك. هلّمي أيتها المنيرة التي أضاءت بيتها المظلم. هلّمي انزعي رداءك الطيني رداء الدم واللحم، والبسي رداء النور والضياء. البسي ثوب العطر والأريج، وضعي إكليلك البهيج، ثم اصعدي وأقيمي بين الأثيريّين. مبارك الحي. ومبارك اسم الحي في بلد النور."(4) من عرضنا هذا للمشهد الديني الفلسطيني في القرن الأول الميلادي، نخرج بنتيجة مفادها أن يسوع قد ظهر في بيئة دينية لم تكن تؤمن بالحياة الثانية، عدا قلة فريسية آمنت ببعث الأجساد المادية وعودة الروح إليها، وقلة قليلة غنوصية آمنت ببعث الأرواح دون أجسادها. وقد ركز يسوع في دعوته الموجهة إلى اليهود والوثنيين على مفهوم القيامة الروحية في مقابل مفهوم قيامة الجسد الذي يقول به الفريسيون المتأثرون بالأفكار الزرادشتية. وهذه القيامة تحصل في هذه الحياة عندما تتعرف الروح على أصلها السماوي وتُولد ولادة ثانية "من الأعلى". نقرأ في إنجيل يوحنا: "ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلا إذا وُلد من علٍ… إلا إذا وُلد وكان مولده من الماء والروح. فمولود الجسد يكون جسداً، ومولود الروح يكون روحاً… فالريح تهب حيث تشاء فتسمع هزيزها ولا تدري من أين تأتي ولا أين تذهب. تلك حالة مولود الروح." (يوحنا 3: 3-8). وقد شغل مفهوم ثنائية الروح والجسد وما يتصل به من مفهوم قيامة الروح حيزاً كبيراً من تعاليم يسوع السرية، التي تُظهرها هذه الأقوال من إنجيل توما:(5) * قال يسوع : عندما تعرفون أنفسكم، تعرفون وتفهمون أنكم أبناء الآب الحي. ولكن إذا لم تعرفوا أنفسكم أقمتم في الفقر وكنتم الفقر (الفقرة 3). (المقصود بالفقر هنا هو الجسد من جهة والعالم المادي الأوسع من جهة ثانية). * قال يسوع : طوبى لمن يقف في البداية لأنه سوف يعرف النهاية، ولن يذوق الموت (الفقرة 18). طوبى لمن وُجد قبل أن يُخلق (الفقرة 19). مثل هذه الأفكار هي التي آمنت بها الحلقة الضيقة من أتباع يسوع، والتي عَبَرَ أفرادها إلى أسرار ملكوت الله التي لم تكن متاحة للذين هم "من خارج"، على حد وصف يسوع (راجع إنجيل مرقس 4: 10-12). وعندما مات معلمهم كانوا على ثقة من أنه قام في اليوم الثالث قيامة روحية وجلس عن يمين الآب، لأن العالم الروحاني في الملأ الأعلى لا يقبل في نسيجه جسداً ثقيلاً جاء من عالم المادة، وهذا الجسد سوف يكون غريباً في ذلك العالم مثل غربة ذلك العالم عنه. وإذا كان يسوع قد قام روحياً فإن هذه القيامة ستكون متاحة لكل من آمن به وسار على طريقه. وقد عبّر بولس الرسول في رسائله بأوضح شكل عن هذه التعاليم التي تلقاها من تلاميذ يسوع عندما تعمّد ودخل إلى أسرار ملكوت الله. فبولس لم يتحدث أبداً عن قيامة جسدية ليسوع، ومن رآه من التلاميذ بعد قيامته قد واجهه على المستوى الروحاني. فالجسد عند بولس يشكل غربة عن الله، والإنسان لا يدخل ملكوت الله إلا إذا تخلى عن جسده. يقول في رسالته الثانية إلى أهالي كورنثة: "ولذلك لا نزال واثقين كل الثقة عارفين أننا ما دمنا في هذا الجسد فنحن متغربون عن الرب لأننا نهتدي بإيماننا لا بما نراه. فنحن إذاً واثقون، ونُفضّل أن نغترب عن هذا الجسد لنقيم مع الرب." (2كورنثة 5: 6-8). والجسد الذي يدفن في القبر يكون جسماً مادياً ولكنه يُبعث جسماً روحانياً: "يُدفن الجسم في فساد ويُقام في عدم فساد، يُدفن في هوان ويُقام في مجد، يُدفن في ضعف ويُقام في قوة، يُدفن جسداً حيوانياً ويُقام جسماً روحانياً… كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضاً، وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً. وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضاً صورة السماوي. أقول لكم أيها الإخوة إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفسادُ عدمَ الفساد." (1كورنثة 15: 42-50). ورجحان كفة اليهود المتنصرين من ذوي الخلفية الفريسية، والذين جلبوا معهم فكرة بعث الأجساد وفرضوها على العقيدة المسيحية خلال عقود التكوين الأولى. على أن مفهوم البعث الروحاني ليسوع بقي حياً لدى الفرق المسيحية الغنوصية وكان بمثابة حجر الزاوية في تعاليمها التي لا ترى في القيامة الجسدية سوى مباركة الجسد المادي الذي يسعى الغنوصي للتخلص منه. والمسيحيون الغنوصيون ينقسمون إلى فريقين في نظرتهم إلى قيامة يسوع. فالفريق الأول يميز بين يسوع الأرضي المولود من امرأة والمسيح السماوي الموجود لدى الآب منذ القدم، وقد هبط هذا المسيح السماوي على يسوع وتطابق معه لحظة خروجه من الماء بعد أن تعمد على يد يوحنا المعمدان .
 
    عبد الرزاق شمخي
      الدنمارك
      المصادر : -
1 - فراس السواح الهوامش: 1. راجع الترجمة الكاملة للنص في مؤلف "مغامرة العقل الأولى"، باب العالم الأسفل. 
 2. يقول الكاتب الأفلاطوني الحديث يمليخا الأفامي (نسبة إلى مدينة أفامية السورية) الذي كتب سيرة فيثاغورث، إن فيثاغورث قد اتصل بالفلاسفة اليونانيين وهو في سن السابعة عشرة، وتتلمذ على يد طاليس الذي حثه على السفر إلى الشرق والاختلاط بالكهنة هناك لأنه سيحصل منهم على كل ما يجعله حكيماً. فسافر أولاً إلى مدينة صيدا الفينيقية واطلع على الأسرار الدينية. ثم قصد جبل الكرمل أكثر الجبال قداسة واعتكف فترة طويلة في معبده المشهور. وبعد ذلك أبحر إلى مصر حيث تعلم علوم الفلك والرياضيات واطلع على حكمة المصريين. ومنها توجه إلى بابل. راجع: يمليخا: فيثاغورث، حياته وفلسفته، ترجمة زياد الملا، دار الينابيع، دمشق 2005، الفصل الثالث.
3. دارشة أد يحهيا، مواعظ وتعاليم النبي يحيى بن زكريا، ترجمه عن الآرامية أمين فعيل حطاب، بغداد 2001، النص رقم 30.
4. كنزا رَبَّا، الكنز العظيم، ترجمة د. يوسف متى قوزي ود. صبيح مدلول السهيري، بغداد 2001، التسبيح رقم 38، القسم اليسار، ص 128-132.
5. راجع ترجمتي الكاملة لإنجيل توما في مؤلفي "الوجه الآخر للمسيح"، الملحق.
6. James M. Robinson, edt, The Nay Hammadi Library, Harper, New York, 1978.
   الجزءالخامس  

                                                                              
                                     بشميهون اد هيي ربي
( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام في ديانتنا المندائية وفي الديانات الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة . الجزء الرابع اوضحنا في الأجزاء الثلاث السابقة عن الشيطان عالم الروها ( عالم الظلام ) , وفي هذا الجزء نتطرق الى لغز قيامة المسيح كما ورد في الديانة المسيحية , والذي يهمنا هو العلاقة بين عالم النور وعالم الظلام . والمثلوجيا في الديانة المندائية والديانة المسيحية التي استوحت بعض من عقيدتها من الديانة الزرادشتية التي سادت في المنطقة قبل الميلاد بأكثر من نصف قرن . وفي تقصّينا لمفهوم قيامة الموتى في تعاليم يسوع، وإشارته إلى قيامته هو نفسه في اليوم الثالث، يجب أن ننبه إلى أن هذا المفهوم لم يكن من مقومات العقيدة التوراتية. فالنظرة التوراتية لحياة ما بعد الموت لم تكن تختلف عما هو سائد في المنظومات الدينية المشرقية والكلاسيكية على حد سواء. فروح الميت تمكث مدة ثلاثة أيام إلى جانب جثمانه في القبر، ثم تهبط منه إلى هوة سفلية تدعى في التوراة شيئول (أو الهاوية وفق الترجمات العربية)، وهي تعادل العالم الأسفل كور في الديانة الرافدينية، وهاديس في الديانة اليونانية والرومانية. والديانة المندائية عالم الظلام ( الما إد هشوخا ) وهناك تستمر في وجود شبحي لا حرارة فيه ولا طعم. وعلى حد وصف سفر إشعيا فإن الموتى "يضطجعون معاً لا يقومون. قد خمدوا كفتيلة انطفأوا." (إشعيا 43: 17). ووصف سفر إرميا: "ينامون نوماً أبدياً ولا يستيقظون." (إرميا 51: 39). هذا النوم الذي لا صحوة منه يعبر عنه أبلغ تعبير هذا المقطع من سفر أيوب: "لأن للشجرة رجاءً إن قُطعت تُخلِفُ أيضاً ولا تَعدم خراعيبها. ولو قدِم في الأرض أصلُها ومات في التراب جذعها فمن رائحة الماء تُفرخ وتُنبت فروعاً كالغرس. أما الإنسان فيموت ويبلى، يُسلم الروح فأين هو؟ يضطجع ولا يقوم." (أيوب 14: 7: 12). وتوصف الهاوية التوراتية على أنها عالم أسفل يقع تحت عالمنا، وإليه تذهب جميع الأرواح لا فرق في ذلك بين صالح وطالح أو بين خاطئ ونبي. وها هو يعقوب أبو الأسباط يبكي يوسف ابنه الغائب الذي يعتقد أنه قد مات ومضى إلى الهاوية، ويأمل أن يموت ليلحق به: "وقام جميع بنيه وبناته يعزونه فأبى أن يتعزى وقال: إني أنزل إلى ابني نائحاً إلى الهاوية." (التكوين 37: 35). والنبي صموئيل وهو واحد من أعظم أنبياء التوراة يهبط بعد موته إلى الهاوية. وقد عمد الملك شاؤل إلى استحضار روحه من العالم الأسفل لكي يستشيره، وذلك بواسطة وسيطة روحانية. فصعد صموئيل من عالم الموتى على هيئة شيخ مغطى بجبة، فخر شاؤل على وجهه إلى الأرض وسجد. فقال صموئيل لشاؤل: "لماذا أقلقتني بإصعادك إياي؟ فقال شاؤل: قد ضاق بي الأمر جداً." (صموئيل الأول 28). وتوصف الهاوية التوراتية بأوصاف تشبه ما ورد في الميثولوجيا المشرقية القديمة. نقرأ في أسطورة هبوط عشتار إلى العالم الأسفل: "إلى الأرض التي لا عودة منها وجهت عشتار أنظارها. إلى دار الظلام ومسكن الإلهة إركالا، إلى الدار التي لا يرجع منها داخل إليها، إلى الدرب الذي لا يقود صاحبه من حيث أتى، إلى المكان الذي لا يرى سكانه نوراً، حيث الغبار طعامهم والتراب معاشهم، يسبحون في الظلام فلا بصيص شعاع."(1). ونقرأ في سفر أيوب: "وكنت كأني لم أكن قط ، فأُقاد من البطن إلى القبر. أليست أيامي إلى حين؟ فاكفف (يا رب) عني فأرتاح قبل أن أنصرف انصراف من لا يؤوب إلى أرض ظلمة وظلال موت، أرضٌ دجيّةٌ حالكة كالديجور." (أيوب 21: 23-31). وأيضاً: "ما رجائي؟ إنما الهاوية بيتي وفي الظلام مهدتُ مضجعي. قلتُ للفساد أنتَ أبي وللديدان أنتِ أمي وأختي. إذن أين رجائي؟ رجائي من يراه؟ إنه يهبط إلى أبواب الهاوية." (أيوب 10: 19-22). ولم تكن بقية الشيع الدينية في فلسطين بدورها تؤمن بقيامة الموتى، ولم يكن القبر بالنسبة إليها إلا معبراً إلى عالم الأخيلة والظلال السفلي، شأنها في ذلك شأن بقية العبادات السورية. إلا أن التبادل الثقافي الذي حصل مع فارس خلال فترة الحكم الفارسي لبلاد الشام فيما بين عام 539 ق.م وعام 332 ق.م، قد أدى إلى انتشار بعض الأفكار الدينية الزردشتية في المنطقة، وأهمها فكرة مخلّص البشرية الذي سيظهر في نهاية الأزمان، وفكرة القيامة العامة للموتى وعودة الروح إليها من أجل الحساب الأخير. وقد أثرت الفكرة الأولى على نشوء المفهوم التوراتي المتعلق بالمسيح المنتظر، كما أثرت الفكرة الثانية على نشوء تصورات شعبوية عن بعث الموتى لم يتم تبنيها رسمياً ولكنها ترسخت تدريجياً لدى إحدى الفرق اليهودية الرئيسية في القرن الأول الميلادي، وهي فرقة الفريسيين التي آمنت بالقيامة الجسدية للموتى في يوم الرب الأخير. أما فرقة الصدوقيين وهي الفرقة الرئيسية الثانية التي كانت مسطيرة على الهيكل وطقوسه، فقد بقيت ملتزمة التفسير الحرفي للتوراة وأنكرت البعث معتبرة أن الروح تموت مع الجسد وكلاهما لا يقوم. وفيما يتعلق بالفرقة اليهودية الثالثة وهي فرقة الأسينيين الأقل شأناً، فإن الشواهد من مخطوطاتها المكتشفة في موقع قمران، تكشف عن موقف ملتبس وغير واضح من هذه المسألة. على أن هذا كله لا يستكمل المشهد الديني الفلسطيني في القرن الأول الميلادي. فإلى جانب الوثنية السورية التقليدية والفرق اليهودية، كان هنالك جيوب متفرقة من عبادات الأسرار، لعل أهمها شيعة جبل الكرمل التي كان لها مركز ديني مهم على ذلك الجبل، وكان أشبه بالمعهد الديني الذي يلتحق به الفتيان من أجل تلقي العلوم الدينية قبل التنسيب. وقد شاع صيت هذا المركز في العالم القديم وقصده عدد من الحكماء من أجل تلقي العلوم الروحانية، ومنهم فيثاغورث الذي تروي سيرة حياته عن اعتكافه مدة طويلة في جبل الكرمل، أكثر الجبال قداسة.(2) وعبادات الأسرار تؤمن ببعث الروح لا الجسد عن طريق الاتحاد بالإله المخلّص، ولكن هذا البعث ليس عاماً وإنما مقتصراً على من عَبَر إلى حلقة المريدين الضيقة ومارس طقوس الاستسرار. وكان في فلسطين جماعات غنوصية متفرقة تنتمي إما إلى طريقة سمعان ماجوس أو إلى طريقة يوحنا المعمدان (راجع بحثنا السابق: يوحنا المعمدان وتاريخ طقس المعمودية). والغنوصية هي نظام ديني يقوم على مبدأ ثنائية الروح والجسد، حيث ينتمي الجسد إلى عالم المادة والظلام وتنتمي الروح إلى عالم الأنوار العلوي الذي منه هبطت وحلت في سجن المادة. وسوف تبقى الروح حبيسة هذا العالم المليء بالشر والألم، ورهينة دورة الميلاد والموت تنتقل من جسد إلى آخر، حتى تتعرف على أصلها من خلال فعالية العرفان الذي يقودها إلى الخلاص، عندما تنضو عنها رداءها المادي وتبدأ رحلة العودة إلى ديارها. وهنا يتحول القبر من بوابة إلى دورة تناسخ جديدة إلى بوابة نحو العالم النوراني الأعلى والحياة في الأبدية. فعلى عكس الزردشتية وغيرها من النُّظُم الدينية اللاحقة التي تبشر ببعث أجساد الموتى في اليوم الأخير، فإن الخلاص الذي تبشر به الغنوصية هو خلاص الأرواح من الجسد ومن العالم في آن معاً. أما الأجساد فتسقط ولا تقوم أبداً. "تكلم المسيح مخاطباً يحيى في أورشليم: يا يحيى، أستحلفك بالحي العظيم وبملاك الأحد الوقور، وبالدرب الذي سلكه المختارون الصالحون، حدثني ماذا تشبه سفينة صورائيل؟ أخبرني عن النفس كيف تغادر الجسد وبماذا تكون متلفّعةً؟ وماذا تشبه وهي داخل الجسد الفاني؟"…ولعل باستطاعتنا تَلَمُّس عقيدة بعث الأرواح في هذه الغنوصية الفلسطينية، من خلال تعاليم يوحنا المعمدان التي حفظتها لنا إلى اليوم طائفة الصابئة المندائيين. نقرأ في الكتاب المندائي المعروف بعنوان "تعاليم ومواعظ يحيى بن زكريا" ما يلي: لما توقف عيسى عن الكلام قال يحيى بصوتٍ عالٍ :-… النفس محتجبة، تدخل خفيةً إلى الجسد الفاني، وعندما يحين الأجل تنسل خفيةً متلفّعةً برداء النور وتصعد سفينة صورائيل. تظهر ثلاثة أشعة من الضوء تلحق بها ثم تجتازها. الأول يجتازها تاركاً إياها عند المساء، والثاني يتركها عند الفجر، أما الثالث فيغادرها تاركاً لها راية بيضاء. "تغضب النار، تتحرك النسمة منسلةً من القدم إلى الركبة، وتقترب من الخاصرة، وتصل إلى القلب قابضةً عليه، ثم تصعد حتى تأتي اللسان وتلتفُّ عليه، فتغيم عينا الإنسان وتشحب سيماؤه وشفتاه. فيناديها صورئيل قائلاً: انفصلي أيتها النسمة، لماذا ترقبين الجسد؟ فتجيب: يا صورئيل أخرجني من جسدي، امنحني لباسي وحررني.
 يقول لها: هات أعمالكِ، فإن الأجر هو الذي سيمنحكِ رداءكِ.
 فتجيب: لا أعرف يا صورئيل أن أجلي قد حان، أنهم أرسلوك إليّ. فإن كانت أعمالي حسنةً أحضر ملابسي وألبسني إياها. "تَخْرُجُ النسمة. يحمل الجسد أربعة رجال يرتدون ملابس النور، يسيرون نحو المدفن، يضعونه في حفرة ضيقة وبهدوء يوارونه الثرى. بحزن مكتوم ينسحبون الواحد بعد الآخر تاركين الجسد المُغيَّب في اللحد. بعد ذلك يُحضرون قدحاً من الماء وبعضاً من الخبز، وينسون الجسد."(3) ونقرأ في التسبيح الثامن والثلاثين من الكتاب المقدس المندائي "كنزا ربا" ما يلي: "باسم الحي العظيم. أسمعُ صوت نفسٍ ما وهي تخرج من جسد الحرمان، أسمعها وهي تقول: عارية أتيتُ إلى هذا العالم، فارغة منه أخرجوني مثل عصفور لم يرافقه شيء. ثم التفتتْ إلى الهيكل الذي منه خرجتْ قائلة: ماذا أفعل بك يا جسدي الباقي في هذا العالم؟ يا جمال جسدي الذي سيأكلك في القبر الدود ماذا أفعل بك؟ يا قميص الورود، ماذا أفعل بك؟ ستمزقك الكواسر. لو كنتَ ثوب ضياء ونور للبستُكَ يا جسدي ولصعدْتَ معي إلى بيت هيِّي… ماذا أفعل بك يا جسدي وأنت من طينٍ جُبلتَ؟ من كتلة طينٍ جُبلتَ أيها الجسد، واحتملتَ اضطهاد جميع الأشرار، فماذا أفعل بك؟ وبينما النفس تُحدّث جسدها، طار إليها رسول الحي. رسول الحي طار إليها وكلّمها مشفقاً عليها: هلّمي أيتها اللؤلؤة التي من كنز الحي أُخذتْ. هلّمي أيتها الزّكية التي عطَّرت هيكل الطين ذاك. هلّمي أيتها المنيرة التي أضاءت بيتها المظلم. هلّمي انزعي رداءك الطيني رداء الدم واللحم، والبسي رداء النور والضياء. البسي ثوب العطر والأريج، وضعي إكليلك البهيج، ثم اصعدي وأقيمي بين الأثيريّين. مبارك الحي. ومبارك اسم الحي في بلد النور."(4) من عرضنا هذا للمشهد الديني الفلسطيني في القرن الأول الميلادي، نخرج بنتيجة مفادها أن يسوع قد ظهر في بيئة دينية لم تكن تؤمن بالحياة الثانية، عدا قلة فريسية آمنت ببعث الأجساد المادية وعودة الروح إليها، وقلة قليلة غنوصية آمنت ببعث الأرواح دون أجسادها. وقد ركز يسوع في دعوته الموجهة إلى اليهود والوثنيين على مفهوم القيامة الروحية في مقابل مفهوم قيامة الجسد الذي يقول به الفريسيون المتأثرون بالأفكار الزرادشتية. وهذه القيامة تحصل في هذه الحياة عندما تتعرف الروح على أصلها السماوي وتُولد ولادة ثانية "من الأعلى". نقرأ في إنجيل يوحنا: "ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلا إذا وُلد من علٍ… إلا إذا وُلد وكان مولده من الماء والروح. فمولود الجسد يكون جسداً، ومولود الروح يكون روحاً… فالريح تهب حيث تشاء فتسمع هزيزها ولا تدري من أين تأتي ولا أين تذهب. تلك حالة مولود الروح." (يوحنا 3: 3-8). وقد شغل مفهوم ثنائية الروح والجسد وما يتصل به من مفهوم قيامة الروح حيزاً كبيراً من تعاليم يسوع السرية، التي تُظهرها هذه الأقوال من إنجيل توما:(5) * قال يسوع : عندما تعرفون أنفسكم، تعرفون وتفهمون أنكم أبناء الآب الحي. ولكن إذا لم تعرفوا أنفسكم أقمتم في الفقر وكنتم الفقر (الفقرة 3). (المقصود بالفقر هنا هو الجسد من جهة والعالم المادي الأوسع من جهة ثانية). * قال يسوع : طوبى لمن يقف في البداية لأنه سوف يعرف النهاية، ولن يذوق الموت (الفقرة 18). طوبى لمن وُجد قبل أن يُخلق (الفقرة 19). مثل هذه الأفكار هي التي آمنت بها الحلقة الضيقة من أتباع يسوع، والتي عَبَرَ أفرادها إلى أسرار ملكوت الله التي لم تكن متاحة للذين هم "من خارج"، على حد وصف يسوع (راجع إنجيل مرقس 4: 10-12). وعندما مات معلمهم كانوا على ثقة من أنه قام في اليوم الثالث قيامة روحية وجلس عن يمين الآب، لأن العالم الروحاني في الملأ الأعلى لا يقبل في نسيجه جسداً ثقيلاً جاء من عالم المادة، وهذا الجسد سوف يكون غريباً في ذلك العالم مثل غربة ذلك العالم عنه. وإذا كان يسوع قد قام روحياً فإن هذه القيامة ستكون متاحة لكل من آمن به وسار على طريقه. وقد عبّر بولس الرسول في رسائله بأوضح شكل عن هذه التعاليم التي تلقاها من تلاميذ يسوع عندما تعمّد ودخل إلى أسرار ملكوت الله. فبولس لم يتحدث أبداً عن قيامة جسدية ليسوع، ومن رآه من التلاميذ بعد قيامته قد واجهه على المستوى الروحاني. فالجسد عند بولس يشكل غربة عن الله، والإنسان لا يدخل ملكوت الله إلا إذا تخلى عن جسده. يقول في رسالته الثانية إلى أهالي كورنثة: "ولذلك لا نزال واثقين كل الثقة عارفين أننا ما دمنا في هذا الجسد فنحن متغربون عن الرب لأننا نهتدي بإيماننا لا بما نراه. فنحن إذاً واثقون، ونُفضّل أن نغترب عن هذا الجسد لنقيم مع الرب." (2كورنثة 5: 6-8). والجسد الذي يدفن في القبر يكون جسماً مادياً ولكنه يُبعث جسماً روحانياً: "يُدفن الجسم في فساد ويُقام في عدم فساد، يُدفن في هوان ويُقام في مجد، يُدفن في ضعف ويُقام في قوة، يُدفن جسداً حيوانياً ويُقام جسماً روحانياً… كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضاً، وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً. وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضاً صورة السماوي. أقول لكم أيها الإخوة إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفسادُ عدمَ الفساد." (1كورنثة 15: 42-50). ورجحان كفة اليهود المتنصرين من ذوي الخلفية الفريسية، والذين جلبوا معهم فكرة بعث الأجساد وفرضوها على العقيدة المسيحية خلال عقود التكوين الأولى. على أن مفهوم البعث الروحاني ليسوع بقي حياً لدى الفرق المسيحية الغنوصية وكان بمثابة حجر الزاوية في تعاليمها التي لا ترى في القيامة الجسدية سوى مباركة الجسد المادي الذي يسعى الغنوصي للتخلص منه. والمسيحيون الغنوصيون ينقسمون إلى فريقين في نظرتهم إلى قيامة يسوع. فالفريق الأول يميز بين يسوع الأرضي المولود من امرأة والمسيح السماوي الموجود لدى الآب منذ القدم، وقد هبط هذا المسيح السماوي على يسوع وتطابق معه لحظة خروجه من الماء بعد أن تعمد على يد يوحنا المعمدان .
 
    عبد الرزاق شمخي
      الدنمارك
      المصادر : -
1 - فراس السواح الهوامش: 1. راجع الترجمة الكاملة للنص في مؤلف "مغامرة العقل الأولى"، باب العالم الأسفل. 
 2. يقول الكاتب الأفلاطوني الحديث يمليخا الأفامي (نسبة إلى مدينة أفامية السورية) الذي كتب سيرة فيثاغورث، إن فيثاغورث قد اتصل بالفلاسفة اليونانيين وهو في سن السابعة عشرة، وتتلمذ على يد طاليس الذي حثه على السفر إلى الشرق والاختلاط بالكهنة هناك لأنه سيحصل منهم على كل ما يجعله حكيماً. فسافر أولاً إلى مدينة صيدا الفينيقية واطلع على الأسرار الدينية. ثم قصد جبل الكرمل أكثر الجبال قداسة واعتكف فترة طويلة في معبده المشهور. وبعد ذلك أبحر إلى مصر حيث تعلم علوم الفلك والرياضيات واطلع على حكمة المصريين. ومنها توجه إلى بابل. راجع: يمليخا: فيثاغورث، حياته وفلسفته، ترجمة زياد الملا، دار الينابيع، دمشق 2005، الفصل الثالث.
3. دارشة أد يحهيا، مواعظ وتعاليم النبي يحيى بن زكريا، ترجمه عن الآرامية أمين فعيل حطاب، بغداد 2001، النص رقم 30.
4. كنزا رَبَّا، الكنز العظيم، ترجمة د. يوسف متى قوزي ود. صبيح مدلول السهيري، بغداد 2001، التسبيح رقم 38، القسم اليسار، ص 128-132.
5. راجع ترجمتي الكاملة لإنجيل توما في مؤلفي "الوجه الآخر للمسيح"، الملحق.
6. James M. Robinson, edt, The Nay Hammadi Library, Harper, New York, 1978.
 
     الجزء السادس                                   
                          بشميهون اد هيي ربي
( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام في ديانتنا المندائية وفي الديانات الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة 
  لقد تطرقنا في الجزء الأول الى ما جاء في كتاب دراشة اد يهيا ( مواعظ وتعاليم ) التحذير من السجود للشيطان والأوثان في الفصل الرابع والأربعين ما نصه : { احذروا لا تسجدوا للشيطان والأصنام والتماثيل في هذا العالم ، مذنب من يفعل ذلك ، ولا يصل الى دار الكمال } . وأما عالم الظلام ، عالم الشرور والآثام .. عوالم من دخان ونار ، ونقص وشنار , تعج عجيجاً بالأشرار ، وبالقتلة والفجار ‘ والسحرة والمشعوذين والكفار , أرواحهم زاهقة .. سفهاء , ومصاصو دماء , بوجوه مظلمة سوداء صـُـمٌّ بلهاء , ينهض بينهم المشعوذون , السرّاق والقتلة والمجرمون . هبوط سيدة الانوثة الى العالم السفلي.. لعل النص السومري، عن هبوط (عيناناـ عشتار) ( 1 ) الى العالم الاسفل ( عالم الظلام ) ، هو اول ملحمة خطتها يد الانسان في موضوع (الاله الفادي). ان النص المأساوي لهبوط آلهة الانوثة والخصب السومرية (عينانا) بالسومري و (عشتار) بالاكدي، الى العالم السفلي ، فيه الكثير من الالتباس والغموض فيما يخص مصير الإله ( (دموزي ـ تموز). منذ اكتشاف هذه النصوص وحتى عام 1964 ، جميع التفسيرات تعتقد بان سبب مخاطرة النزول الى العالم الأسفل هدفه إنقاذ الإله (تموز) من الموت. لكن عالم الأثريات الجليل صموئيل نوح كرايمر ( الذي يدين العراقيون له بالكثير لفضائله في اكتشاف كنوز مرتكزات آثارهم وأساطيرهم وطقوسهم الثقافية القديمة المخبئة تحت الار ض، وبالتأكيد سيتذكرونه بكرمهم المعروف في المستقبل)، اكتشف رُقيمات جديدة أعطت تفسيرا جديدا منطقيا لسجن الاله((تموز)) في العالم السفلي، وبالتالي اتضح تفسير ألاسطورة وفهم سبب نزول الهة الانوثة الى هذا العالم. حيث اكدت هذه الرُ قيمات التي كتبت في عام 1750 ق.م، على ان الالهة ( (عيناناـ عشتار)) كانت هي السبب في تسليم حبيبها الاله (تموز) الى شياطين العالم الاسفل. لكن سبب نزولها الى هناك قبل ذلك لم يُفسر بشكل مقنع. إلا إننا نفهم من هذه الرقيمات بان تحديها لقوانين عالم الظلام والموت، كان نتيجة لنزوة من الاعتداد والغرور وجشع السيطرة والتي هي من سمات سيدة البلاد الاولى . ان فكرة التضحية والفداء كانت شائعة في ديانات الشرق عموما والشرق الادنى بخاصة. فمن اجل ان يتم الخصب لابد من قربان وتضحية، ولابد ان تكون هذه التضحية عظيمة ومقدسة. لهذا فان نزول (عينانا) يعني غياب قوة الاخصاب الكونية عن الحياة. ثم انها لم تبقى الى الابد في عالم الظلام والموت ذلك، بل جاهدت من أجل الرجوع الى الحياة، حتى نجحت اخيرا بعد كفاح مرير. إذن (عينانا) ذاقت طعم الموت من أجل الانسان، ومن أجل خصب الطبيعة ! هكذا لابد من نزول إله الى عالم الاموات. ( 2 ) من المعلوم ان (عينانا ـ عشتار) كانت هي السبب الرئسي في تسليم الاله (دموزي) الى الشياطين، لغضبها الشديد منه. وفي هذا الجانب يؤكد صموئيل نوح كرايمر في كتابه القيم (طقوس الجنس المقدس عند السومرين)، ان الالهة (عينانا) اعتزمت النزول الى العالم الاسفل، الى عالم الاموات بسبب عدم قناعتها في ان تكون فقط ملكة " الاعلى العظيم "، وررغبتها في ان تستولى على" الاسفل العظيم " أيضا. لذلك فإنها تزينت بشارات سلطانها وامتيازاتها المقدسة وعزمت على النزول الى " بلاد اللاعودة"، وبما انها تعلم مسبقا بكونها ستخرق قوانين مثل هذا العالم، وان أختها (أرشكيجال) ملكة العالم الاسفل وعدوتها اللدودة سوف لن تغفر لها جرأتها هذه، لذلك فان (عينانا) احتاطت للأمر، وطلبت من وزيرتها ننشوبر – في حالة عدم عودتها بعد ثلاثة أيام – أن تذهب الى مجمع الالهة تستجدي عطفهم لانقاذ سيدة البلاد: (( اذا لم يقف إنليل الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أور،/ وفي أور عند دخولك البيت، الذي هو بيت الرهبة في البلاد ، بيت الاله نانا، إنتحبي امام نانا / أبت لاتدع معدنك الثمين يعلوه غبار العالم الاسفل/ وإذا لم يقف نانا الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أريدو / في اريدو عند دخولك بيت أنكي، / أبتي أنكي لاتدع لازوردك الثمين يتكسر كحجر،/ لاتدع العذراء غنانا تموت في العالم الاسفل / الاب أنكي رب الحكمة / الذي يعلم " طعام الحياة " ويعلم " ماء الحياة " / لابد ان يعيدني الى الحياة ثانية)). عشتار المهيمنة امامها تموز ومعه الوعول رمز الفحولة, ونرى خلف كل منهما نخلة باسقة مثمرة ونصوص الديانة المندائية من بين نصوص الأديان التي حفظت القيمة للنخل شجرا وثمرا. ويقترن إستخدام كلمة " سندركا " بالإشارة الى معنى الفحولة ورمزا لها. إذ يرتبط ورود الكلمة في النصوص مقرونا بكلمة " أينا " التي تعني العين والنبع، كما إنها إشارة الى الأنوثة. ويكون في تعبير " أينا وسندركا " ما يفيد معنى الأنوثة والذكورة، وتعبير عن المرأة والرجل وعندما تتأكد بان هنالك من يدافع عنها ويحميها من الموت، تبدأ رحلتها فتصل الى بلاط العالم الاسفل ( عالم الظلام ) ، وتصرخ جريئة بوجه (ناتي) بواب عالم الموت، أن يفتح لها الباب وعندما تعلم ملكة العالم الاسفل بمقدم (عينانا)، تقرر عقابها و موتها، ولكن لايمكن ان يحدث هذا مالم تنتزع منها شارات ألوهيتها. لذلك فانها تعّلم بوابها القيام بخدعة تتمثل بالسماح للآلهة (عينانا) بالدخول من الابواب السبعة لعالم الموتى. ومن الوصف المعبر للشاعر القديم نعرف بان (عينانا) تفقد شاراتها وسلطتها واحدة إثر أخرى بدون ان تكون قادرة على الاعتراض اوالرفض لان نواميس هذا العالم تحكم بذلك. ويستمر الشاعر السومري بتقديم هذا المشهد بلغة وصفية رمزية معبرة:(( لدى ولوجها البوابة الاولى، / الشوجرا، تاج لاسهوب، نزع عنها./ رحماك ما هذا ؟/ صمتا (عينانا)، نواميس العالم الاسفل، نواميس كاملة، (عينانا) إياك ان تزري بمراسيم العالم الاسفل./ لدى ولوجها البوابة الثانية./ صولجان القياس وسلك اللازورد نزع عنها / رحماك ما هذا ؟/ صمتا (عينانا)، نواميس العالم الاسفل نواميس كاملة)). ويستمر الشاعر السومري في تقديم هذا المشهد المكثف بلغة رمزية لها دلالاتها المعبرة، لغة شرطية لاتتحمل التفصيلات الفائضة. من خلالها نفهم أن (عينانا) تفقد جميع شاراتها الالوهية عند إجتيازها الأبواب السبعة، حتى تصبح عاجزة عن فعل أي شئ أمام ملكة " الاسفل العظيم " :(( إنحنت خفيضة، جئ بها عارية أمامها)). وبما انها الان عارية من شارات الخلود، لذا فان حكماء العالم الاسفل وحراسه على استعداد لتطبيق قوانين عالمهم على آلهة مثلها أيضا: (( أركيجال المقدسة اعتلت سدة العرش / الانوناكي القضاة السبعة، نطقوا الحكم أمامها،/ سلطت عينيها عيني الموت /نطقت الكلمة بحقها، كلمة الغضب /صدرت عنها الصيحة بوجهها، صيحة الادانة،/ ضربتها أحالتها جثة هامدة /الجثة علقت بمسمار)). وهذا يدلل رمزيا على ان الانسان ينتقل من الحياة الى عالم الموت مستسلما ذليلا تاركا وراءه خداعه ومكره وطموحه ووحشيته وحقده وحسده وتبجحه. وينتقل بنا الشاعر القديم الى عالم السماء والارض حيث يتابع تطور الحدث من خلال قلق (ننشوبر) بسبب عدم عودة سيدتها، فتبدأ بتنفيذ التعليمات في اقامة النواح وطرق ابواب آلهة السماء لإنقاذ (عينانا)، لكن إنليل وإله القمر نانا لايصغيان الى توسلاتها، إلا ان الاله "أنكي " يقرر مساعدتها بخلق مخلوقين يتناسبان مع العالم الاسفل، وعلمهما الحيلة لانقاذها من عالم الموت : (( واحد منكما يرش لها طعام الحياة، والآخر ماء الحياة، (عينانا) " سوف تقوم ")). وعندما ينجح هذا المخلوقان باختراق عالم الموتى بالحيلة وينفذان تعليمات الاله أنكي المحكمة التي لاتترك مجالا للخطأ بل تخضع للتتابع في التنفيذ بما يشبه السيناريو المعد مسبقا من قبل الشاعر حيث نرى حبكة الاحداث تتصاعد حسب خطة الاله أنكي. وعندما تعود (عينانا) الى الحياة لا تستطيع الخروج من عالم الموتى دون أن يقدم بديل مكانها ( من الذين نزلوا الى العالم الاسفل واتفق لهم ان يصعدوا سالمين ؟) لذلك فان شياطين ( الجلا) وهم حرس العالم الأسفل ، يقومون بمصاحبتها للعودة بالبديل. وأثناء رحلتها تلتقي بالكثير من الذين تعرفهم وأحبتهم والذين حزنوا على غيابها في محنتها هناك في (عالم اللا عودة)، لذا فانها ترفض تسليمهم كبديل. وعندما تصل مدينتها ( أوروك)، هناك تجد حبيبها وزوجها الاله ((دموزي) ـ (تموز)) مرتديا فاخر الثياب، جالسا على عرشه يتلهى بإقامته احتفالا كما يليق بإله، وغير آبه بفراق حبيبته والحزن عليها. وهذا ما أغضب (عينانا) لدرجة سلطت عليه عينيها، عينا الموت،/ نطقت الكلمة بحقه، كلمة الغضب،/ أطلقت صيحة في وجهه.صيحة الاثم.أما هذا فخذوه. وبدون ضجة اسلمته الى شياطين ( الجلا) كبديل لها. ومن خلال المقاطع التي اوردناها من اسطورة نزول (عينانا) – (عشتار) الى العالم الاسفل، يتضح لنا ميزات مثيولوجيا وادي الرافدين كون الالهة هي بشر غير متعالي عن الانسان بالرغم من عليائها بسكنها السماء .فنرى بان شخصية الالهة (عينانا) وطموحها في الاستيلاء على عالم الاموات اضافة الى عالم ما فوق الارض .
 عبد الرزاق شمخي الدنمارك المصادر : -
1 - د. فاضل سوداني ـ كوبنهاكن
2 - أمل بورتر / نيوكسل
1 - ان ((عينانا)) لدى السومريين والتي حملت اسم ((عشتار)) لدى الاكديين، هي الام العظمى ورمز الانوثة التى عبدت في كل البلاد، وفي البداية في جنوب العراق (منطقة الاهوار بالتحديد). انها كانت الرمز الانثوي للخليقة والمعبرة عن الخصب. كان اتحادها مع ((دموزي) ـ رمز الذكورة) يعنى عودة الحياة. من اوائل ما يصلنا عن شكل ((عينانا) ـ (عشتار)) كان عبر المزهرية الصخرية من جمدة نصر 3000ق م وفيها نجد ((عينانا)) واقفة وامامها رجل عاري يقدم لها سلة من النذور وخلف ((عينانا)) شعارها حزمتا القصب(الذي يكثر في اهوار العراق). وهذا رمز يصعب فهم مضمونه الا انه يعطينا الاحساس بالانوثة.((عينانا)) لا يختلف شكلها كثيرا عن حامل النذور الا انها ترتدي ملابس طويلة وشعرها طويل كذلك. نستطيع ان نفهم بان ((عينانا)) لم تكن تختلف عن الانسان الاعتيادي وقد منحت شكلا انسانيا بحتا، ولكن رموز الالوهية تحيطها وتبرز اهميتها وتجعلها مختلفة عن الكاهن او ربما المتعبد الذي يقدم لها سلة من الفاكهة . 2 - إذ أن هناك عدداً كبيراً جداً من تلك الكائنات الشريرة الظلامية و التي تتبوأ مكانة كبيرة في عالمها الظلامي و لها قدرة غير إعتيادية على فعل الشر و ذلك واضح من خلال أسماء العديد منها في تلك الأديان مثلما نرى في المندائية : أطرفان (يضرب بقوة , يؤذي) (10) , أماميت (معتم مظلم) (11) , كرفيون (الملتهم) (12) , نمروس (الماردة , الساحقة , الهارسة)(13), أور(قائد جيوش الظلام , المارد , التنين) (14) و غيرها من الكائنات الشريرة , إلا أن الشخصية الرئيسية التي تلفت الإنتباه من بين تلك الكائنات هي الروهة (روح الشر) (16) و التي هي أم الشيطان و الكواكب السبعة و العلامات الزودياكية (البروج الإثني عشر) (17) و أم كل الكائنات الشيطانية في مملكة الكون , إن هذه المكانة الكبيرة للروهة تتعاظم لدينا إذاما علمنا أن ولادة ملك الظلام كانت من قبل الروهة (19) و كذلك سيد الظلام (أور) هو إبن لها و يسمى كاف–قن–كرون (20). إن تعدد الكائنات الشريرة و صعوبة تحديد من يقف على قمة عالم الشر نراها كذلك في ديانة مابين النهرين حيث تقسم الشياطين إلى ثلاثة أنواع و ذلك حسب الأصول التي تنحدر منها , فالصنف الأول هو (ذرية الإله العظيم آنو) و يقصد بهم المنحدرين من اصل سماوي , و الصنف الثاني من أصل بشري و هم أشباح الموتى , أما الصنف الثالث فينحدرون في أصلهم من العالم الأسفل و كانوا حشداً غفيراً من مختلف الانواع ولهم القدرة على إلحاق الأذى بأرواح الموتى الموجودة في العالم الأسفل و بكل المخلوقات على الأرض .
   عبد الرزاق شمخي
     الدنمارك
 الهوامش :
  10. عبد المجيد السعدون – اسماء الأعلام المندائية في كنزا ربا – اطروحة ماجستير – 1997-بغداد –ص64
11. المصدر السابق – ص66
12. المصدر السابق – ص82
13. المصدر السابق – ص89
14. المصدر السابق – ص38
15. المصدر السابق – ص47
16. المصدر السابق – ص105
17. س.كوندوز – معرفة الحياة – ترجمة سعدي السعدي – السويد – 1966 ص 280
18. المصدر السابق – ص286
19. كورت رودولف _ النشوء و الخلق في النصوص المندائية – ترجمة د. صبيح مدلول – بغداد – 1994 – ص69 .
20 - المصدر السابق – ص69